من معاني العبادة - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-15-2016, 08:11 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من معاني العبادة

من معاني العبادة
مما حصل به القدر الفارق بين الرب الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق المربوب ، ما كان من غنى الأول فلا يفتقر إلى سبب ، وفقر الْخَلْقِ الذي يحملهم على الجحود والكفر بالحق إن خالف أهوائهم واستلب ما استلب من حظوظهم ، فإن أكثر الناس لا يؤمنون وإن يروا كل آية إذ غلب التقليد للرءوس وتعاظمت حظوظ النفوس فأبت أن تنقاد لحكم المعبود ، جل وعلا ، فلا يكون شرك إلا وفيه حظ من التقليد والتعصب واطأ شهوة في النفس فحصل العارض المركب من شبهة التقليد وشهوة النفس ، فـ : (مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، وأغلب الرءوس لا حظ لهم في ظهور الحق إذ يسلبهم ما اكتسبوا من المغانم والمطاعم ، فَلَهُمْ من حظوة السلطان وجاه الرياسة وَتَرَفِ الثروة ما به يَتَبَجَّحُونَ ، وهو أمر لا يُفَرِّطُ فِيهِ صَاحِبُهُ فحد السيف دونه ! ، فإن من اعتاد الترف لا يكاد يفارقه إلا إذا فارقت روحه بدنه ، فَلَا يُطِيقُ أصحاب الحظوظ بما جبلت عليه النفوس من الشح ، لا يطيقون مفارقة ما اعتادوا من الحظوة والنعمة إذ لم يكن لهم حظ من امتثال الأمر أن : "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" ، على كلام في إسناد الأثر ولفظه ، فَيُرْوَى عن عمر ، رضي الله عنه ، بألفاظ منها : "اخشَوشِنوا وَتمعْددوا، وانزوا على الخيل نزوًا، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة" ، على إسناد فيه نظر ، أيضا ، فذلك من الأمر الذي حُدَّ حَدَّ الإطناب في المبنى مئنة من إطناب آخر يضاهيه في المعنى ، ولا تخلو الصيغة من معنى التكلف إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، فيتكلف الناظر معنى الخشونة ، إذ هي مظنة التصبر وَالْمِرَانِ على التحمل ، فإذا فارقت النعمة لم تجزع النفس لفواتها ولم تحرص عليها حرص الشح والأثرة وذلك ما يواطئ فطرة التكوين الأولى إذ جبلت النفس على الفقر ، فحاجتها إلى الأسباب لا تنقطع فلا يزال تَفْتَقِرُ إلى سبب يحفظ الحياة ، ولو نفسا يَتَرَدَّدُ في الصدر ، فَإِذْ كَانَتْ النَّفْسُ تَفْتَقِرُ إلى الأسباب فإنها لا بد تَتَنَازَعُهَا بل وَتَسْتَجِيزُ لأجلها من القتل والسفك ما تستجيز ! ، لا سيما إن غابت قيم الوحي وسادت قيم الوضع فوحدها قيم الوحي هي التي تحسم هذه المادة فتهذب الشهوة على وجه يحقق مقاصد الشرعة ولا يجافي قانون الفطرة *** يكن الوحي لِيُمِيتَ في النفس حظها من الأسباب فإنها لا قيام لها إلا بقدر من الأسباب يحفظ المهج أن تمرض وتهلك ويحفظ النوع أن يَفْنَى وَيَبِيدَ ، وَإِنَّمَا كان الوحي لِيُرْشِدَ الإنسان إلى طريق مشروعة بِهَا يشبع الغريزة على وجه يوافق أحكام الشريعة ويحقق مقاصدها ، كما تقدم ، فالشريعة ، كما يقول بعض أهل العلم ، أحكام وحكم ، فثم أحكام منها ما لا يعقل معناه ، ومنها ما يعقل فمناط التعليل فيه يَنْضَبِطُ إذ أنيط الحكم بسبب أو شرط ظاهر ، فَثَمَّ سبب يدرك با*** الظاهر ، وهو يصلح مناط سبب ولا يصلح مناط علة ، فإن السبب منه ما يعقل معناه ، ومنه ما لا يعقل ، فَزَوَالُ الشمس سبب في إيجاب الظهر ، وهو مما يدرك با*** ، ولكن وجه التأثير فيه لا يظهر فلا يصلح مناط تعليل ، فلا يظهر وجه التأثير فضلا أنه مما لا يتعدى إلى غيره ليصلح مناط قياس ، وثم سبب آخر يُؤَثِّرُ في حصول المسبَّب على وجه يَسْتَبِينُ لِلنَّاظِرِ فهو يدرك با*** الظاهر ، ووجه التَّأْثِيرِ فيه يظهر كالسفر والمرض فهو مما يجيز الترخص فطرا في رمضان ، وَقَصْرًا للصلاة في السفر ، وَجَمْعًا لَهَا في الحضر في حق المريض ، وذلك مما لا يَتَعَدَّى إلى غيره ، إلا في مواضع ، فثم من توسع في رخصة الجمع في الحضر فَقَاسَ على المريض أصحاب الحوائج ، وهذا قول الحنابلة رحمهم الله فهم أوسع المذاهب في هذا الباب ، فالمعنى عندهم يتعدى إلى غيره ، وثم نوع ثالث من الأسباب ، يظهر في ا*** ، ويؤثر في المحل ، وَيَتَعَدَّى إلى غيره فهو مناط القياس ، والسبب ، من وجه آخر ، منه الخفي كحصول النطفة في الرحم فذلك أمر يخفى إذ لا يطلع عليه أحد لمكان الستر حال الوقاع ، فأقيم لفظ الإيجاب والقبول الظاهر نيابة عن السبب الخفي وهو حصول النطفة ، أقيم نيابة عنه في إثبات النسب ، ومن السبب ما هو ظاهر ، كما تقدم ، فثم أحكام أنيطت بِعِلَلٍ ، وثم أحكام أنيطت بأسباب ، فالأحكام تدور مع عِلَلِهَا وأسبابها وجودا وعدما ، وثم حِكَمٌ منها ما يظهر ومنها ما يخفى فلا يدركه العقل وإن وجد آثاره في الخارج ، فإن إيجاب الظهر أربعا ، أَمْرُ توقيف في أحكام التعبد فلا يُعَلَّلُ ، وإن كان له عِلَّةٌ فِي نَفْسِ الأمر قد حُجِبَ عِلْمُهَا عن العقل ، فَلَهُ حكمة إذ التَّأَلُّهُ تَأْوِيلٌ صحيح صريح لفطرة التوحيد الناصعة فتجد النفس من آثارها خيرا يعظم وصلاحا في الحال والمآل فسعادة وانشراح وفوز ونجاة ، وإن لم يعلم عَيْنُ السببِ ، فذلك من الابتلاء أن يُسَلِّمَ العقل لِمَا جَاءَ بِهِ الَوْحَيُ على وجه لا يُلْجِئُهُ أن يُصَدِّقَ بِمُحَالٍ ، كما هي الحال في مقالات حادثة في الملل والنحل والمذاهب ، فَلَا يَخْلُ أَمْرُهَا ، إن تَدَبَّرَ الناظر ، من تَنَاقُضٍ ، وإن اجتهد مَنِ اجتهد مِنْ أربابها أن يحرر معانيها ، وإن لم يجد العقل العلة الأخص في موضع كإيجاب الظهر أربعا ، فإنه يجد الحكمة الأعم فلا تخلو العبادة من استصلاح النفس فهي غذاء نافع به تعمر الأركان والجوارح بالطاعة فلأجلها خلقت ، وإذا حصلت الغاية صلحت الآلة أن انتفع بها صاحبها فيما خلقت له ، فذلك من الحكمة التي يسلم بها كافة العقلاء ، فإن استعمال الشيء فِيمَا خُلِقَ لَهُ هو عين الحكمة التي تقضي أن يوضع الشيء في محله الذي يلائمه ، فإذا استعملت الجارحة في الطاعة حَصَلَ لَهَا من بَرَكَةِ التَّأَلُّهِ ما يَنْفَعُ فَهِيَ تَقْوَى وَتَصِحُّ فَإِنَّ للطاعة بَرَكَةً تظهر آثارها في الظاهر والباطن ، فالباطن يطمئن ، والظاهر يَقْوَى وَيَصِحُّ ، فضلا عن مقصد التشريع الرئيس أن يحقق الناسُ الغايةَ من الخلق فيعبدوا الرب ، جل وعلا ، عبادة الاختيار معرفةً لا تقتصر على صورة علمية مجردة من الخضوع والانقياد فذلك معنى آخر ذكره بعض أهل الشأن ، فما خلقهم ، جل وعلا ، إلا ليخضعوا له وَيَتَذَلَّلُوا ، وذلك أمر يَزِيدُ على محض التصديق ، فَثَمَّ زيادة في حركة القلب أن يُسَلِّمَ وَيَنْقَادَ وَيُذْعِنَ وَيُقِرَّ ، فذلك وإن دخل في حد التصديق إلا أنه قدر زائد على العلم المحض ، فالتصديق *** أعم تندرج فيه آحاد ، فَثَمَّ تصديق العلم المجرد وهو ما يكافئ مطلق المعرفة فتحصل صورة العلم في القلب مجردة من الإذعان والإقرار وهو القدر الزائد ، كما تقدم ، فلا تجزئ هذه المعرفة فهي دون التصديق فلا تجزئ في حصول إيمان ينفع خلافا لمن غلا في مقال الإرجاء فالتزم لأجل ذلك القول بإيمان إبليس إذ عَرَفَ الله ، جل وعلا ، وإن أبى واستكبر ! ، وثم تصديق يقترن بحركة تزيد لا تخرج عن حد التصور ، فَثَمَّ تصور الانقياد والطاعة فهو قدر زائد به يَتَلَقَّى القلبُ الخبرَ بالقبول إذ حصل له من دلائل الصدق والعدل ما يستحسنه كل عقل ، إلا إن فسد قياسه فاستحسن ما أجمع العقلاء على قبحه من الشرك والكفر فلا يخلوان من جحود ظاهر لنعمة المنعِم ، وذلك ما يَسْتَقْبِحُهُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ ومروءة فضلا أن يكون من أصحاب الديانة ، فالشرك صرفُ العبادة لمن لا يستحق ، وذلك ما يخالف الحكمة أن يوضع الشيء في موضعه ، فإذا عبد الإنسان من ليس له عليه نعمة ، وأبى أن يَنْقَادَ ويذعن لأمر من له عليه نعمة ، فَقَدْ بَلَغَ من الجحود ما بَلَغَ ، فالحكمة انتفت ، والمروءة قد عدمت ، فصاحب المروءة يعرف لذي الفضل فضله ، وإن أسدى إليه من المعروف ما صَغُرَ ، فكيف بمن له أعظم معروف ؟! ، إذ قَدَّرَ وخلق وأوجد وصور على أكمل هَيْئَةٍ ، وثم تصديق ثالث ، وهو تصديق اللسان أن ينطق بِمَا قام بالقلب من صورة العلم ، فمنطق اللسان يترجم عن منطق الجنان ، وثم تصديق رابع ، وهو تصديق أخص ، فالجوارح تصدق ما قام بالقلب من صورة العلم ، فَثَمَّ وعد ووعيد يحمل على الفعل والكف ، وثم أمر ونهي وتصديقه أن يؤمن الفاعل بصحة النص في نفس الأمر ، ولا يجزئ ذلك ، بداهة ، حتى يقيم الدليل الشاهد من فعل الظاهر فيمتثل الأمر بفعل المأمور ، ويمتثل النهي باجتناب المحظور ، فَغَايَةُ الخلق أن يُعْبَدَ الرب ، جل وعلا ، عبودية الانقياد والاختيار فذلك قدر يزيد على عبودية الاضطرار ، وإن دخلت في عموم المعنى ، فإن العابد المختار عبد منقاد بالاضطرار ، فهو عابد إذا امتثل الأمر الشرعي ، وهو ، من وجه آخر ، معبَّدٌ مُذَلَّلٌ بالأمر الكوني ، وعبادة الاختيار هي مناط التكليف إذ هي مناط الاختيار ، ولا يتصور ابتلاء بداهة إلا وثم اختيار أن يصدق أو يكذب ، أن يفعل أو يَتْرُكَ ، ولا يخرج هذا الاختيار ، من وجه آخر ، من خضوع وانقياد لأمر التكوين الأعم الذي يستغرق المؤمن الطائع والكافر المارق ، فَثَمَّ عموم وخصوص مطلق ، فكل عابد مختار فهو عبد بالاضطرار يخضع لأمر التكوين النافذ فما كان ليختار بإرادة تؤثر فهي مناط تكليف بالأمر والنهي ، ما كان ليختار بهذه الإرادة إلا وَثَمَّ إرادةُ تكوين تَسْبِقُهَا ، فَبِهَا خلق الرب ، جل وعلا ، إرادة المكلَّف ، وبها خلق فيه طاقة الفعل ، وبها هيأ له أسبابه ، وبها أجرى الأسباب أن تحصل بها المسبَّبَاتُ ، وبها نَفَى الموانع ، وبها خلق الأعيان الفاعلة ، والأحوال الحاصلة فهي المفعولات الكائنة في الخارج بمشيئة الرب الخالق ، جل وعلا ، فكل أولئك يدخل في عموم الخلق في قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فهو خالق الأعيان والأحوال والأسباب وهو خالق القوى في الأسباب أن تؤثر بإذن الرب المهيمن ، جل وعلا ، سواء أكان التأثير اضطرارا كتأثير النار أن تحرق فلا إرادة لها لتختار أن تحرق أو لا تحرق ، وإنما تحرق اضطرارا فهي فاعل بالطبع لا فاعل بإرادة تؤثر ، فالأسباب تُؤَثِّرُ بإذن الخالق ، جل وعلا ، سواء أكان التأثير اضطرارا ، كما تقدم ، أم كان التأثير اختيارا ، كفعل الإنسان حال التكليف والاختيار ، فَثَمَّ حركات في البدن تجري مجرى الاضطرار ، كحركة الأحشاء والقلب ، وهي التي اصطلح في علم وظائف الأعضاء أنها حركات لا إرادية فلا يتحكم فيها الإنسان بإرادته ، وإنما تحصل رغما وَثَمَّ أخرى تجري مجرى الاختيار منها ما يجري مجرى الطبع والجبلة كالأكل والشرب .... إلخ ، ومنها ما يجري مجرى التكليف وهو مناط الابتلاء بالأمر والنهي ، وهو محل الشاهد في الآية ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فتلك عبادة الاختيار الأخص ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، عموم وخصوص مطلق ، فإن كل عابد بالشرع عبد بالكون ، ولا عكس ، فالكافر قد خرج عن أمر التشريع ولكنه لم يخرج بذلك أن يكون عبدا منقادا بقدر التكوين ، فما أطاع طائع ولا عصى عاص إلا بإذن الله ، جل وعلا ، إِذْنَ التكوين النافذ ، فمن شاء ، جل وعلا ، امتن عليه أن يطيع فضلا على وجه تظهر به آثار القدرة النافذة والحكمة البالغة ، فقد هَيَأَّ ، جل وعلا ، المحل وَخَلَقَهُ أن يواطئ أسباب الخير إن في الخبر أو في الحكم ، فَأَلْهَمَهُ التَّقْوَى أن يُصَدِّقَ الخبر وَيَمْتَثِلَ الحكم ، وَهَيَّأَ لَهُ ، أيضا ، أسباب الخير ، فَهَيَّأَ المحلَّ على حال من الخير تظهر ، والحكمة تقضي أن يُهَيِّئَ له من أسباب الخير ما يلائمه ، فثم فضل أول في مطلق الإيجاد ، فهو خير من العدم ، وإن كان المحل ناقصا فذلك شر في المقدور المفعول في الخارج لا في قدر الرب ، جل وعلا ، النافذ ، فَفِعْلُهُ كله خير إذ الشر ليس إليه فعلا ، وإن وقع في الكون بقدره النافذ ، فَهُوَ له ، جل وعلا ، خلقا ، وذلك أيضا يدخل في عموم الخلق في قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فاقتضى الأدب ألا يسند الشر إلى الله ، جل وعلا ، إسنادا مباشرا كإسناد الخير فيسند أنه مخلوق كائن ، لا أنه فعل بذات ربنا ، جل وعلا ، قائم ، فَفِعْلُهُ ، جل وعلا ، كله خير وإن خَلْقَ الشر إذ به يكون من الخير ما يعظم على وجه تظهر فيه آثار الحكمة أن يُتَحَمَّلَ الأدنى من الشر العارض تحصيلا للأعلى من الخير الآجل ، فظهرت الحكمة طردا وعكسا ، أن خلق مَحلَّ الخير وهيأ له من أسباب الخير ما يلائمه ، وخلق محل الشر وهيأ له من أسباب الشر ما يلائمه ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه يعظم به الثَّنَاءُ على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، قدرة نافذة وحكمة بالغة ، وثم فضل ثان في حق المؤمن ، وهو إيجاد محل الخير ، وثم فضل ثالث ، وهو إيجاد أسباب الخير التي تلائم محله ، وثم فضل رابع أن يخلق ، جل وعلا ، في الجنان إرادة الخير مباشرة لأسبابه ، وثم فضل خامس أن يخلق ، جل وعلا ، في الجوارح قوة وطاقة بها تباشر أسباب الخير ، وثم فضل سادس أن يخلق ذات الفعل ، فلا يستقل العبد بإيجاد أو إعدام وإن كان له إرادة تُؤَثِّرُ في الْفِعْلِ أو في التَّرْكِ ، فَهِيَ تَجْرِي مجرى المرجِّح من خارج في محل جائز ، فالفعل ابتداء يجوز في حق العبد المكلَّف ، فيحتمل الوقوع ، ويحتمل عدمه ، احتمالا يَتَسَاوَى طرفاه فلا بد من سبب من خارج يرجح أحد وجهي الجائز ، وهو إرادة العبد أن يفعل فيرجح جانب الإثبات ، أو يَتْرُكَ فيرجح جانب النفي ، ولا يخرج هذا السبب ، وهو مخلوق ، لا يخرج بداهة عن قدر التكوين النافذ فهو ، أيضا ، يدخل في عموم الخلق في قول الرب جل وعلا : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فجاء التعليل في لام "ليعبدون" في قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، خلافا لأهل الجبر ومن نفى الحكمة والتعليل ، فكل لامِ تعليلٍ في التَّنْزِيلِ فَهِيَ عِنْدَهُ لام العاقبة ، كما في قوله تعالى : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ، وذلك ما رده بعض المحققين ، إذ لام العاقبة لا تكون إلا في حق جاهل بالمآل ، *** يكن فرعون ، بداهة ، يعلم أن التقاطه موسى عليه السلام سبب في حَزَنٍ يحصل له في مآل أمره فَلَوْ علم ذلك ما التقطه ، ولام العاقبة ، من وجه آخر ، لا تكون إلا في حق العاجز كقولك : لدوا للموت ، وقول القائل :
فللموت تغذو الوالدات سخالها ******* كما لخراب الدور تبنى المساكن .
فلا يَقْدِرُ أحد بداهة أن يدفع قدر الموت أو الخراب ، والجهل والعجز من النَّقْصِ الذي تَنَزَّهَ عَنْهُ الرب جل وعلا .

فاللام في "ليعبدون" ، مناط تعليل بالنظر في العبادة الأخص وهي عبادة التصديق والامتثال اختيارا على وَجْهٍ بِهِ يحصل الابتلاء إذ يطيق المكلَّف الفعل أو الترك وإن لم يخرج عن السبب الأول ، فإن إرادته المخلوقة إرادة مؤثرة ، كما تقدم ، بِهَا يكون الترجيح فيرجح جانب الفعل تارة ، وجانب الترك أخرى ، ولكن هذا السبب الباطن لا يستقل بالتأثير فلا بد من جملة أسباب تعضده كصحة الآلة وطاقة الفعل ، ولا بد من انتفاء جملة موانع تحول دون وقوعه ، وذلك أمر يعم أحكام الكون وأحكام الشرع ، أفعال الجبلة وأفعال الشرعة ، فلا بد لكل منها أن تُسْتَوْفَى شرائِطُه وَتَنْتَفِي موانِعُه ، فإن حكم الصلاة واجب ولا بد له من جملة أسباب تُسْتَوْفَى منها ما يقدر عليه المكلف كالوضوء وستر العورة وطهارة البدن والثوب والبقعة ، فلا تسقط إلا بالعجز ، كأن يُمْنَعَ المكلف ماء الوضوء فَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الماء عدو صائل أو وحش كاسر ، أو يُمْنَعَ السترة التي تستر عورته ، أو يُحْبَسَ في مكان نجس فيجتهد أن يختار البقعة الأخف نجاسة ويصلي على هيئة بها يحقق الشرط ما أمكن وإن سقط لأجله بعض الأركان كالسجود فيومئ به ، والجلوس فلا يجلس جلسة التشهد وإنما يجلس على أعقابه دون أن يمس بجسده البقعة النجسة ، فإذا تعارض شرط كطهارة الثوب والبدن فإنه يتنجس لا محالة إن باشر محلا نجسا ، إذا تعارض شرط كطهارة الثوب والبدن مع ركن كالسجود والقعود للتشهد الأخير ، أو تعارض الشرط مع واجب كالقعود للتشهد الأول ، قدم الشرط إذ يستصحب زمنَ العبادة كلها خلافا للركن فإنه يسقط فور أدائه ، وما يستصحب زمن العبادة كله أولى بالاعتبار مما يسقط فور أدائه ، فمن الشرائط ما يطيق المكلف ، كما تقدم ، ومنها ما لا يطيق كدخول الوقت فلا يطيقه المكلَّف ولا يجب عليه إذ لا تكليف إلا بمقدور ، والمكلَّف ، بداهة ، لا يطيق أن يحرك الشمس لِتَزُولَ فتجب الظهر ، أو تَغْرُبَ فتجب المغرب ! ، فذلك شرط إيجاب وشرط صحة معا ، فلا تجب الصلاة إلا بدخول الوقت ، ولا تصح قبله أو بعده ، فلا تصح إلا فيه سواء أكان الوقت مضيقا أم موسعا ، فلا تصح صلاة الظهر قبل زوال الشمس إلا على قول ضعيف مهجور يُرْوَى عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، على كلام في إسناده ، ولا تصح صلاة الظهر بعد صيرورة ظل كل شيء مثله فذلك وقت العصر ، على خلاف في مذهب الحنفية ، رحمهم الله ، وقل مثله في البلوغ فإنه مما لا يطيق المكلف ، فذلك شرط إيجاب فلا تجب الصلاة إلا على بالغ إلا على قول في مذهب أحمد ، رحمه الله ، أوجب فيه الصلاة على مَنْ مَيَّزَ وَبَلَغَ عشرا وإن لم يَبْلُغِ الحلم ، ودليله الخبر المشهور أن : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، وَالضَّرْبُ عِقَابٌ ولا يكون عقاب إلا على تَرْكِ واجب ، وأجيب أن ذلك ضرب الاستصلاح لا العقاب ، فلا يجب على الصغير المميِّزِ أن يصلي وإن وجب تأديبه ليعتاد التكليف فلا يفجأه حال البلوغ ولم يعتده فيقع في التفريط الذي به يأثم ، فلا يكون ذلك إلا بالتأديب أن يعتاد الفعل فلا يثقل عليه ، وقد يقال ، من هذا الوجه ، إن الإيجاب ينظر فيه أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فإذا لم يتم إيجاب العبادة بعد البلوغ إلا بتأديب قبلها فالتأديب واجب فيكون الفعل واجبا قبل البلوغ ، ولو تَأْدِيبًا ، وقد يجاب إن ذلك إيجاب التأديب لا إيجاب الفعل ، فالتأديب يجب على ولي الصبي ، والفعل لا يجب على الصبي ، فيكون الأمر في حق الأولياء أن : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، يكون أمر إيجاب بالاستصلاح ، ويكون امتثال الأولاد امتثال الندب لا الإيجاب ، فَلَمَّا يكلفوا بعد ، وإنما يستصلح الطفل بالأمر والنهي تأديبا ، كما تقدم ، فالبلوغ ، وهو محل شاهد ، تقدم ، البلوغ شرط إيجاب لا صحة ، فالصلاة تصح من الطفل المميِّز ندبا لا إيجابا ، فَيُثَابُ عليها من هذا الوجه ، وأما حصول العقل على وجه يميز به الفاعل ، فذلك شرط صحة في الصلاة مطلقا فلا تصح ممن لا عقل له لانتفاء القصد المخصوص الذي لا يحصل إلا بمطلق العقل ، ولو عقل التمييز الأول ، ولا بد مع ذلك من انتفاء موانع ، كالحيض ، فهو مانع حتى يحصل الطهر ، فذلك مانع في الشرع ، إذ وضع الشارع ، جل وعلا ، حصول الحيض مانعا من الصلاة ، وثم مانع آخر في ا*** كَزَوَالِ العقل ، فلا تجب الصلاة على النائم إذ غاب عقله ، فإيجاب الإلزام يَنْتَفِي في حقه ، وإن لم يَنْتَفِ إيجاب الإعلام ، فخطاب التكليف لا يَرْتَفِعُ من هذا الوجه ، ولذلك وجب على من كان بجواره أن يوقظه إذا دخل وقت الصلاة .
وكل أولئك حال اختيار العبد بإرادته المؤثرة ، كل أولئك من الأسباب والشروط والموانع يأرز إلى سبب يَتَقَدَّمُ كُلَّ سبب وهو إرادة التكوين النافذة فهي السبب الأول الذي يحصل به الترجيح في الجائزات ، فالإرادة هي مُوجِبُ الفعلِ والتَّرْكِ ، الإيجادِ والإعدامِ ، فإن الرب ، جل وعلا ، موجِب بكلماته الكونية النافذة ، فهو موجب بالاختيار إرادة نافذة ، فليس موجبا بالذات المجردة من الوصف كما زعم من زعم من الفلاسفة ، فحصل التعليل في لام "ليعبدون" ، على نحو يَتَوَجَّهُ به التكليف ، ولا يخرج به المكلف عن قدر التكوين ، فإن قَوْلَهُ وَفِعْلَهُ لا يخرج عن إرادة الرب ، جل وعلا ، ومشيئته النافذة ، فهو الذي خلق المحال وأوجدها وهو الذي أعدها أن تقبل آثار الأسباب على وجه تظهر به آثار القدرة والحكمة ، وهو الذي أمدها بالأسباب التي تؤثر بما ركز فيها من قوة التأثير ، ولا تخرج ، مع ذلك ، عن قدر التكوين النافذ ، وهو الذي ألهم الإنسان أسباب التقوى فضلا ، وألهمه ، في المقابل ، أسباب الفجور عدلا ، *** يُرِدِ الله ، جل وعلا ، الفجور بقدر التشريع الحاكم وإن شاءه بقدر التكوين النافذ ، على وجه يواطئ صريح الحكمة أن يمد كل محل بما يلائمه من الأسباب .
فما خلق البشر إلا لعبادة الاختيار تصديقا وانقيادا وذلا وخضوعا في الباطن فذلك منشأ الفعل في القلب إرادةً بها يكون الفعل والترك ، وحبا يحمل على الفعل ، وبغضا يحمل على الترك ، وتوكلا واستعانة فلا يكون القول والفعل إلا بمعونة تَزِيدُ هي من مدد التكوين ، وقولا وعملا في الظاهر ، فذانك شطران آخران ، فالعبادة فعل الباطن بالتصديق ، وفعل الظاهر في القول الناطق والعمل الشاهد فهو يصدق ما قام بالقلب من التصور والإرادة ، صحت أو فسدت ، فـ : "الفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" ، فصدقت الجارحة أو كذبت ما تَتَمَنَّى النفس وَتَشْتَهِي .

ولا يخلو المعنى أن يدل على عبادة التكوين فيكون المعنى ، كما يذكر بعض المحققين ، وما خلقتهم إلا لِيَسْتَسْلِمُوا لمشيئتي وقدرتي فيكونوا معبدين مذللين كي يجري عليهم حكمي ومشيئتي فلا يخرجوا عن قضائي وقدري ، فذلك معنى يصح ، ولكن الاقتصار عليه يفتح الباب لمقال الجبر أن يحتج من يحتج بالمشيئة على إبطال أحكام الشريعة ، كما وقع من غلاة الحبرية من الإباحية الذين عطلوا الشرائع واحتجوا على ذلك بموافقة الأمر الكوني ، فلا يحصل ذلك على وجه صريح إلا أن يوافق صحيح التنزيل ، فيواطئ الفعل قدر التشريع وهو في كل حال لا يخرج عن قدر التكوين فيجتمع في حق الفاعل أنه العابد المختار العبد المنقاد ، فاستجمع الوصفين إذ وافق القدرين ، قدر التشريع الحاكم وقدر التكوين النافذ وتلك أكمل حال يرجوها المكلف .

فجاء النَّفْيُ بـ : "ما" والاستثناء بـ : "إلا" في قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وهو أقوى أساليب القصر ، وذلك ما يجري مجرى القصر الحقيقي إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده بالنظر في حال المكلَّف من الجن والإنس ، وهم محل التكليف ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، ما يضعف قول من قال إن هذا العموم قد خص على تقدير : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدني منهم من عبدني ، ومن أبى فما خُلِقَ لذلك ! ، فهو قول يجوز لأهل الفجور والكفران أن يحتجوا به في إبطال التكليف إذ لم يخلقوا للعبادة كأصحاب الطاعة ، وإنما خلقوا للفجور فما أَذْنَبُوا إذ تأولوا ما خُلِقُوا لأجله ! ، وذلك ، كما تقدم ، قول الغلاة من أهل الجبر على وجه يتذرع به الإباحية أن ينقضوا أحكام الشريعة العملية فيقارفوا المحرم في الشرع احتجاجا بالمقدور في الكون ! ، والصحيح أنهم خُلِقُوا للفجور بقدر التكوين ، وليس بمحل تكليف في الشرع فلا يكلف أحد بقدر الكون إذ هو فعل الرب ، جل وعلا ، فلا يطيقه العبد ، ولا تكليفَ بما لا يقدر عليه الفاعل ، فضلا أنه لا يعلمه ابتداء فهو مما غاب عنه فكيف يحتج بما لا يعلم ؟! ، فيزعم تخرصا وظنا أنه خلق للفجور فما أدراه لعله خلق للطاعة والإيمان ولو كان مبدء أمره الفجور والعصيان .
ولو قيل بذلك فلا وجه لحصر العبادة في الجن والإنس ، فإن الملائكة أيضا عبدت الرب ، جل وعلا ، عبادة شرع بذكر وركوع وسجود وطواف بالبيت المعمور ..... إلخ ، ولكنها عبودية اضطرار لا اختيار فَلَوْ خص العموم على الوجه المتقدم فقيل إن العبادة لم تقع إلا ممن أراد الله ، جل وعلا ، أن تَقَعَ منه ، فلا وجه لقصر ذلك على الجن والإنس بل الملائكة تدخل في هذا العموم ، كما ذكر بعض المحققين ، فالقصر في حق المكلفين ، من الجن والإنس ، قصر حقيقي إذ تلك الغاية من خلقهم بالنظر في معنى العبادة الأعم الذي يَسْتَغْرِقُ جميع حركات الاختيار ، ما بطن وما ظهر ، فهو يستغرق المباح فلا يخلو من قصد فيكون مرادا لغيره من هذا الوجه ، فحركات الخلق الاختيارية لا تَبْلُغُ حد الكمال إلا أن تسلك جادة الوحي ، وَإِنْ في أُمُورِ العادة والجبلة ، فضلا عن أمور يظهر فيها معنى التكليف فمعنى التعبد والتنسك فيها أظهر ، كأمور العقد الباطن والشرع الظاهر ، والسياسة والحرب ، وسائر ما نَزَلَ لأجله الوحي أن يصلحه ويقوم ما اعوج منه ، إن في باطن الأمر أو ظاهره ، خَاصِّهِ أو عَامِّهِ ، فذلك معنى العبادة الأعم الذي يستغرق ، كما تقدم ، كل ما يحب الرب ، جل وعلا ، وَيَرْضَى من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، الخاصة والعامة ، على وجه يتأول به المكلَّف شطري المعنى ، كمال الحب رغبا يحمل على الفعل ، وكمال الذل رهبا يحمل على الترك ، وذلك ما حسن معه إطلاق الفعل آخر الآية "لِيَعْبُدُونِ" ، فالإطلاق مظنة عموم يَسْتَغْرِقُ جميع أجناس العبادة ، كما تقدم ، وهو ما حصل فيه النِّزَاعُ بين الوحي والوضع فَنَازَعَ الوضعُ الوحيَ موارد من الطاعة بما أحدث من الشرائع الباطلة والسياسات الجائرة التي تأرز إلى افتقار الواضع جبلة فهو ، كما تقدم مرارا ، متهم بالافتقار إلى الأسباب ، ولذلك جاء الأمر أن : "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" ، على كلام في الإسناد واللفظ ، كما تقدم ، فَأَمَرَ أن : "اخشوشنوا" ثم عقب بالفاء على جهة الفور ولا تخلو من دلالة السَّبَبِيَّةِ إذ دخلت على الناسخ المؤكد بعد إنشاء ، فأفادت التعليل ، من هذا الوجه ، إذ ثم سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، وما علة ذلك ؟! ، فجاء الجواب : لأن النعم لا تدوم ، وثم "أل" تُبَيِّنُ ال*** المستغرق لآحاد المعرَّف إذ دخلت على لفظ "النعم" ، ولا تخلو من دلالة العهد فهي نعم البدن التي يفتقر إليها الإنسان فَتَحْمِلُهُ على البغي والطغيان ، فيضع من الشرائع والأحكام ما يحفظها وإن خالف لأجل ذلك ما خالف من أحكام الشرعة بل وبدائه العقل وا*** والفطرة ! ، فلا يصلح مَنْ تلك حاله أن يضع الشرع فلا يضعه إلا حَكَمٌ من خارج لا يُتَهَّمُ فهو الغني الذي لا يفتقر إلى السبب ، بل كل ما تقدم من الأسباب إليه يفتقر ، خلقا وَتَسْيِيرًا ، فضلا أن الواضع من البشر جاهل لا يدرك المآل لا في الأولى ولا في الآخرة ، إلا خرصا أو ظنا مجملا لا يُبَيِّنُهُ إلا الوحي المحكم الذي جاء بالتفصيل الصحيح على وجه يواطئ دلالة العقل الصريح ، فلا يستقل العقل بدرك التفصيل في الأحكام ، وإن أدرك ا***ن والقبح جملة بما ركز فيه من صحيح الفطرة فَلَمَّا تَزَلْ تَفْتَقِرُ إلى بيان الوحي المفصل ، فضلا أنه يُقَوِّمُ ما اعوج منها إذا حادت عن جادة التوحيد والتشريع ، فالعبادة لا تكون إلا بأمر ونهي ، وذلك تأويل الطاعة امتثالا للأمر والنهي ، وهو من آكد ما يقيم به العبدُ الشاهدَ الصادق من نفسه على عبودية الباطن والظاهر ، ولذلك جاء في تأويل الآية في أقوال : ما خلقتهما إلا لآمرهم وأنهاهم ، على وجه أطلق فيه الأمر والنهي ، فَعَمَّ جميع موارد التكليف من أفعال الاختيار فهي التي يتوجه فيها الأمر والنهي فلا يتوجه إلى فعل اضطرار لا يطيقه العبد إذ التكليف بالمحال مما امتنع بِنَصِّ الشرع الرحيم ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فَيَعُمُّ جميع الأوامر والنواهي إن في العقائد فثم أمر أن يصدق القلب بأخبار الغيب في الإلهيات والسمعيات والنبوات ، وأن يمتثل لازم ذلك من إفراد الرب ، جل وعلا ، بجميع أجناس التأله وأولها وآكدها التوحيد ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، فهو قطب رحاها الذي شرعت تحقيقا له في الخارج وصيانة له من الناقض الباطن والظاهر ، وثم نهي أن يعطل الأخبار أو يتأولها على وجه يخرج بها عن مراد الشرع ، وَثَمَّ ، في المقابل ، أمر ونهي في التكليف الظاهر ، في القول والعمل ، فَثَمَّ ما أَمَرَ به من حَسَنِ الأقوال وآكدها ، أيضا ، النطق بشهادة التوحيد فَهِيَ دليل الصدق في الخارج على ما يقوم من معنى التوحيد بالباطن ، وثم ما نَهَى عنه من قَبِيحِ الأقوال وآكدها النطق بالشرك أو الكفر الناقض لأصل الدين كَسَبِّ رب العالمين ، جل وعلا ، أو القدح في عرض النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو الاستهزاء بالآي المنزَّل ، أو إنكار ما قد علم من الدين ضرورة فلا يعذر القائل بجهل وإن عذر بالإكراه أن ينطق بالكفر إذا أكره عليه .
وَثَمَّ ما أَمَرَ به من فعل الظاهر ، ما خص وما عم ، فَثَمَّ أَمْرٌ في العبادة صلاة وزكاة ، وَثَمَّ أَمْرٌ في الشرع والمعاملة ، وَثَمَّ أَمْرٌ في السياسة والمحاربة ، وثم ما نهى عنه من فعل الظاهر وآكده ما يكون سببا في الشرك أو الكفر الناقض لأصل الدين ، كالسجود لغير رب العالمين ، جل وعلا ، أو الحكم بغير ما أنزل من الشرع المحكم ، أو موالاة أعدائه من اليهود والنصارى وسائر أعداء الديانة ، فعم الأمر والنهي ، كما عمت العبادة ، عم جميع موارد التكليف اختيارا سواء أكان بالخبر وتكليفه التصديق ، أم بالإنشاء أمرا ونهيا فالتكليف أن يُمْتَثَلَ الوحي في الباطن والظاهر على وجه استغرق جميع محال التكليف وأحواله فكان ذلك ، كما تقدم ، قَاضًّا لمضجع الوضع المحدث أن لم يجد فسحة بها يحكم ويطغى بما يهوى أو يَجِدُ ، فجاء الوحي يبطل سلطان الهوى والذوق ، ويهدر كل ما يَعْتَبِرُ أرباب الحظوظ في أمور السياسة والحكم فيعتبرون ما حقه الإلغاء من سياسات النفع والانتهاز ، وَيُلْغُونَ ما حقه الاعتبار من شرائع القصد والاعتدال أن لم يحصل بها ما راموا من حظوظ النفس وشهواتها فجعلوا المتشابه محكما ، وجعلوا الوحي المحكم محل نظر فلا يقبل أو يرد إلا أن يعرض على معيار الهوى والذوق ! ، فصار الهوى والذوق إلهين اثنين يعبدان من دون الله ، جل وعلا ، وإن أظهر العابد من شهادة التوحيد النطق ، والتزم جملة من أحكام الجوارح وحاله في أمور الشريعة والسياسة والحرب تُكَذِّبُهُ ، فأقام في الظاهر دليلا ينقض دعواه نقضا ! ، إذ حاله في الشرع والحكم والقتال على جادة الهوى ولو اضطرت صاحبها أن يقترف من ناقض الدين ما يقترف فَلَوْ كانت ال**لحة المتوهمة في تعطيل الشريعة فلا يجد غضاضة في ذلك ، وإن كانت ال**لحة المتوهمة في موالاة الكفار ونصرتهم على أهل الإيمان فلا يجد غضاضة وإن تأول لأجل ذلك ما تأول أنه يحكم بالعدل ويحارب قوى الشر ! ، فدعوى الإيمان دعوى مركبة من أجزاء منها الباطن ومنها الظاهر فلا بد من استيفاء أجزائها جميعا ، ولا بد من انتفاء الناقض إن في الباطن أو في الظاهر ، فكما أن دعوى الإيمان دعوى ذات شعب وأجزاء منها الباطن ومنها الظاهر ، فكذلك حقيقة الكفر ، فهي ، أيضا ، مما ينشعب ، فثم شعب تنقض أصل الدين الجامع وثم أخرى تنقض كمال الدين الواجب ، فلا بد من السلامة من نواقض الكمال لتحصل الحقيقة الكاملة المنجية ، فذلك الحد الأقصى ، ولا بد من السلامة من شعب الكفران الناقضِ لأصل الدين ليحصل مطلق الحقيقة الإيمانية في الخارج ، فذلك الحد الأدنى ، وإن لم يحصل الكمال بفوات بعض الأجزاء التي لا يَنْقُضُ فواتها أصل الدين أو حصول بعض الشعب الناقضة لكمال الدين دون أصله .

فحقيقة الإيمان منها الباطن ومنها الظاهر ، وحقيقة الكفران ، في المقابل ، منها الباطن ومنها الظاهر فلا بد أن تحصل الحقيقة الإيمانية المركبة ولا بد أن تسلم من نواقضها بَاطِنًا وَظَاهِرًا .

وثم عموم تغليب بالنظر في دلالة الواو في "ليعبدون" ، فهي واو الجمع المذكر ، والتكليف بداهة قد عم جميع المكلفين ، إنسا وجانا ذكرانا وإناثا .

وثم عموم آخر يستفاد من إطلاق الخلق صدر الآية فهو يعم خلق التقدير وخلق الإيجاد ، فالحكمة قَدَّرَتْ في الغيب أولا ، والقدرة أوجدت في الشهادة ثانيا على وجه حصل به التأويل الصحيح في عالم الشهادة لِمَا قَدَّرَ الخالق ، جل وعلا ، في الأزل بعلم أول يؤثر في إيجاد المخلوقات فهو علم التقدير ، فكان الخلق بعلم التقدير وكان الابتلاء بالتكليف بما اقْتَضَى علم التشريع خبرا يصدق وحكما يمتثل ، وإذا نظرت في القصر ، من وجه آخر ، وجدت أنه قصر إضافي بالنظر في فعل الرب ، جل وعلا ، فكان خلقهم ليعبدوه فهذه غاية ، وكان خلقهم لتظهر آثار كماله ، جل وعلا ، في الكون ، فهذه غاية أخرى ، فتظهر آثار كماله ، جل وعلا ، في أفعاله ، فإن أفعاله في الخلق هي تأويل كماله في الوصف ، فَفِعْلُهُ يصدر عن كماله الأول المطلق ، خلافا لفعل المخلوق فهو الذي يبلغ به الكمال الذي يليق بحاله فهو مبدأ أمره جاهل لا يعلم ، فـ : (اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) ، فيكتسب ما يكتسب من العلم شيئا فشيئا حتى يحصل له وصف الكمال ، وقل مثله في جميع الأفعال فهو يجرب ويخطئ ويستفيد وَيَتَعَلَّمُ ولا يليق ذلك بداهة في حق الرب المهيمن ، جل وعلا ، الذي خلق ودبر بوصف الجمال ووصف الجلال ، فيكون التدافع بين الأضداد على وجه يثبت به معنى الربوبية فَبِهَا تُخْلَقُ الأضداد وَتَتَدَافَعُ .

فدلالة الآية تنصرف إلى الخبر المحض بالنظر في عبادة التكوين ، فإن خضوع الجن والإنس وسائر الخلق له ، جل وعلا ، أمر ظاهر ، فيكون ذكر الجن والإنس من باب التمثيل بخاص لعام وهو جميع الكائنات ، ما عَقل وما عجم ، ما حَيَّ وما مات ، ما تحرك وما سكن ، فكلها خاضعة لأمر التكوين النافذ ، فأعيانها وأحوالها تدخل في عموم الشيء الْمُكَوَّنِ في قول الرب المهيمن : (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .
ودلالة الآية ، من وجه آخر ، تنصرف إلى الإنشاء بالنظر في عبادة التشريع ، فتقدير الكلام : اعبدوا الله ، جل وعلا ، فما خَلَقَكُمْ إلا لأجل ذلك ، وهو وجه يقصر الأمر على الجن والإنس إذ هما *** التكليف بالاختيار وإن كان ثم عاقل غيرهم يعبد الله ، جل وعلا ، وهو قبيل الملائكة إلا أن عبادتهم ، كما تقدم ، عبادة اضطرار لا اختيار فيها ، فـ : (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، وكلا الوجهين صحيح فيصح حمل الآية على الخبر بالنظر في معنى التكوين ، ويصح حملها على الإنشاء بالنظر في معنى التشريع ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مما يجري مجرى العموم في دلالة المشترك إذ دل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وإن كان بينهما من التلازم ما لا يخفى ، فالخبر أول فإذا حصل التصديق كان الإنشاء ثَانِيًا فهو الامتثال ، وفي باب التوحيد ثم تلازم آخر بين خبر الربوبية وإنشاء الألوهية فالأول سبب في حصول الثاني فانفراده ، جل وعلا ، في فعل التكوين ربوبية سبب في إفراده ، جل وعلا ، في فعل التشريع ألوهية .


والله أعلى وأعلم .
??????? ??????: من معاني العبادة || ??????: rss || ??????: اسم منتداك

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:15 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant