![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
من آية : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ .....)
ومن قوله تعالى : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فذلك من المضارع الذي يحكي زمان الخطاب وإن انقضى ، فالمضارعة تَسْتَحْضِرُ حالَ التكليف ، والخطاب يتوجه إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمقتضى المواجهة ، ومقتضى الابتداء في باب التكليف ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول نذير لهذه الأمة ، وَمَنْ بَعْدَهُ من النذر ممن لهم حظ من العلم بالوحي ، من بَعْدَهُ تَبَعٌ له في هذا المنصب وإن لم يبلغوا بداهة حد العصمة فلا تجب طاعتهم مطلقا فيما يقولون وإنما يجب من ذلك بقدر ما وافقوا فيه صادق الخبر وعادل الحكم من الرسالة ، فلهم حظ من النذارة أن ينفروا ويتفقهوا في الدين ثم يرجعوا إلى أقوامهم منذرين ، فـ : (لَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) . وأخباره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كتابا يُتْلَى وسنة تُؤْثَرُ ، أخباره تَتَرَاوَحُ بَيْنَ البِشَارَةِ والنِّذَارَةِ ، ومن بَعْدَهُ يدخلون في هذا الخطاب تَبَعًا ، فَعُمُومُ التشريع قَرِينَةٌ تَسْتَغْرِقُ ، ولكلٍّ حظ من هذا الإنذار ، ولو بآية وعيد ، فيدخل ذلك في عموم : "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً" ، فعم الخطاب فدلالة اللفظ فيه دلالة تغليب فلا مفهوم لها يخرج الإناث أَنِ اقْتَصَرَ الضَّمِيرُ في لفظ "بَلِّغُوا" بالنظر في أصل الوضع على جماعة الذكور ، فلا مفهوم له إذ خطاب التكليف يعم ، ولا قرينة تخصص ، فالعموم محفوظ ، وهو ، من وجه آخر ، مِمَّا خص بالعقل ، فلا بد من عقل يناط به التكليف ، ولا بد من قدر زائد وهو العلم بما يُبَلِّغُ ، وذلك يعم العلم باللفظ والعلم بالمعنى ، والخبر يرشح دلالة البلاغ مطلقا ، ولو لفظا حَفِظَهُ وَضَبَطَهُ وإن لم يحط بمعناه دركا ، وذلك ، بداهة ، ما لا يُتَصَوَّرُ إلا أن يحصل له علم بالمعنى الأول الرئيس ، وإن لم يحط بمعان أدق ، هي المعاني الثانوية التي يدق فيها النظر ، ويتفاوت فيها الاستنباط ، فدخل كل منذِر في عموم المعنى ، وإن خص النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخطاب المواجهة ، فجاء الأمر الذي عم ، من وجه آخر ، بالنظر في ضمير المفعول في قوله تعالى : (وَأَنْذِرْهُمْ) ، فأنذرهم جميعا ، وذلك ، أيضا ، مما يتوجه بادي الرأي إلى من حضر منهم من الرجال والنساء ، فلا يقتصر الأمر على الرجال بالنظر في قرينة الضمير المجموع الذي يدل على جمع الذكور الغائب ، بل يعم كل من يصح توجيه الخطاب إليه ، فَكُلُّ مكلف يدخل في هذا العموم ، بل كل من يعقل الخطاب ، وإن لم يُكَلَّفْ بَعْدُ ، فإن الصبي الصغير يدرك من معاني الخطاب ما يحصل به الإنذار ، وإسلامه ، من هذا الوجه ، يصح ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، فَثَمَّ صبية أسلموا زمن الرسالة وَلَمَّا يكلفوا بعد كعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وإسلامه صحيح بداهة ، فهو أول من أسلم من الصبيان ، فدل ذلك أن ثَمَّ صبية أسلموا ولم يكن آباؤهم على الإسلام *** يدخلوا فيه تَبَعًا لآبائهم بالنظر في دين العادة والتربية ، فآباؤهم كفار ، بل كان منهم دين التفكر والتدبر الأخص الذي حملهم أن يفارقوا أديان الوثنية إلى دين الحنيفية السمحة ، فالابن على دين أبويه ، إسلاما أو كفرا ، وإن كان على الفطرة الأولى حتى يبلغ ، فإن كان من أبوين مسلمين أو أحدهما مسلم فهو له تبع ، فيثبت عقد الإسلام بإسلام الأبوين أو أحدهما ، وأما الطفل من أبوين كافرين فهو على دين الفطرة حتى يبلغ ، فيثبت له الكفر إذا بلغ ، وذلك يُوجِبُ عليه استئناف عقد إسلام جديد ، فلا تحصل النجاة بميثاق الفطرة الأولى إلا أن يثبت صاحبه عليه فلا يجب على الطفل المسلم أن يجدد عقد إسلام جديد فهو على العقد الأول ، *** يأت بما ينقضه ، فيجزئه الميثاق الأول إلا إن أتى بناقض بعد البلوغ فيجب عليه استئناف عقد إسلام جديد ، فإيمان المقلد دون نظر واستدلال ، وإن كان دون إيمان من يَنْظُرُ وَيَتَدَبَّرُ فيتفكر في آي التنزيل ، إيمان المقلد صحيح خلافا لمن جعل أول فرض على المكلف أن يَنْظُرَ وَيَتَدَبَّرَ على وجه مركب من جملة من المقدمات النظرية الدقيقة التي لا يحسن كل أحد يَتَدَبَّرُهَا وذلك تحجير لواسع اطرد في مقال أهل الاعتزال والكلام ، فَثَمَّ من جعل أول واجب على العبد هو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك حتى يحمله ذلك على النظر الذي يفضي إلى اليقين ! ، وذلك يجري مجرى التطويل في المقدمات ، فمن العبث أن يجهد الإنسان في تحصيل ما هو حاصل بل إن إدخال الشك على النفس قد يفضي إلى الشك المهلِك ، فلا يحسن أن يَتَعَرَّضَ الإنسان للشبهات فيظن في نفسه نظرا يطيق تَفْنِيدَهَا فما يدريه لعلها تَفْتِنُهُ كما وقع لكثير من المغرورين بذكاء لم يشفع بِزَكَاءِ التَّنْزِيلِ فَوُكِلَ أصحابه إلى أنفسهم فَضَلُّوا وخسروا ، وصار أمرهم إلى شك أفضى إلى التعطيل المطلق ، كما وقع لبعض نفاة الصفات أن ألزمه الخصوم بما لا يلزم ، فنطق بوحدة الوجود فهو من أئمة الاتحاد الأوائل فضلا أنه نفى عن الرب ، جل وعلا ، كل اسم ووصف فوقع في التعطيل المحض على وجه يضاهي تعطيل الفلاسفة ، ولازم قوله إثبات العدم ! ، فليس ثم موجود حقيقة في السماء فقد صار الإله الذي أخبرت به النبوات صار مطلقا ليس له من الوصف شيء إلا الوجود المطلق بشرط الإطلاق ، وذلك ما لا وجود له في الخارج فغاية الأمر أن يثبت في الذهن تصورا مطلقا ! ، وذلك تعطيل يضاهي تعطيل الفلاسفة ، فلا يأمن من ركن إلى عقله أن يبلغ الحق الذي ينجي صاحبه ، فغاية ما يدرك العقل جملا من الحق تفتقر إلى بيان الوحي ، فالوحي يُبَيِّنُ ما أجمل من الفطرة الأولى ، فالإلهيات مما أُجْمِلَ في الذهن وَبَيَانُ النُّبُوَّةِ يُفَصِّلُهُ وَيَزِيدُ أن يُقَوِّمَ ما اعوج منه إن طَرَأَ على العقل ما يفسده من مناهج الوضع في العقد أو الشرع ، فقد يبلغ الفساد أن يستحسن العقل ما قَبُحَ من العقائد والشرائع والأخلاق ، أو أن يَسْتَبِدَّ به الهوى والإعجاب بالرأي ، فيقدم ما تشابه من قياس العقل على ما أحكم من نص الوحي في مواضع تخدع ، فيظهر للعقل ، بادي الرأي ، وَجْهُ حُسْنٍ في عقد أو وَجْهُ مَصْلَحَةٍ في حكم ، ولا يخلو من حق في الجملة وإلا ما استحسنه العقل فإن الشبهة لا بد أن يكون فيها نوع حق ، وإلا ما راجت ، فما سميت شبهة إلا أن أمرها قد يخفى بما امْتَزَجَ فيها من حق وباطل ، فَيُزَيِّنُ شياطين الإنس والجن القول ، فـ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ، فثم زخرف زَيَّنَ القول فانضم إليه سوء القصد من الناظر أو جهله بالأحكام والمقاصد ، فصار الحق المرجوح في الشبهة راجحا بل قاطعا ! ، والجعل صدر الآية من جعل التكوين النافذ ، ولا يخلو من جلال أن ابْتَلَى ، جل وعلا ، العباد بالشياطين ، فَثَمَّ إرسال جلال بالابتلاء وتكوين يقضي بالنفاذ كما في قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) ، ولا يخلو ذلك من حكمة بالغة أن واطأ الحَالُّ الْمَحَلَّ ، فـ : (مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ، فالظلم والسفه ، أن يُعْطَى من لا يستحق ما لا يستحق ، الظلم والسفه مما تَنَزَّهَ عنه آحاد الحكماء من الخلق فكيف بالخالق ، جل وعلا ، فهو يَتَنَزَّهُ عنه من باب أولى ، فَمَا أَرْسَلَ الشياطين إلا بعدله وحكمته على محال تقبل آثار الوسواس بما قام بها من وصف الطغيان والإعجاب بالرأي ، ووصف الإباء والاستكبار أن يقبل الناظر الحق إن خالف ما يَهْوَى ، وذلك يرجع إلى ما تقدم من وصف الطغيان والإعجاب فهو يحمل صاحبه أن يَرُدَّ الحق لِكِبْرٍ في النفس أن يتبع العقلُ النقلَ ، فما تطيب نفسه أن يصير تابعا ! ، وتلك آفة كل مكذب بالوحي من إبليس إلى سائر الشياطين من الجن والإنس ، فجميعهم يأبى الانقياد للوحي إن عارض ما يهوى أو يجد ، وَثَمَّ ، أَيْضًا ، وصف الإعراض عن طلب الحق من أدلته المحكمة في النقل والعقل ، ووصف الجهل الذي يُذَمُّ صاحبه فهو مُقَصِّرٌ في طلب الأدلة مع يُسْرِ تَنَاوُلِهَا فحجة الحق قد بذلت لكل ناظر ، فلا يعذر بالجهل مطلقا فإذا بُذِلَ دليلُ الحق وأعرض الناظر واستكبر ، فهو يرجع إلى أوصاف تقدمت توجب لصاحبها الضلال عدلا ، فقد فسد المحل *** يعد أهلا أن يقبل آثار الصلاح من الحق ، عقدا وشرعا ، وإن قامت الحجة بهدى البيان والإرشاد ، فذلك يدخل في حد الأمر صدر الآية أن : (أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) ، فيحصل بالنذارة والبشارة والبيان لجميع أحكام الديانة ، يحصل بذلك من العلم ما تُقَامُ به الحجة ، فذلك هدى البيان والإرشاد ، ولا ينفع صاحبه إلا أن يشفع بهدى زائد ، وهو هدى الإلهام والتوفيق ، فإذا فسد المحل بما تقدم من أسباب العجب والإعراض والاستكبار والجهل ، صارت الحكمة أن تحجب مادة الحق عن هذه المحال ، فأرسلت الشياطين على القلوب بالوسواس المتشابه الذي يُعَارِضُ محكم التَّنْزِيلِ فَكَانَ وحي الزخرف ، بقدر التكوين النافذ ، فذلك وصف الجلال الذي أسند فعله إلى ضمير الجمع صدر آية الأنعام : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) ، فكان الجعل النافذ بِتَسْلِيطِ أعداء الرسالات ، بعضِهم على بعضٍ ، فَذَلِكَ من السَّنَنِ المطرد ، إذ دلالة العموم في "لِكُلِّ نَبِيٍّ" ، مئنة من استغراق ، فسنة التدافع بَيْنَ الحق والباطل تَطَّرِدُ في كل زَمَانٍ ، فلكل نبي أعداء من الجن والإنس ، فدلالة الاسم المفرد "عَدُوًّا" ، دلالة الجمع فيجري ذلك مجرى اسم ال*** فهو يدل على معنى مطلق يصدق في آحاد كثيرة في الخارج ، فثم أعداء كثر قد يختلفون في الغايات ، فَلِكُلٍّ تصوره وعقده ، ولكل شرعه وحكمه ، بل بَيْنَهُم من الخلاف ما يعظم ، ولكنهم اجتمعوا على بغض الحق وحربه فهو خطر عظيم يَتَهَدَّدُ الجميع ، فإن تَنَازَعُوا في مواضع كثيرة فلكلٍّ هوى وذوق إلا أنهم أجمعوا على رد كل مرجع في الحكم يَتَجَاوَزُهُم فهو يَقْضِي من خارج ، وذلك هو الوحي ، عدو الأهواء والأذواق كلها ، فهي كثير وهو واحد ، فصراطه محكم وسبلها متشابهة قد توافقه في مواضع ، ولو في الجملة ، فتكون الشبهة إذ ليست باطلا محضا ، كما تقدم ، بل لا بد أن يكون فيها حق ولو مجملا ، فيزيد فيه من يزيد من أصحاب الأهواء ، لا سيما إن سلك جادة التأويل فرجح المرجوح بلا دليل ، وتحكم في تفسير النصوص على وجه يواطئ ما هوى أو وجد ، فمعيار الحكم من داخل إذ أبى الانقياد لأي مرجع متجاوز من خارج ، فلا يقبل حكما إلا هوى أو وجدا ، سواء أكان ذلك فردا أو جمعا ، فَثَمَّ طغيان العقل المجموع لأمة خالفت عن منهاج الرسالة فعارضته بما تعارفت عليه من الأقوال والأعمال ولو باطلة ظاهرة البطلان ، وَثَمَّ من يطغى طغيان الواحد فيحكم بعقله بقبول أو رد ، فما يهوى قد صار معيار الحكم ، فلا يقبل إلا ما يوافقه وإن خالف الوحي ، وهو ، في المقابل ، يَرُدُّ كل ما عارضه وإن كان من محكم الرسالات ، فهو صحيح النقل صريح الدلالة ، فلا اعتبار له إن خالف الأهواء وإن كان محكما وهي متشابهة متخالفة بل ومتناقضة متصارعة في ساحات الجدال فيكون الْبَغْيُ والظلم والمراء الذي يَنْتَصِرُ صاحبه لقوله إن بِحَقٍّ أو بِبَاطِلٍ فهو يَسْتَعْمِلُ من فنون التحايل والمكر ما يسوغ به الباطل فيظهر للناظر أنه الحق المحكم وإن كان باطلا محضا ، أو طرفا مرجوحا في محل خلاف فلا اعتبار له فليس كل ما خالف يعتبر فلا بد أن يكون له من النَّظَرِ حَظٌّ ، لِيَسُوغُ الخلاف فيه وإن كان الحق واحدا في جميع مسائل الخلاف فلا يتصور إِنْ فِي تَشْرِيعٍ أو في تَجْرِيبٍ ، لا يُتَصَوَّرُ أن يكون الصواب كَثِيرًا مُتَعَدِّدًا ، فهو واحد سواء أَوُجِدَ في قول أم انشطر فَتَجَزَّأَ في أقوال ، فلا يحصل التناقض في الجزء الواحد فلا بد أن يكون في قول من أقوال الْمُتَخَالِفِينَ دون سائر الأقوال ، فإذا جمعت الأجزاء حصل حق لا تناقض فيه فلا يوجد فيه الشيء وضده ، فلا يكون الحق إلا واحدا في مسائل الخلاف ساغ أو لم يَسُغْ ، وذلك حال اتحدت الجهة فإذا انفكت فالحق قد يكون في جهة قولا ، ويكون في غيرها آخرَ ، على وجه لا يحصل فيه التَّنَاقُضُ ، أيضا ، فإن التناقض لا يكون إلا حال اتحدت الجهة وتغايرت الأقوال على وجه يتعذر فيه الجمع فلا بد أن يكون أحدها دون غيره هو الصواب وما سواه فخطأ ، فالأهواء تَتَعَارَضُ في ساحة الجدال بل قد تصطرع فِي ساحة الجلاد ، فكم تصارع أصحاب ألأهواء بل إن اختلافهم وَبَغْيَهُمْ في القول يجعلهم أقرب إلى البغي والظلم في القتال ، فـ : (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، فغياب الحق أن يحكم بينهم ويفصل ، فكلهم يأبى الانقياد لحكمه ، غياب الحق يجعل الباطل يظهر بِانْتِشَارِ الخلاف فَكُلُّ عَقْلٍ يَقْتَرِحُ قياسا يخالف ما يَقْتَرِحُ غيره ، فَيَصِيرُ المطلق من النِّسْبِيِّ ، فكل نظر يحتمل الصواب ، فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ الحق وإن اتحد المحل واتحدت الجهة ! ، فَكُلٌّ يَبْلُغُ بِهَوَاهُ الْحَقَّ الذي يلائمه ! ، فالحق ما وافق هواك وذوقك من الصالح العاجل الذي تحصل به لذة تطرأ وإن كان مآله حسرة تعظم ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، سمت رئيس في منهاج الحداثة المعاصر الذي يرد الأمر إلى الهوى ، وهو كثير لا يكاد يحصى فالمذاهب تحدث وتكثر وتنشعب فيخرج من المذهب الواحد مذاهب شتى وكل أمة تُخَطِّئُ أختَها بل وَتَلْعَنُهَا وَتَسْتَبِيحُ منها كل محرم فيكون البغي في التجادل والتقاتل ، ويكون الظلم في القول والعمل ، ويكون التعدي باللسان واليد ، فيقع من التهارش والتهارج ما يقع أن غاب الوحي *** يقبل حكما بَيْنَهَا فهي مع عظم ما بينها من الشقاق ، فـ : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) ، لم تجمع إلا على شيء واحد ، وهو عداوة الحق وأهله فلا ***ض شيئا ما ***ضه إذ يسلبها جَمِيعًا ما تَرُومُ من حظوظ الطغيان في النظر والحكم ، فأعداء الرسالة جميعا طغاة إن في النظر أو في الحكم ، وهم أظلم الناس في خصومة بما يفترون من الباطل المذموم وبما يستحلون من الدم المعصوم فجنايتهم قد عَمَّت ، *** يسلم منها مخالف ، فَثَمَّ عدوان في الجدال بما يكون من شبهات يُرَدُّ بها محكم القول ، وثم عدوان في الجلاد بما يكون من قتل وجرح وأسر ، فلا كتاب هاد ليعصم حال الجدال ، ولا سيف ناصر يحكم بالعدل ، إن في الدفع أو في الطلب ، فمخالفه لا يخشى منه بغيا أن كان الوحي له حكما ، فلا يحركه هوى في ثأر أو شماتة ، وإنما يروم رد العدوان والاقتصاص من الظالم ، فوصف أهل الحق أنهم : (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) ، ويروم حال الطلب نشر الحق وإزاحة كل طاغوت يحول بين الناس والحق ، فضلا أنه خير حاكم في الأرض ، وذلك ما يعلم بِاسْتِقْرَاءِ التاريخ ، وهو التأويل الصحيح لما طُبِعَ عليه الناس ، فقد جبلت الأخلاق على التدافع والتصارع فلا يُسَلِّمُ صاحب المذهب في الفكر أو السياسة أو الحرب لا يُسَلِّمُ لِمَقَالٍ يُنَازِعُهُ رياستَه فيستلب منه بعض حظوظه ، فذلك باعث له أن يدافع إن بحق أو بِبَاطِلٍ ، فيكون التدافع لا محالة فتلك سنة في الكون جارية ، وإنما يضبطها سَنَنُ الشَّرْعِ في الجدال والجلاد ، فلا يكون الْبَغْيُ في الانتصار من الخصم ، وإنما يكون الجلال في زجره ، ويكون الجمال في العدل فلا ظلم ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فَجُعِلَتْ عدواة الشياطين من الجن والإنس ، جعلت لكل نبي ، فالحق لا يظهر إلا إن دوفع وعورض ، بل قد تحصل الغلبة لخصومه ، بادي الرأي ، فتكون الفتنة التي تمحص ، وهو ، مع ذلك ، ظاهر أبدا ، بما له من نصاعة حجة وَإِحْكَامِ شرعة ، فجاء بالصدق والعدل وواطأ الفطرة والعقل ، فلا يجد الناظر في أدلته حرجا يحمله على تكلف القياس والنظر الدقيق الذي يجعل اليسير من العسير ، والضروري الذي يحصل بلا كلفه نَظَرِيًّا يَفْتَقِرُ إلى تَرْتِيبِ مقدمات لاستنباط نتائج ، فاطردت السنة أن يَكُونَ لِلْحَقِّ عَدُوٌّ من الباطل والزخرف في كل عَصْرٍ وَمِصْرٍ ، فيحصل التدافع ، فقدم الظرف "لِكُلِّ نَبِيٍّ" ، قدم في آية الأنعام : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، تَنْوِيهًا بهذه السنة المطردة ، فذلك من تقديم الوصف إذ تقدير الكلام في الأصل : وكذلك جعلنا عدوا لكل نبي ، فقدم الوصف "لِكُلِّ نَبِيٍّ" على الموصوف المنكَّر "عَدُوًّا" ، فانقلب حالا ، كما قرر أهل الشأن ، وقد أطلقت العداوة فلا تخلو من إجمال فحسن من هذا الوجه التقييد بحال ثانية "يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ" ، ودلالة المضارعة فيها مما تُسْتَحْضَرُ به الصورة في سياق الذم والتَّنْفِيرِ ، فضلا أنه أمر يَتَكَرَّرُ فذلك ، كما تقدم ، سَنَنٌ يطرد ، وَزِيدَ في البيان بإيراد العلة "غُرُورًا" ، فإعرابها في كلام أهل الشأن مفعول لأجله ، فكان الوحي المذموم ، وحي الوسواس الشيطاني ، كان تَغْرِيرًا بالناظر فكان التدليس بإلباس الباطل ثِيَابَ الحق ، فثم شبهة تُزَيِّنُ وَتُزَخْرِفُ ، فَقُبْحُ الباطلِ يمنع الناظر أن يَرْضَاهُ دينا أو طريقا في النظر والاستدلال ، فلا بد من زخرفته وَتَزْيِينِهِ ، لتقبله النفس ، ولو على مضض ! ، فلا تكاد بما لها من بقية فطرة ، لا تكاد تسلم من حرج في قَبُولِهِ ، وتلك سنة ربانية جارية ، فـ : (لَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) ، ولكنه شاء بِقَدَرِ تكوين نافذ أن يُزَيِّنَ من يُزَيِّنُ ليحصل التمايز بَيْنَ قَبِيلِ الحق وَقَبِيلِ الباطل ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) . ومن ثم ختمت الآية بأمر يفيد التهديد ، فـ : (ذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ، وذلك آكد في الوعيد والزجر . والشاهد ، صدر الكلام ، في آية مريم : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، أن ضمير الجمع الغائب في "وَأَنْذِرْهُمْ" قد عم كل من يصح توجه الخطاب إليه ممن له عَقْلٌ يدرك المعنى ، لو كان غير مكلف ، فيحصل له من الاعتبار ما يواطئ فطرة الإيمان فلا يفتقر إلى تجديد عقده ، كما هي حال الطفل الذي نشأ في كنف أبوين كافرين ، فإذا بلغ افتقر إلى استئناف عقد جديد يواطئ الفطرة الأولى ويذهب ما علق بها من كدر التَّرْبِيَةِ الباطلة على الشرك والكفر ، فلا يزيل كدرها إلا مادة توحيد ناصح مستمدها الوحي النَّازِلُ بالصدق والعدل ، في الخبر والحكم ، فالوحي يصدق الفطرة ويؤكدها ، من وجه ، ويفصل ما أجمل منها ، فالصدق والعدل والإيمان بالرب ، جل وعلا ، والافتقار إلى معاني التأله والعبودية كل أولئك مما ركز في النفس البشرية ، ولكن الكفاية لا تحصل بهذا المجمل حتى ينضم إليه ما يُبَيِّنُ وَيُفَصِّلُ ، وليس إلا الوحي فهو وحده ، الذي جاء بما يعصم الجنان أن يَضِلَّ ، ويعصم الأركان أن تَغْوَى ، فلا يعصم قوة العلم من الشبهة ، وقوة العمل من الشهوة إلا الوحي المنزَّل ، فمادة الصدق تقطع أثر الشبهة ، ومادة العدل تقطع أثر الشهوة ، والوحي ، من وجه ثالث ، يقوم ما اعوج من الفطرة الأولى بما يكدر صفاءَها من خبث الشرك والكفر والعصيان ، فَيَفْتَقِرُ الكافر إذا بلغ أن يستأنف عقدَ توحيدٍ يَمْحُو أَثَرَ الكفر الذي درج في مهاده ، فيدخل ، في هذا العموم ، الرجال والنساء والصبية وكل من يعقل ، حضر أو غاب ، فجاء فعل الإنذار يحذر ، وَذَلِكَ موضع جلال حَسُنَ مَعَهُ إيراد اسم ا***رة ، فهو حسرة تعظم في حق من لم يؤمن فأبى واستكبر ، وقد أطنب في البيان بالظرف : (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) ، وذلك من قضاء التكوين النافذ ، وقد حُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، فلا يقضي في أمر الكون إلا الرَّبُّ ، جل وعلا ، إن في الأولى أو في الآخرة ، وإن كان الأمر في الآخرة أظهر ، ففي الدنيا ثم من ينازع ، فـ : (نَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ، و : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) ، وأما في الآخرة فلا منازع ، فـ : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، ودلالة "أل" في "الأمر" في آية مريم مَئِنَّةٌ من عهد مخصوص وهو أمر ا***اب والجزاء فلا أمر غيره يوم الحشر ، وزيد في التبكيت بحال تُبَيَّنُ هيئتهم الناقصة ، فـ : (هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، والظرفية المعنوية في لفظ "في" آكد في الذم إذ استغرقتهم الغفلة استغراق الظرف للمظروف ، فعقولهم وقلوبهم في وعاء الغفلة كائنة وهي عن صراط الحق ناكبة ، ولا يخلو تنكير لفظ "غَفْلَةٍ" ، لا يخلو من دلالة تعظيم وذلك آكد في الذم والنكير فهي غفلة عظيمة صرفتهم عن الإيمان ، ولازم ذلك التلبس بضده من الكفر ، فجاء الختام بِنَفْيِ الإيمان : (وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، وقد أطلق فَعَمَّ إذ انتفاء الأصل انتفاء للحقيقة كلها فما تجدي فروع فسد أصلها ؟! ، فانتفت بانتفاء أصلها فلا تنفع ، فـ : (قَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ، ودلالة المضارعة في : "لَا يُؤْمِنُونَ" آكد في الذم باستحضار الصورة ، وثم ، من وجه آخر ، إطناب يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا ، فَعُطِفَ اللازم على الملزوم ، والمسبَّب على السبب ، فالغفلة سبب رئيس في انتفاء الإيمان ، وإذا كانت الغفلة شَغَرَ المحل من الحق فاشتغل بضده من الباطل ، فنفي الإيمان يستلزم التلبس بضده من الكفران ، فحصل الإطناب بتعاطف الأحوال : "وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ" و "وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" ، على جهة التلازم الصريح في العقل . وَخِطَابُ الإنذار خطاب جلال فلا تَكْمُلُ الحال إلا باستيفاء القسمة في العقل ، فيشفع بخطاب البشارة فهو خطاب الجمال فيكون الكمال وهو وصف يطرد في هذا الوحي المحكم ، فإن وصف الرب ، جل وعلا ، جمال وجلال ، وأخبار الوحي وعد وهو مظنة الجمال ووعيد وهو مظنة الجلال ، وأحكامه عزائم وهي مظنة الجلال ورخص وهي مظنة الجمال ، فيكون الكمال الذي اتصفت به هذه الشريعة فقد جمعت جلال الرسالة الموسوية وجمال الرسالة العيسوية . وا***رة مئنة من تجدد ، فهي ، كما تقول بعض معاجم اللسان ، مئنة من ألم يتجدد بِفَوَاتِ الْمُرَادِ ، فزادت على الغم من هذا الوجه ، فا***رة تتجدد والغم لا يتجدد ، وذلك آكد في النذارة فذلك يومٌ لا ينفع فيه الندم . والله أعلى وأعلم . ??????? ??????: من آية : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ .....) || ??????: rss || ??????: اسم منتداك
|
|
|