من خبر : "الحَلاَلُ بَيِّنٌ ............." - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-27-2016, 07:33 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من خبر : "الحَلاَلُ بَيِّنٌ ............."

من خبر : "الحَلاَلُ بَيِّنٌ ............."
مما يعظم به الشؤم ما يكون في أعصار الغفلة وأيام المحنة من ضعف الأديان باضمحلال مادة الإيمان من القلب ، فيصير عقدا ساذجا لا أثر له لا في إرادة ولا في عمل ، فيضعف وارد الخير من الشرع فشؤمه أعظم من ضعف الأبدان ، وإن كان حفظها من المقاصد الرئيسة ، فلا يَنْفَكُّ فساد الأديان في العادة يصحبه فساد آخر في الأبدان ، فالقلب محط التصور والإرادة ، وعنه تصدر آلات البدن ، فـ : "الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" ، فثم قسمة في العقل استغرقت أوجه الاحتمال الثلاثة ، فجاء الطباق إيجابا بَيْنَ الحلال والحرام ، فَكِلَاهُمَا مِمَّا ظَهَرَ وَاسْتَبَانَ ، فجاء التحليل والتحريم بما يواطئ فطرة الدين والبدن ، فالفطرة الأولى قضت إيجابا بحسن التوحيد والتشريع فَهُمَا مادة الصدق والعدل على وجه تَسْتَقِيمُ به أمور المكلَّف ، وقضت إيجابا بحل الطيب النافع ، وحرمة الخبيث الضار ، فَلَا يُبِيحُ الشرع ما ضرره خالص أو راجح ، ولا يحرم في المقابل ما نفعه خالص أو راجح ، فذلك قياس العقل الصريح الذي يواطئ صحيح التنزيل الذي جاء به البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الذي : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، وإسناد الفعل إليه تحليلا وتحريما ، إسناد إنشاء للحكم بما أُوتِيَ من الوحي ، من الكتاب والسنة ، فـ : "أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ" ، فثم وحي الكتاب المعجز ، وثم وحي السنة فهي تنشئ جملة أحكام بما لها من حجية مطلقة في العلم والعمل ، في العقد والشرع ، فذلك تأويل الأمر أن : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، فعم إذ أطلق فعل الإيتاء وفعل النهي ، فذلك يَسْتَغْرِقُ كل ما يُؤْتِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من صحيح الخبر وصريح الحكم في العبادات والشرائع والسياسات على وجه تصح به المحال والأحوال ، فآتاهم أسباب التقوى ، فمنها حمية الدين أن ينقض ، وحمية البدن أن يفسد ، فالوحي قد جاء يَسْتَغْرِقُ فأرشد إلى الطيب النافع من غذاء الجنان المعقول ، وغذاء الأبدان المحسوس ، *** يأمر بقبيح ولم يُحِلَّ شَيْئًا من الخبيث ، فعم الأمر في الإيتاء والنهي على وجه صح أن يسند الفعل في الإباحة والحظر إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا أنه يستقل بالأمر مطلقا فلا يصدر إلا عن وحي ربه ، جل وعلا ، فـ : (مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) ، فَثَمَّ فَصْلٌ فلا وصل بِعَاطِفٍ فلا يخلو السياق من دلالة التعليل ، فإن سبب العصمة من الهوى هو تعليم الملَك ، والملَك لا يبلغ إلا رسالة ربه ، جل وعلا ، فهو الأمين الذي لا يخون ولا يفرط ، وهو الحافظ فلا يَنْسَى ولا يخطئ ، فَثَمَّ عصمة تَعُمُّ الرسول الملكي والرسول البشري ، فالنطق محكم إذ هُوَ مِنْ وَحْيِ الملَك المعلِّم من الرب المهيمِن ، جل وعلا ، الذي أحاط بكل شيء علما ، في العقد والشرع ، فكلامه من علمه المحيط ، وهو علم أول لا مبدأ له ، فَلَا يَبْدُو لَهُ ما كان يجهل ! ، فذلك بداهة ما عنه قد تنزه ، وإلا استوى حكمه وحكم البشر فهم الذين يحكمون بعلم لا يحيط ، فلا يحكمون إلا بما يظهر لهم بادي الرأي ، وإن لم يكن الحق في نفس الأمر فيجتهدون في تحقيق المناط في عين المحكوم ، وقد يخالف ذلك الحق في علم الرب ، جل وعلا ، فكيف إذا انضم إلى ذلك جهل أفحش ، وهو تعطيل مناط الشرع وإحداث مناط يضاهيه من الوضع الذي تَتَفَاوَتُ العقول في حَدِّهِ أَيَّمَا تَفَاوُتٍ ، فكل يحدث مناطا يلائم هواه وذوقه ، ولا عاصم من الهوى إلا التسليم بما أتى به شديد القوى ، فتعليمه تعليم العصمة في الملة والشرعة ، فجاء الشرع بالحلال والحرام ، فكلاهما قد استبان وتلك أعظم نعمة على البشر أن جاء الوحي بما يحسم النِّزَاعَ في جميع أمور الدين ، من التوحيد والتشريع ، فجاء يبين للناس ما حل وما حرم إن في العقد أو في الشرع ، فدلالة "أل" في المتطابقين "الحلال" و "الحرام" ، دلالة عموم يستغرق كل ما شرع وكل ما حظر ، وإن انصرف ، بادي الرأي ، إلى أمر الفقه في التكليف دون العقد في التوحيد ، فالحلال والحرام يكون في أحكام التكليف وهي مظنة العمل بالجوارح مما تظهر آثاره في الخارج من القول والعمل ، والحلال والحرام يَتَشَاطَرَانِ القسمة بالنظر في معنى الإباحة والحظر ، وهو ما ينصرف ، بادي الرأي ، إلى المباح في قسمة التكليف فذلك معنى أخص من المشروع ، إذ المشروع يَعُمُّ الواجب والمندوب ، كما يَعُمُّ المباح ، فثم معنى أعم وهو الإذن في القول أو الفعل فذلك يعم الجميع ، وَقَرِينَةُ السِّيَاقِ أو بِسَاطُ الحال هو الحكم بين الألفاظ إذا تَنَازَعَتْهَا الدلالات ، فدلالة "أل" في "الحلال" و "الحرام" تحتمل كلا الوجهين ، الوجه الأعم الذي يستغرق جميع أمور الدين ، من العقد والشرع ، من الإثبات والنفي ، من الأمر والنهي ، ودلالة الاسم بالنظر في أصل الاشتقاق مئنة من الثبوت ، فتلك دلالة الوصف المشبه ، وذلك آكد في تقرير النسبة ، فقد لازم وصف الحل الشيء حتى استبان فلا شك ، وقل مثله في الحرام ، فدلالة "أل" في "الحلال" و "الحرام" تحتمل كلا الوجهين ، كما تقدم ، الوجه الأعم ، والوجه الأخص من الحلال والحرام في أحكام الجوارح ، فعظمت المنة أن استبانت الشرعة في الحل والحرمة على وجه يواطئ صحيح الفطرة ، وهي تفصل ما أجمل منها ، وَتُقَوِّمُ ما اعوج إن فسدت فلا تدرك حلالا من حرام ، ولا معروفا من منكر ! ، فذلك القلب الذي نكس ، وبين الشطرين ، شَطْرٌ ثَالِثٌ يَشْتَبِهُ ، فـ : "بَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" ، فَبَيْنَ أمرين استبانا لا يخلو النظر من أمور تشتبه فَنِسْبَتُهُمَا إلى أحدهما لا تحصل يقينا ، وإن حصلت ترجيحا في حق بعض النظار فعندهم من آلة الاجتهاد ما به يرجحون ، وقد يصيبون وقد يخطئون ، وقد يتوقفون إذا لم يستبن لهم وجه ترجيح ، فيكون الاشتباه عظيما فلا يكاد يحسم النِّزَاعَ فيه إلا من هُدِيَ إلى الحق ، وَأُلْهِمَ الرُّشْدَ في أمره كله ، فتجرد من الأهواء والحظوظ وراح يفتش في أدلة الباب ، تصحيحا وتضعيفا بمعيار محكم في النقل ، وراح ينظر فيها استدلالا بمنطوق يفصح ومفهوم يستنبط بدلالة القياس طردا وعكسا ، لا سيما في المواضع التي أنيطت فيها الأحكام بأسماء مشتقة ، فدلالة الاشتقاق دلالة معتبرة في الاستدلال ، إذ مادة الاشتقاق مناطُ الحكم طردا حال المنطوق وعكسا حال المفهوم ، فهي تدل على معنى صحيح مفهم يظهر حال النظر أثره في التعليل ، فثم معيار محكم في العقل به يستنبط الحكم ، وقد يحصل الاشتباه ، كما تقدم ، فيتوقف الناظر فلا يَقْضِي بِإِثْبَاتٍ أو نَفْيٍ ، وتلك حال كثير من الناس لا سيما زمن الفتن التي تَسْتَغْلِقُ فِيهَا الأمور ، وَيَبْدُو منها ما يخدع الناظر ، بادي الرأي ، فلا يكاد يميز حقا من باطل إلا آحاد ممن رزقوا النظر الثاقب ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا بإخلاص يصحح قوة الإرادة قبل اكتساب أسباب الاجتهاد وطرائقه في الاستنباط ، فتلك قوة فقه واستنباط لا تُؤْتِي أكلها إلا أن تسبق بإرادة صحيحة فهي قوة القلب الناصح الذي سلم من الأهواء والحظوظ ، فذلك القلب السليم الذي لا ينفع يوم الدين إلا هو ، فسلم من آفات الشبهات التي تفسد قوة التصور ، وهي تدخل في حد الخبر ، وسلم من آفات الشهوات التي تفسد قوة الحكم ، فلا ينفع في موضع الشبهات إلا القلب السليم الناصح والفهم الصحيح الثاقب ، فالأول مئنة من قوة عملية تسدد الناظر وَتَهْدِيهِ فِي جميع موارد الحكم فهو ينظر بِنُورٍ يهدي لا يَهَبُهُ ، جل وعلا ، إلا من أَخْلَصَ فتجرد في طلب الحق وإن خالف ما يهوى ويجد ، وَالثَّانِي مئنة من قوة علمية صريحة في استنباط الأحكام ، والغالب في المشتبه أن يخفى وجه الحق فيه ، وأن يكون الدخن إذ يمازج الحقَ باطلٌ ، فلا يحسن رد الأمر كله ، فذلك جور في الحكم بالتفريط في رد الحق وهو الأحق بالاتباع في جميع المحال والأحوال من العلوم والأعمال والأحكام والسياسات فلا يرد وإن أبغض الناظر من جاء به ، فذلك قياس العدل الذي ينفع الناظر فلا يبغض الشرع والشارع ، وإنما قد يحصل في قَلْبِهِ من فساد الْوُدِّ ما به تَتَوَلَّدُ الْبَغْضَاءُ ، ولا يَحْمِلَنَّهُ ذلك أن يفارق الحق النازل من السماء ، إن في الإثبات أو في النفي ، إن في الإيجاب أو في التحريم ، فلا يكون الجور لا بِرَدِّ الحق تفريطا ، كما تقدم ، ولا بِقَبُولِ الباطلِ إِفْرَاطًا فذلك شؤم التقليد والتعصب ، ولا يخلو من الهوى مشفوعا بجهل يليق بصاحبه أن يَتَوَرَّعَ فَيَتَوَقَّفَ لا أن يقدم فيتحكم ويقضي في أمر لا يدرك من أدلته ودلائله إلا لماما مع عظم الخطب فكيف يقضي من لا يتصور محل النزاع تصورا كاملا ، ومن لم يُحْكِمْ أدلته نقلا ودلائله عقلا فلا عناية له بجمع أدلة الباب ولا عناية له بتحقيق طرائق الاستدلال ولا بصر له في أمر زمانه فلا يحسن يحقق المناط وإن أدركه ، فتحقيقه في الخارج أمر زائد يحصل فيه التفاوت فهو ، أيضا ، من جملة المشتبهات فلا يحسن يقضي فيه أكثر الناس كما في الخبر ، فـ : "بَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" ، فأطنب بالوصف وهو الجملة المنفية : "لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" ، وَتَسَلُّطُ النفي على ال**در الكامن في الفعل آكد في تقرير المعنى فضلا عن استحضاره بالمضارع وديمومته واستمراره فلا تزال الشبهات تَتَنَاسَلُ من رحم واحد هو رحم الوسواس الذي يُعْرِضُ صاحبه عن محكم الوحي إلى متشابه القياس والذوق ، فجاء الوصف على وجه حصل به القيد ، فوصف النكرة يقيدها ، وَثَمَّ قَيْدٌ آخر دل عليه اللفظ إذ نُكِّرَ فهو مئنة من النوعية ، وَلَهَا دلالة تَزِيدُ ، فلا تخلو من معنى الكثرة والعظمة ، فالشبه كثيرة لا تكاد تحصى ، عظيمة تُزَلْزِلُ القلوب إلا من عصم الرب المعبود ، جل وعلا ، والوصف يدل بالمفهوم أن ثم من يعلم هذه المشتبهات فيحسن يَقْضِي فِيهَا بالعدل والقسط ، فلا غلو ولا جفاء ، إن في العلوم أو في الأعمال ، فالمشتبهات إذ أطلقت فهي ، أيضا ، تَسْتَغْرِقُ أنواعها وآحادها في الخارج ، إذ التَّنْكِيرُ مَئِنَّةٌ من الذيوع والشيوع ، فمنها مشتبهات في العقائد وأخرى في الشرائع ، وثالثة في السياسة ، ورابعة في الحرب ..... إلخ ، وكلما بعد العهد بالنبوة زادت الشبهة فاستغلظت ، فمن يعلمها قليل إذ قد خفي من آثار النبوة شيء عظيم ، وقلت عناية النظار أن يحكموا أدلتها ودلائلها بل قد زهد فيها كثيرٌ وانصرفوا عنها إلى متشابه العقل والذوق ، وإن كانوا ممن يعظم الشرع ، *** تخل حالهم من هوى وإن خفي ، فكيف بِمَنْ يُبْغِضُ الوحيَ ، ابتداء ؟! ، فانصرافه عن النبوة أعظم وقضاؤه في المتشابهات أفحش ، فتلك سنة تطرد إذ يعظم الفساد بِمُفَارَقَةِ سَبِيلِ الهدى والرَّشَادِ ، وكلما عظمت المفارقة عظمت الشبهة واستحكمت ، فغلظت وكتب لها من الذيوع والاشتهار ما به تَقَعُ العقوبة العامة بقدر الكون ، فيظهر الفساد العظيم في البر والبحر ، فـ : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) ، فَثَمَّ خَبَرٌ يحكي حالا في الخارج على حد الماضوية ، ولا تخلو من دلالة توكيد ، وإن لم يكن ذلك مراد التشريع الحاكم ، فما كان الفساد إلا بقدر التكوين النافذ ، عقوبة على المخالفة عن أمر الوحي ، ولا يخلو الخبر من دلالة إنشاء ألا تفسدوا في الأرض ، فذلك ما ورد النص عليه صراحة بإنشاء قياسي بالنهي الشرعي في قوله تعالى : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) ، وثم عموم في دلالة "أل" في "الفساد" ، فهو يستغرق فساد الكون وفساد الشرع ، ففساد الكون في شؤم نُزِعَتْ به الْبَرَكَةُ من المأكل والمشرب والمنكح ..... إلخ ، وظهرت الأسقام ومنع القطر .... إلخ من العقوبات الماضية ، فذلك سنن محكم لا يتبدل فمتى فارق الناس الوحي في جليل أو دقيق حصل به من الفساد في الأرض ما يعدله وحصل به من العداوة والبغضاء ما يؤوله ، فتأويل العقوبة ما يقع في الخارج من وجوه النقص والفساد الطارئ ، إن في الكون ، كما تقدم ، أو في الشرع فذلك أعظم ، فيكون فساد العقد بما يحدث الناس من بدع القول ، ويكون فساد الشرع بما يحدث الناس من بدع العمل والحكم ، سواء أبلغ ذلك أن يقدح في كمال الدين الواجب ، أم عظم الشؤم فَبَلَغَتِ الحال بالمحدِث في الدين أن اقترف ما يوجب نقض الأصل ، فعطل في الأخبار التعطيل العام ، كما يقع من غلاة النفاة ، وعطل من الشرع جملة من الأحكام بلا شبهة تأويل ، فاستبدل بالشرع المنزَّل الشرعَ المحدَث فتلك مضاهاة وتشريك في منصب التشريع ، ولو بتبديل مناط واحد ، فكيف باستبدال المحدَثِ بالأصل ، فيكون النقض لأصل التوحيد في التشريع أن يتخذ غيره مستمدا ، فلا يعتبر الشرع إلا إذا وَافَقَهُ ! ، فالحكم للهوى والذوق المتشابه ! ، فهو الذي يقضي في محكم الوحي ، في العقد والشرع ، وغاية المتشابهات ، كما تقدم ، أن يحصل فيها نوع بَيَانٍ لا يفقهه أكثر الناس ، فلا يحسن يقضي فيه إلا آحاد من المحققين ، ولا يكون ذلك إلا بِرَدِّهِ إلى الوحي المحكم لا أن يكون هو الحكم ! ، فَيَقْضِي في الوحي وَيَتَصَرَّفُ بما يوافق هوى فلان أو ذوقه ! ، فذلك يؤذن بذيوع الفساد وحصول العداوة والبغضاء بما يكون من تنافر بين الأقوال ، وتهارج بين أصحابها إن في الجدال مراء ، أو في الجلاد سفكا وهتكا ، فيحصل الظلم والتعدي في القول والعمل ، ولا ينفكان يَقْتَرِنَانِ ، كما ظهر في الأعصار المتأخرة من ظلم في الجدال وآخر في الجلاد ، لما خفيت آثار النبوة فظهرت الأهواء وعظم الجفاء وَقَلَّ العدل في الحكم والإنصاف في الخلاف ، فصدق السيف الجائر أحقاد القلب الفاسد الذي عظم جهله وتعصبه فلا يحسن إلا تقليد السادة والكبراء وإن قضوا بما يخالف وحي السماء ، فعم الفساد ، من هذا الوجه ، وعم الظرف ، برا وبحرا ، فما كان ذلك إلا باكتساب الناس ، ولو بالترك للحق ، فالترك فعل في قول الجمهور من أهل الأصول ، وهو فعل بدليل التلازم فلا يخلو محل فَارَقَ من الحق قدرا إلا أن يَتَلَبَّسَ بضده بقدر ما فَارَقَ منه ، فَيَتَلَبَّسُ بِبَاطِلٍ يضاهي الحق الذي فارقه ، فهو يساويه في القدر وإن خالفه بل وناقضه في الوصف ! ، ***ا خفيت آثار النبوة عظم الاشتباه إذ جهل أكثر الناس فلا يدركون من المتشابه إلا ما وافق الهوى والذوق وذلك ، كما تقدم ، ذريعة إلى الافتراق وإن في مسائل يسوغ فيها الخلاف ، فضلا أنه استمساك بالطارئ فهو استثناء ، فيغفل الناظر عن جملة عظيمة حصل فيها البيان ، فذلك وصف الوحي في غالب أخباره وأحكامه ، وذلك قد يشهد لوجه آخر يحمل فيه التنكير في "مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" ، على التقليل فمهما كثرت وعظم الخلاف فيها إلا أنها بالنظر في موارد الإحكام في الحلال والحرام نَزْرٌ يسير وإنما عظمت الفتنة أن اشتغل بها من اشتغل قبل أن يحكم الأصول ، فقبل النظر في الفروع يحسن بالناظر أن يشتغل بتقرير الأصول وتحقيقها بأدلة مرضية ، نقلية وعقلية ، فتلك طريقة الرَّبَّانِيِّينَ ، كما أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فهم الذين يُرَبُّونَ الناس بكبار المسائل من الأصول المحكمة قبل صغارها من الفروع المتشابهة ، فقامت بالوحي الحجة في الأصول ، وحصل من بَيَانِهِ للفروع قدر عظيم ، وما فاته النص فالقياس الصحيح إن على أصل بعينه ، أو رعاية لمقاصد الشرع في باب ال**الح التي سكت عنها الشارع ، جل وعلا ، رحمة غير نسيان ، فحصل بالوحي بَيَانٌ تَامٌّ في جميع موارد الدين ، من العقائد والشرائع ، ولا صلاح لهذه الدنيا إلا به ، وإلا عظم الفساد ، كما نرى في هذه الأعصار ، حتى صار القبيح حسنا ، وصار الكذوب **دقا ، والخائن مؤتمنا ، والفاجر أسوة بها يقتدي عامة الخلق فتلك ، أيضا ، عقوبة ناجزة أن زهد الناس في الشرعة الخاتمة ، فانصرفوا إلى زخرف من الحياة ، فليس إلا صورة زيف وحقيقة ظلم وحيف ، وإن حسن المنطق والمظهر ، فذلك مكر من زَيَّنَ الصورة وزخرفها كما يصنع إبليس وجنده إغواء بصور قبيحة ظاهرة القبح لو استمسك الناس بالوحي ما خفيت عليهم ولا اشتبهت بادي الرأي ، وإنما عظمت الشبهة فَرَاجَت سوقها الكاسدة ، فأقبل عليها الناس بَيْعًا وشراء ، أن لم يكن لهم حظ من سوق الحق ، وما فيها من السلعة الغالية من توحيد يصحح المحل الباطن فهو الأول ، وتشريع يصحح المحل الظاهر من جوارح ا*** فهي المحل الثاني ، وذلك مقتضى العدل في القياس أن يصلح الباطن فإذا صلح صلحت بقية الجوارح ، كما جاء في ختام الخبر : "أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" ، فجاء الاستفتاح بـ : "ألا" مئنة من التنبيه ، وزد عليه دلالة التوكيد بالناسخ "إن" وثم تشويق في إجمال المضغة فهي نكرة لا تَنْفَكُّ تَفْتَقِرُ إِلَى بَيَانٍ ، فجاء الْبَيَانُ الأول بالوصف على حد الشرط إطنابا بالمنطوق "إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ" ، والمفهوم "وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ" ، فنص على المفهوم وإن علم بدلالة المنطوق فَذَلِكَ آكَدُ فِي تَقْرِيرِ المعنى بِسِيَاقٍ اسْتَوْفَى شطري القسمة على جهة المقابلة ، فضلا عن دلالة الطباق إيجابا بين مادة الصلاح في الشطر الأول ، ومادة الفساد في الشطر الثاني ، ولا يخلو كل شرط من دلالة جناس على جهة التلازم بين صلاح المضغة وصلاح بقية الجسد ، وجهة التلازم في المقابل بين فسادها وفساد بقية الجسد ، وثم توكيد في كل شطر ، فذلك آكد في تقرير المعنى فضلا عن عموم اسْتُفِيدَ من إِطْلَاقِ الفعل ، ففساد القلب ، كما تقدم ، يكون بوارد الشبهة العلمية والشهوة العملية فلا يحصل القلب السليم إلا بالبراءة من أسباب الفساد العلمية والعملية ، وفساد الجسد يكون بالمعاصي فذلك الفساد المعقول ولا يخلو ذلك من فساد آخر محسوس فإن مقارفة المعاصي تضعف البدن وتفسد الجوارح بما يكون في العادة من مباشرة للخبائث التي نهى الوحي عنها ، كما تقدم في آي الأعراف ، فوصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه الذي : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، وقل مثله في الصلاح ، فإن الصلاح قد أطلق ، فعم صلاح القلب بصحيح العقد فهو ينفي مادة الشبهة ، وصحيح الإرادة والحب والبغض فهو ينفي مادة الشهوة ، فلا يريد إلا ما أراد الشرع فلا غاية له أن يعصي فضلا أن يحتج بالقدر فيفحش في القول إذ يطلق ، فلا يريد إلا ما أراد الله ، جل وعلا ، فذلك من المجمل الذي يفتقر إلى البيان فلا بد من قيد الشرع ، فلا يريد إلا ما أراد الله ، جل وعلا ، إرادة التشريع ، وإلا فالرب ، جل وعلا ، قد قضى في الكون بأمور لا يحبها ولا يرضاها وإن شاء وقوعها بإرادة التكوين فلا تواطئ إرادة التشريع ، وهي مناط التكليف ، فيقبح أن ينقضها تذرعا بإرادة الكون التي تعم ا***ن والقبيح معا ، وذلك باب جبر انفتح فهو ، أيضا ، من جملة الفساد الذي ظهر ، وبه تذرع من تذرع أن ينقض الشرع بل ويجعل ذلك مناط الفضل فقد أدرك ما فات الرسل عليهم السلام ! ، إذ جاءوا بالشرع وأمروا بالتزامه في كل قول وعمل ، فجاء أهل الجبر بما يعارض النبوة إذ يفضي إلى إبطال التكليف بأمرها ونهيها ، فلا يكون ثم حلال وحرام استبان ! ، وذلك ما يخالف صدر الخبر ، فلا تكون السلامة من متشابه القول في مذهب القدرية إلا برده إلى محكم : (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ، ولا تكون السلامة من متشابه القول في مذهب الجبرية إلا برده إلى محكم : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) ، ومن ثم جاء البيان لحقيقة المضغة بعد التمهيد بالوصف : "أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" ، فحسن التنبيه ، أيضا ، وجاء الحد على جهة القصر بتعريف الجزأين ، وهو قصر حقيقي فلا يشارك القلب في هذا المنصب عضو آخر .
فثم *** حلال ، و*** حرام ، ، فدلالة "أل" في الجميع دلالة ال*** فبه الدلالة على الحقيقة والماهية ، وبينهما ما تشابه ، فتلك قسمة العقل في باب التكليف ، كما تقدم ، ومن ثم جاء الشرط على جهة الإلهاب والتهييج بما ورد في جزاءه من معنى يحمد في النقل والعقل : "فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ" : ودلالة الاستبراء مئنة من استفعال لا يخلو من دلالة تقصد وتكلف ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، ولا يخلو الخبر من دلالة إنشاء أن : اتقوا المتشابهات فهي مئنة الإجمال الذي يجعل صاحبه محل تهمة في دينه وعرضه ، ومن ثم جاء الشطر الثاني من القسمة شرطا حال الوقوع فهو يقابل الاتقاء لما تشابه في القول والعمل : "وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ" ، فجاء الشطر الثاني بشرط دلالته في الخبر دلالة تشبيه حُدَّ على جهة التمثيل إذ انتزع من صورة مركبة في الخارج لراع يرعى حول الحمى فإن لم يقع في الحمى ابتداء فهو يجاوره إلا أنه لا ينفك في العادة يقارفه فيقع فيه فتجب له العقوبة ، فاستعير حمى الملوك المحسوس لحمى الرب ، جل وعلا ، فهو الحمى المعقول الذي أبان عنه الخبر : "أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ" ، فعم ثم خص ، فثم حمى لكل ملك ، فذلك العام ، وثم حمى المحارم أن تنتهك فذلك حمى الرب ، جل وعلا ، فحسن أن يجتنبه المكلف ولا يكون ذلك إلا أن يترك من المباح قدرا يحول بينه وبين الحرام ، فذلك أصل في سد الذرائع إذ قد يكون الإفراط في المباح ومقارفة الفضول من الأحوال والأعيان قد يكون ذريعة إلى الوقوع في المحرم فينهى عنه لا أنه في نفس محرم وإنما بالنظر في الغاية التي يفضي إليها لا سيما إن غلب ذلك واطرد ، أو كان ثم قرينة مخصوصة في محل بعينه ترجح الوقوع في المحرم وإن لم يرجح ذلك في بقية المحال .


والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:54 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant