السلام عليكم ورحمة الله وبركاته[1]د / ياسر بكارخلقنا الله - عزَّ وجلَّ - في هذه الدنيا لنقضيَ فيها وقتاً محدوداً، نسعى خلاله نحو تحقيق منهجالله في الأرض وعمارتها.لكن نظرة عابرة على حياتنا وحياة الناس من حولنا تكفي لترى ما يسودُها منضياع وتشتُّت وفوضى، لقد حان الوقت لأن نقف لحظةً، ونخطو خطوةً إلى الوراء، ونتفحَّص حياتنا,ونحاول إعادة ترتيبها من جديد.إذا امتلكت الحماسة الكافية لفعل ذلك؛ فما رأيك أن نناقش معاًأهم الخطوات الأساسيَّة في هذه الرحلة؟ما هي أولويَّاتك؟من الخطوات الأساسيَّة والمهمَّة التي يجب أن تبدأ بها إعادة ترتيب حياتك: أن تحدِّد أولويَّاتك؛ما الشيء المهم بالنسبة لك؟ ما الذي تؤمن به؟ ما الذي تعتقد أنه يستحق البذل والتضحية؟عندما تُطرح هذه الأسئلة على كثير من الناس, تجدهم يندفعون بالإجابة: الدين, المبادئ, الأسرة... لكنمسار حياتهم وأفعالهم لا تدلُّ على ذلك أبداً! هل تريد أن تعرف ما هو مهم في حياتك؟ وما الذي يستحقالتضحية في نظرك أنت؟ انظر كيف تقضي وقتك كلَّ يوم، كيف تقدم عملاً على آخر ضمن جدول أعمالك،كيف تختار ما هو مهم وما هو أكثر أهمية.إن إجابتك عن هذه الأسئلة هو المحدِّد الحقيقي لقيمك ولأولويَّاتك،وللأسف؛ كثيراً ما نُصدم عندما نكتشف الفرق الشاسع بين ما نعتقد أنه (أولويَّة)،وبين ما يخبرنا به واقعنا الحقيقي!!.خطوة عملية:خذ ورقة وقلماً، ورتِّب القيم التالية حسب أهميتها وأولويَّتها في نظرك: العبادة, العمل,الاستقامة الشخصية, العائلة (الوالدان والزوجة والأطفال), الصحة. قم بترتيب هذه القيمحسب أهميتها في نظرك.لاحظ الفرق ? مثلاً - بين مَنْ يضع الاستقامة الشخصية فوق العمل،وبين من يضع العمل فوق الاستقامة؛ سيغيِّر هذا الترتيب مسار حياتهما بالكامل!فالأول مستعد للتضحية بالعمل في سبيل الاستقامة الشخصية, في حينيضحِّي الآخر بالاستقامة من أجل العمل!!بعد الانتهاء من ترتيب القيم السابقة, تيقَّن أنك تُمضي وقتك بطريقة تلائم ترتيب أولويَّاتك،ستكتشف - في الأغلب - بأنك بحاجة إلى إعادة التخطيط ليومك من جديد.حدِّد أهدافك:حدِّد ما الذي تودُّ إنجازه؟ ما الذي تودُّ الحصول عليه؟ تخيَّل أنك تكتب قصة حياتك بعد عشرين سنة؟أو ثلاثين سنة؟ ماذا ستروي فيها؟ جرِّب أن تكتب ما تودُّ أن يقوله أصدقاؤك وأفراد عائلتك عنكيوم وفاتك، بعد عمر مديد. ترى ماذا تريدهم أن يقولوا عنك؟!.تقوم فكرة وضع الأهداف على مبدأ أن الأشياء تُصنع مرتين:الأولى: في أذهاننا؛ عبر تكوين صورة واضحة التفاصيل لكل ما نودُّ الوصول إليه,وأيّ صورة ستأخذها حياتنا بعد سنة، أو خمس، أو عشر سنوات.والثانية: على أرض الواقع؛ عبر العمل الجاد الموجَّه.. تماماً كما يفعل المهندس المعماريالذي يضع مخطَّطاًً كاملاً للبيت الذي يريد بناءه قبل أن يثبِّت فيه مسماراً واحداً.أكتبُ هذه الكلمات وأنا أستحضر في ذهني أشخاصاً كُثراً لا ينقصهم الذكاء أو الحماسةأو العمل الجاد, ولكنهم مشتَّتون تائهون لعدم وضوح أهدافهم.قاعدة (80/20):من الملاحظات الرائعة التي ستغير حياتك هي ما تعارف عليه الكُتَّاب بقاعدة (80/20)..إذ لاحظوا أن 80% من أهدافنا وقيمنا تتحقق بواسطة 20% من أعمالنا كل يوم،وسيكون في غاية الأهمية أن تحدد هذه الأعمال والنشاطات.ابدأ من اليوم، وقبل أيِّ عمل, اسأل نفسك: هل يقع هذا العمل ضمن الـ(20%) من الأعمالذات القيمة الكبرى؟ ستجد بطريقة مدهشة أنك استبعدت عشرات النشاطات التي كانتتشغل وقتك وتفكيرك دون مردودٍ مُجْدٍ.قاعدة (الخطوة المحدِّدة نحو الهدف):في الطريق نحو الوصول إلى أي هدف لاحظَ المتخصصون أن هناك أعمالاً يكون إنجازها أمراًفي غاية الأهمية؛ بل محدِّداً وفارقاً بين مَنْ ينجح في أدائها وبين مَنْ لا ينجح, وبين مَنْ يقوم بهاومَنْ لا يقوم بها، مثل هذه الأعمال أو (الخطوات المحددة) ستنقلك من مستوى إلى مستوى آخرمتقدِّم في طريقك نحو هدفك.دعني أضرب لك مثالاً: إن كنت تطمح أن تصبح باحثاً في جامعة مرموقة، فالخطوة المحدِّدة هنا هيالحصول على شهادة علمية تقبلها الجامعة لمنحك وظيفة فيها، ولن يكون هناك أي وسيلة أخرىللحصول على هذه الوظيفة بدون تلك الشهادة العلمية, وهنا أصبحت كل خطوة تقودك للحصولعلى الشهادة العلمية هي من الخطوات المحدِّدة، وهذا يعني أن التركيز العقلي يجب أن يُصرفيوماً بعد يوم، وساعةً بعد ساعة، في هذا الاتجاه.التَّسويف الإيجابي:كي ترتب حياتك: هناك العديد من الأعمال والنشاطات التي تحتاج إلى تأجيلها والتَّسويف في إنجازها.كيف تعرف أن هذه الأعمالَ تحتاج إلى تأجيل أم لا؟ اسأل نفسك: هل لهذا العمل أثر مهم على المدىالطويل إن أُنجز أو لم ينجز؟ إن قضاء الأوقات في العبادة، ومع العائلة، وفي تنمية الذات، تترك أثراًعميقاً طويل المدى في حياتنا, في حين يَترك قضاء الأوقات مع الأصدقاء إلى ساعة متأخرة في الليل,والتسكُّع في الأسواق, ومشاهدة التلفاز, والانخراط في مشاريع لا تصبّ في هدفك الأساسي يترككلُّ هذا أثراً ضئيلاً على المدى الطويل؛ ولذا يجب أن تسعى إلى تأجيلها والتَّسويف فيها قدر الإمكان.مع إشراقة كل يوم جديد، سيكون لدينا فرصة رائعة؛ لأن نعيد ترتيب حياتنا من جديد..فرصة للتخلص من أعباء الفوضى، التي تذهب بأوقاتنا وجهودنا دون طائل.تحدثتُ في المقالة الماضية عن خطوات أساسية في هذا الجانب وهي: ترتيب الأولويات,تحديد الأهداف, معرفة الأعمال ذات القيمة الكبرى, تحديد الخطوة المحددة نحو الهدف,التسويف الإيجابي، وهناك مجموعة أخرى من الخطوات المهمة، سنستعرضها في هذه المقالة.حدد نِقاط قوتك:لكل منا نقاط قوته ومناطقُ للتميز لديه.. كيف تتعرفها؟سل نفسك: ما الشيء الذي أقوم به بطريقة مميزة وأتفوق به على بقية أقراني وزملائي؟ما الشيء الذي أشعر بالارتياح والهدوء عند إنجازه؛ حيث يمر عليَّ الوقت دون أن أشعربه وأنا أزاول هذا العمل؟ عندما تحدد هذا العمل فأنت في الأغلب تتحدث عن إحدى نِقاط قوتك،الأمر ليس بهذه السهولة, بل يحتاج منك إلى الكثير من التأمل والمراجعة.تأتي الخطوة التالية بأن تقوم بالتركيز على نقاط قوتك, وبناء حياتك العلمية والعملية عليها,وصرف وقتك - ذي القيمة الكبرى - كل يوم في أنشطة تنمِّي جوانب القوة لديك.عندما كنا طلاباً كنا نسمع كثيراً هذه العبارة: "الحمد لله أنا جيد في مادة الرياضيات؛ ولذافلن أدرسها, بل سأركز على مادة الكيمياء التي لا أحبُّها ولا أتقنها..!"، قد يكون هذاالموقف مقبولاً في مرحلة الإعداد العلمي المبكر, لكنه - بلا شك - يجب ألا يستمرَّ بقية حياتنا,فلو كنتُ مميزاً في (الرياضيات) فسأُلزم نفسي بها طَوال حياتي, وسأهرب من (الكيمياء)المادة التي لا أحبُّها ولا أتقنها، وهذا ينطبق على جوانبَ كثيرة؛ كمهارات البيع والقيادةوالتحليل والشعر والخطابة وغيرها كثير.إدارة الوقت:إن الصفة الفارقة بين الناجحين وغيرهم هو طريقتهم في التعامل مع الوقت؛ فالوقتهو أغلى ما نملك، ولكننا للأسف نديره بأسوأ طريقة ممكنة!! هناك العديد من الطرقالتي طرحها العلماء لإدارة الوقت، لكني أجد أن الفكرة الأساسية التي يجب أن يستندعليها تعاملنا مع الوقت، هي ما شرحها الكاتب المميز (ستيفن كوفي),إذ ينصح بتقسيم النشاطات إلى أربعة أقسام:مهم وعاجل:"أخذ طفلي المريض إلى المستشفى, كتابة تقرير يخص اجتماع الغد مهم وغير عاجل:"تقوية العلاقة مع زوجتي, بناء علاقات إيجابية مع العملاء ،القرأة في موضوع متخصص ، ممارسة الرياضة ، حضور دوارت تطوير ذاتيغير مهم وعاجل:"زيارات في أماكن العمل, مكالمات هاتفية ، متابعة نشرات الأخبار غير مهم وغير عاجل:"قضاء وقت طويل في مشاهدة التلفاز،التسكع في الأسواق ،انشطة غير مجدية ، أفراد يضيعون وقتكتأمل الجدول السابق، وحدد كيف صرفت وقتك يوم أمس.إن أفضل الأعمال وأكثرها أثراً في حياتك هي تلك الأعمال التي تقع في المربع (2)،أي الأعمال الهامة وغير المستعجلة.. فاحرص على أن تصرف فيها معظم وقتك الثمين.حدد (غير الأولويات)!كما أن ترتيب الأولويات هو أمر أساسي في إعادة ترتيب حياتك، فإن تحديد(غير الأولويات) أمر مهم أيضاً, وهي الأنشطة التي يمكن (بل يجب أحياناً) أن تقلععن ممارستها؛ لما تستهلكه من جهد ووقت دون أن تدفعك نحو أهدافك وما تسعى إليه،إن المتميزين من الناس يتقنون التفريق بين النشاطات التي يجب أن يقوموا بها, والنشاطاتالتي يجب أن يحبسوا أنفسهم عنها مهما كانت مغرية.فوِّض:(سالم) مهندس بارع.. لديه مهارة خاصة في ابتكار المشاريع، وإتقان حساباتها،عندما تنظر إلى إنجازات (سالم) بعد عشرين سنة من عمله في هذه المهنة، ستُفاجأ بأنهاقليلة لا تتناسب مع مهاراته وقدراته؛ أين المشكلة؟ كان (سالم) شديد الحرص على مسارالعمل في المشروع الذي يتولاه, ويعتقد - سراً - أن العمل الذي لا يؤديه بنفسه أو تحتإشرافه المباشر هو عمل مشكوك فيه لا يُنجز بطريقة صحيحة. كانت مشكلة (سالم)في عدم قدرته على التفويض.. أي عدم قدرته على إسناد أجزاء من العمل إلى **ادرخارجية للقيام به, على الرغم من أن غيره قد يكون أقدرَ وأسرع في إنجازها. ومع قليلمن التأمل, وجدت أن هذه المشكلة كانت وراء قصور العديد من المميزين عن تحقيقالمزيد من الإنجازات.عندما تبدأ بترتيب حياتك, حدد بالضبط الأعمال والنشاطات التي تقع ضمن دائرة قوتك ومهارتك(كما شرحت سابقاً)، وأما ما عداها فيجب أن تسنده إلى شخص آخر ليقوم به؛ ستوفر لك هذهالخطوة المزيد من الوقت والجهد الذي يمكنك أن تصرفه نحو المزيد من الإنجاز والاستمتاع.أين تقع (عقدة التحكم) لديك؟يشير العلماء بـ (عقدة التحكم Locus Of Control) إلى الطريقة التي تنظر بهانحو القوى والمسببات التي تسيِّر الأحداث من حولك، فلو كانت عقدة التحكم لديك داخلية،فهذا يعني أنك تشعر بالقدرة على التحكم في الأحداث، ومسارها و**يرها، ونتائجها في المستقبل،ومن ثم الأمل في تغييرها، أما الصنف الثاني من الناس، فهو الذي ينظر إلى (عقدة التحكم) لديهعلى أنها خارجية؛ ولذا يميل إلى النظر إلى القوى الخارجية (أي الخارجة عن تأثيره)على أنها صاحبة اليد العليا في حياته، وما له إلا انتظار ضربة حظ تنتشله مما هو فيه من يأس وقنوط!!إن إعادة النظر في عقدة التحكم لديك هي خطوة محددة وأساسية، نحو إعادة ترتيب حياتك والانطلاق من جديد.ما هو وقتك الذهبي؟لكل منَّا وقته الذهبي الخاص خلال اليوم، أي الوقت الذي يتقد فيه عقله ويشتعل فيه نشاطهنحو العمل المركَّز وذي القيمة الكبرى، يختلف هذا الوقت بين الناس, فقد يكون لدى البعضفي ساعات الليل المتأخرة, أو في ساعات الصباح المبكرة، أو غير ذلك، إن قضاء ساعتينمن العمل المركَّز في هذا الوقت، قد يعادل عمل ساعات طويلة في أوقات الانشغال بالأهل والموظفين.خاتمة:إن الفرق بين المميزين وغيرهم، هو في قدرتهم كل يوم على مراجعة مسار حياتهم،وتنظيم طريقة تفاعلهم معها, تماماً كما يفعل القبطان الذي يوجه سفينته نحو وجهتهافي بحر متلاطم الأمواج من خلال التغلُّب على آلاف المرات من انحرافها عنمسارها في عملية لا تنتهي من التعديل والتصحيح.