من آية : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ....) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-24-2016, 08:04 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ....)

من آية : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ....)
ومن قوله تعالى : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ) ، فتلك "أم" المنقطعة فَثَمَّ إضراب انتقال إِثْبَاتًا للجناية ، وقد قدم المتعلق "من دون الله" وحقه التأخير فهو محل الإنكار الرَّئِيسِ ، فليس محل الإنكار اتخاذ الشفعاء مطلقا فَثَمَّ من الشفاعات ما يشرع ، وإنما محل الإنكار ما كان مِنْهَا من دون الله ، جل وعلا ، فاتخذوا شفعاء على وجه يُحْظَرُ فَبِهِ يحصل الشرك الأكبر ، فَتِلْكَ هِيَ الشفاعة المنفية ، فلا تَنْفَعُ شفاعة في حق كافر ، ولا تكون شفاعة إلا بإذن الرب الخالق ، جل وعلا ، فَالشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ ما كانت في حق الكافر ، فلا تَنْفَعُ شفاعة مسلم لكافر ، ولا تنفع شفاعة اضطرارا فذلك ما يتصور في حق آحاد الملوك في هذه الدار فإن لهم من الأتباع من يخشون غضبهم فهو أوتاد الملك وأركانه وهم آلة الاستبداد والقهر ، فكانت شفاعتهم نوعا من أنواع التشبيه المذموم تشبيه الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق وَفِيهَا من تعطيل الرب ، جل وعلا ، من وصف كماله إذ يُوصَفُ أنه عاجز يفتقر إلى أعوان فيصطنع لهم من قبول الشفاعات ما يحصل به ولاؤهم وَمَعُونَتُهُمْ ! ، فليس مناط الإنكار اتخاذ الشفعاء مطلقا ، وإن كان اتخاذ الشفعاء في نفسه مظنة الإيهام ، فهو يَنْصَرِفُ في أحيان كثيرة إلى اتخاذ الوسطاء ، وتلك ذريعة المشركين ، فَمَا كَانَ غُلُوُّهُمْ في مَعْبُودِيهِم إلا بذريعة التَّشَفُّعِ بهم إلى الرب ، جل وعلا ، وذلك ، أيضا ، مِمَّا سَرَى إِلَى التَّوَسُّلِ ، فقد صار في أحيان ذريعة إلى أجناس من الشرك المذموم ، سواء أكان الشرك الأصغر بطلب الدعاء ممن لا يقدر فهو ميت لا يسمع وهو في نفسه ذريعة إلى شرك أكبر ينقض أصل الدين إذ يدعوهم مباشرة فلا يجعلهم الواسطة إذ لهم حظ وافر من تدبير الكون *** لا يدعوهم الداعي مباشرة بلا وساطة فيخلص لهم الدعاء ويوحدهم في النداء ؟! ، فنهي عن التوسل بطلب الدعاء من الميت ، فلا يجوز التوسل بالمخلوق من البشر ، إلا أن يكون حيا حاضرا ، ولا يكون ذلك إلا بدعائه ، كما في حديث الأعمى المشهور ، فَقَدْ دعا له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان دعاؤه له تأويل التوسل المشروع في هذه الحال ، فهو توسل بالدعاء لا بالذات ، فلئن حظر التوسل بذات الحي الذي يملك من أمره ما يملك ، فالتوسل بالميت يحظر من باب أولى ، فهو ذريعة إلى الشرك الأكبر أن يُدْعَى الميت نفسه ، فيطلب منه جلب النَّفْعِ ودفع الضر ، والباء في هذا الباب محل اشتراك ، فثم باء التوسل ، وثم باء السببية ، فمن قال : أسألك بالرحم ، يريد التوسل فذلك محظور ، ومن قالها يريد التسبب فذلك مشروع ، فالرحم سبب تحمل صاحبها أن يجيب السؤل ، وكذلك الشأن في الشفاعة ، فَثَمَّ شفاعة الشَّرِيكِ الذي يُقَاسِمُ شَرِيكَهُ الملك وله من التدبير والتأثير ما يظهر ، وهو ما ينقض معنى التوحيد في الخلق والرزق والتدبير ، فيكون ثم شريك لله ، جل وعلا ، فَهُوَ يشفعه في تَدْبِيرِ الكون لا أنه سبب يعمل بأمر الله ، جل وعلا ، كالملائكة فإنهم يدبرون الأمر لا على جهة الشراكة وإنما على جهة الخضوع والعبادة ، فهم مُعَبَّدُونَ بِأَمْرِ التكوين عابدون له ، جل وعلا ، بالتسبيح والتحميد ، فَالْمَنْفِيُّ هو الفعل الذي يستقل به السبب المؤثِّر ، كمن يزعم أن الملَك يدبر بأمره ! ، فلا يَسْتَقِلُّ مؤثر في هذا الكون بالفعل إلا الرب ، جل وعلا ، فكلمه الكوني النافذ هو السبب الذي لا سبب وراءه فهو أَثَرُ وصفه الفاعل ، وأما أي سبب آخر ، فهو مخلوق مربوب ، وهو ، مع ذلك ، لا يحدث الأثر إلا بإذن الرب المعبود ، جل وعلا ، الذي ركز فيه قوة التأثير والذي أجراها على سنن محكم ، ولا بد ، مع ذلك ، من قدر زائد ، وهو استيفاء شروط وَانْتِفَاءُ موانع ، وذلك ، أيضا ، مما يجري بقدر التكوين النافذ ، فَكُلُّ ما سوى الله ، جل وعلا ، من الأسباب فهو مخلوق مربوب ، فَلَا يَسْتَقِلُّ بالتأثير وإنما يُؤَثِّرُ بإذن الخالق المهيمن ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَلَيْسَ ثَمَّ شفيع له في الخلق والتدبير ، فهو الغني الحميد الذي لا يفتقر إلى غيره لِيَقْبَلَ شفاعته اضطرارا كما تقدم من حال الملوك فِي الدنيا ، فليس ثم من يشفع عنده إلا بإذنه ، فـ : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ، فذلك استفهام أُشْرِبَ معنى النفي ، وهو يجري مجرى الاستعارة أن ناب الاستفهام وهو إنشاء عن النفي وهو خبر ، فآل المعنى إلى النفي : فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ، فيجري ذلك ، من وجه آخر ، مجرى القصر بأقوى أَسَالِيبِهِ ، النَّفْيِ والاستثناء ، وثم إطناب بالزيادة في المبنى بـ : "ذا" يفضي إلى إطناب يضاهيه في المعنى ، وَثَمَّ عموم دَلَّ عليه الموصول "الذي" ، وهو موصول اسمي خاص ، ودلالته دلالة العام ، إذ استغرق كل شفيع من الإنس والجن والملَك ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى الاستعارة إذ أطلق الواحد الخاص في لفظه ، وأراد العام في دلالته ، فضلا عن نيابة اللفظ المذكر عن المؤنث ، فدلالة التغليب تعم الإناث ، فهن يدخلن في هذا العموم ، فحصل العموم بالنظر في النوع بدلالة التغليب إذ أطلق واحدا من النوعين وهو المذكر ، وَأَرَادَ النَّوْعَيْنِ جميعا ، وحصل العموم ، أيضا ، بالنظر في الأفراد ، إذ أطلق الاسم الموصول المفرد وأراد الجمع المستغرِق ، فَانْتَفَتِ الشفاعة إلا بإذن الله ، جل وعلا ، وهو إذن التكوين النافذ ، والإذن *** عام تنقسم موارده في الخارج ، فَثَمَّ إذن التكوين النافذ ، وثم إذن التشريع الحاكم ، كما في قوله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، فذلك من الإذن الشرعي الذي حذف فاعله وهو الله ، جل وعلا ، فهو الشارع الذي يأذن ويمنع ، وَيَأْمُرُ وَيَنْهَى ، و : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) ، فَجَعَلُوا إذ شَرَعُوا من الدين ما به أحلوا وحرموا ، فجاء الأمر على جهة التَّحَدِّي ولا يخلو من دلالة التَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ ، جاء الأمر أن : (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) ، فَثَمَّ استفهام إنكار وإبطال فَلَمْ يأذن ، جل وعلا ، بذلك إِذْنَ التشريع وإن شاء وقوعه بإذن التكوين ، ومن ثم جاء الإضراب انتقالا من الإنكار إلى تقرير الجناية فأكد بتقديم ما حقه التأخير وهو الجار والمجرور "على الله" ، فالافتراء يذم مطلقا فكيف إن كان على الله ، جل وعلا ، فَتَعْظُمُ الجناية من هذا الوجه ، أن يَزْعُمَ زاعم وقوع شيء في هذا الكون بلا إذن من الرب ، جل وعلا ، إذن التكوين النافذ ، أو يزعم في باب التحليل والتحريم وهو من أعظم أبواب الدين فهو مئنة من الطاعة وهي ، لو تدبرت ، جوهر العبادة ، فما العبادة إلا طاعة مَبْعَثُهَا الحب والخوف ، فالأول يحمل على الفعل رغبا ، والثاني يحمل على الترك رهبا ، وما العبادة إلا اسم يجمع ما يحب ، جل وعلا ، من القول والعمل ، ما بطن وما ظهر ، ومن الفعل ما هو ترك فَبِهِ يكون التأويل الصريح للوعيد الصحيح ، فإن الوعيد على فعل ، وذلك خبر ، يستوجب النهي ، وذلك إنشاء ، فهو مئنة من التحريم الذي يحمل الناظر على تَرْكِ الْمَنْهِيِّ ، وذلك ، كما تقدم ، فعل في صحيح المذهب ، ولا ينفك ، في الطريقة الشرعية والعادة الجبلية ، لا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ بِأَمْرٍ بضده ، فَالنَّهْيُ عن الشيء يَسْتَوْجِبُ الأمر بضده ، ولو مباحا يشتغل به المحل ، فذلك يرفع المحظور ، فضده الدائر ، الواجب والمندوب والمباح وكلها تشغل محل الفعل والقول بما لا يضر من المحرم أو المكروه وَيُلْحَقُ بهما الفضل الزائد من المباح فإنه ، أيضا ، مما يذم ، وإن لم يكن ثم إثم بالنظر في المبدأ ، وإنما يكون الإثم بالنظر في المنتهى أن يتذرع به الفاعل إلى الوقوع في المحرم ، فالفضول مادة تزيد في قوة الشهوة ، وهي تروم الإشباع إن بالحلال أو بالحرام ، فإذا اشْتَغَلَ المحل بشيء لم يَشْتَغِلْ بضده ، فذلك قياس العقل الصريح ، فالنفس إذا لم تشتغل بالحق شغلت صاحبها بالباطل ، فلا يَبْقَى المحل شاغرا ، فصار المباح ، من هذا الوجه ، مأمورا به في الشرع ، بالنظر في ال*** العام ، *** المأذون فيه ، إذن التشريع ، فيؤمر ب***ه ألا يشتغل المحل بضده ، من وجه ، ويؤمر ب***ه إذ به قوام الحياة للأبدان والأنواع ، فإن المطعوم والمشروب بالنظر في آحاده من المباح فلا حرج في ترك بعضه في أحيان ، بل قد يجب ذلك ، إما إيجاب الشرع الأعم ، كما في الصوم فهو فريضة تعم جميع المكلفين ، أو إيجابا أخص ، إيجاب الحمية ألا يطعم أو يشرب ما يضره وإن كان مباحا في الأصل وإنما عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ طارئ من عِلَّةٍ فِي الْبَدَنِ تُوجِبُ الْكَفَّ عن تناول المباح حمية يصان بها من التلف ، فقد يأثم ، من هذا الوجه ، إن تَنَاوَلَ ما يَضُرُّ البدن ، فقد خالف النهي في قول الرب جل وعلا : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، فثم عموم يستغرق القتل وكل ما يفضي إليه من إلحاق الضرر بالبدن على وجه يضعفه بل قد يهلكه ولو بالنظر في المآل ، فنهي عن القتل في الحال وفي المآل ، ونهي عما يضر إن حالا أو مآلا سواء أكان قريبا أم بعيدا ، سواء أكان ذلك من الخبيث ، بادي الرأي ، فيدخل في عموم قوله تعالى : (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فثم إخبار على جهة التقابل والطباق بالإيجاب بين عاملي الحل والحرمة ، فذلك إخبار يوجب الإنشاء للنهي ، فالنهي إنشاء يستفاد إما بدلالة قياسية في اللسان ، وهي دخول لا الناهية على الفعل ، أو بدلالة اللازم من إنشاء آخر ، وهو الأمر بالكف ، فلازمه النهي عن الشيء إما نهي التحريم ، وإما نهي التَّنْزِيهِ ، أو بدلالة الخبر الذي يفيد الإنشاء ، كما في هذا الموضع فالإخبار عن الشيء أنه محرم أو خبيث ..... إلخ من أوصاف النقص ، كل أولئك مما يرشح دلالة النهي والكف ، فنهي عن القتل في الحال وفي المآل ، ونهي عما يضر إن حالا أو مآلا سواء أكان قريبا أم بعيدا ، سواء أكان ذلك من الخبيث ، كما تقدم ، أم كان من الطيب ولكن ثَمَّ عارض من عِلَّةٍ تَمْنَعُ الانْتِفَاعَ بآثاره .

والشاهد أن *** الإذن يعم فمنه إذن التشريع ، ومنه إذن التكوين ، محل الشاهد في آية الكرسي في قوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ، فانتفت الشفاعة إلا بإذنه إذ استعير الإنشاء وهو الاستفهام للخبر ، وهو النفي ، كما تقدم ، وقد عم الإذن إذ أضيف إلى الضمير في "بإذنه" ، فحصل العموم في الشطرين ، فثم عموم دل عليه اسم الاستفهام ، وثم آخر دل عليه الموصول ، وثم في الشطر الثاني عموم دَلَّتْ عليه الإضافة إلى الضمير في "بإذنه" ، فهو ذريعة إلى التَّعْرِيفِ في اللَّفْظِ والتَّعْمِيمِ في المعنى ، فيعم الإذن لكل شفيع من الأنبياء ، عليهم السلام ، والشهداء وعامة الصالحين ، وشفاعة الملَك ، فلا يكون شيء من ذلك إلا بإذن الرب الخالق ، جل وعلا ، فانتفت شفاعة الشريك فَذَلِكَ مَئِنَّةٌ من الافتقار إلى الشريك أن يشاطره التكوين والتدبير ، ولا يخلو من معنى الاضطرار فالشريك لا يقدر أن يتصرف في الشيء تصرفا مطلقا بل لا بد أن يُرَاجِعَ شريكه ، وذلك ما يقدح في تمام الملك ، وهو ، بداهة ، ما انْتَفَى ضرورة في حق الرب الخالق ، جل وعلا ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي المَلك والمُلك ، فلا يَفْتَقِرُ إلى إذن غيره ، فتلك ، كما تقدم ، الشفاعة المنفية ، فجاء التوبيخ في الآية : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ) ، فاتخذوا من دونه شفعاء ، والنكرة "شفعاء" في سياق الإثبات مئنة من الإطلاق ، كما قرر أهل الشأن ، فيصدق الخبر ولو بحصول واحد من أفراد ال*** الذي يدل عليه لفظ النكرة ، فهم شفعاء بالنظر في مجموعهم ، وإن كان ثَمَّ من يَتَّخِذُ منهم واحدا دون بَقِيَّةُ الشفعاء فَيَصْدُقُ فيه أنه اتخذ من دون الله ، جل وعلا ، شفعاء ، وإن كان من يَتَّخِذُه شفيعا واحدا لا غير ، فقد دخل في جملة من اتخذ الشفعاء بالنظر في المجموع فضلا أن الوصف الذي أنيط به الذم قد حصل في حقه ، ولو باتخاذ شفيع واحد ، كما تقدم ، فمناط الذم اتخاذ واسطة بَيْنَ الرب ، جل وعلا ، والعبد ، فذلك من نواقض الإيمان ، كما قرر أهل الشأن ، فإن اعتقاد الواسطة بين العبد والرب ، جل وعلا ، تدعى وتعبد ! ، وصاحبها يزعم أنه يستشفع بها ويتوسل ، وذلك من أعظم الشبهات التي حملت من غَلَا في الصالحين أن يتوسل بهم توسلا غير مشروع ، فَيَسْأَلُهُم الدعاءَ وهم أموات ، وذلك من التكليف الذي لا يكون إلا من حي ، فالدعاء لا يتصور من ميت إذ انقطع تكليفه فضلا أنه لا يسمع ولا يُبْصِرُ ولا يتكلم ، فحاله قد آلت إلى حال تحاكي حال الجماد ، فليس ثَمَّ عاقل يطلب الدعاء من حجر أو شجر ! ، بل الميت أشد احتياجا إلى دعاء الحي لا العكس ! ، فاعتقاد الواسطة على هذا النحو ، وهو طلب الدعاء من الميت هو من الشرك الأصغر الذي ينقض كمال الدين الواجب دون أصله الجامع ولكنه ، من وجه آخر ، ذريعة إلى الوقوع في الشرك الأكبر أن يعتقد فيهم النفع والضر فضلا عن الأمر والنهي في هذا الكون فهم شركاء في الملك والخلق والتدبير ! ، فَلَهُمْ من قوة التأثير ولهم من الجاه ما يجعلهم أربابا تَتَصَرَّفُ وتلك ذريعة أن يتخذوا آلهة تسأل ، فالعبادة تدخل في حد الألوهية ولا تكون بداهة إلا لمن يعتقد فيه الداعي قدرة على التأثير في الكون بالضر والنفع وذلك ما يدخل في حد الربوبية فهي *** يستغرق الخلق والتدبير ، فيكون التلازم ، كما تقدم مرارا ، بين الألوهية والربوبية إن في التوحيد فإفراده ، جل وعلا ، بالتوحيد في الفعل ربوبية ، ذريعة إلى توحيده في أفعال العباد ألوهية ، والقياس يطرد وينعكس ، فالشرك في الربوبية ذريعة إلى الوقوع في الشرك في الألوهية ، ومبدأ الأمر الغلو في المخلوق ، فهو من آكد أسباب الشرك في الألوهية ، فإنه إن اعتقد في المخلوق قدرة على النفع والضر أو جاها عند الله ، جل وعلا ، يجعله شريكا في التدبير ، فيصح أن يكون شفيعا تقبل شفاعته اضطرارا ، وذلك ، كما تقدم ، من سوء الأدب مع الرب ، جل وعلا ، وسوء الظن به أن يعتقد المكلف أنه يقبل اضطرارا شفاعة أعوانه وشركاءه إذ يفتقر إليهم ، وقل مثله فيمن يغلو في المخلوق فيظن فيه كمالا في التصور فهو يعلم الغيب ويدرك من وجوه النفع والضر ما يجعله أهلا أن ينازع الرب ، جل وعلا ، منصب التشريع ، فيكون الشرك في الألوهية تحاكما ، فذلك شرك الطاعة ، فَيَكُونُ الشرك في التحاكم فَرْعًا على غلو في التصور إذ اعتقد في المشرع الأرضي من أوصاف الكمال الرباني علما وحكمة وتدبيرا ما جعله يتخذه إلها يشرع له ، فما كان ذلك إلا فرعا على إشراك في الربوبية ، كما في قول رب البرية جل وعلا : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، فاتخذوهم أربابا أن جعلوهم مشرعين يحلون ويحرمون ، وإن خالفوا الشرع المنزل فأحلوا ما حرم ، وحرموا ما أحل ، فحصل التلازم ، كما تقدم ، بين شرك الربوبية خلقا وتدبيرا ، وشرك الألوهية طاعة وتشريعا .

فحصل الغلو في إثبات الوسائط ، وهو محل الشاهد ، على وجه يقدح في كمال الربوبية ، فَيَكُونُ الاستشفاع بهم اضطرارا ولو لم يشأ الرب ، جل وعلا ، ولو لم يكن على الوجه المشروع ، كطلب الدعاء من الحي الحاضر ، فذلك من أنواع التوسل المشروع ، أو كان فيه من الشفاعة لمن لم يأذن الرب ، جل وعلا ، في قَبُولِهِ ، فلا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا بإذنه ورضاه وهو القدر الفارق بين الشفاعة عند الخالق ، جل وعلا ، والشفاعة عند المخلوق ، فلا يشفع أحد في مشرك ، ولو كان نَبِيًّا ، كما يكون من الخليل ، عليه السلام ، مع أبيه ، وإن اختص النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنوع من الشفاعة في مشرك هو عمه أبو طالب ، وهي شفاعة تخفيفٍ للعذاب لا شفاعة رفع له فذلك ما لا يكون في حق مشرك لعموم النفي في قول الرب جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ، والخبر ، كما قرر أهل الشأن ، لا ينسخ ، فلا تكون شفاعة مشروعة إلا بإذن الرب ، جل وعلا ، فلا تَكُونُ اضطرارا ، كما تقدم مرارا ، من حال الشفعاء عند ملوك الدنيا ، فـ : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ، و : (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) ، فثم نفي تسلط على ال**در الكامن في الفعل "تنفع" فأفاد العموم من هذا الوجه ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، وثم قصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، وهو قصر حقيقي إذ أنيطت الشفاعة النافعة بإذن الرحمن ، جل وعلا ، وهو إذن التكوين ، كما تقدم ، ورضى القول الشافع ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى التَّعَاطُفِ بَيْنَ المتلازمين ، فَيَأْذَنُ ، جل وعلا ، ولا يأذن بداهة إلا لمن هو أهل أن يَشْفَعَ مِمَّنْ رضي قوله من الأنبياء ، عليهم السلام ، والملائكة والصديقين والصالحين والشهداء ، فحصل التلازم فحسن التعاطف ، من هذا الوجه ، و : (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) ، فصدر الكلام بنفي مؤكد ، فدلالة "شفيع" ، وهو نكرة في سياق النفي بـ : "ما" ، دلالته دلالة العموم الذي يستغرق آحاد ال*** الذي يدل عليه لفظ النكرة ، ودلالة العام دلالة ظن راجح ، فَلَمَّا دخلت "مِنْ" وهي تُفِيدُ التنصيص على العموم ، لما دخلت على النكرة في سياق نفي ، زادت في دلالة النفي من الظنية إلى القطعية ، من الظاهر إلى النص ، فصار العموم محفوظا من هذا الوجه فلا يحتمل التخصيص فلا يتصور أن يشفع أحد عند الرب ، جل وعلا ، بغير إذنه ، وثم ، أيضا ، قصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، وهو قصر حقيقي إذ لا يتصور ، كما تقدم ، شفاعة تنفع بغير إذنٍ من الرب المهيمن جل وعلا .

ولا تكون شفاعة ، من وجه آخر ، إلا في حق من ارتضى ، فيكون ممن له توحيد في الجملة فلا تقبل الشفاعة في مشرك ، فـ : (لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) ، فَتَسَلَّطَ النَّفْيُ ، أيضا ، على ال**در الكامن في الفعل "يشفعون" فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، وهو ، كما تقدم ، آكد في تقرير المعنى ، ودلالة العموم في واو الجمع ، وإن انصرفت إلى الملائكة بالنظر في السياق إلا أنها ، من وجه آخر ، تستغرق بدلالتها كل شفيع إن ملَكا أو نَبِيًّا أو صالحا ..... إلخ ، فثم دلالة عموم معنوي تتسع دائرته ما لا تتسع دلالة السياق الذي خص الملائكة بالذكر ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى الخاص الذي أريد به عام ، فهو من مجاز الدلالة عند من يجوز ذلك في الشرع واللسان ، إذ اتسعت الدلالة بإطلاق الخاص وإرادة العام كما تضيق الدلالة في المقابل بإطلاق العام وإرادة الخاص ، وثم قصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، وهو ، أيضا ، من القصر الحقيقي ، وذلك آكد في تقرير المعنى .

فجاء الإنكار صدر الآية : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ) ، وجاء التحدي على وجه يبطل الشبهة بقرينة عقلية صحيحة ، فإن الشفيع لا بد أن يملك ويعقل ، فهو ذو حظوة عند من يشفع عنده على وجه يجعل الأخير يقبل شفاعته ولو اضطرار ، وذلك ، كما تقدم ، من شُؤْمِ التشبيه الذي يفضي إلى التعطيل بِنَفْيِ وصف الانْفِرَادِ التَّامِ في الربوبية خلقا وتدبيرا وهو ما يوجب إفراده ، جل وعلا ، بالتأله ، فلا يدعى إلا هو ، ولا يدعى إلا بما شرع ، فَيَكُونُ الإخلاص أَوَّلًا والمتابعة ثَانِيًا فلا تقبل عبادة إلا بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ ، فلا تطلب الشفاعة ممن لا يَمْلِكُ ولا يعقل ، فجاء الاستئناف على جهة التحدي بحجة عقلية صريحة ، فجاء الاستئناف بالأمر أن : (قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ) فذلك من استفهام الإنكار والتوبيخ ، فأبطل وجوه الاستشفاع على جهة السبر والتقسيم ، فاستوفى أجزاء القسمة على جهة التعاطف بين الشطرين ، فـ : (لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا) ، فأطنب بالكينونة الماضية في "كانوا" مئنة من ديمومة الاتصاف في الزمن الماضي ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، وزد عليه ما تقدم من تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "يملكون" ، فيفيد العموم من هذا الوجه فلا يملكون أي ملك ، وثم عموم آخر إذ وردت النكرة "شيئا" في سياق النفي ، فلا يملكون أي شيء ، لا من الأعيان تكوينا ولا من الأحوال تدبيرا ، ومن ثم استوفى القسمة بالشطر الثاني : (وَلَا يَعْقِلُونَ) ، على وِزَانِ ما تقدم من تسلط النَّفْيِ على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم وذلك آكد في الإنكار والذم .
ومن ثم أطنب بأمر آخر أن : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) ، فقدم ما حقه التأخير "لله" مئنة من الحصر والتوكيد وزد عليه دلالة اللام فهي مئنة من الاختصاص والاستحقاق فلا تكون شفاعة صحيحة مقبولة إلا له ، جل وعلا ، بما شرع ، فهي لغيره ، أيضا ، ولكن بما تقدم من شرط ، فإذن للشافع ورضى عن المشفوع ، فتكون له ، من هذا الوجه ، إذ لا تنفع إلا بما شرع ، وثم إطناب بالحال "جميعا" توكيدا لما تقدم من اختصاصه ، جل وعلا ، بالشفاعة النافعة ، ولفظ الجمع ، كما يقول بعض المعربين ، بالنظر في تعدد الشفاعات من جهة تعدد الشافعين ، ومن ثم أطنب بأوصاف الربوبية التامة في الخلق والتدبير والمرجع يوم الحشر إذ تظهر آثار الربوبية الظهور التام ، فـ : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، فكل أولئك مما يرشح إفراده ، جل وعلا ، وحده بالشفاعة ، إذ له كمال الملك والتدبير ، فـ : (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، فثم دلالة استحقاق واختصاص ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير في "لَهُ" ، فَلَهُ ، جل وعلا ، وحده ملك السماوات والأرض ثم إليه وحده ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، ترجعون ، فـ : (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، فانتهاء غاية الرجوع إليه وحده ، فَلَهُ ربوبية الأولى ملكا للسماوات والأرض ، وله ربوبية الآخرة إذ ترجعون إليه وحده ، فحسن ، من هذا الوجه ، الإطناب بأوصاف الربوبية على وجه ينفي أية شفاعة بلا إذنه تبارك وتعالى .

والحق دوما يضيع بَيْنَ طرفين ، طرف غال وآخر جاف ، فثم من غَلَا في الشفاعة حتى أثبت الشفاعة الباطلة ، شفاعة المشركين إذ اتخذوا معبوداتهم ، سواء أكانت حية أم ميتة ، اتخذوها وسائط بينهم وبين الله ، جل وعلا ، فصار من صار يَتَوَسَّلُ بالأولياء والصالحين ، إن صدق أنهم كذلك ! ، وصار من صار يَتَوَسَّلُ بالنبي ، وإن كان ثم خلاف له حظ من النظر ، في مسألة التوسل بذوات الأنبياء عليهم السلام ، فثم من أجازها استدلالا بظاهر دعاء الأعمى ، فـ : "اللهم إني أسألك ، وأتوجه إليك بنبيك محمد" ، *** يقدر المحذوف ، وهو الدعاء إذ الأصل عدم التقدير ، والمخالف يجيب بأن قرينة السياق إذ دعا له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، هذه القرينة تُرَجِّحُ تقدير المحذوف ، فتأويل الكلام : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بدعاء نَبِيِّكَ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك تأويل صحيح إذ ثَمَّ قرينة من السياق له تشهد ، وهي قرينة صحيحة تعتبر ، كما قرر أهل النظر ، فَثَمَّ خلاف سائغ في التوسل بذوات الأنبياء ، عليهم السلام ، فَقَاسَ من جوز ذلك ، قَاسَ بَقِيَّةَ الأنبياء ، عليهم السلام ، على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وثم من حَظَرَ ذلك ، وهو قولُ الجمهور الرَّاجِحُ ، وإن كان الخلاف كما تقدم من الخلاف السائغ ، فحظره سدا لذريعة الغلو في ذات المتوسَّل به فضلا أن ذلك قد صار ذريعة إلى توسع غير مرضي أن جوز من جوز التوسل بعامة الصالحين ، فصار العكوف أمام الأضرحة والمشاهد ، والغلو في أصحابها ، ولو فساقا ! ، والإتيان بوجوه من العبادة لا تصرف إلا لله ، جل وعلا ، والحجة أن ذلك من التوسل بالصالحين ، فذلك مما ينهى عنه سدا لذريعة الوقوع في الشرك ، فذلك طرف غلا فأثبت الشفاعة الباطلة ، وثم طرف آخر جفا ، كأهل الاعتزال والخوارج ، إذ نفوا الشفاعة مطلقا ، ولو كانت شفاعة مشروعة استوفت شرائط الصحة من إذن الرحمن ، جل وعلا ، والرضى عن المشفوع له أن يكون من أهل التوحيد وإن كان من أهل الكبائر فَلَهُ شفاعة صحيحة ثابتة ، فـ : "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي" ، وهي من موانع نفاذ الوعيد ، كما قرر أهل الشأن ، فاستدل أولئك بِبَعْضِ الكتاب دون بَعْضٍ ، فاستدلوا بهذه الآية : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) ، فلا شفاعة لغيره ، مع أنه قد أثبتها لغيره بشرط الإذن والرضى كما تقدم ، و : (مَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) ، و : (مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) ، مع أن هذه الشفاعات المنفية إنما هي شفاعات المشركين فلا يغفر لهم رب العالمين ، تبارك وتعالى ، كما تقدم في آية : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ، ولازم ذلك أن يحكم على عصاة الموحدين بالكفر إما صراحة ، كما قال الخوارج ، أو من وراء حجاب لطيف من التأويل كما قال أهل الاعتزال إذ أحدثوا لذلك أصلا أطلقوا عليه : المنزلة بين المنزلتين ، فهو في الدنيا فاسق فَوَافَقُوا أهل السنة ، من هذا الوجه ، وهو في الآخرة كافر ! فَوَافَقُوا الخوارج ، من هذا الوجه ، وإن كان عَذَابُهُ دون عذاب الكافر الأصلي ، والحق ، كما تقدم ، وسط بين طرفين ، ولا يحصل للناظر إلا أن يجمع أدلة الباب ويحكم وجوه الاستدلال فلا يأخذ بعضا ويترك بعضا فيدخل ، من وجه ، في عموم الإنكار والتوبيخ في قول رب العالمين جل وعلا : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) .

وقل مثله في مكانة الأنبياء عليهم السلام وقد حصل من التعدي في التوسل بهم والاستشفاع بهم ما أفضى إلى الشرك ، بدعوى الحب ، والحب عمل قلب صحيح يجوز التوسل به فيجوز التوسل بحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك من العمل الصالح بل هو من آكد أركان الدين وَوَاجِبَاتِه ، فحصل الغلو في هذا الباب بدعوى الحب ، فكان الإطراء الكاذب الذي نَهَى عنه النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ" ، وحصل الجفاء ، من وجه آخر ، كما وقع من يهود قتلة الأنبياء عليهم السلام ، والحق وسط بين الغلاة والجفاة ، فالأنبياء ، عليهم السلام ، بشر ، وذلك ما يحسم مادة الغلو ، ولكنهم قد امتازوا بأشرف وظيفة ، وظيفة الرسالة تَبْلِيغًا وَتَبْيِينًا ، وذلك ، من وجه آخر ، ما يحسم مادة الجفاء .

وقل مثله في إثبات الوسائط ونفيها فذلك من أعظم الشبه في هذا الباب ، فثم من غلا حتى اتخذها واسطة ، وهي لا تسمع ولا تبصر فهي غائبة لا تدرك طلب الداعي ، فوقع في الشرك الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب ، من هذا الوجه ، ثم زاد أن دعاها مباشرة بلا واسطة فوقع في الشرك الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، وثم ، في المقابل ، من جفا فنفى الوسائط جميعا حتى واسطة النبوة التي تُبَلِّغُ وَتُبَيِّنُ فَوَقَعَ في ناقض آخر من نواقض الإيمان ، والحق وسط إذ ثم وسائط تثبت وأخرى تُنْفَى فلا يطلق القول لا بالإثبات ولا بالنفي وإنما ثم تفصيل به يدرك السامع وجه الحق فيثبته ووجه الباطل فينفيه .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:05 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant