من خبر : "إِنَّ المُكْثِرِينَ .........." - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-26-2016, 02:57 PM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من خبر : "إِنَّ المُكْثِرِينَ .........."

من خبر : "إِنَّ المُكْثِرِينَ .........."
ومن خبر : "إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا" ، فجاء التوكيد بالناسخ "إن" ، وجاء الطباق بين مادة الإكثار ومادة الإقلال ، فهو آكد في تقرير المعنى ، ولا يخلو من نِكَايَةٍ إذ جاء الجزاء على ضد ما ابتغى الفاعل ، فكان التوكيد بتعريف الجزأين ، إما على حمل "أل" على معنى الوصل ، فيكون تأويل الكلام : إن الذين يُكْثِرُونَ ، فاتصلت "أل" باسم الوصف "مكثر" ، وهو اسم فاعل من "أكثر" الرباعي فحد بقلب الهمزة ، ميما مضموما وكسر ما قبل آخره ، فكان ثم تعريف إذ الموصول من أنواع المعرفة ، وكان ثَمَّ إجمال في الموصول ، من وجه آخر ، أبان عنه اسم الوصف فهو صِلَتُهُ ، فذلك يشبه ، من وجه ، افتقار الإشارة إلى دلالة العهد ، إذ تشير إلى معهود في الذهن هو المشار إليه ، كما في قوله تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) ، فإن الإشارة إلى جملة مقالات استحق أصحابها كلمة العذاب ، فأشير إليها إشارة البعيد مع تقدم ذكرها قريبا على ما اطرد في لسان العرب ، فضلا عن دلالة التحقير والضآلة ، فاسم الإشارة ، من هذا الوجه ، يفتقر إلى مرجع ، فَيَكَادُ يُضَاهِي النكرة حال الإطلاق إذ دلالة التعيين فيه لا تظهر إلا بدلالة عهد أخص في الذهن أو في الخارج ، كإشارتك إلى شخص في الخارج ، وقولك : هذا فلان ، فحصل التعريف بقدر زائد هو المشار إليه في الخارج ، وقد يكون المشار إليه في الذهن ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فالقرآن مما يعهد في الذهن ، بادي الرأي ، وإن كان مسطورا مكتوبا في **احف فهي بالنظر في الورق والمداد مما خلق فَلَهُ وجود في الخارج خلافا للكلام المسطور فيها فهو كلام الرب المعبود ، جل وعلا ، فليس مخلوقا من هذا الوجه بل هو مما تصح الإشارة إليه الإشارةَ إلى وصف يقوم بغيره ، لا ذات قائمة بنفسها في الخارج كما تقدم في الإشارة إلى شخص بعينه في الخارج ، وكذا يكون التعريف في الْعَلَمِ فيحصل بالمسمى في الخارج في علم الشخص ، ويحصل بالمعنى في الذهن بالنظر في علم ال*** سواء أكان معقولا كَالْفُجْرِ في فَجَارِ للفجرة ، كما مثل صاحب الخلاصة رحمه الله ، أم محسوسا كأسامة فهو علم على *** الأسد ، فالموصول ، أيضا ، وهو محل الشاهد ، مما يفتقر إلى الصلة فهي التي تُبَيِّنُ ما أجمل منه ، فالمعنى الذي اشتقت منه الصلة هو مناط الفائدة في الوصف ، ومناط التعليل في الحكم ، وفي الخبر : "إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ" ، قد تحمل "أل" ، أيضا ، على التعريف ، فهي معرفة ، سواء أكانت مئنة من الوصل ، على التفصيل المتقدم ، أم مئنة من التعريف ، وإن بالنظر في اللفظ ، فكان تعريف الجزأين : "المُكْثِرِينَ" و "المُقِلُّونَ" مئنة من القصر ، ودلالته دلالة الحصر والتوكيد ، فضلا عن دلالة الضمير "هُمُ" ، وهو ضمير فصل ، ودلالته ، أيضا ، دلالة الحصر والتوكيد ، وثم طباق آخر يقدر على حد الإيجاب ، أيضا ، عَلَى وجه يَزِيدُ في المعنى ، فتأويل الكلام : إن المكثرين في الدنيا هم المقلون في الآخرة ، فثم طباق بَيْنَ الظرفين : "الدنيا" و "الآخرة" ، وقد نص على الثاني فذلك ما يكون : "يَوْمَ القِيَامَةِ" ، وذلك أمر قُيِّدَ بالاستثناء فهو من التخصيص المتصل ، كما يقرر أهل الأصول واللسان ، فجاء الاستثناء : "إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا" ، فاستثنى على جهة الاتصال إذ المستثنى من *** المستثنى منه في اللفظ وفي المعنى ، فمن جهة اللفظ يُقَالُ إن الموصول المشترك "مَنْ" ، وهو مما وضع في اللسان للعاقل ، ودلالته في هذا السياق على الأصل ، فلا يتصور أن يكون النَّفْحُ بالإنفاق من غير عاقل لا يكلف ، فالمدح والذم إنما يُنَاطُ بأفعال الاختيار التي يوقعها المكلف بإرادة كاملة ، ولا تكون الإرادة كاملة إلا إذا اقترنت بعقل كامل هو عقل التكليف ، وهو عقل يَزِيدُ على عقل الاستجابة لمؤثرات ا*** الظاهر فهو عقل أدنى يَحْصُلُ للحيوان الأعجم الذي لا يكلف ، بداهة ، فَتَسْبِيحُهُ وَتَسْبِيحُ ما دونه من الشجر وحياته حياة نباتية ، وتسبيح الموات من الحجر والصخر ، تسبيح كل أولئك تسبيح اضطرار لا تسبيح اختيار ، خلافا لعبادة المكلف بإرادة اختيار تؤثر وإن لم تخرج عن إرادة الرب المهيمن ، جل وعلا ، فهي عبادة اختيار ، وعبادة الاختيار لا تحصل إلا من مكلف فَلَهُ عقل كامل يدرك معنى التكليف ، فهو مناطه ، كما قرر أهل الأصول ، فكان العقل شرطا رئيسا في أي تكليف فلا يتصور تكليف من لا عقل له بالفعل ، وإن كان له عقل بالقوة ، كالمجنون الذي لا يعقل ، والصغير الذي لا يدرك ، فقوة العقل فيه قد ركزت ، على وجه يصح مَعَهُ التكليف ، وإن بالنظر في المآل ، فمآل الصغير أن يدرك ، والمجنون إن آل أمره إلى الإفاقة فالتكليف قدر الطاقة ، فإن جُنَّ ابتداء فهو على فطرة التوحيد الأولى فَلَهُ حكم المسلم ، كأطفال المشركين العقلاء الذين لما يَبْلُغُوا حد التكليف ، فَلَهُمْ ، عل الراجح من أقوال أهل العلم ، لَهُمْ حكم المسلم ، فإن ماتوا فهم في الجنة ، وإن طرأ عليه الجنون فهو على ما تقدم ، فينزل المعدوم الطارئ منزلة الموجود السابق ، فإن كان ابتداء مؤمنا فهو مؤمن حال جُنَّ ، وإن كان كافرا فهو كافر حال جُنَّ ، فلا يتصور التكليف إلا مُنَاطًا بعقل كامل يَزِيدُ على عقل القوة ، عقل الطفل الذي لا يميز ، فهذا الطفل ، من وجه ، قد يَصِحُّ إلحاقه بالجماد كما يُلْحَقُ به الجنين الذي لا يستقل بوجود في الخارج ، فيلحق بالجماد ، من باب أولى ، وإن ركزت فيه قوة العقل فَلَمَّا يعقل بالفعل ، فيصح ، من هذا الوجه ، أن يدخل في عموم الموصول الذي وُضِعَ في اللسان لِغَيْرِ العاقل ، وهو "ما" ، فلا بد للتكليف من عقل يزيد على عقل القوة المركوز في الجنين والطفل غَيْرِ الْمُمَيِّزِ ، وعقل الفعل الناقص ، وهو عقل الطفل الذي يميز ، فلا يُكَلَّفُ على الراجح من أقوال أهل الأصول ، على خلاف في مسألة الصلاة ، فَثَمَّ من قال بِتَكْلِيفِ الطفل المميز بالصلاة ، وهو قول في مذهب أحمد ، رحمه الله ، إذ استدل بالأمر أن : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، أمر إيجاب ، ولكنه يجب في حق الولي استصلاحا للولد ، وأما في حق الطفل فهو أمر ندب ، فاختلفت دلالة الأمر باختلاف المتعلَّق وهو المأمور ، فالولي مأمور باستصلاح الولد ، فذلك مناط إيجاب ، وهو ، من وجه آخر ، يدخل في عموم : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" ، فذلك مئنة من إيجاب الرعاية ، فثم عموم صدر به السياق إن بالنظر في دلالة اللفظ المجرد "كل" ، وإن بالنظر في الإضافة إلى الضمير فذلك مَئِنَّةٌ من تَعْرِيفِ اللفظ وتعميم المعنى ، وثم تكرار ينزل منزلة التوكيد تقريرا للمعنى ، فأجمل ابتداء ، ثم أطنب على جهة التوشيح إذ قسم وسبر الأقسام بعد تَقَدُّمِ الإجمال ، فَكَانَ الْبَيَانُ بالتفصيل بعد الإجمال ، وذلك آكد في تقرير المعنى في الذهن ، إذ يجري مجرى الإطناب بالخاص بعد العام ، ويجري ، من وجه آخر ، مجرى التمثيل لعام بذكر بعض أفراده تنويها ، لا تخصيصا ، فذكر بعض أفراد العام على جهة التمثيل لا يخصصه ، وهو الذي يبين في أحوال ما لا يبين الحد ، فالتعريف بالمثال ، كما يقول بعض المحققين ، قد يجدي نفعا ما لا يجدي التعريف بالحد لا سيما إن وقع فيه من تكلف الفصل ما ظهر في مقال المناطقة في حد حقائق هي ، عند التدبر والنظر ، من البدائه ، وإنما زاد من زاد حتى بلغ بها حدا من الإجمال يجعل السامع يقول : ليته سكت ، إشفاقا من قوله الذي لم يزد السامع إلا إبهاما على إبهام ! ، ومحل الشاهد : "وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" ، فاختلفت دلالة الأمر بالنظر في حال المأمور ، فدلالة الأمر بِالنَّظَرِ فِي الولي : دلالة إيجاب ، وبالنظر في الطفل : دلالة ندب ، ***ا اختلفت الجهة وانفكت حصل الاشتراك في دلالة الأمر فصار مئنة من إيجاب وندب معا في سياق واحد على وجه يستأنس به من يجوز عموم المشترك في الدلالة ، فثم ، وهو محل الشاهد ، ثم من كَلَّفَ الطفل المميز بالصلاة ، فَنَزَّلَ عقله الناقص منزلة العقل الكامل إذ يدرك أقوال الصلاة وأفعالها ، فَنُزِّلَ في هذه الحال منزلة البالغ عنايةً بأمر الصلاة ، فهي آكد الأركان وأعظمها بعد ركن الشهادة ، وهي من الأصول الكلية لهذا الدين ، وإن كانت من أعمال الجوارح ، فالأصل ، كما يذكر بعض المحققين ، لا يقتصر على المسائل العلمية ، كما اشتهر في كلام المتأخرين من النظار والمتكلمين ، أن خصوا مسائل العلم ، وإن دقت ، باصطلاح الأصل ، وخصوا ، في المقابل ، مسائل العمل ، وإن جلت ، باصطلاح الفرع ، والصحيح أن كل مسألة في الدين جليلة ، فهي أصل ، سواء أكانت من مسائل العقيدة أم الشريعة ، وأن كل مسألة دقيقة ، في المقابل ، فهي فرع ، إن في العلم أو في العمل ، فمسألة هل رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه ، جل وعلا ، ليلة المعراج ؟! ، هذه المسألة من مسائل الفروع التي يسوغ فيها الخلاف فلا إنكار إذ الخلاف معتبر فثم أدلة تشهد لكل قول على وجه يحصل فيه التقارب وإن لم يكن ثم تكافؤ ، فثم تراجح ، وإن دق ، بين أي قولين في أية مسألة من مسائل الدين وقع فيها الخلاف على وجه يسوغ ، إذ الحق ، كما تقدم مرارا ، واحد ، إن في الأصول أو في الفروع ، فإن كان ثم تكافؤ فهو في نظر المستدل لا في نفس الأمر ، فثم خلاف يسوغ فله حظ من النظر فلكل طرف أدلة معتبرة ، فهذه مسألة ساغ الخلاف فيها وإن كانت علمية ، والصلاة ، وهي محل الشاهد ، من مسائل الأصول بل ومن آكد الأصول التي لا يسوغ فيها الخلاف ، بداهة ، بل الخلاف ، في المقابل ، قد وقع في كفر تاركها على وجه مبسوط في كتب الفقه بل وكتب الأصول ، فثم من أدرجها في مسائل العقائد ، فالخلاف فيها قد انشعب حتى صارت من أشهر مسائل الخلاف ، بل وصارت في أقوال ، صارت مناط امتحان ، فلئن لم يسغ الخلاف في إيجابها ، فهي ، كما تقدم ، أصل جليل من أصول الدين ، فالخلاف في المقابل ، في كفر تاركها ، خلاف يسوغ فثم تقارب في الأدلة ، وهو ما يجب النظر فيه إما جمعا ، كما قال من قال بتكفير التارك مطلقا لا التارك مطلق الترك فيصلي تارة ويترك أخرى ، فجمع بين القولين أن اختلفت الجهة وانفكت ، فأعطى لكل جهة من الحكم ما يلائمها ، وذلك قياس العقل ، أن يعطى كل وصف من الحكم ما يلائمه ، فوصف الترك المطلق له حكم الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين ، ووصف مطلق الترك الذي يثبت بحصول أدنى قدر منه في الخارج ، ولو بترك صلاة واحدة بلا عذر ، فضلا عن ترك أكثر من صلاة ، على وجه لا يبلغ حد الترك المطلق ، هذا الوصف له حكم الكفر الأصغر الذي ينقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، فصح الجمع من هذا الوجه ، ولا يتصور ثم نسخ فإن ذلك من الإخبار ، سواء أكان الإخبار بنقض الأصل ، فـ : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، فدلالة "أل" في "الكفر" ، كما تقدم في مواضع سابقة ، دلالة تستغرق وجوه المعنى فتبلغ به النوع الأكبر الذي ينقض أصل الدين ، فهذا الإخبار ، ونظيره من الإخبار بما ظاهره نجاة التارك المفرط ، وإن بعد حين يعظم من العذاب المؤقت ، فـ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" ، فابتدأ بالنكرة "خمس" إذ أضيفت إلى نكرة مثلها "صلوات" فاكتسبت نوع تخصيص من هذا الوجه ، ومن ثم أخبر بكتب الإيجاب ، فالكتابة مئنة من الإيجاب ، كما في نحو قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) ، وقد يحمل على الندب لقرينة ، كما في قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) ، فمن لم ينسخ هذه الآية بآيات المواريث أن حملها على الوالدين الكافرين إحسانا لهما و**احبة في الدنيا بالمعروف ، فهذه الكتابة عنده تجري مجرى المندوب لا الواجب ، فضلا عن الوصية للأقربين ممن لا يرث ، فذلك ، أيضا ، من الإحسان المندوب ما لم يفض إلى إضرار بأصحاب الحقوق من الدائنين والورثة الشرعيين ، فجاء القيد في خبر آخر ، فـ : "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" .

ومن ثم جاء التقسيم : "فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" ، جاء استيفاء لوجهي القسمة ، الفعل والترك ، فلا تحتمل ثالثا ، إلا إذا قيد الفعل أنه المطلق والترك أنه كذلك ، فيكون ثم واسطة بينهما هي الشطر الثالث الذي يجمع كلا الوصفين ، فثم فعل مقيد إذ يمازجه الترك فلا يصدق في حق صاحبه أنه الفاعل مطلقا ، وثم ، في المقابل ترك مقيد إذ يمازجه الفعل فلا يصدق في حق صاحبه أنه التارك مطلقا ، فهو الوصف الذي وقع فيه الخلاف على وجه أظهر ، وصف من يفعل تارة فيصدق أنه فاعل ، ويترك تارة فيصدق أنه تارك ، لا على سبيل الإطلاق في كلتا الحالين ، وأما في الخبر فالقسمة ثنائية على جهة الشرط الذي تطرد دلالته بتحقق الشرط وتنعكس بتخلفه ، فجاء الشطر الأول : "فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ" ، فجاء الشرط الذي قيد بانتفاء التضييع استخفافا ، ووصف الاستخفاف ، من هذا الوجه ، وصف كاشف ، إذ لا يتصور التضييع إلا استخفافا بحق المضيَّع ، فلا يصدق ذلك فيمن تركها نسيانا ما لم يعتده ، فتلك ، أيضا ، مئنة استخفاف فإن من يعظم شيئا فهو يذكره دوما ، ولا يصدق ، أيضا ، فيمن تركها مضطرا بإكراه أو نحوه ، فمن أتى بها تامة *** يضيع شيئا ، فَلَهُ عهد الوعد الصادق تفضلا من الرب الخالق ، جل وعلا ، لا إيجابا فلا يوجب على الله ، جل وعلا ، أحد ، وإنما يوجب هو على نفسه تفضلا ، فتلك من كتابة التكوين التي تشاطر ما تقدم من كتابة التشريع *** الكتابة الأعم ، فيدخل الوعد الصادق في عموم قوله تعالى : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فله العهد أن يدخل الجنة ، فجاء العهد مجملا ثم أبين عنه على جهة ال**در المؤول من "أن" وما بعدها "يدخله" ، على تقدير جار مقدر كالباء ، فله العهد بإدخاله الجنة ، ولا تخلو دلالة الإطناب في المبنى المؤول من دلالة إطناب تضاهيها في المعنى فذلك آكد في التوكيد فضلا عن دلالة الزمن فذلك أمر يستقبل فَلَمَّا يقع بعد ، فمحله دار ا***اب والجزاء لا دار التكليف ، فهو مما يستقبل من الزمان ، فحسن أن يمحض زمن المضارع للاستقبال بدخول "أن" فهي مما يمحض دلالة الاستقبال في المضارع فخرجت دلالة الحال فذلك ، كما تقدم ، أمر لَمَّا يقع بعد ، فيجري ذلك مجرى التأويل الصحيح إذ قرينة السياق الأعم ، وقرينة "أن" ال**درية ، وهي قرينة أخص ، كل أولئك ما أوجب تأويل المضارع بقصر دلالته على أحد مدلوليه وهو الاستقبال دون الآخر وهو الحال ، ودلالة "الجنة" ، دلالة العموم بالنظر في دلالة "أل" فهي جنان كثيرة ولا تخلو من دلالة العهد بالنظر في المستقر الذي أُعِدَّ لأهل الطاعة ، وذلك ، كسائر نصوص الوعد والوعيد ، مما يقيد باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، فقد ينتفي شرط من شروط الوعد فيحافظ على الصلاة ويفرط في غيرها على وجه يفضي إلى نقض الإيمان كله ، أو نقض كماله الواجب فيمتنع في حقه دخول الجنة إما مؤبدا إن اقترف ناقضا من نواقض الإيمان وإن أتى بالصلاة على وجهها ، وإما مؤقتا إن اقترف ما يوجب الوعيد بالنار دون أن ينقض أصل الدين فهو ينقض كماله الواجب وانتفى في حقه ، من وجه آخر ، موانع نفاذ الوعيد كلها ، فحقت عليه كلمة العذاب المؤقت في نار العصاة حتى يطهر من دنس المعصية ثم يخرج إلى الجنة فهي مآله المؤبد بعد استيفاء العذاب المؤقت ، ولا يخلو الخبر وعدا في هذا الشطر من دلالة تكليف بإيجاب آمر يحمل المكلف على امتثال الأمر أن يحافظ على الصلاة ليناله حظه من الوعد الصادق .
ومن ثم جاء بالشطر الثاني على جهة الوعيد في المقابل : "وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" ، فحصلت المقابلة بالنظر في الشطرين ، وثم طباق سلب بإثبات في الشطر الأول ونفي في الشطر الثاني بالنظر في الألفاظ المفردة ، وقد زيد في الوعيد نكاية أن تسلط النفي بـ : "ليس" على النكرة "عهد" ، وذلك مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول واللسان ، ومن ثم أطنب بمحل الشاهد : "إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" ، فذلك مما يستدل به من لا يكفر تارك الصلاة ، *** يأت بهن ، وتسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل مئنة من العموم ، وهو ما قد يخص جمعا بين الأدلة بالإتيان التام ، فيصلي تارة ويترك أخرى ، فخرج التارك الترك المطلق فليس له إلا النار إذ قد ثبت في حقه الكفر الأكبر الذي دل عليه اللفظ العام في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" .
والوعيد هنا يقابل الوعد في الشطر الأول في لفظه ، من وجه ، وفي دلالته ، من وجه آخر ، فكما أن الوعد يحمل الناظر على الفعل ، فذلك خبر يراد به إنشاء الفعل ، في مقابل دلالة الوعيد فهو يحمل الناظر على الترك ، فذلك ، أيضا ، خبر يراد به إنشاء الحكم وهو التحريم الذي يحمل الناظر على الترك ، فدلالة إيجاب تحمل على الفعل ، ودلالة تحريم تحمل على الترك ، فاطردت الدلالة وانعكست من هذا الوجه ، ودار الحكم مع العلة وجودا وعدما ، فتلك دلالة المنطوق والمفهوم في كل شطر ، فمنطوق الوعد يدل بدلالة العكس على مفهوم الوعيد ، ومنطوق الوعيد ، من وجه آخر ، يدل بدلالة العكس ، أيضا ، على مفهوم الوعد .

فالإخبار بكلا الوجهين ، حكما مؤبدا أو وعيدا مؤقتا ، الإخبار بكلا الوجهين يوهم التعارض ، وثم من الْتَزَمَ ذلك فَرَامَ حسم الخلاف بالترجيح لا الجمع ، كما تقدم ، فمذهب أحمد ، رحمه الله ، حمل نصوص الكفر على ظاهرها المتبادر في نصوص الأسماء والأحكام فتحمل على المعنى الأكبر إلا أن ترد قرينة تصرف ، ولازم ذلك أن النصوص الأخرى التي حكت نجاة التارك للصلاة ، ولو بعد وعيد شديد ولكنه لا يؤبد ، كما في الخبر السابق : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" ، لازم القول بالتكفير مطلقا أن هذه النصوص ضعيفة ، وثم من رجح الخبر المتقدم آنفا فجعله مخصصا لعموم : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، فهو يجري ، من وجه ، مجرى القرينة الصارفة التي تصرف دلالة "الكفر" المحلى بـ : "أل" من الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين إلى الكفر الأصغر الناقض لكماله الواجب ، فيكون ذلك من التأويل السائغ بحمل الظاهر على المعنى المرجوح غير المتبادر لا تحكما وإنما بقرينة لفظية في سياق آخر ، فيجري ذلك مجرى التخصيص المنفصل بلفظ آخر في سياق مغاير ، وتلك قرينة صحيحة في باب التأويل فليست تحكما في باب مستنده الخبر إذ الوعد والوعيد مما لا يقال بالرأي ، فتلك مقادير مخصوصة لا تثبت إلا بنص الشريعة المعصومة ، وهو ما سوغ الخلاف في حق من صحح الخبر المتقدم : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" ، فتلك ، عنده ، قرينة صحيحة توجب صرف اللفظ عن ظاهره الراجح المتبادر إلى آخر مؤول فهو مرجوح غير متبادر لا على جهة التحكم كما تقدم .

والشاهد أن ثم من أوجب الصلاة على الطفل المميز ، فهو مكلف ، من هذا الوجه ، على حد الإيجاب الملزم فاستثنى الصلاة لعظم شأنها ، وثم من أجرى الأمر مجرى الإيجاب في حق الولي ، ومجرى الندب في حق الطفل ، لا سيما عند من يجوز تكليف الطفل بالمندوب دون الواجب كما اطرد في كلام بعض الفقهاء كالشافعية رحمهم الله .

ومحل الشاهد صدر الكلام ، وهو خبر أبي ذر ، رضي الله عنه ، مرفوعا ، وفيه : "إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا" ، محل الشاهد يظهر فيه الاستثناء المتصل بالنظر في لفظ "مَنْ" في : "مَنْ أَعْطَاهُ" ، فهو موصول قد استثني من موصول آخر بالنظر في دلالة "أل" إذ دخلت على الاسم المشتق "المكثرين" فأفادت الوصل ، كما تقدم ، على تقدير : إن الذين يكثرون ، فتكون دلالة "مَنْ" بالنظر في معناها دون لفظها المفرد المذكر ، فقد قابل الوصل المجموع صدر الكلام في "المكثرين" ، وهو ، من وجه آخر ، مجموع يعم بدلالة التغليب فتدخل فيه جماعة الإناث ، فإن خص اللفظ المجموع جمع الذكور السالم إن خص الرجال بأصل الوضع فإنه يعم النساء تغليبا ، ويخرج منه كل من لم يكلف من ال***ين ، ذكرا كان أو أنثى ، سواء أكان ذلك بصغر أم بجنون .... إلخ من موانع التكليف المؤقتة أو المؤبدة ، فخص العموم صدر الكلام بأولئك الذين خرجوا من حد التكليف العام ، فضلا عمن خصوا بعد ذلك بالاستثناء : "إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا" ، فَثَمَّ تخصيص متصل فاستثني عاقل مكلف دلت عليه "مَنْ" الموصولة ، من عموم جمع مكلف صدر الكلام دلت عليه ألفاظ "المكثرون" و "المقلون" ، ولا يخلو المنطوق من مفهوم فالمقلون في الأولى هم المكثرون في الآخرة ، وذلك ، لو تدبرت ، مما يخص ، أيضا ، فكم من فقير كافر أو ساخط لم يفده الإقلال في دار التكليف شيئا أن لم يمتثل تكليفه من الإيمان والصبر فغني شاكر خير من فقير ساخط ، وإنما المفاضلة ، كما قرر بعض أهل الشأن ، إنما تكون بين الغني الشاكر والفقير الصابر ، والخلاف فيها مشهور مبسوط في كتب الزهد والرقائق وقد أشار إليه بعض من صنف في المعتقد كشارح الطحاوية ، رحمه الله ، فجاء الاستثناء : استثناء الغني الشاكر بالقول والعمل : "مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا" ، فلفظ "خيرا" في الشطر الأول مئنة من الإطلاق إذ ورد في سياق الإثبات ، فيحصل بأي خير ، فحال ذلك المكلف أنه متى حصل في يده أي خير ، وهو مما ينصرف بدلالة العهد والسياق إلى المال فقد أطلق عليه لقب الخير في الشرع كما في قول الرب جل وعلا : (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) ، فحاله أنه ينفق ويتصدق ، فأردف على جهة الفور فذلك آكد في المدح ، فنفح يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ ، فذلك آكد في تقرير المعنى باستيفاء الجهات ، وذلك من الإحسان إلى غيره ، وهو في نفسه قد : "عَمِلَ فِيهِ خَيْرًا" ، ودلالة "خير" ، دلالة جناس تام مع الخير الأول ، فالأول ، كما تقدم ، ينصرف إلى المال ، والثاني ينصرف إلى فعل صاحبه في نفسه فلا يستعمل الخير إلا في خير وذلك آكد في تقرير المعنى ولا يخلو الشطر الأول من وعيد ولازمه الترك من الإكثار والجمع على وجه يحصل معه منع الحق الواجب ، فالجمع والإكثار مع أداء الحق لا يذم ، فكل مال قد أديت زكاته فليس بكنز ، كما أثر عن بعض السلف في تفسير قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فيؤول الكلام إلى نهي أن : لا تكثروا من الدنيا ، فالإكثار منها مع منع حقها أمر يذم ويحرم ، بل الإكثار ، وإن مع أداء الحق ، مما قد يذم إن شغل صاحبه عن بقية الفرائض والواجبات ، ولا يخلو الشطر الثاني في المقابل من وعد ولازمه الفعل من الإنفاق ، فتقدير الكلام : أنفقوا ولا تستكثروا ، مع قيد آخر في النقل والعقل فلا يبلغن بكم ذلك حد الإقلال الذي تهون به الحال ويذهل به اللب ويزول به الملك ، فـ :
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم ******* لم يبن ملك على جهل وإقلال .

فخص الأمر بالإنفاق وإيتاء أصحاب الحقوق حقوقهم ، خص بالنهي عن الإسراف والتبذير ، فـ : (آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) ، فأمر بفعل الخير بإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم ، إن إيجابا لازما أو ندبا زائدا ، و : "ذا القربى" معرف بالإضافة فهو يعم كل من تحقق فيه وصف القرابة وآكد أفراده دخولا في دلالته هو الوالدان ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، يجري مجرى الإطناب بالوصية في لفظ أعم ، بعد وصية أخص أُفْرِدَا فِيهَا بِالذِّكْرِ ، فـ : (بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) ، فأمر أن : (آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) ، ودلالة الإضافة في "حقه" ، هي ، أيضا ، مئنة من عموم ، فتعم جميع الحقوق الواجبة والمندوبة ، ومن ثم عطف المسكين وابن السبيل على نية تكرار العامل والمعمول ، فتقدير الكلام : وآت المسكين وابن السبيل حقهما ، أيضا ، فحذف المتأخر لدلالة المتقدم المذكور عليه ، ودلالة الأمر ، من هذا الوجه ، تعم ، فهي تعم الإيجاب بالنظر في الحق الواجب من الزكاة ، وتعم الندب بالنظر في الحق المندوب من نفل الصدقة ، فدل اللفظ على أكثر من معنى صحيح في سياق واحد ، فذلك ، أيضا ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، ومن ثم احترز بالنهي ، لئلا يفضي الإعطاء المحمود إلى الإسراف المذموم ، فالفضيلة ، كما تقدم مرارا ، وسط بين رذيلتين ففضيلة الكرم وسط بين رذيلة الشح جفاء وتقصيرا ورذيلة الإسراف غلوا وتعديا ، فـ : (لَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) ، والأمر مئنة من التحريم لا سيما وقد أكد بال**در ، وزد عليه دلالة العموم أن تسلط النهي على ال**در الكامن في الفعل فذلك من قبيل تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل ، ومن ثم أردف بالعلة على جهة الفصل فلا وصل بعاطف : (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) ، فهو جواب سؤال مقدر دل عليه السياق اقتضاء : وما علة هذا النهي ؟ ، فجاء الجواب **درا بالناسخ المؤكد "إن" ، وتلك ، كما يقول أهل الشأن ، مئنة من تعليل صريح في اللفظ وإن كان ظنيا في الدلالة إذ احتمل بأصل الوضع التوكيد واحتمل معنى يزيد من التعليل ، وهو ، أيضا ، مما يستأنس به من يجوز العموم في دلالة المشترك ، ودلالة الكينونة الماضية : "كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ" وما تَتَضَمَّنُهُ من ديمومة اتصاف آكد في الذم والتنفير ، ومن ثم أطنب بقياس ذكر مقدمته الأولى : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ، ومقدمته الثانية : وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ، ودلالة الكينونة الماضية ، كما تقدم ، آكد في تقرير الوصف المذموم ، وذلك آكد في التنفير بالنظر في نتيجة القياس الذي حذف للعلم به بداهة ، فتقدير الكلام : وكان المبذر لربه كفورا ، أن جحد شكر النعمة *** يستعملها على وجه صحيح في الشرع كما أمر به الرب ، جل وعلا ، ودلالة الربوبية هنا آكد بالنظر في عموم التكليف فلا يكون إلا من رب قدير حكيم ، فتلك ربوبية التشريع ، فضلا أنه مما تعظم به الجناية ، كما نوه به بعض المحققين ، فخروجه عن أمر الرب المهيمن ، جل وعلا ، مئنة من عتو أن خالف أمره فزاد عن الحد المشروع على وجه محظور حصل به التبذير والإسراف وهو مئنة من نقص الفقه ونقص العقل على وجه يوجب في أحيان الحجر فيلحقه بالطفل غير المكلف ! .


فحذفت نتيجة القياس للعلم بها ، بداهة ، فذلك مما يجري مجرى الإيجاز بالحذف لما دل عليه السياق اقتضاء فاستغنى الناظر بالمذكور عن المحذوف ، وذلك من بلاغة التنزيل في الحجاج العقلي الصريح بأقيسة صريحة المعنى موجزة المبنى تَفِي بِمُرَادِ القائل على جهة التمام .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:31 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant