المنامة في 24 يناير / بنا / اختتمت مساء يوم أمس الاثنين فعاليات مؤتمر العلامة المدني الثاني الذي أقيم برعاية من سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وحمل عنوان (توظيف الدين في الصراعات السياسية).
واعتبر البيان الختامي للمؤتمر أن البحوث المعروضة في المؤتمر قدمت "تأصيلاً نظريًّا وفلسفيًّا لما ينبغي أن يكون عليه الخطاب الديني في توافقه وانسجامه مع المنطلقات التي يفترض أنه يصدر عنها، وهي القيم الدينية التي يتبناها الدين ويدعو إليها (...) وقدمت نماذج واقعية للانحرافات أو الاختلافات التي تناقض هذه المنطلقات التي ينادي بها أصحابها مما يثبت أن ثمة مخالفات اشتمل عليها هذا الخطاب، وكان الدافع وراء هذه المخالفات هو السعي للتوافق مع الواقع السياسي والاجتماعي القائم، أو لأجل تحقيق أغراض سياسية واجتماعية وربما اقتصادية وراء كل ذلك". وشدد البيان الذي قدمه الدكتور ناصر المبارك على أن "الأساس الذي يجب أن تنطلق منه محاكمة الخطاب هو مدى انسجامه وتوافقه وتمثله بالقيم العليا للدين وعدم الخروج عليها أو التناقض معها"، داعيًا إلى تحكيم "المنهج الأبستمولوجي القائم على دراسة الأصول الفكرية والمعرفية للخطاب الذي يكشف عن حقيقة الأصول المعرفية والأيديولوجية التي ينطلق منها الخطاب ويكشف عن مدى الانسجام بين هذا الخطاب وبين ما يدعي أنه ينطلق منه من المبادئ والقيم والأصول المعرفية". مؤكدًا أن "الانحرافات التي يمكن أن تقع في الخطاب يمكن رصدها من خلال القراءة الواعية لمضمونه وتطبيق المعايير الدقيقة لفحصه". وأشار البيان الختامي إلى أن "أصحاب الأغراض الساعين إلى تحقيقها يذللون الصعاب التي تعترضهم بما في ذلك تحريف القيم، والعبث بالعقائد والشرائع والأخلاق، وإخفاء الحقائق، والكذب، والابتداع". ونبه إلى ضرورة توافق الأولويات التي يشتمل عليها الخطاب مع الأولويات التي وضعها الدين، وعدم الترخيص في عزائم الله أو التوهين من المعاصي أو التسامح فيها، وعدم فرض أمور لم يفرضها الله سبحانه وجعلها دينًا يدان، والنظر في التوصيفات التي يطلقها الخطاب في تقسيم العالم وتصنيف الناس وتوصيف القيم، وما تصطفيه كل حركة أو ثورة أو ح** من القيم. ولفت إلى أن منطلقات الانحراف في الطريق والخطاب تبدأ من اتباع الأهواء والرغبات والأطماع، بابتداع الأحكام والمخالفات الشرعية والتحريفات للقيم والدين، ويكون المحور فيها تصنيم الرجال وتضخيمهم وموالاتهم على غير دين الله. وحذر البيان من أن الانحرافات "تبدأ بأحلام وردية وأمور صغيرة قد لا يستوحش منها المتدين أو إذا استوحش منها فإن الخطاب السياسي تكون مهمته إزالة تلك الوحشة ليدخل الانحراف بالتدريج ثم يجد نفسه غارقًا في فتنة لا يمكنه الخلاص منها". واعتبر البيان الختامي للمؤتمر أنَّ "هذه الإشكاليات التي طرحت في هذا الملتقى ما هي إلا رأس جبل الجليد الذي يختفي معظمه عن الأنظار"، مشيرًا إلى أنَّ "هذا الملتقى كان محاولة للانطلاق في دراسة هذا الموضوع"، داعيًا إلى أن تتبعه خطوات أخرى. وشهدت فعاليات اليوم الأخير من مؤتمر العلامة المدني الثاني عرض ورقتين علميتين؛ الأولى بعنوان (الأحزاب السياسية الإسلامية وتحريف المبادئ والمفاهيم) لفضيلة الشيخ عبدالناصر بن محمد الصديقي، والثانية بعنوان (توظيف مبادئ العقيدة الإسلامية في الصراع السياسي) لسماحة الشيخ الدكتور عيسى بن عبدالحميد الخاقاني. وفي الورقة الأولى، دعا فضيلة الشيخ عبدالناصر الصديقي الحركات الإسلامية إلى إعمال النقد الذاتي وإتاحة الفرصة للباحثين بتقييم تجربتها، مؤكدًا أن الوعي يجب أن يتشكل من خلال تصحيح الخطأ وليس كشف الخطأ ومعرفته فقط. ووصف الشيخ الصديقي في بحثه الحركات الإسلامية بأنها في "حركات اجتماعية وسياسية في مجتمعات إسلامية"، ساعدها على الانتشار "طبيعة الدين الإسلامي ذاتها التي تفرض على المؤمن الحق أن يُبادر إلى تطبيق تعاليم الإسلام". وتطرق الصديقي إلى الانحراف الفكري ومخالفته لعقيدة المجتمع وخروجه عن الوسطية والاعتدال والعيش في عزلة اجتماعية، مُرجعًا أسباب ذلك إلى الغلو، والتطرف، والجهل، والتعصب، وطبيعة الخطاب الديني، والخلل في علاقة الطاعة بالحرية، وسوء التنشئة، والأسباب النفسية والذاتية، ووسائل الإعلام. وحذر من مخاطر ذلك الانحراف، ومن انتشار التكفير والإرهاب والفتن والتضليل والتغرير بالنشء وسيادة العنف وشيوع الجريمة وإثارة الشبهات والخلط بين الانتحار والاستشهاد والإفتاء بغير علم شرعي، وتشجيع الخلافات الفكرية والمذهبية. واختتم الشيخ عبدالناصر الصديقي ورقته بالدعوة إلى رعاية الشباب واحتوائهم، مؤكدًا أن هذه المسؤولية يشترك فيها الحكام والعلماء والمفكرون المؤهلون. وفي الورقة الثانية، استهل سماحة الشيخ الدكتور عيسى الخاقاني مشاركته في المؤتمر باستذكار مناقب العلامة الشيخ سليمان المدني رحمه الله، وما كان يربطه به من علاقة قوية، واصفًا إياه بأنه "كان من صغره يحب العلم حبًّا جمًّا، ويلتهم مباني المعرفة ومعانيها لهمًا لمًّا، حتى طوى مراحل دراسته الدينية بسرعة فائقة، وكان في تحليقه في سماء الفضل لافتًا لأنظار أرباب الفضيلة في النجف الأشرف". ولفت الشيخ الخاقاني إلى أنَّ "الأحداث التي مرت على البحرين دللت على تبريز شخصه العزيز، حيث سما في سماء الجهاد متوجًا بإكليل النضال لنصرة الحق، وإعلاء كلمة الحق، والذب عن الحياض، وعن كرامة الوطن والمواطنين". ثم استعرض الخاقاني بحثه المقدم إلى المؤتمر وما احتوى عليه من فصول؛ منها مفهوما الحكومة والسياسة، وظهور الحكم في الإسلام، وأوصاف الحاكم، والصراع السياسي، مؤكدًا أنَّ "شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم، عامة شاملة ترعى **الح البشرية، وتدفع الظلم عن البرية، وهي قانون كامل ما ترك شاردة ولا واردة إلا ووضع إزاءها حكمًا متوجًا بالعدل، مزدانًا بالإحسان، ويعنى بإيصال الحق إلى أهله، صالح لكل زمان ومكان طبقًا لنظام الثابت والمتغير". ولفت إلى ان السياسي القدير يبرز في مقابلته للمشكلات التي تواجهه بالحنكة والحزم. مؤكدًا أن "شخصية السياسي الماهر تعكس في سياسته ال**الح الأساسية لأفراد الأمة والعلاقات بين الأطياف"، مشيرًا إلى أنَّ في العهد الذي وضعه أمير المؤمنين علي (ع) لمالك الأشتر واليه على **ر ما يستغني به كل مسؤول في الدولة. وأضاف: "واقع الحال الحاكم في المجتمعات يقضي بأن هناك حالة من التنازع والصراع المستمر بين الفئات البشرية هدفها رعاية المنافع وتعظيمها في الأنظار"، متسائلاً عما إذا كان يصح توظيف مبادئ العقيدة الإسلامية في الصراع السياسي. وفي معرض إجابته عن السؤال، اعتبر الخاقاني عدم إمكانية تحقيق ذلك في ظل إبعاد كل مفهوم إسلامي عن ساحة الصراع السياسي، وعدم انسجام مفاهيم الإسلام مع الفلسفات التي تنطلق منها السياسات العالمية. ولفت إلى "أن كل دولة من الدول الكبرى قد اتخذت لسياستها نهجًا فلسفيًّا له جذوره الممتدة في أعماق جسد التاريخ. فالبلاد الاشتراكية والشيوعية قد تبنت "المادية الدياليكتيكية"، والولايات الأمريكية قد انضمت إلى الفلسفة "البرجماتية"، وفرنسا وبريطانيا إلى الفلسفة "العلمانية"، والطليان اتبعوا "الميكيافيلية" وهكذا"، متسائلاً: "أين هذه الفلسفات من روح الدين الإسلامي وفلسفته في العقيدة وفي السياسة".ع عبنا 1218 جمت 24/01/2017