من آية : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ ..)
ومن قوله تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) ، فدلالة "مِنْ" دلالة التبعيض ولا تخلو من بيان ال*** ، فتلك من آيات التكوين ، فثم عهد مخصوص رجحه السياق فخص عموم "آياته" ، إذ قصرها على آيات التكوين ، وقد يقال بعموم يستغرق الآيات جميعا الكوني والشرعي ، ويكون ذكر أولئك جملة من *** عام يستغرق جميع الآحاد ، وقد قدم ما حقه التأخير ، وهو الخبر المسند "من آياته" ، فهو الذي يثبت وصف الآيات لما بعده ، وذلك مناط الفائدة ، فإن الآيات هي مناط التدبر والنظر على وجه يحصل به الاعتبار في باب الرُّبُوبِيَّةِ بالاختلاف والتضاد ، فَذَلِكَ مَئِنَّةٌ من قدرة نافذة على خلق الأشياء ، وإن كانت من الأضداد ، فإن خلقها يدل على طلاقة القدرة التي لا تَنْفَكُّ تَقْتَرِنُ بالحكمة البالغة ، فكان خلق السماوات والأرض ، وذلك طباق الإيجاب بَيْنَ الأضداد فالسماوات فوق الأرض ، والأرض تحت السماوات ، فمن الآيات ما ترى من خلق السماوات والأرض ، وما كان من خلق التقدير الأول على وجه بَلَغَ ما بَلَغَ من الإتقان ، فظهرت آيات الحكمة والقدرة في الصنع : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) ، فَعَمَّ الخلقُ بالإضافة في "خلق السماوات والأرض" ، فَهُوَ يَعُمُّ خلق التقدير الأول وخلق الإيجاد الثاني ، ومن ثَمَّ عَطَفَ الاختلاف في الألسنة والألوان ، فحصل التَّغَايُرُ في الخلق على وجه يعم أنواعا وأضدادا دائرة ، فثم الأبيض والأسود ، والطويل والقصير ، والنحيف والسمين ..... إلخ ، فكل أولئك مئنة من طلاقة في القدرة توجب إفراده ، جل وعلا ، بالتأله ، فلا يعبد إلا هو بما شرع إذ ما خلق إلا إياه بما قدر في الغيب وقضى في الشهادة ، فكان خلق التكوين على أبدع صورة ، فتصوير الكائنات في الخارج مئنة من إتقان صنعة توجب إفراد رب العزة ، جل وعلا ، بالتشريع ، فذلك تأويل الإيمان النافع فلا يكون إلا بتحكيم الشرع النازل فليس دعوى لسان ولا صورة علم في الجنان لا تشفع بالدليل الشاهد من القول الناطق والعمل الظاهر ، فالإيمان صورة مركبة من أجزاء ، لا تحصل حقيقته النافعة إلا بحصولها ، فثم العقد الباطن وثم القول الناطق وثم العمل الشاهد ال**دِّق ، وتخلف جزء منها يقدح في حقيقة الإيمان إما قدحا في الأصل أو قدحا في الكمال الواجب ، على تفصيل في ذلك .
فكل ما تقدم من آيات التكوين مما تحصل به العبرة فهو مما يَنْتَفِعُ به المؤمنون ، فَعِلَّةُ التذكير أنه آية بها يكون الاعتبار إذ خلق الأضداد وتدافعها على وجه ينتظم به أمر العالم آية ظاهرة ، ولا يكون ذلك إلا أن يكون الخالق المدبر واحدا ، فَيَكُونَ تمانع الربوبية خلقا وإيجادا وإعدادا وإمدادا وتدبيرا بإجراء الأسباب وتدافعها فلا يكون انتظام أمر إلا بِتَدَافُعِهَا ، فهذا التمانع يستوجب نظيره في التأله والعبودية فإذ كان الاختلاف في الألسنة والألوان ...... إلخ ، وإذ كان التدافع بين الأسباب على وجه انتظم به أمر العالم ، وإذ كانت السُّنَّةُ واحدة في الخلق ، والحكمة بَالِغَةً في الشيء والضد ، فحكمة الخلق إحكام الصنعة ، وحكمة التدبير إحكام السنة في التَّوَافُقِ بين الأمثال ، والتدافع بين الأضداد ، فإذ كان كل أولئك مئنة من ربوبية تامة فلا يستحق التأله ، بداهة ، إلا الرب ، جل وعلا ، فهو الخالق الواحد الذي يدبر أمر الأبدان بما أجرى من الأرزاق ، فتلك آية إن في إِنْزَالِهَا أو انْتِفَاعِ الأبدان بها بما رُكِزَ فِيهَا من قوى الهضم والامتصاص والدفع لِفَضْلَةٍ مِنْهَا تُؤْذِي .... إلخ من سنن محكم به تحفظ النفس ، فذلك ، كما تقدم ، مقصد رئيس من مقاصد التشريع ، ولكنه ليس المقصد الأوحد ، وإلا استوى الإنسان المكلَّف والحيوان الأعجم ، بل لا يخلو شيء في الكون من تكليف بالتسبيح والتحميد ، وإن لم يفقه البشر لسانه ، فـ : (إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) ، فما خلق البشر ليأكلون ، وإنما خلقوا ليعبدون فَيَتَأَوَّلُونَ الغاية في نص الوحي أن : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، على وجه يحقق مقاصد الشرع ، ومنها حفظ النفس والنوع ، *** يهدر الشرع حاجة النفس إلى ما يقيم الأود ويقضي الوطر فتلك جبلة لا يجحدها إلا من تَنَطَّعَ فَتَكَلَّفَ ، أو عجز فلا وطر له ليقضيه ، فَمَاَ كان في دين الرسل ، عليهم السلام ، من أجناس الرهبانية ما أحدثه الخلف ، فَلَيْسَ إلا رأيا رآه بشر فاستحسنه لا سيما إذا فشت المنكرات ، وصار مناط الهمة تحصيل اللذة ولو بالقوة فذلك أصل راسخ في كل تصور مادي للحياة قامت عليه حضارات ومذاهب وصنفت فيه كتب ومراجع ، فصارت سياسة النفع محرك الدفع للأمم أن تَتَصَارَعَ ، وإن شئت الدقة أن تَتَهَارَجَ وَتَتَسَافَدُ كالحُمُرِ ، فثم خبراء في السياسة والحرب لا غاية لهم إلا وضع الخطط لاستلاب الأمم ما تملك ، كما تَرَى في طرائق السياسة والحرب في هذا العصر الذي درست فيه آثار النبوة ، فَلَئِنْ صحت *** تكن خرافة ! ، فقد انقضى زمانها فصارت أثرا بعد عين ! ، فقد انْتَقَلَ الناس من عصر البداوة إلى عصر الحضارة ومعيار التحسين والتقبيح فِيهِ هُوَ ما يحصل به النفع العاجل الذي يدرك با*** الظاهر فلا يقيم وزنا لحقائق الغيب وإنما اقتصر على ما يشهد ، فصارت الشهادة مستمد العلم إذ ينكر العقل مرجع الغيب فهو مرجع يتجاوز فيحكم من خارج ، فيخضع له العقل ، وذلك ما يأباه الطواغيت جميعا إن في الأفكار والمذاهب أو في الدول والممالك ، ف*** الطغيان واحد ومناطه الرئيس خُلُقُ إبليس إذ أبى واستكبر ، فالعقل إن طغى فظن في الأسباب غنى عن الوحي ، فصار الهوى والذوق هو المرجع ، فإنه ، بداهة ، يَأْبَى أن يَنْقَادَ إلى مرجع من خارج وإن جاوزه فالوحي يخبر بما لا يدرك العقل حقائقه وإن تصور معانيه المطلقة ، *** يَعُدْ ثَمَّ معيار حاكم إلا ا*** الشاهد ، وهو ، بداهة ، يَتَفَاوَتُ ، فالعقول مختلفة والنفوس على أنحاء شتى فلكلٍّ هوى وذوق على وجه يفضي إلى نسبية في النظر تنكر البدائه من الحقائق المطلقة التي أجمع عليها العقلاء فضلا عن أتباع الرسالة ، *** يعد ثم معيار محكم إذ تعددت الأهواء والأذواق ، فصار معيار ا***ن والقبح على أنحاء شتى فلا تكاد تطيق له حصرا فصارت الشرعة الواحدة شرائع تَتْرَى ففي كل يوم مذهب جديد له أصول وأحكام ، وكل يحكم بما يهوى ويجد فيحصل التعارض بل والتناقض وليس ثم من يفصل النزاع في أعصار الحداثة إذ النسبية قد قضت بما يخالف البدائه أن الحق واحد فالحداثة تجعل الحقيقة حقائق ، وتجعل كل ناظر **يبا ، وإن اختلفت الأقوال بل وتناقضت ، فلا يجتمع النقيضان ولا يَرْتَفِعَانِ ، فلا بد أن يشغل المحل بشاغل ، فإذا استقر في القلب عقد أو تصور زال من نقيضه ما يضاهيه فلا يجتمعان أبدا إلا على مذهب السفسطة ! ، وفي مذهب كهذا تغيب النبوة إذ حجبت بحجاب غليظ من الشهوة .
فصار كلام الوحي مظنة الاشمئزاز تارة والاستخفاف أخرى لا سيما وأهله قد عجزوا أن يُبَلِّغُوا على وجه صحيح *** يفقهوا الدين كله ، ولم يَضَعُوا الْيَدَ على مَوْضِعِ الخلل الأعظم ، خَلَلِ التَّصَوُّرِ فِي الغاية والْغَرَضِ من خَلْقِ هذا الكون الذي يَصْطَرِعُ على رياسته من يصطرع من البشر ، فلا يكاد صراع ينتهي إلا وآخر يبدأ ، وليس مناط الولاء والبراء إلا العاجل من اللذة ، سواء أكانت لذة النفس أن تعظم ، فقد جبلت أن تطغى بالأسباب إلا أن تحكم بوحي السماء فهو لجام يقيدها أن تطلب ما ليس لها من السيادة المطلقة ، فلا يكون ذلك إلا لمن بِيَدِهِ الأسباب كلها فهو يجريها ويمنعها ، وهو يدبر أمرها على وجه ينتظم به الأمر ، فمن ذلك وصفه فهو وحده الذي يحكم بأمره ونهيه فلا ينازعه في ذلك منازع ، فما أعظم الفساد الطارئ أن ظن من ظن من البشر أنه له سيادة في الكون مطلقة تجعل له حقا أن يشرع فيضع من الأمر والنهي ما يضاهي به الوحي ، بل ويعطل لأجله الرسالة أن تحكم إن في شرع أو سياسة فهو الذي يضع معيار التحسين والتقبيح وهو الذي يعين مقاصد الحكم الرشيد ! ، فليس بداهة إلا الحكم الذي يحفظ سلطانه في الأرض ، ولو سلطان جور وقهر ، فإن وافق الوحي فهو على منهاجه يسير فيدبج الدساتير والمواثيق بذلك ، ويفتتح الخطب بالآي والحديث ، وقد خالف عن سَنَنِ البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فالاشتغال بالفروع قبل تحرير الأصل الأول مضيعة للوقت والجهد ! ، فالتوحيد هو الذي يضع المعيار المحكم لكل فرع ، وهو قانون النظر الذي يجرد التأله فيصح التصور ، وأهل التوحيد ينظرون في مقاصده باستقراء نصوصه ، فلا عناية لهم إلا أن يحفظوها على وجه صحيح صريح فلا تأويل يتكلفه الناظر ليعتبر ما ألغى الشرع أن وافق حظ نفس ، كما يقع في كلام كثير من المتأولة في الشرائع والأحكام والسياسات ، فكم تأول من تأول أنه يحقق مقاصد الشرع ، وحقيقة الأمر أنه يجتهد في تحقيق حظ النفس فَلَهُ غَرَضٌ يَخْفَى على الخلق ولا يغيب عن الخالق ، جل وعلا ، فهو الذي يعلم الحقائق فلا تخدعه الظواهر كما يُخْدَعُ من يُخْدَعُ من البشر فَعِلْمُهُمْ يقتصر على الظاهر ومن فطن فَتَفَرَّسَ عَلِمَ من البواطن قدرا ولكنه لا يطيق الجزم وإنما غاية الأمر أن يظن ظنا راجحا معتبرا فلا يبلغ اليقين فذلك ما لا يعلمه إلا الرب العليم الخبير ، جل وعلا ، ولذلك كان الأصل في الحكم أن يجرى على الظاهر إلا لقرينة توجب العدول عنه إلى آخر يخفى ، بادي الرأي ، فلا يدل عليه ظاهر القول والعمل ، وإنما وجب العدول عن الظاهر الراجح إلى ضد مرجوح لا يَتَبَادَرُ إلى الذهن ، بادي الرأي ، وإنما وجب ذلك لِقَرِينَةٍ تعتبر في النظر والاستدلال ، فلا يكون الأمر تخرصا كما في تأويلات المعطلة ولا لعبا كما في تأويلات الباطنية ، فعظمت الجناية في تأويل الشرع المنزل على وجه يوافق الهوى المحدث ، فحاجات النفس لا تَنْقَضِي إذ جبلت على الفقر فهو وَصْفُهَا الذاتي الذي لا يُعَلَّلُ ، فإن رد الأمر إليها في التشريع فليس إلا التعطيل والتأويل على وجه يسد فاقتها فكيف يصح في الأذهان أن تحكم وتشرع فليس أمرها إلا فعلا غاليا في الاشتغال بحاجات البدن فَتَصِيرُ اللذة قيمة عظمى تُبَرِّرُ كل وسيلة في تحصيلها ولو بالقتل والسفك والهتك وتعطيل أحكام الشرع بل ومخالفة نواميس الكون إن أطاق ذلك ! ، وفي مقابله رد فعل آخر جَافٍ يهدر ما اعتبر في ا*** ضرورة من حاجات البدن التي ركزت في الجبلة فإنكارها خروج عن الفطرة والشرعة التي جاءت بما يسد هذه الحاجة ويهذب هذه القوة الشهوانية وما يحصل لأجلها من القوة الغضبية ، فجاءت الرهبانية رَدَّ فعل جاف في مقابل شهوانية غالية ، فجفاء في مقابل غلو ، ولا تستقيم الحال بأيهما ، فالغلو يفسد المحل بِزِيَادَةٍ تَضُرُّ إن فضولَ مباح أو اقترافَ محرم ، والجفاء ، في المقابل ، يفسد المحل فلا بقاء له إن منع السبب الذي أجراه الرب ، جل وعلا ، حفظا للذات والنوع ، فَانْفَرَدَ ، جل وعلا ، بِمَعْنَى الربوبية إذ أجرى أسباب التكوين والتدبير ، فَأَنْزَلَ من الأرزاق ، كما تقدم ، ما به تحفظ الأبدان ، فلا يستحق التأله ، بداهة ، إلا الرب ، جل وعلا ، فهو الخالق الواحد الذي يدبر أمر الأبدان بما أجرى من الأرزاق ، فَإِذْ سَلَّمَ النَّاظِرُ أنه الخالق المدبر ، الذي خلق المحال وأجرى الأسباب وَغَايَرَ في الأحوال ، من ضعف إلى قوة ، ومن صحة إلى مرض ، ومن نقص إلى كمال ، ومن كمال إلى نقص فَثَمَّ تدرج في البناء وآخر في الهدم ، فذلك مما يطرد ، إن في الأبدان أو في الأجرام أو في أحوال الممالك والدول ، فتنشأ من ضعف وتستوي على سوقها ثم لا يلبث الضعف أن يدب في أركانها بما يكون من الظلم والاستبداد ، ولا يكون ذلك ، عند التدبر والنظر ، إلا بقدر ما يُفَارِقُ أهلها من العدل إن في خاصة النفس أو عامة الشأن ، فَيَفْشُو الظلم ، فَالْأَفْرَادُ يَتَظَالَمُونَ ، فلا واجبات ولا حقوق ، وإنما هوى يغلب وإعجاب بالرأي يحمل صاحبه على الظلم فلا يرى الحق إلا ما يهوى ، فصورة المجموع المركب من هذه الصورة لا تكون بداهة إلا سياسة جور لا تحكم أيضا إلا بالهوى ، فما ابتليت الرعية بجور الساسة إلا أن تظالمت فعطلت من العدل ما آذن باستبداد الظالم ، وعطلت من الشرع ما لا تصلح الحال ولا المآل إلا به ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فعظمت الجناية بما عطل من معنى الشرع الخاص بل ومعنى العدل العام ، فلا دين يحفظ ولا دنيا تصلح ، فإن سَلَّمَ الناظر الذي يعتبر بأحوال الكون وما يجري فِيهَا من تَدَافُعٍ بَيْنَ الأديان والأبدان ، إن سلم بأن الرب ، واحد ، فاعتبر بآي الكون ، في الإيجاد والإعدام ، في الإعطاء والمنع ، في النفع والضر ، في الكمال والنقص ....... إلخ ، فإن سلم بذلك فليس القياس الصريح إلا أن يوحد رب العبيد ، جل وعلا ، بعقد الباطن وشرع الظاهر فيكون مِمَّنِ انْتَفَعَ بالآيات من اختلاف الألسنة والألوان ، فـ : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) ، فَثَمَّ استئناف بالمؤكد الناسخ ، وَذَلِكَ ، من وجه ، يجرى مجرى التعليل ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، فإن هذه الآيات لم تكن إلا للاعتبار ، فَهُوَ مقتضى القياس الصريح الذي يقضي بالتلازم بين المتلازمات ، فيحصل بالاعتبار الصحيح في باب الربوبية خلقا وإيجادا وتدبيرا ، يحصل به لازم آخر في باب الألوهية ألا يُعْبَدَ وَلَا يُطَاعَ إلا مَنْ لَهُ كَمَالُ الفعلِ في الكون ، في الخلق والرِّزْقِ والتدبير ، فجاء الاستئناف جَوَابًا لِسُؤَالٍ دل عليه السياق اقتضاء ، فَمَا عِلَّةُ التذكير بهذه الآيات المحكمة ؟! ، فالجواب : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ، وسيق اللفظ مساق التوكيد بأكثر من مؤكد في اللفظ والمعنى ، فَصُدِّرَ ، كما تقدم ، بالمؤكد الناسخ ، ولام التوكيد في "لآيات" فهي لام ابتداء حقها الصدارة فأخرت رعاية في النطق ألا يَثْقُلَ باجتماع مؤكدين صدر الكلام ، وثم من مؤكدات المعنى تقديم ما حقه التأخير "في ذلك" ، فهو يفيد الحصر مبالغة في تقرير المعنى فليس حصر الحقيقة إذ الاعتبار يحصل بغير ما تقدم صدر الآية ، وثم إشارة البعيد بـ : "ذلك" مَئِنَّةً من التعظيم فتلك آيات في الكون باهرة تقضي بتوحيد آخر في الشرعة الحاكمة ، وذلك ما يستحق التعظيم والتَّنْوِيهَ ، فكانت إشارة الْبَعِيدِ ، ولا تخلو من مواطئة لمشهور اللسان إذ يشار إلى ما انقضى مطلقا ، قَرُبَ زمانه أو بَعُدَ ، يشار إليه إشارة البعيد ، وثم دلالة اختصاص في اللام في "للعالمين" ، ولا تخلو من دلالة استحقاق ، لا إيجابا على الرب ، جل وعلا ، وإنما استحق من حصل العلم النافع ولا يكون إلا أن تظهر آثاره في الخارج في القول والعمل الظاهر ، وإنما استحق من تلك حاله أن ينتفع بالآيات فيحصل له كمال الاعتبار ، فتلك درجة العلم الذي امتاز صاحبه فلا يستوي من علم ومن جهل ، فجاء الاستفهام ينكر ويبطل ، فـ : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك مما يواطئ دلالة القياس الصريح ألا يسوى بين مختلفين بل وضدين فحسن إيرادهما شطري طباق بالسلب بين الإثبات "يعلمون" والنفي "لا يعلمون" ، فلا يستويان مثلا ، فذلك ، من وجه آخر ، إنشاء بالاستفهام أريد به الإخبار بالنفي ، وقد عم ، من وجه آخر ، إن في دلالة الموصول "الذين" فهو نص في العموم ، أو في إطلاق الفعل "يعلمون" و "لا يعلمون" فَعَمَّ جميع أجناس العلم وإن خص ، من وجه آخر ، بالعلم النافع إن في التشريع أو في التجريب فهو مناط المدح فلا يمدح بداهة علم يضر أو علم لا ينفع صاحبه وإن كان في أصله نافعا فصاحبه لم يحسن التدبر والنظر فاستعمله في غير ما وضع له ، وَفَاتَهُ أن يجرد القصد قبل البدء ، ولا تخلو اللام في "للعالمين" في آية الروم : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) ، لا تخلو من دلالة تعريض بمن جهل *** يتدبر ولم يعتبر وإن حصل له من العلم ما تُقَامُ به الحجة ، فَلَمْ يكن علمه علما ينفع إذ لم تحصل به الخشية التي توجب الانقياد الباطن والظاهر فذلك وحده العلم النافع ، فيفيد الحصر بالمفهوم أن هذه الآيات لا تَنْفَعُ الجاهل فلا يُحْسِنُ تَدَبُّرَهَا إلا العالم .