![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
عن الحفظ
لا يخلو النقص في الحال ، كما يقول بعض المحققين ، أن يحصل من الدين الفاسد والدنيا الفاجرة ، فالدين الفاسد يضعف المحل الباطن تصورا وإرادة ، والدنيا الفاجرة تشغل الجوارح عنا خلقت لأجله من العبادة بمعناها الأعم ، فإن حركات الفرد والجماعة لا تَسْتَقِيمُ فيحصل منها الخير إلا أن تَسْتَقِيمَ على منهاج الوحي ، فهو الذي به تحصل إمامة الدين والدنيا ، فَيُجْمَعُ لصاحبها من كمال الدين وحسن السياسة ما به يحصل الإجزاء في الأولى والآخرة ، وطلاب الدنيا ، لو فقهوا ، لعلموا أنهم لا يستمتعون بها إلا أن تكون لأجل ما خلقها رَبَّهَا ، جل وعلا ، وإن كان ظاهر الأمر مشقة ، فإن ذلك من طبائع الأشياء ، فلا ينال أمر في هذه الدار ، جليلا أو حقيرا إلا بمشقة ، فلا راحة ، ولو عاجلة ، تُنَالُ إلا على جسر من التعب ، وتلك ، كما يقول بعض المحققين ، فتنة عظيمة وشبهة خطيرة صدت كثيرا من الخلق أن يسلكوا جادة الحق ، فهي عندهم ذريعة إلى إفساد دنياهم التي بها يستمتعون ، ولأجلها يعملون ، مع أنهم قد يجهدون في تحصيل أسباب اللذة المحسوسة ما لا يجهدون في تحصيل لذة أعظم ، وهي لذة الروح أن تنعش بالطاعة ، فإنها لا تحيى بأسباب ا*** من المطعم والمشرب ، وإنما تحيى بأسباب الوحي ، فإنها معان شريفة تواطئ المحال اللطيفة ، وذلك قياس الحكمة أن توضع أسباب ا*** في المحال الكثيفة ، وأن توضع أسباب المعنى ، في المقابل ، في المحال اللطيفة ، فمن طلب اللذة بفساد في الدين وفجور في الدنيا ولا يَنْفَكَّانِ يَقْتَرِنَانِ ، فإن فساد الدين بتعطيل معاني الأخبار ، وتعطيل قضاء الأحكام ، يفضي إلى فساد عظيم في التصور والإرادة ، فمن أنكر العلم أنى له أن يخشى الرقيب المحصي ، وهو يعبد ربا لا يعلم ! ، وإن علم فالكليات دون الجزئيات ، كما يقول الفلاسفة ، فلا يحصي الإرادات الباطنة ودقائق الأعمال من الخوائن التي لا يدركها عامة الخلق إلا من قدر له أن يطلع على كَوَامِنِ نفوس ، وتلك حال عارضة فلا يحصي أحد أعمالَ أحد وإن بلغ الرقيب من البشر ما بلغ من دقة الإحصاء ، فلا يعلم ذلك إلا الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، فـ : (رَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) ، فتلك ربوبية الإحاطة ، وهي تجمع الجلال والجمال ، فإن الحفظ ، حفظ أسباب الدين التي يصح بها الباطن ، وحفظ أسباب الدنيا التي يصح بها الظاهر ، فذلك عطاء الربوبية إذ من يحفظ فهو الذي يخلق المحال ويمدها بأسباب البقاء ، وثم ربوبية جلال في الإحصاء ، فالرب ، جل وعلا ، يحصي أعمال العباد ، ما جل وما دق ، وذلك ما به يكون الجزاء الأوفى ، ومنه جزاء الجمال رحمة بالمؤمنين ، وجزاء الجلال عذابا يحيق بالكافرين ، فمعنى الحفظ ، معنى جلال إذ يحصي الأعمال جميعا ، وذلك عموم محفوظ لا مخصص له ، فقدم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد ، في قوله تعالى : (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) ، وزد عليه دلالة العموم في "كل" ، ودلالة المبالغة في "حفيظ" فهو "فعيل" بمعنى "فاعل" ، فالرب ، جل وعلا ، حافظ بل وحفيظ ، وقد أطلق الاسم فإن تقييده بالعموم المحفوظ ، كما يقول بعض أهل الشأن ، يجريه مجرى الإطلاق في الأسماء ا***نى ، فصح ، من هذا الوجه ، الثناء به على الرب ، جل وعلا ، فهو الذي يحصي الأعيان والأحوال ، الأقوال والأعمال ، بل والعقود والإرادات الباطنة ، بل ولحن القول الذي يخفى فصاحبه يُظْهِرُ ما لا يُبْطِنُ ، أو يجري الكلام على لسانه مجرى الرمز ، فيستعمل من فُنُونِ التورية ما يخفي مقصوده ، ولا يخفى ذلك على الرب العليم ، جل وعلا ، وإن خفي على البشر ، وذلك أَمْرٌ له أسباب ، فتلك سنة تجري في الكون والشرع ، فَثَمَّ أسباب وموانع وَثَمَّ أركان وشرائط ، فثم أسباب حفظ من كلم التكوين النافذ ، وثم أسباب حفظ من كلم التشريع الحاكم ، فإن الشرع ، لو تدبر الناظر ، أعظم حافظ ، فالأخبار تحفظ القلب من مادة الشرك والكفر التي تفسد التصور ، فضلا أن آثارها لا تنفك تظهر في الخارج ، ففساد الدين ، كما تقدم ، يؤذن بفساد الدنيا أن تخرج عن منهاج الفطرة والشرعة ، فإذا فسد التصور *** يحفظ بمادة الوحي التي ينزل بها الملَك الحافظ ، فهو للأخبار والأحكام حافظ ناقل ، فـ : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) ، فذلك قول الناقل ، فهو رسول الرب ، جل وعلا ، إلى الناقل الأرضي الذي يبلغ رسالة الرب ، جل وعلا ، ويبين معانيها ، فنسبة القول إلى الرسول الكريم ، نسبة تَبْلِيغٍ وَتَبْيِينٍ ، فبلغ الروح القدس ، عليه السلام ، أسباب الحفظ من كلمات التكوين ، فقد أرسل ، جل وعلا ، حافظا أول ، وهو روح القدس ، عليه السلام ، أرسله بكلم تكوين نافذ إلى حفظة في السماء والأرض ، يدبرون أمر هذا الكون ، بإذن الرب ، جل وعلا ، فثم من يدبر أمر الجبال ، وثم من يدبر أمر السحاب ، وثم من يدبر أمر الريح ...... إلخ ، وكلها أسباب يحفظ بها رب العالمين ، جل وعلا ، الكون ، ويحفظ بها الأبدان ، فضلا عن أسباب محسوسة من المطعوم والمشروب الذي يحفظ الفرد ، والمنكح الذي يحفظ النوع ، فالأسباب الحافظة في الجملة ، منها سبب مغيب ، وهذا السبب *** تحته أفراد ، فثم كلم التكوين النافذ ، فهو من وصف الرب الخالق ، جل وعلا ، فيسند إلى من تكلم به ، وهو الله ، جل وعلا ، وهو أعظم الغيوب ، وثم سبب مغيب آخر ، وهو الملَك الأول ، روح القدس ، عليه السلام ، وثم أسباب تحته وهي الملائكة التي تدبر أمر الكون بما يَبْلُغُهَا من كلم تكوين ، ومنها سبب ظاهر يحفظ الأبدان من المطعم والمشرب والمنكح ..... إلخ ، وثم قسمة أخرى ، فأسباب الحفظ منها أسباب الكون ، ومنها أسباب الشرع ، فيحفظ ، جل وعلا ، البدن بأسباب ا*** ، ويحفظ الدين بأسباب الوحي بما يُنْزِلُ من أخبار الصدق وأحكام العدل ، وذلك ، لو تدبر النظر ، أعظم من حفظ الأبدان ، فحفظ الأديان يصلح الأولى والآخرة ، وحفظ الأبدان غايته أن يستمتع الجسد ويلتذ بجملة من شهوات ا*** لا تخلو من شائبة النقص ، فإن صاحبها يجهد في تحصيل أسبابها ، ويجهد في تعاطيها ، ويحصل له من فُتُورِ البدن وخمول الأركان ما يعقب اللذة ، فهي عارض يطرأ ، ولو أفرط صاحبها فإن الروح الباطن تشمئز ، سواء أكان ذلك فضولا من المباح فهو يزيد عن حاجة البدن وما زاد عنها فهو يضر الآلة الهاضمة وسائر آلات البدن ، فضلا عما يصدر منها من مادة تضر ، فإن المعي إذا فسد صدر منه مادة فاسدة تفسد الأركان ، فهضم الطعام الضار ينتج مادة تضر ، فإذا أفرط الإنسان في تناول الدهون ، كما يقول بعض أهل الشأن ، فإن ذلك ينتج شقوقا حرة تهاجم خلايا الجسد وتدمرها ، فيكون الإفراط في تناول المباح من الدهن مما يضر البدن بالنظر في المآل وإن لم يجد أثره في الحال ، ففي الحال لذة تطرأ ، وطاقة تنشط ، فلا يخلو الدهن من فائدة ، ولكن الإفراط ، وإن في مباح ، يفضي إلى ضرر ، فَيُمْنَعُ المريض من المباح حمية ، فإن الإفراط فيه يضر السليم فضلا عن العليل ، فضلا عما يكون من حرج الروح اللطيف ، فالحرج يلحقها من وجهين ، فثم وجه يتبع ا*** على ما تقدم في مواضع سابقة ، فسنة الخلق في هذه الدار أن فطر ، جل وعلا ، الروح أن تكون تَبَعًا للبدن في الشعور باللذة أو الألم ، فيقع الألم على البدن ، بادي الرأي ، والروح له تَبَعٌ فيصيبها من الحرج ما يصيب البدن ، وهي تَأْلَمُ من فضول يزيد فإن ذلك يصرف صاحبها أن يرعاها ويتعاهدها بأسباب حفظ لطيفة تناسب جوهرها اللطيف فإنها لا تغتذي بسمن أو عسل ، وإن كانت تفتقر إلى أسباب ا*** من وجه آخر فإن حصول البدن على حاجته الرئيسة ينعش الروح أن تَبْقَى ، فلا تَبْقَى إلا في محل صالح توافرت له أسباب الصحة ، فإن حصلت الزيادة في أسباب ا*** فصار البدن متخما والروح هزيلا فلا تحصل السعادة التي يَرُومُهَا أصحاب الشهوات ، فإنها لا تحصل إلا أن يجري أمر المكلَّف على سنن الحكمة ، فيوضع الشيء في موضعه الذي يلائمه ، ويأخذ كل محل من السبب الذي يلائمه يأخذ منه بقدر ، فلا إفراط ولا تفريط ، فـ : "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ" ، فثم توكيد بالناسخ ، فضلا عن تقديم الخبر "لربك" وحقه التأخير في اللفظ ، ولا تخلو اللام فيه من دلالة استحقاق تُرَشِّحُ معنى الإيجاب في آخر الخبر : "فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ" ، فذلك يجري مجرى التذييل على الخبر الموطئ بإنشاء الأمر فبعد تقسيم الحقوق جاء الأمر بإيفائها على وجه صحيح لا غلو فيه ولا جفاء ولا تخلو الفاء في "فأعط" ، لا تخلو من دلالة تعقيب فذلك آكد في تقرير المعنى ، ودلالة تسبب فإن ما تقدم من إثبات الحقوق سبب في الأمر بإعطائها من يستحق على وجه صحيح تبرأ به الذمة فيخرج المكلف من عهدة الإيجاب ، وزد عليه تنكير الحق "حقا" ، فهو مئنة من التعظيم ، وذلك أمر يتفاوت ، فحق الرب ، جل وعلا ، أعظم من حق النفس ، وثم تقسيم استوفى أجزاء من القسمة على حد التدرج من الأعلى إلى الأدنى ، فحق الرب ، جل وعلا ، أعظم حق ، وبه ، لو تدبر الناظر ، صلاح الأمر باطنا وظاهرا ، فلا صلاح للأديان إلا أن تغتذي بأسباب الوحي الذي أنزله الرب ، جل وعلا ، ولا صلاح للأبدان ، في المقابل ، إلا أن تغتذي بما أباح الرب ، جل وعلا ، من المطعوم والمشروب ، وإلا أن تباشر ما أباح من المنكح الذي يحفظ به النوع ، فقد أحل الطيب وحرم الخبيث ، وتلك منة التشريع كما في قوله تعالى : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فذلك يعم كل طيب ، محسوسا أو معقولا ، مطعوما أو مشروبا أو منكوحا ، والخبيث ، في المقابل ، يعم المحسوس والمعقول ، فثم خبث الاعتقاد الذي يفسد الباطن بما يكون من تعطيل الأخبار والشرائع وذلك ما يعم شؤمه الدنيا إذ تعطيل الوحي يؤذن بفساد الحال فشؤم في الأبدان وضيق في الأرزاق وفساد في حال الفرد والجماعة إذ تعظم الأحقاد وتسوء الظنون ويخشى كل امرئ جاره أو خله وخدينه فتعطيل الشرع لا يكون إلا في ظل استبداد سواء أكان استبدادا يزعم الحكم بالوحي ، فهو يستميل أصحاب الفطر السوية ولا تخلو حالهم من غفلة ، فإن الوحي بصيرة لا غفلة ، نصح لا سذاجة ، كما رسخ في أذهان اغتذت على دعاية سوء بدأها المحتل ثم أكملها من استناب من الطواغيت أن يزهد الناس في الدين فقد صار مظنة الجهل والسذاجة وصار أهله أهلَ السلامة البله ! ، كما وصفهم في الماضي بعض أهل الكلام ، إذ صار الإيمان بظواهر النصوص التي يدل عليها اللفظ في سياق مركب يرجح دلالة على أخرى على وجه تحصل به القرينة المعتبرة ، صار ذلك من السذاجة والبلاهة فلا ينال التحقيق الذي يخرج صاحبه من عهدة البله ! إلا أن يجهد في تأويل النصوص على طرائق الفلسفة وإن أفضت إلى تعطيل الأخبار المنزَّلة بل والشرائع المحكمة فيكون استبداد العقل أن يقضي في الوحي قضاء الباطل ، فيعطل منه ما يعطل ويتأول لأجل ذلك ما يتأول وإن أعظم الجناية بنسبته إلى الحق وهو منه براء ، بل قد جاء بما ينقضه ، فالدين قد جاء لِيُحَرِّرَ العقل من استبداد التأويل ويحرر الأبدان من استبداد الحكم ، فيجعل الأمر لواحد لا يخطئ فهو العليم الحفيظ ، فذلك ، أيضا ، يدخل في عموم "كل" ، في قول الرب جل وعلا : (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) ، فإن استبداد الطاغوت إن كان فردا لا يخلو من الظلم والجور الظاهر أن يستأثر بالطيب فلا تجود نفسه إلا بالخبيث الذي لا يطعم ولا يشرب ، وذلك ما نهى عنه الوحي المحكم ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) ، فثم نداء التنبيه من العلي العظيم الذي علا بذاته ووصفه ، فهو نداء تعظيم بالنظر في وصف المنادي ، جل وعلا ، ولا يخلو من دلالة التكليف الذي يعم وإن اقتصر النداء على المؤمنين ، فأنيط حكم التكليف بالفعل بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة في "الذين آمنوا" ، وهو الإيمان ، وأنيط حكم التكليف بالقوة بكل من استجمع شرائط التكليف من العقل والبلوغ ، فذلك يعم كل أحد بالنظر في قرينة العموم في التشريع لا سيما في الرسالة الخاتمة التي جاءت للعالمين جميعا هادية إما بخبر الصدق أو بحكم العدل فحصل بها من أسباب الهداية ما استحق به الرسل عليهم السلام منصب الإمامة وهي إمامة لا تقبل الشركة فلا تنال بالكسب أو الاجتهاد ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، منصب اصطفاء واختيار تظهر فيه من آثار الحكمة أن يوضع الشيء في المحل الذي يَلِيقُ بِهِ فصنعت الأعيان على عين الرحمن ، جل وعلا ، وأمدت بأسباب الوحي من الخبر والحكم بلاغا لرسالات الرب ، جل وعلا ، فكان قول الرسول الكريم الذي بلغ الوحي من رب العالمين ، جل وعلا ، إلى الرسول البشري ، وكان قول الرسول الكريم من البشر أن يبلغ ما تحمل من الآي ، أخبارا وأحكاما ، فاستغرق الخطاب من هذا الوجه ، كل من خاطبه الرسول البشري ، سواء أكان خطاب المواجهة ، أم خطابا بواسطة كتاب أو رسول من عامة الناس ، كما أرسل النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أرسل من الصحب الكرام ، رضي الله عنهم ، رسل هداية بالقول والكتاب ، فكل أولئك يعمهم خطاب التكليف ، بالفعل أو بالقوة ، فجاء الأمر بالإنفاق من الطيب من التجارة والزراعة ، وذلك أمر يعم بدلالة التغليب فواو الجمع تستغرق جماعة الرجال وتستغرق جماعة النساء فتعم جميع المكلفين ، ودلالة "من" في "مِنْ طَيِّبَاتِ" دلالة تبعيض ولا تخلو من بَيَانِ ال*** ، والأمر بالشيء يَسْتَلْزِمُ النهي عن ضده ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، فجاء النهي عقيبه أن لا تنفقوا من الخبيث ، ودلالة الخبث هنا تعم ، فهي تستغرق الخبث المحرم ، وتستغرق المباح الرديء ، فلا تَقْبَلُهُ النفس إلا على مَضَضٍ ، فلا يقبل الرب ، جل وعلا ، إلا الطيب فهو الغني الحميد الذي لا يفتقر إلى سبب من بشر ، وقد حمدت ذاته وأوصافه فهي أقدس ما في الوجود إذ تَنَزَّهَت عن كل نقص وعيب فَلَهُ ، جل وعلا ، الكمال المطلق أزلا وأبدا ، فهو الأول والآخر ، فلا يجود الظالم المستبد إن ظلم نفسه فمنع الزكاة أو ظلم رعيته إن كان ممن ولي أمرا من أمورها ، لا يجود إلا بالخبيث إذ هو فقير إلى الأسباب مجبول على الشح والأثرة إلا من رحم ، جل وعلا ، ممن تَزَكَّى بخبر الشرعة وأحكامها ، فذلك ما يعصم صاحبه من الظلم في العقد والشرع والسياسة ، وبقدر ما يعتصم تكون النجاة بعقد توحيد وحكم تشريع وسياسة أمم ودول تقام بالكتاب الهادي والسيف الناصر فتحقق مقاصد الشرع في حفظ الأديان والأبدان فما نزل الوحي إلا لحفظها على وجه تظهر فيه ، أيضا ، آيات الحكمة البالغة في ترتيب المقاصد ، وفي الترجيح بينها حال التعارض . فاستبداد الطاغوت إن كان فردا لا يخلو من الظلم والجور الظاهر ، وإن كان استبداد أمة ركنت إلى الظلم فعطلت الشرع فهو ، في المقابل ، أعظم ، إذ جعلت الهوى والشهوة رائدها كما هي الحال في دساتير أمم أبت أن تخضع لسلطان الوحي فنظرها يقصر فلا يدرك إلا العاجل من شهوات ا*** ، ولا يعظم إلا طرائق السياسة والحرب التي تجعل لها السيادة المطلقة فهي ، كما تقدم مرارا ، مركز ينازع الرب ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصافه وهو الحكم بالعلم ، فلا يحكم ، جل وعلا ، بجهل أو هوى ، إذ هو الغني الذي لا يفتقر إلى سبب بل هو الحفيظ مطلقا ، فـ : (رَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) ، فالعموم ، من وجه آخر ، يعم حفظ الشرع خبرا وحكما ، وحفظ الكون إيجادا وإعداما ، إمدادا بالسبب الذي يلائم كل محل ، فمحل الباطن يلائمه سبب السماء من الأمر والنهي ، ومحل الظاهر يلائمه سبب الأرض من النبت والضرع ، فذلك حفظ الغني وأما الفقير فإنه يستبد بأسباب الشهوة إلا أن يرزق ورعا وحكمة ، فثم استبداد لطيف يخفى على كثير من النظار ، لا سيما مع حسن الظن وسلامة القصد ، فهو ينظر في ظاهر زائف من التأويل الباطل لنصوص الوحي إن في الخبر أو في الحكم ، وينظر في سياسات جائرة يتكلف أصحابها من تأويل المحكم ما يجعل المحكم من المبهم ! ، على وجه تعم فيه الباطنيةُ الفكرَ والسياسةَ ! ، فالحداثة في الفكر تارة ، وفي السياسة أخرى ، إذ صارت النسبية تهيمن ، فهي الحاكم المشرع الذي يَنْفِي ضرورة العقل فهو يحكم حكما واحدا في التحسين والتقبيح ، في التحليل والتحريم ، إلا أن يعرض طارئ يبيح المحظور ، فتلك ضرورة تقدر بقدرها ، أو يجري الأمر مجرى الانفكاك في الجهة ، فيكون الشيئ صحيحا من جهة ، فاسدا من آخر ، على وجه لا يحصل فيه التناقض إذ الجهة ، كما تقدم ، منفكة ، ***ا قل تعظيم الشرع في القلوب استجاز من استجاز من الطواغيت أن يَتَأَوَّلَ الشرع الحكيم على وجه يواطئ أهواءه في الحكم والسياسة ، وأن يجعل الحق نسبيا يدور مع أهوائه وحظوظه وجودا وعدما ! ، ونسب الدين المؤول إلى الدين المنزَّل ، فذلك استبداد يتحكم في تفسير النصوص أن يحملها على وجه يواطئ أغراضه وذلك أمر عمت به البلوى في الماضي وفي الحاضر ، وعمت به البلوى ، من وجه آخر ، كل مورد ، في العقائد والشرائع والسياسات ، فالباطنية ، عند التدبر والنظر ، *** يعم ، فهي تستغرق باطنية أهل الطريق ممن غلوا في تأويل النصوص حتى أسقطوا التكليف ، وباطنية الإسماعيلية ومن غلا في آل البيت ، رضي الله عنهم ، وهي ، من وجه آخر تستغرق باطنية في تأويل الأخبار ، وأخرى في تأويل الأحكام ، وثالثة في السياسات تهدر بها مقاصد الشرع وإن زعم صاحبها أنه يصلح الأمر ، فلسان الحال : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ، فيتأول **لحة الجماعة أنها **لحة واحد يحكم بأمره ، أو نخبة من البشر تَمْتَلِكَ ناصية الأسباب فهي تطغى في الحكم وتجور في القول والفعل ، وَتَسُنُّ من القوانين والمراسيم ما يحفظ **الحها فقد اختزلت **لحة الجماعة كلها في **لحة هذه النخبة ! ، فلا يسع الأفراد إلا السمع والطاعة مطلقا ولا يكون ذلك إلا لرسول يبلغ الشرع فطاعته طاعة الوحي المعصوم وهي في آخرها تؤول إلى طاعة الرب المعبود ، جل وعلا ، الذي استقل بوصف الحفيظ الذي عم بحفظه أمر الكون والشرع جميعا ، فله علم يحيط يوجب إفراده بحكم التشريع ، إذ لا يشرع ويحكم إلا من يعلم ويحيط ويرحم بما أجرى من أسباب الحفظ العامة والخاصة ، وأشرفها ، كما تقدم ، أسباب الوحي المنزل الذي تحفظ بها الأديان أعظم ما تبذل لأجله الدماء والأموال وسائر الأسباب فلا يقدم عليها شيء إذ هي مقصد الوحي الأول . فثم ، من يستبد ويتأول الشرع ، وثم من جهر بعداوة الوحي فاستبداده وظلمه أظهر وأعظم ، وكلما فارق الناظرُ الوحيَ ، فأفحش في الخصومة زاد الخبث في قوله وعمله إذ فسد باطنه بما فارق من الوحي ، فضلا أن يبغض الحق المنزَّل فتكون ال**يبة أعظم فهي تَنَالُ جوهر الدين وأصله ، فذلك من الخبث الذي حرمه الرب ، جل وعلا ، ف***ه ، كما تقدم ، منه خبث معقول من أخبار الكذب وأحكام الظلم وسياسات الجور ، وذرائعها ، كما تقدم ، تأويل أو عداء صريح ، وثم خبث محسوس ، منه المباح الردئ ، كما تقدم في آية البقرة ، فيحرم في الصدقة وإن أبيح في المطعم فَفِي خاصة النفس قد يزهد الإنسان فيتعاطى الأدنى من المطعوم أو المشروب على وجه لا يبلغ به الغلو في هجر الطيب فَيُلْحِقَ الضرر ببدنه فَيَلْحَقُهُ الإثم من هذا الوجه ، وقد يباح له من ذلك ما لا يجوز في حق رعيته أن يطعمها رديئا يضرها ، وتعظم الجناية إذا استأثر بالطيب وأطعم رعيته ، خصت أو عمت ، الرديء ، فتلك أثرة الطبع إن لم يلجم بحكمة الشرع ، فوحده الذي يلجم شهوة الطغيان في النفس أن تزيد عن الحد وأن تظلم في العطاء والمنع . ففضول المباح مما يفسد الحال ، فضلا عن المحرم ، فألم الضمير فضلا أن يكون ثم دين ، ألم ينسي صاحبه لذة ا*** العارضة ، وإن سكر فنسي فسرعان ما يصحو فيتذكر فذلك عاجل عقوبة في الأولى ، فضلا عن عقوبة أخرى أعظم في دار الجزاء الأوفى لمن استحق العقاب فَانْتَفَتْ في حقه موانع الوعيد على تفصيل في ذلك ، فلا يحفظ الإنسان من ذلك إلا أن يستمسك بعرى الوحي الحافظ الذي يحفظ العقد من الشرك ، ويحفظ الحكم من الجور ، وكل أولئك من حفظ الرب ، جل وعلا ، فهو الحفيظ بالعلم إحصاء ، وهو الحفيظ بما أجرى من أسباب الحفظ المغيبة والظاهرة ، وهو الحفيظ بملائكة تحفظ من أمر الله ، جل وعلا ، فـ : (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) ، فدلالة "مِنْ" في "مِنْ أمر الله" دلالة السببية ، فتأويلها الباء ، فتحفظ العبد من أسباب الضر بأمر الرب ، جل وعلا ، وإذنه الكوني النافذ ، فهي حفظة حتى يُوَافِيهِ الأجل ، فـ : (يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) ، وهي ، من وجه آخر ، حفظة تسجل الأقوال والأعمال وسائر الأحوال ، فتنسخ ما يظهر من علم الانكشاف في صحف الكتاب ، فـ : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، على وجه يواطئ العلم الأول المسطور في لوح المقادير . والله أعلى وأعلم . |
|
|