![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
بحثا عن تاليران .. عن ميترنيخ العربي
نبيه البرجي اتصل بي مفكر خليجي، وقال ان عنوان مقالتي امس «متى يخرج العربي من عباءة الاعرابي؟» هزه في العمق، واستعاد بعض التعابير التي وردت في مقالات سابقة، ومنها «عبقرية الغباء» قبل ان يحط رحاله عند ذلك القول المثير لناظم حكمت» يا الهي? الى اين يمضي هذا القارب الذي بمائة سارية؟». اضاف «خطر على بالي ان اكتب اننا عقدنا قراننا على الهاوية»، ثم سأل «ما هي حال الناس عندما يكون هناك زلزال او حريق تحت اقدامهم ولا يشعرون؟»، ملاحظا كيف ان كتابنا ومفكرينا انغمسوا في تلك اللعبة القبلية التي تنتفي فيها الرؤية ( والرؤيا)، ليقول «يا صاحبي انها الثقافة العرجاء، ان شئت الثقافة العمياء». المفكر سأل ما اذا كان الخلاص من هذه المراوحة العدمية يستلزم رجلا مثل نابليون بونابرت او مثل ادولف هتلر. الحاجة الى رجل يقرع الطبول لكي تستيقظ تماثيل الشمع. هو استخدم تعبير « تماثيل الطين»، فالحدود في كل دولة عربية مشرعة على كل الاحتمالات لا بل ان الداخل في كل دولة عربية مشرع على كل الاحتمالات.. تحدث عن العلاقات الضائعة بل والمحطمة بين دول مجلس التعاون الخليجي، وعن السقوط الكامل لجامعة الدول العربية التي لن تجد حتى من يواريها الثرى، ليلاحظ ان الفوضى الايديولوجية تبدو وكأنها تدفع المنطقة نحو ابرام صفقة ما مع جهنم. قال انه يرفع الصوت من اجل قطع الطريق على هذه الصفقة? اكثر من ان نكون نعاني من ازمة سياسيين، نعاني من ازمة كتاب ومفكرين اندمجوا في ذلك السياق الفوضوي او على الاقل العبثي. انضووا تحت العباءات واطلقوا العنان للتنظير والتحليل. قدم في القرون الوسطى وقدم في القرن الحادي والعشرين، وعليكم تصور المشهد، من دون ان نستذكر ذلك المخلوق العجيب الذي يأكل نصفه النصف الآخر والذي ابتدعه ادغار آلان بو? تعالوا نصوغ تسوية بين مفهوم القبيلة ومفهوم الدولة ما دام من المستحيل، وفي ظل ذلك التواطؤ بين الايديولوجيا والسلطة، اطلاق ديناميكية ثورية باتجاه التحديث واعادة هيكلة المجتمعات وفق معايير فلسفية واستراتيجية خلاقة على غرار ما حدث لدى امم اخرى او لدى دول اخرى? على الاقل نعيد ترتيب العلاقات العربية ـ العربية لعل ذلك يساعد على اقامة نظام امني عربي يحمي المنطقة إما من الوصاية الاقليمية او من الوصاية الدولية التي هي بمثابة احتلال للوعي، وربما للاوعي، في العالم العربي. البعض تحدث عن مؤتمر فيينا في عام 1815 اي بعد غروب الحقبة البونابرتية التي بعثرت العلاقات بين دول القارة العجوز على نحو دراماتيكي. كتب برتراند راسل عن ذلك المؤتمر وقال انه كان محاولة فذة لوقف ثقافة اللهاث وثقافة الضجيج وثقافة الموت. ولكن كان هناك رجلان، لاعبان، هائلان داخل المؤتمر هما ميترنيخ وتاليران. من هو ميترنيخ العربي ومن هو تاليران العربي الآن؟ الفيلسوف اليهودي الفرنسي آلان فينكيلكروت سخر منا، وقد فجر كراهيته اخيرا ضد العرب، حين قال اننا نلعب مع التاريخ بالطريقة نفسها التي نؤدي بها رقصة الدراويش. ثمة مجتمعات ودول تتلاشى، وبالرغم من كل الظلال التوراتية في كتاباته وتوظيفه اللاهوت في التنظير السياسي والفلسفي، فهو يستخدم، ذلك التعبير الشديد الفظاظة في وصف احوالنا «لاهوت الابل»، فيما لدى الآخرين لاهوت المداخن او لاهوت الآلهة? فينكيلكروت يلاحظ كيف تضمحل الدولة في سوريا. يلاحظ اكثر منا، ويعتبر ان ما يجري هناك هو انعكاس لعاهة بنيوية وتاريخية تعاني منها المنطقة التي يستغرب كيف انها تدور(وبرقصة الدراويش) حول اللا معنى، مغفلا ما كتبه البرت اينشتاين عن مشاهداته في عام 1923 حين زار حائط المبكى والتقى اولئك المتدينين، بالقلنسوات واللحى إياها، وهم يؤدون تلك الحركات الغرائبية امام الحائط? الفيلسوف الفرنسي الذي كاد يدعو الى اجتثاث العرب من فرنسا تساءل ما اذا كان الجيش الاسرائيلي وحده هو الكفيل بوقف هيستيريا الدم في سوريا، باعتبار ان تل ابيب معنية بالحد من الفوضى هناك والتي لا بد ان تستشري في بلدان اخرى ما قد يهدد باضمحلال المنطقة بأسرها، ومكررا اكثر من مرة ان اسرائيل ليست تركيا وليست ايران، والدولتان تتنافسان لاستعادة تلك اللحظات التاريخية وبالتالي ابتلاع المنطقة بعد تحويلها الى اشلاء. اسرائيل بريئة من كل هذا? مثير تشخيص فينكليلكروت للحدث السوري، وان كان الغريب طريقة رؤيته للخلاص. ولكن الم يحذر برنارد-هنري ليفي الذي يرى في اسرائيل «الفردوس الالهي» من ترك الجيش السوري يتحرك بكل تلك الحرية في منطقة جبال القلمون وحول قلعة الحصن غرب ح**، ليتكلم عن ذلك الجيش على انه قوة احتلال لا قوة تتولى تحرير ارض اغتصبها اولئك الذين ترعرعوا في قاع الايديولوجيات كما في قاع الازمنة. يفترض بحكومة نتنياهو ان تتدخل لان من شأن استيلاء الجيش السوري على ذلك القوس الاستراتيجي ا***اس تمكينه من العودة الى التأثير المباشر، والصاخب، على العملية السياسية في لبنان، فهل ان ليفي ضنين بلبنان وبأهل لبنان، وهو الذي يصفه صحافيون فرنسيون في الجلسات الخاصة بالثعبان المجنح الذي حيثما حل يحمل معه الموت والخواء? حين يكتب فلاسفة يهود هكذا عن اضمحلال سوريا، واضمحلال المنطقة، فيما العلاقات العربية- العربية تتقهقر بايقاع كارثي، ألا يوجد هناك من يقول كفى جثثا ما دامت كل الطرق الى الحرية والعدالة والديمقراطية مقفلة او خادعة او تستقر في نهاية المطاف داخل سراويل الجنرالات او القناصل؟.. مؤتمر فيينا عربي. لمَ لا؟ المشكلة انه لا تاليران ولا ميترنيخ هناك. هذه القاعة ( المنطقة) مخصصة إما للضحايا او للاغبياء!! الديار |
|
|