![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
مما تقرر في باب القدر أن الرب ، جل وعلا ، يخلق ويقدر ، ما يشاء في الأزل ، ثم يوجد في الخارج على وجه يواطئ المقدور الأول فيكون الإتقان أن لا زيادة ولا نقص عما قدر ، فتأويل المعلوم المعدوم هو المخلوق الموجود إذ كان عدما في عالم الغيب فصار حقيقة في عالم الشهادة تصدق العلم الأول ، فيكون الخلق والتقدير والإيجاد والتصوير على وجه يحصل به تأويل صحيح صريح لأسماء الله ، جل وعلا ، ا***نى ودلالاتها على معاني الكمال المطلق فهي أعلام *** معنوي فاشتقت من معان جاز فيها الاشتراك المعنوي وامتنع فيها ، من وجه آخر ، التشابه أو الاشتراك في الخارج فحصل ثناء بتوحيد الخبر إن في أسماء وصفات ، أو في آثارها من أفعال الجمال والجلال على وجه يُرَبُّ به الكون وَيُدَبَّرُ فَبِهِ صلاحه المحقق وانتظام أمره على وجه مُدَقَّقٍ فلا يع** عن خالقه ، جل وعلا ، مثقال ذرة ، فـ : (مَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ، فثم عموم استغرق على جهة الإطناب ، فعم الشأن كله ، وهو ، كما يذكر بعض المحققين ، **در استعير للمفعول وهو الأمر الذي يخوض فيه الخائض ، فَيَجْرِي ذلك مجرى الاستعارة فاستعير ال**در للدلالة على المفعول ، على جهة التَّعَلُّقِ اشتقاقا كما قرر أهل الشأن ، فالشأن يعم جميع شئون الاختيار والاضطرار ، شئون الدين والدنيا ، شئون الباطن والظاهر ، ما جل من الشأن وما دق ، ومن ثَمَّ عطف خاصا على عام فذكر شأن التلاوة : (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) ، وقد أجمل ثم أبان بالجار والمجرور ، فـ : "مِنْ" مئنة من بَيَانِ ال*** فمعنى التفسير فيها ظاهر ، ولا تخلو من معنى التبعيض إذ التنزيل يتبعض بالنظر في ألفاظه ومعانيه ، فليس ، كما تقدم مرارا ، معنى واحدا يقوم بالذات على وجه يخالف بدائه اللسان ! إذ يقضي بالتسوية بين الخبر والإنشاء ، وبين الإثبات والنفي ، وبين الأمر والنهي ، وبين سائر الأخبار وإن اختلف المخبَر عنه والمخبَر به ، وبين سائر الإنشاءات فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن شرب المسكر ! ، فذلك أمر يفتح باب التأويل الباطني فتحا ويجعل أي تفسير للكتاب العزيز بالخروج عن بدائه اللسان تفسيرا مقبولا فَلَهُ حظ من النظر إذ المعاني كلها في آخر أمرها معنى واحد فعلام التضاد والتناقض بينها ؟! ، وفي "مِنْ" ، أيضا ، معنى ابتداء الغاية ، فَابْتِدَاءُ غَايَةِ التلاوة من القرآن ، ولا تخلو من دلالة زيادة تؤكد معنى النَّفْيِ ، فَتَعَدَّدَتْ وجوه المعنى والمبنى واحد ، فذلك مئنة من عُمُومٍ في دلالة المشترك ، والتلاوة قد تَتَّسِعُ دلالتها فتكون تلاوة الفعل التي تصدق تلاوة القول ، فَيَتْلُو الفعلُ القولَ على وجه يؤكده فهو يشهد به شهادة الحق المحكمة ، فذلك حق التلاوة في آي البقرة ، فـ : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، وذلك من عظم الْمِنَّةِ من رب العزة ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فحسن أن يورد الفعل "آتيناهم" مسندا إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، فضلا عن دلالة الإيتَاءِ فهي منحة لا تقبل الرد ، فمثلها كمثل النبوة ، مع القدر الفارق بداهة ، فمعنى الاصطفاء بالنبوة أخص من معنى الاصطفاء بالكتاب ، فمعنى الاصطفاء بالنبوة يستوجب العصمة ، ومعنى الاصطفاء بالكتاب لا يستوجب ذلك ، كما في آية فاطر : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) ، فثم من ظلم ، والظلم ، بداهة ، لا يكون من معصوم ، فدلالة الإيتاء للكتاب أعم من دلالة الاصطفاء بالنبوة ، فلا يحمد إلا من يتلو الكتاب حق التلاوة ، فـ : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، فكان إطناب بالوصل في "الذين" ، وهو مئنة من العموم ، ودلالة التَّغْلِيبِ فِيهِ تَسْتَغْرِقُ جميع المكلفين ، ومناط الفائدة معنى الإيتاء للكتاب الذي اشتقت منه الصلة ، وذلك ما قُيِّدَ بالحال "يَتْلُونَهُ" ، إذ لا يحصل الثَّنَاءُ بالإيتاء المجرد ، فَقَدْ أوتي أهل الكتاب الكتابَ ولم يغن عنهم ذلك شيئا إذ لم يلتزموا أحكامه ، ولم يصدقوا بأخباره ، فلو آمنوا لامْتَثَلُوا الميثاق الذي أخذ عليهم إذ أُخِذَ على أنبيائهم ، عليهم السلام ، فـ : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، وهم لأنبيائهم تَبَعٌ ، فلا يجدي الكتاب شيئا إن لم يشفع بتأويله الصحيح أن يُصَدَّقَ الخبر وَيُمْتَثَلَ الحكمُ ، فإيتاء الكتاب لأهل الكتاب لم ينفع ، كما في الخبر : "هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ عِنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ ؟" ، فالاستفهام قد أُشْرِبَ معنى النفي إذ لم تغن عنهم شيئا فقد خالفوا عن أمرها فضلا أنهم بدلوا ما بدلوا من ألفاظها وحرفوا ما حرفوا من معانيها ، فلا تجدي التلاوة باللسان شيئا إن لم يتأولها القارئ بتلاوة أخرى في الأعمال تصدق فهي شاهد العدل من العمل ، فعلا وكفا ، وإلا فالتلاوة المحضة باللسان تلاوة الأماني فلا فقه للمعنى وإنما اقتصر القارئ على المبنى ، وقد يزيد فَيَفْقَهُ المعنى تصورا في الذهن دون أن يظهر تأويله في الخارج فيكون مطلقا في الذهن لا حقيقة له تصدقه ، فذلك يجري مجرى المطلق الذهني إن في الأخبار أو في الأحكام على وجه يُصَيِّرُ مناط الأمر كليات مجملة إن في أخبار العقائد أو في أحكام الشرائع فيقتصر الناظر على معان مجردة في الذهن لا يحصل بها التَّمَايُزُ بين المؤمن والكافر ، فالقيم المطلقة محل إجماع إلا حال السفسطة النسبية التي وقع فيها السوفسطائية قديما وحديثا من أدعياء الطور ما بعد الحداثي ، والذي بلغ به الأمر أن أنكر كل مطلق فصار كل شيء يحتمل الإثبات ولو مُحَالًا ، ويحتمل ا***نَ ولو كان ظاهر القبح والفحش قد أجمع من له بقية فطرة على قبحه فهو ينفر منه كما ينفر من مستقذر ا*** ، فلا يقارفه إلا من فسد مزاجه بل وفسد عقله وحسه فانحط إلى دركة لا يَمِيزُ بها خبيثا من طيب فكيف يصير ذلك أنموذجا أعلى فهو محل الاقتداء ؟! ، وهو الذي ينحط بصاحبه إلى أدنى قرار ! ، فلا تغني تلاوة إلا أن تشفع بفقه المعنى ، وتأويلِه في الخارج بالتصديق والامتثال فذلك حق التلاوة الذي ورد على جهة التوكيد بالنائب عن ال**در "حق" ، من وجه ، وَوَرَدَ بَيَانًا للنوع النافع من *** التلاوة ، من وجه آخر ، فلا تجزئ أية تلاوة ، كما تقدم ، وإنما تجزئ التلاوة المخصوصة ، التلاوة الحقة لِلَّفْظِ والمعنى ، وما يصدقها في الخارج ، فشاهد الصدق من العمل ، فعلا وتركا هو مناط الشهادة الحقة ، فهي ، كما تقدم ، التلاوة الحقة ، على وجه استغرق جميع محال التكليف ، ما بطن من التصور والإرادة ، وما ظهر من القول والعلم ، فذلك شاهد يستأنس به من عم بدلالة الإيمان جميع المحال ، ما بطن من الجنان فهو محل العقدِ والتصورِ وعملِ القلب بالإرادة وهي تأويل الحب والبغض ، وعملِه بأنواع أخرى من عبوديات الباطن من استعانة واستغاثة ..... إلخ ، وعملِه بالكف في أحوال ، كما يعمل بالفعل ، فهو يبغض ما يكره الرب ، جل وعلا ، من مساخط نهى عنها ، فذلك مبدأ الكف في الخارج ، فيكف الباطن قبل أن تظهر آثار الكف في الخارج على الجوارح فيمسك اللسان عن نطق الهجر ، وتمسك الأركان عن فعل الفحش وحكم الجور ، فالأمر يخص الفرد ويعم الجماعة ، فثم أحكام جور في السياسة لا يكمل إيمان إلا أن يكف عنها أصحاب الولاية ، خصت أو عمت ، فذلك من فعل الترك ، إن في الباطن أو في الظاهر ، إن في المحل الأخص ، محل الفرد في نفسه ، أو في المحل الأعم ، محله في غيره ، إن في ولاية الخصوص أو في ولاية العموم ولكلٍّ منها حظ ، فالإيمان يعم الباطن والظاهر ، فتلك حق التلاوة ، فيعم الإيمان ما بطن من الجنان ، كما تقدم ، وما ظهر من قول اللسان وأعمال الأركان ، ويعم ، من وجه آخر ، الفعل والكف ، ففعل اللسان النطق والسكوت ، وفعل الأركان إيجاب وسلب ، وذلك ما يدحض مقال الإرجاء أن حق التلاوة هو شهادة اللسان فقط ! ، بل حق التلاوة اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان ، وما كان مقال الإرجاء بِتَتَبُّعِ المقالات قديما وحديثا ، ما كان إلا رد فعل لغلو آخر في الطرف المقابل أفضى إلى مقال من *** مقال الخوارج أو قاربه فكان ذريعة إلى توسع غير مرضي في باب الأسماء والأحكام ، فَكَانَ رد الفعل جفاء خرج بصاحبه إلى إرجاء محض أو نوع إرجاء ، وبقدر الغلو في طرف يكون الجفاء في آخر على وجه يحصل فيه التقابل بين الأضداد فينتقل الناظر فيها من ضد إلى آخر إن لم يستمسك بالوحي الناصح فهو ، كما تقدم مرارا ، فضيلة توسط بين رذيلة تشدد وأخرى يكون فيها التفريط والتهتك ، فحق التلاوة وسط بين تلاوة جافية تكون باللسان دون أن تصدقها الأركان ، وأخرى غالية يكون فيها التشدد المذموم في باب الأسماء والأحكام ، فجاء القيد بالحال "يَتْلُونَهُ" ، كما تقدم ، فليس محل الثناء في الخبر : (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) ، ليس محل الثناء فيه من أُوتِيَ الكتاب مطلقا ، فكم أوتيه من فئام ردوه إما كفرا صريحا أو تعطيلا لأحكامه ولوازمه ، على وجه قد ينقض كمال الدين الواجب تارة ، وقد يبلغ بصاحبه أن يمرق من الدين كله بنقض أصله الجامع ، فجاء الخبر على حد الاسمية مئنة من الثبوت وذلك آكد في الوصف وهو مما يحسن إن في محال المدح أو في أضدادها من محال الذم ، ولا تخلو الإشارة بـ : "أولئك" من دلالة تعظيم ، وذلك ، أيضا ، محل اشتراك ، فإشارة البعيد تجري مجرى الأضداد فدلالتها تارة التعظيم ، وأخرى التحقير ، كما هي الحال في نداء البعيد ، فهو تارة مئنة من التعظيم ، وأخرى مئنة من التحقير ، والسياق هو القرينة الشاهدة التي تحسم الخلاف بين المعاني المتنازعة ، فقد ازدحمت في مبنى واحد مجمل على وجه افتقر إلى مرجح من خارج ، فهو يرجح أحدها ، وقد يرجح بعضها ، وقد يجوز الجمع بَيْنَهَا كلها ، على ما تقدم من عموم الدلالة حال الاشتراك إن احتمل السياق ذلك على وجه صحيح صريح لا تكلف فيه ولا تعسف ، فالقرينة في هذا السياق قد شهدت بمعنى التعظيم فالتلاوة حق التلاوة معنى يستجلب المدح فضلا من الرب ، جل وعلا ، فجاء الثناء بإشارة البعيد تعظيما ، وأنيط المدح بمعنى الإيمان الذي اشتق منه الخبر : (يُؤْمِنُونَ بِهِ) ، *** يخل السياق من تشويق فثم إجمال بإشارة لبعيد على جهة التعظيم الذي يَتَشَوَّفُ فيه المخاطب أن يحظى بهذا التعظيم فهو يفتش عن سَبَبِهِ ، وهو ما أبان عنه الخبر فمعنى الإيمان هو مناط المدح الذي تستحسنه كل نفس طيبة لا زالت بفطرة التوحيد مستمسكة ، فكان الإطناب بالبيان بعد الإجمال ، وزد عليه دلالة العموم إذ أطلق الفعل "يؤمنون" ، فاستغرق الإيمان بالأخبار تصديقا ، والإيمان بالأحكام امتثالا على وجه يعم التنزيل كله فلا يقتصر على بعض دون آخر فيؤمن بما يوافق الهوى والذوق وَيَرُدُّ ما سواه ! ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، من الخلاف الباطل لقياس العقل الناصح الذي يوجب التسوية بين المتماثلات ، فكلها من عند رب البريات ، جل وعلا ، الأخبار العلمية والأحكام العملية ، الخاص منها بالفرد ، والعام الذي استغرق جميع أحوال الجماعة ، في أحكامها وسياساتها ..... إلخ ، فَعَمَّ فعل الإيمان فهو سبب الفوز والنجاة ، وذلك ما حذف بدلالة المتأخر من وصف من كفر ، فـ : (مَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، فثم مقابلة بين شطرين على جهة الدوران الصحيح طردا وعكسا ، ففوز محذوف قد عليه الخسران المذكور ، فدل المذكور المتأخر على المحذوف المتقدم وذلك مما جاز في اللسان وإن كان المطرد الأشهر أن يدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر فـ : (مَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، وذلك عموم آخر استفيد بالوصل المشترك ، فتلك دلالة "مَنْ" ، وهو يعم وإن أفرد في اللفظ وَذُكِّرَ ، فيعم كل من عقل ممن يصح توجه التكليف إليه ، ذكرا أو أنثى ، فَرْدًا أو جماعة ، فأفرد في اللفظ وعم في المعنى ، وذلك ما شهد به الخبر إذ حدت الإشارة فيه إشارة المجموع في قوله تعالى : (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، والقرينة هنا ، أيضا ، قد رجحت من الإشارة معنى التحقير خلافا لما رجحته في الشطر الأول ، إذ أنيطت في الأول بمعنى الإيمان وهو معنى يحمد فصاحبه يستحق بداهة التعظيم ، وأنيطت في المقابل في الثاني بمعنى الكفر وهو معنى يذم فصاحبه يستحق بداهة التحقير ، فاطرد الحكم وانعكس من هذا الوجه ، فجاء الشرط في الشطر الثاني في مقابل الوصل في الشطر الأول ، والمعنى يتقارب إذ يناط في كلا الوجهين ، يناط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة حال الوصل فَيَرِدُ الحكم خبرا ، ويناط بالمعنى الذي اشتق منه الشرط فَيَرِدُ الحكم جوابا أو جزاء له سواء أَقْتَرَنَ بالفاء إيجابا كما في هذا الموضع أم لم يقترن ، فاقترن بالفاء إيجابا إذ الجزاء قد حد على جهة الاسمية : (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، ولا تخلو الفاء من دلالة سببية ، وذلك معنى يلازم الشرط ، إذ حصول المعنى الذي اشتق منه الشرط سبب في حصول المعنى الذي اشتق منه الجواب أو الجزاء ، ولا تخلو من دلالة فور وتعقيب وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده إن في موارد المدح أو في موارد الذم ، كما في هذا الموضع ، وقد أطلق فعل الكفر في الشرط فهو يحتمل ، فيحتمل الكفر الأصغر الناقض لكمال الإيمان الواجب ، ويستغرق الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع فحصل الاحتمال على جهة الاشتراك ، فالمشترك من المجمل الذي يفتقر إلى البيان ، والجزاء ، عند التدبر والنظر ، الجزاء أو جواب الشرط : (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، قرينة ترجح معنى الكفر الأكبر ، فالأصل في إطلاق هذه الأسماء حملها على المعنى الأكبر حتى ترد قرينة تصرفها إلى المعنى الأصغر ، فذلك أول ما يستمسك به الناظر إذ يرجح المعنى الأكبر ، فتلك قرينة عامة ، فضلا عن قرينة خاصة زائدة في هذا السياق ، وهي ما كان في الجواب من دلالة "أل" في "الخاسرون" ، سواء أحملت على الوصل فهو مئنة من العموم ، فاستغرقت معنى الخسران الذي اشتق منه اسم الفاعل "خاسرون" ، فهو صلة "أل" ، على هذا التأويل ، فاستغرق اللفظ *** الخسران كله وذلك لا يكون بداهة إلا حال الكفر الأكبر فيحصل العموم بحمل "أل" على الوصل ، كما تقدم ، أو بحملها على العموم المستغرق لآحاد ال*** المعرَّفِ ، فالعموم ، في هذه الحال ، ينصرف إلى المعنى وهو الخسران ، وزد عليه جملة من المؤكدات ترشح هذا المعنى من اسمية الجملة ، وتعريف الجزأين "أولئك" و "الخاسرون" ، فهو قصر يحتمل الحقيقة ويحتمل المبالغة إمعانا في تقرير المعنى ، فهو يحتمل الحقيقة بالنظر في معنى الخسران الأكبر فلا يحصل إلا حال الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين سواء أكان بالعقد الباطن أم بكفر القول أم بكفر العمل ، فنواقض الدين ، كما تقدم مرارا ، تعم ما بطن وما ظهر من محال التكليف ، فثم كفر بالاعتقاد وآخر بالقول وثالث بالعمل سواء أكان بالفعل كالسجود لصنم ، أو بالترك كتعطيل الشرع ولو في حكم واحد على وجه يكون به النقص في المناط نفسه بتعطيله أو استبدال غيره به خلافا للنقص في تحقيق المناط مع الإقرار به وإنفاذه في بقية المحال فيكون تعطيله في محل بعينه فذلك الكفر الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب ، فالخسران الأكبر يكون بالكفر الأكبر ، وقد يقال ، من وجه ، إن السياق يستغرق جميع أنواع الكفر ، الأصغر والأكبر ، فيكون الخسران الأصغر بالكفر الأصغر ، ويكون الخسران الأكبر بالكفر الأكبر على وجه صحيح صريح في العقل إذ دار الحكم مع العلة وجودا وعدما إن في النوع الأعلى أو في النوع الأدنى ، فَيُحْمَلُ المشترك المجمل ، إذ يحتمل أكثر من معنى ، يُحْمَلُ على كلا الوجهين بلا تكلف أو تعسف في الاستدلال فذلك مما يثري السياق ويزيد في دلالته أن استغرق جميع الأحوال والمحال ، وثم وجه آخر لطيف في إعراب الشطر الأول أشار إليه بعض أهل الشأن ، فيكون الابتداء بالوصل : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) ، ويكون الإخبار بـ : (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) ، وتكون جملة : (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) ، استئنافية على جهة التعليل الذي يقصر حق التلاوة على المؤمنين ، فإيمانهم سبب تلاوتهم الكتاب حق التلاوة ، وهو ما دل عليه الوجه الأول ، أيضا ، ولكن على وجه اختلف بالنظر في إعراب الألفاظ وإن أفضى كلا الوجهين إلى نفس المعنى ، فلا تلاوة تنفع إلا إن كانت حق التلاوة على وجه يستوجب الإيمان المطلق بالأخبار والأحكام جميعا ، ولا تحصل هذه التلاوة ، في المقابل ، إلا بإيمان صحيح يُقْبَلُ قد عم جميع المحال ، باطنا وظاهرا ، فهو يَتْلُو الكتاب حق التلاوة ، لفظا ومعنى ، علما وعملا ، باطنا وظاهرا ، فاستغرق جميع آي الكتاب بحمل "أل" ، على الكتاب المخصوص ، كتاب التنزيل الخاتم ، واستغرق جميع الأخبار والأحكام ، فاستغرق الشرائع جميعا بالنظر في معنى الْكَتْبِ وهو الجمع ، فالشرائع ألفاظ ومعان قد جمع بعضها إلى بعض على وجه استغرق ، كما تقدم ، جميع محال التكليف ، باطنا وظاهرا ، فثم كَتْبٌ لمعاني التوحيد في القلب ، فذلك العلم إن بالأسماء والصفات والأفعال على وجه لا يقتصر على الإيمان بلفظ قد أفرغ من دلالته فاقتصر الناظر فيه على دلالة العلمية على الذات دون دلالة أخرى تشفعها وهي دلالة العلمية على الوصف الذي اشتق منه الاسم فهو وصف قائم بذات حقيقية في الخارج على وجه يليق بجلال الرب الخالق ، جل وعلا ، خلافا لما ذهب إليه الفلاسفة الذين غلوا في التجريد ، فأثبتوا ذواتا مجردة وجوزوا حصول المطلقات في الخارج على وجه خالف البدائه نقلا وعقلا وحسا ، فلا يقتصر الإيمان بها على دلالة العلمية الذاتية وإنما يعم العلمية الوصفية وآثارها في الخارج من أفعال الربوبية ، وهو ما يوجب بدلالة التلازم امتثال أحكام الشرائع في الباطن إرادة وحبا وبغضا .... إلخ ، وفي الظاهر في القول والعمل ، فذلك كَتْبُ الظاهر تشريعا والذي يلازم كَتْبَ الباطن توحيدا ، على وجه استغرق جميع أجناس التوحيد ، العلمي والعملي ، توحيد الخبر ، وتوحيد الطلب ، فَعَمَّ ، كما تقدم ، الحقيقة الإيمانية كلها ، جنانا يعتقد ولسانا ينطق وأركانا تشهد بالفعل والترك ، فهي تتأول ما كتب من الشرائع بالإثبات والنفي في الباطن ، والأمر والنهي في الظاهر . والشاهد أن اللفظ قد استغرق في آية يونس : (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) ، ثم خص التلاوة للقرآن : (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) ، ولا يخلو الإضمار في الضمير في : (مِنْهُ) ، ثم الإظهار في المبيِّن : (مِنْ قُرْآنٍ) ، لا يخلو من تفخيم ، كما يقول بعض المحققين ، ومن ثم انتقل من دلالة المخاطب ، وهو صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أول من توجه إليه الخطاب ، وإن عم السياق بقرينة الإحاطة العامة ، فـ : (مَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، فهو يعم المخاطب المواجَه ابتداء صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعم غيره تَبَعًا ، فانتقل من دلالة المخاطب المواجَه في فعل التلاة خصوصا ، وهو فعل عظيم فحسن أن يخص به صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومن ثم كان العموم : (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) ، وفيه انتقل من دلالة المواجَه المخصوص إلى دلالة العموم في الخطاب ، فتلك دلالة الواو في : (تَعْمَلُونَ) ، فهي ضمير الجمع وهو يدل بأصل الوضع على جماعة الذكور ويستغرق جميع المكلفين بقرينة ما تقدم من معنى الإحاطة العلمية في الآية : (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، فكان تعظيم القرآن أن خص به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما ينوه بعض المحققين ، ومن ثم كان العموم الذي يستغرق جميع الأعمال ، الجليل والحقير ، فحصل العموم إذ أفعال المكلفين تَتَرَاوَحُ بينهما خلافا لأعمال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهي تقتصر على الجليل بالنظر في مَعْنَى العصمة الذي اختص به دون سائر الأمة ، وإن دخل في العموم المعطوف في : (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) ، ودلالة المضارعة في "تعملون" آكد في تقرير المعنى وتوكيده باستحضاره فضلا عن دلالة ديمومة واستمرار بحصول الأعمال تَتْرَى في الخارج ، فالرب ، جل وعلا ، قد علمها أزلا فقدرها بالعلم الأول ، ثم علمها ثانيا علم الإحاطة : (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) ، وإطلاق الفعل "تعملون" ، من وجه آخر ، يستغرق جميع الأعمال ، ما بطن من حركات الجنان ، وما ظهر من حركات اللسان وحركات الأركان ، ما كان بالفعل أو بالترك ، فعم جميع محال التكليف وجميع أحوال المكلف إخفاء أو إظهارا ، إقداما أو إحجاما ، وزد عليه دلالة "مِنْ" ، فهي ، كما تقدم ، مزيدة تفيد التنصيص على العموم إذ دخلت على النكرة "عمل" في سياق النفي بـ : "لا" ، فأكد العموم ، ومن ثم جاء الاستثناء بعد النفي فذلك أقوى أساليب القصر ، كما قرر أهل الشأن ، وهو قصر حقيقي بالنظر في علمه ، جل وعلا ، الذي أحاط بالكليات والجزئيات جميعا ، فأبطل ، كما تقدم ، مقال الفلاسفة الذين قصروا العلمَ على العلمِ بالكليات ، وذلك قدح في وصف الرب ، جل وعلا ، وإنكاره لعلمه المحيط إن بدقائق الكون أو بدقائق الشرع فقد أحاط الكون بعلمه على وجه لا ينتظم الأمر إلا به فمن يدبر فهو يعلم ويحكم ، فيكون الخلق بكلمات تكوين نافذة ، ويكون الأمر بكلمات تشريع حاكمة ، فَلَهُ الخلق والأمر جميعا ، كما في قوله تعالى : (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) ، والأمر في هذا السياق يعم الأمر في اصطلاح الأصول الأخص ، وهو الذي يقابل النهي فهما شطرا القسمة في الإنشاء ، ويعم الأمر إثباتا ونفيا فهما شطرا القسمة في الخبر ، فيعم كل أمر نَزَلَ به الوحي ، فالعلم ، كما تقدم ، قد عم ، فاستغرق علم التكوين وعلم التشريع ، وعلم التقدير الأول ، وعلم الإحصاء الثاني ، كما في هذه الآية ، فجاء الاستثناء : (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) : وقد أسند الفعل الناسخ "كان" إلى ضمير الفاعلين في "كنا" ، مئنة من التعظيم فهو موضع ثَنَاءٍ على الرب ، جل وعلا ، بوصف العلم المحيط فهو الشهيد على كل شيء ، وَزِيدَ في تقرير المعنى بتقديم ما حقه التأخير في : (عَلَيْكُمْ شُهُودًا) ، ودلالة الاستعلاء لا تخلو من دلالة إحاطة تزيد في تقرير المعنى فضلا عن عموم الضمير الذي دخلت عليه "على" في "عليكم" ، فهو يستغرق المخاطب ومن غاب ، من وُجِدَ ومن عُدِمَ ، فضلا أنه يستغرق بدلالة التغليب الذكور والإناث فيعم كل مكلف ، بل ويعم كل شيء ، إن تدبر الناظر ، بل مناط العلم أوسع مناط فهو يعم الواجبات والجائزات بل والممتنعات ولو فرضا محضا كما تقدم مرارا من الاستدلال بقوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، فذلك من المحال وإنما ذكر فَرْضًا فيجري مجرى التَّنَزُّلِ مع المخالف في الجدال ، وثم دلالة مضارعة بعد ظرف دلالته في أصل الوضع دلالة المضي في : (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) ، فإما أن يستعار لمضارع يحدث في الحال ويستمر في الاستقبال فيجدد ، جل وعلا ، من آحاد علم الإحاطة ما يستغرق جميع الأقوال والأعمال على وجه به يكون تأويل ما تقدم من العلم الأول ، علم التقدير في الأزل ، وإما أن يكون المضارع مما استعير لماض على تقدير : إذ أفضتم فيه ، فيكون ذلك من باب التوكيد باستحضار الصورة ، والسياق لا يمنع كلا الوجهين ، فذلك ، أيضا ، يجري مجرى العموم في دلالة المشترك ، فاحتمل السياق وجهين صحيحين في تأويل لفظ واحد في موضع واحد . ومن ثم جاء العطف المقرر لما تقدم : وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ : فثم عموم أكد بـ : "مِنْ" إذ دخلت على النكرة "مثقال ذرة" وقد وردت في سياق نفي ، وزيد في البيان بالعطف مع تكرار النفي بـ : "لا" ، فحصل العطف على وجه استغرق شطري القسمة على جهة الطباق إيجابا بين "الأرض" و "السماء" فعم جميع المحال بعد أن عم جميع الأحوال من الأعمال . ومن ثم جاء الاستئناف يزيد في التوكيد : وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ : فحصل الطباق إيجابا بين "أصغر" و "أكبر" ، فضلا عن تكرار النفي ، فكان استغراق المحال في : (فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، واستغراق ما يحل فيها في : (مِثْقَالِ ذَرَّةٍ) ، و : (وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ) ، وقد حد السياق ، أيضا ، حد القصر بأقوى الأساليب ، النفي بـ : "لا" والاستثناء بـ : "إلا" في قوله تعالى : (وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ، وذلك قصر حقيقي فكل شيء قد سطر في الكتاب المبين ، كتاب التقدير الأول ، ثم كان تأويله في الخارج وتدوينه في كتاب الإحصاء الثاني الذي يواطئ كتاب التقدير الأول فهو يصدقه ويشهد بالحق ، فـ : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) . والعلم ، كما تقدم مرارا ، هو ركيزة الحكم الأولى ، فلا يتصور أن يحكم جاهل بالعواقب ، فالعلم سلطان الحجة ، ولا يكون ذلك إلا أن يشفع بسلطان القدرة ، فلا يحكم إلا من يقدر فما يشاؤه يكون ، وهو ، مع ذلك ، ليس بسفيه ولا ناقص العقل ، فيحكم بمطلق القدرة على وجه يفسد به ويخرب كما يسلط الطفل على الشيء فيكسره وَيُتْلِفُهُ ، فذلك مما تعظم به البلوى في مسائل الحكم والسياسة ، فاستعاذ أبو هريرة ، رضي الله عنه ، من إمارة الصبيان أن تدركه ، فتكون قدرة بلا حكمة ، فيكون الإفساد ، وما أكثر ما ترى في هذه الأعصار من حكم الصبية ، سواء أكانوا شيوخا ولكن أفعالهم تضاهي أفعال الْقُصَّرِ ! ، أم كانوا صبية في العمر فهم حدثاء الأسنان فلا خبرة ، وهم ، مع ذلك ، ليسوا بأهل أن يقضوا في جليل أمر أو حقيره ، فلا علم لهم تقدم ، ولا صلاح في النفس أن اشتغلت بتحصيل النافع من أمر الدين والدنيا ، فكم من صغير ساد بالعلم والحلم والعدل والقسط وحسن النظر والسياسة فصار له من الهمة ما يفوق همم الرجال الذين قدمت أسنانهم ، فلا يكون الملك والحكم إلا بالعلم فذلك سلطان الحجة ، وأعظمها حجة الرسالة ، فيكون الملك الكامل ما استند فيه الحاكم إلى الوحي النازل ، معدن العلم المحكم فلا يتطرق إليه خطأ إن في الخبر أو في الإنشاء ، فقد أخبر بالصدق وحكم بالعدل على وجه استغرق الكليات والجزئيات جميعا ، *** يقتصر ، كما تقدم مرارا ، على كليات يُنَصُّ عليها في الدساتير ذَرًّا للرماد في العيون ولا تجد لها أَثَرًا لا في حاكم ولا في محكوم ! ، فلا يكون الملك والحكم إلا بالعلم ، فهو ، كما تقدم ، سلطان الحجة ، ولا بد من سلطان القدرة أن يكون ثم هيبة في النفوس فهي تعظم الحاكم فتخشى بأسه كما ترجو خيره ولا تأمن عقابه فمن أمن العقوبة أساء الأدب ، كما ترى في هذه الأعصار في ممالك اجترأ فيها الناس على الحاكم أن أحسن الظن فتأول أخلاق الجمال في غير موضعها وذلك ما يضر الحاكم والمحكوم معا إذ يؤذن بفساد الحال فتذهب حشمة الحاكم فأنى له أن يقوم بالشأن ويضبط الأمر فيرتدع المفسِد وينزجر المجرِم ، ولا بد أن يكون مع هذه الهيبة قوة بها يدافع الحق خصومه ، فيكون سيف العدل شفيعا لكتاب العلم ، وإلا استبيح الحق وأهله إن لم يكن ثم سيف ينصر فخير لهم أن يتأولوا نصوص الكف ولا يتصدروا في أي شأن ، فشأن العامة أخطر أن يتصدى له من لا علم له بالأمور ولا هيبة له في النفوس ، وإن غاب العلم في المقابل حصل الجور والظلم بسيف لا يقيم للحق وزنا فلا يتورع أن يخالف عن أمر الوحي بل وقياس العقل فإسرافه في الضرب والسفك والهتك والأسر والطرد قد حَيَّرَ ذوي الألباب وإن كانوا من أعداء الرسالات ! ، وبقدر ما يكون التفريط في العلم والقدرة يكون فساد الحال في الحكم والسياسة ، وأنت الآن تجد دولا في الشرق لها من **ادر الثروة واحتياطات النقد والجوهر ما لها وإذا فتشت في الحال ، إن في الدين أو في الدنيا ، وجدت فسادا غالبا ، إذ لا علم ولا حكمة ، فليس إلا سفيه لديه من فائض الثروة ما يجعله عبئا على جيرانه من قَرُبَ ومن بَعُدَ ! ، فتجده يجتهد في الكيد ويغدق في العطاء على أهل الشر فلا عمل لهم إلا إفساد الأديان وإهلاك الأبدان ، ولولا السفيه الذي يمدهم بأسباب القدرة ما تسلطوا على غيرهم ، وكل أمة لا ترجع إلى الوحي في تصورها وحكمها ، وهي ، مع ذلك ، تملك الفائض من الثروة أو القوة فإنك تجد شغلها الشاغل أن تبسط سلطانها على أجوارها بما جبلت عليه النفس من البغي والعدوان إن لم تتضلع من وحي الرحمن ، جل وعلا ، فوحده الذي يحسم مادة الطغيان في النفوس إذ تخضع للرب المعبود ، جل وعلا ، وفي سبيل ذلك تُشْعِلُ الفتن وَتُثِيرُ القلاقل ولا تَتَوَرَّعُ عن التحريض على سفك الدماء بل وتسهم في ذلك بنصيب وافر بتمويل وتسليح وربما باشرت الأمر بنفسها أو بمرتزقة تستأجرهم ليدفعوا عنها الخطر وَيُغِيرُوا على أعدائها ، وفي جميع الأحوال لا ترى إلا الجهل والظلم الذي اتصف به العقل إذ حاد عن الوحي ، والذي به يظهر القدر الفارق بين الشرع المنزل والشرع المحدث فمن أنزل الأول وصفه العلم والحكمة والقدرة مطلقا على وجه يعم جميع المحال والأحوال ، فهو الرب ذو الجلال والإكرام ، تبارك وتعالى ، ومن أحدث الثاني جاهل عاجز ، فيجهل المآل بل وربما بلغ الأمر به حد السفه فلا يدرك ولا يعلم الحال الذي فيه يحكم ! فضلا عن المآل ، وهو مع ذلك عاجز وإن أوتي ما أوتي من الأسباب فالفقر إلى الأسباب فيه جبلة ذاتية لا تعلل ، في مقابل غنى مطلق اتصف به الرب المهيمن ، جل وعلا ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ، فمن أحق بالحكم ؟ ، ومن شرعه أولى أن يعظم ويمتثل في كل شأن جَلَّ أو دَقَّ ؟! . والله أعلى وأعلم . ??????? ??????: من آية : (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ..............) || ??????: rss || ??????: اسم منتداك
|
![]() |
|
|