من آية : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ....) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-07-2016, 04:51 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ....)

من آية : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ....)
مما تقرر في مبحث الكتب المنزلة أن كتاب الإنجيل قد جاء يصدق التوراة ، وجاء يَرُدُّ الأمر إليها في مجمل الأحكام إلا آحادا نسخت ، فجاء يصدق ، من وجه ، ويبشر ، من وجه آخر ، فـ : (إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) ، فجاء التَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ "إذ" ، فهو لما انْقَضَى زمانه ، وهو الأصل إذ انْقَضَى الخطاب ، وعامله قد حُذِفَ ، وَحَدُّهُ حَدُّ التذكير ، فاذكر إذ قال عيسى ، وهذا الأمر ، كما اطرد مرارا ، مما يتوجه إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم مواجهة ، وهو مِمَّا يَسْتَغْرِقُ بالمعنى لِقَرِينَةِ العموم في التَّشْرِيعِ ، فَيَعُمُّ كل مكلف ، فالتذكير بخبر الماضين مما تَعْظُمُ بِهِ الْعِبْرَةُ ، فهو يجري مجرى القياس طَرْدًا وَعَكْسًا ، فإن قياس التَّنْزِيلِ في قصص الماضين أن من آمن فَانْتَفَعَ بالعبرة نجا ، ومن كفر *** ينتفع بالعبرة وإنما صارت عليه حجة ، من صنع ذلك هلك ، *** يَنْتَفِعْ إلا أن أقيمت عليه الحجة ! ، فجاء الفعل يُذَكِّرُ كل ناظر ، فتوجه التكليف إلى كل من يصح تكليفه ، بالقوة أو بالفعل ، وإن لم يجب الشرع تصديقا وامتثالا إلا بحصول التكليف فعلا أن يوجد المكلف ، فخطاب المعدوم خطاب اعتبار بالنظر في المآل ، إذ لا يكلف بداهة وهو عدم في علم الغيب وإن صح دخوله في العموم ، فالقاعدة العامة كالاسم النكرة فهي تَعُمُّ جميع من تصدق فيه الحقيقة على جهة الذيوع المستغرق ، سَوَاءً أَكَانَ ***ُ النَّكِرَةِ حقيقة أم مقدرا ، فكذلك عموم التكليف بالنظر في خطاب المعدوم ، فإنه يعم المكلف حقيقة والمكلف تَقْدِيرًا ، فجاء الأمر بِالتَّذَكُّرِ ، وجاء القول في سياق التبليغ والتبيين ، ووصف ابن مريم ، عليه السلام ، بابن الذي رفع إذ الصفة تَتْبَعُ الموصوف ، كما قرر أهل الشأن ، فـ : "ابن" مرفوع ، وهو معرف إذ أضيف إلى المعرفة العلم "مريم" ، فتبع الموصوف في الرَّفْعِ لفظا والتعريف معنى ، وتوجه النداء إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ نداء الْبَعِيدِ ، فقال عيسى عليه السلام : يا بني إسرائيل ، فنادى نداء البعيد شحذا للهمم واسترعاء للآذان والألباب ، وناداهم بالجد إسرائيل ، عليه السلام ، وذلك يجري مجرى الاستدراج في الخطاب باستمالة المخاطَب باسم شريف ، فالنسبة إلى إسرائيل ، عليه السلام ، نسبة شريفة ، وإن كان المنتسب إليها وَضِيعًا أو صار الاسم عَلَمًا بالغلبة على معنى مذموم كما هي الحال في هذه العصور أن صار هذا اللفظ علما على كيان غاصب لبيت المقدس وأكنافه ، فلا يُجَوِّزُ ذلك سب إسرائيل ، إذ الاسم في الأصل علم على ذات شريفة ، ذات إسرائيل ، عليه السلام ، الذي شرفه الله ، جل وعلا ، بالنبوة ، فضلا أنه كريم من كريم من كريم .
فلا يخلو النداء من دلالة اشتراك فَبَعْضٌ مؤمن فنداؤه نداء التوكيد ، وبعض كافر فنداؤه نداء التأسيس ، وهو يعم الغافل الذي فَرَّطَ فقد طال العهد بِيَهُودَ فَنَسَوا عقوبة الرب المعبود ، جل وعلا ، عقوبة السبي الأول ، ***ا رفعت العقوبة ورجعوا إلى البيت المقدس لم يشكروا النعمة بل استخفوا بالشرع والبيت حتى اتخذوه سوقا للصيارفة وملعبا للحمام ، فجاء بعث المسيح عليه السلام خاتم أَنْبِيَاءِ بَنِي إسرائيل ، جاء بعثه يذكر بما نسي القوم ويجدد ما اندرس من دين التوحيد العام وشرع التوراة الخاص فجاء يصدقه في الجملة ، وينسخ بعض أحكامه ويزيد في الوعظ والذكر لعل القوم يَعْتَبِرُونَ ، وعم بني إسرائيل فتلك دلالة الإضافة فهي مئنة من العموم الذي يستغرق الأبناء والأحفاد ، فاسم الابن يطلق على الحفيد إطلاقه على الابن المباشر ، وقد نسبهم إلى الجد الأعلى الذي حمد ذكره في التَّنْزِيلِ والتاريخ فذلك ، كما تقدم ، آكد في تَأَلُّفِ قُلُوبِهِم ، فَنَسَبَهُم إلى إسرائيل ، عليه السلام ، وبعد النداء ، جاء المقول : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، فذلك من مواضع كسر الهمزة ، والمقول في محل نصب المفعول ، وقد أكد القول إذ صدره بالناسخ ، وزد عليه اسمية الجملة ، وتعريف الجزأين ، فَيَاءُ المتكلم إذا انفصلت فإنها تَنْقَلِبُ ضمير فاعل متكلم على حد الانفصال ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنا رسول الله ، وإضافة الرسول إلى الله ، جل وعلا ، يجري مجرى التوضيح ، من وجه ، ومجرى التعظيم ، من وجه آخر ، إذ تعظيم الرسالة من تعظيم من أَرْسَلَهَا ، فتلك رسالة عظيمة لا أعظم منها فَمِنَ اللهِ ، جَلَّ وَعَلَا ، قد صدرت ، وثم عموم استغرق بَنِي إسرائيل فَتِلْكَ دلالة كاف المخاطب في حَدِّهَا المجموع ، فاستغرقت الرسالة المخاطبين دون غيرهم ، فهي رسالة عامة بالنظر في دلالة الضمير المجموع ، وهي ، من وجه آخر ، رسالة خاصة إذ لم تخرج عن بني إسرائيل ، وهم يهود ، فذلك خصوص في الوحي يقابله عموم في قول الخاتم المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ، فَثَمَّ توكيد بالناسخ ، أيضا ، وَثَمَّ رسالة أضيفت إلى اسم الله ، جل وعلا ، مئنة من تعظيم ، وثم عموم بدلالة "أل" في "الناس" يقابل عموم الإضافة في "بني إسرائيل" ، إلا أن عموم الإضافة في "بَنِي إسرائيل" لا يَسْتَغْرِقُ جميع البشر بل يخص أفراد المعرَّفِ ، وهو قَبِيلٌ من البشر بِعَيْنِهِ دون سواه ، فتلك رسالة محلية لا تستغرق بخطابها إلا القوم الذين بُعِثَ فيهم المسيح عليه السلام ، خلافا للرسالة الخاتمة ، فدلالة "أل" في "الناس" مئنة من العموم الذي يستغرق جميع البشر فدلالة اسم الجمع "ناس" لا تخص قَبِيلًا من البشر دون آخر كما هي الحال في دلالة الإضافة في "بَنِي إِسْرَائِيلَ" ، فهي تخص قبيلا هو من يصدق فيهم الاسم العلم : "بنو إسرائيل" ، فهو يجري ، من وجه ، مجرى العلم المركب ، والتَّرْكِيبُ فيه تَرْكِيبُ الإضافة ، ولا يخلو من دلالة العلم ال***ي ، فالاسم مئنة من جِنْسٍ بِعَيْنِهِ هو ال*** الإسْرَائِيلِيُّ ، وأما دلالة "أَلْ" في "النَّاسِ" في آية الأعراف فهي تَسْتَغْرِقُ ال*** الْبَشَرِيَّ كُلَّهُ ، فلا مخصص لهذا العموم ، إلا ما كان من أهل فترة لم تبلغهم الرسالة فعذورا من هذا الوجه ، فـ : "أربعة يمتحنون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئاً ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النارفمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها يسحب إليها" ، فثم إجمال في "أربعة" ، جاء بيانه بالوصف "يمتحنون يوم القيامة" ، وذلك بيان لا ينفك يفتقر إلى بيان ثان بذكر أعيان الأربعة ، فقد أبان أولا بالوصف ثم أردف بِبَيَانِ أعيانهم على جهة التوشيح فذلك آكد في تقرير المعنى وترسيخه في الأذهان ، ومحل الشاهد : "ورجل مات في فترة" ، ومناط الأمر أَلَّا يَبْلُغَهُ الخبر مع عدم إعراض أو تقصير في طلب الحق ، فهو يجتهد في طلب الحق ، ولا عليه إن مات وهو يطلبه ، وإن كانت عادة الرب ، جل وعلا ، في أمثاله أن يهديهم إلى الحق الذي طالما بَحَثُوا عنه دليلا ومدلولا ، دعوى وَبَيِّنَةً ، فلا يقبلون الدعوى إلا بِبَيِّنَةٍ صحيحة صريحة ، فإن مات وهو يبحث عن الحق فهو من أهل الفترة ، فتكليفه يوم الجزاء أن يُلْقِيَ نفسَه في النار ، كما في الخبر ، وعادة الرب ، جل وعلا ، في الباحث عن الحق ، أنه ناج مسدد ، كما هي حال زيد بن عمرو بن نفيل ، رضي الله عنه ، فهو يبعث أمة وحده ، كما في الأثر ، *** يكن على الدين الحق في زمانه إلا هو ، ولو فرض أن سلمان ، رضي الله عنه ، مات وهو يبحث عن الحق ، فهو محمود وإن لم يثبت له اسم المؤمن العلمُ الخاصُّ على من شهد الرسالة الخاتمة وصدق بأخبارها ، إذ سبق في علمه ، جل وعلا ، أن هذا الباحث لم يوافق أهل الشرك على شركهم ، ولم يوافق جمهور أهل الكتاب على تبديلهم وتحريفهم ، وإنما تحرى التوحيد ولم يكن ثم رسالة تعم ، فكلٌّ يرجع إلى رسالة خاصة ، فَرَجَعَ ابن نفيل ، رضي الله عنه ، إلى رسالة الخليل إِبْرَاهِيمَ ، عليه السلام ، وَرَجَعَ بقايا أهل الكتاب إلى رسالاتهم قبل التبديل ، فثم اسم مؤمن أعم ، يستغرق كل مؤمن سبق أو لحق ، فمن آمن من أهل الكتاب وصدق برسالته ولم يبدل فيها ولم يحرف ، فهو من البقايا الذين استثنوا في خبر : "إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" ، ومنهم راهب من الرهبان الذين خدمهم سلمان ، رضي الله عنه ، فقد بشر بالنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فبشارته ، من هذا الوجه ، فرع على البشارة الرئيسة ، بشارة المسيح بأحمد ، عليهما السلام ، وَثَمَّ اسم أخص وهو الاسم الذي لا يقبل الله ، جل وعلا ، غَيْرَهُ يوم الجزاء ، فـ : (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فذلك الاسم الواجب بعد بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فدلالة "إلى" في "إِلَيْكُمْ" في كلام موسى عليه السلام : (يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ، وتلك دلالة مخصوصة ، و : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) ، وتلك أخرى مخصوصة في كلام المسيح عليه السلام ، و : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ، فتلك عامة في كلام النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ودلالة "إلى" في جميعها دلالة انتهاء للغاية ، ودلالة الضمير في "إليكم" مئنة من عموم ، ولكن كُلَّ عموم بحسب سِيَاقِهِ ، فَثَمَّ عموم استغرق بني إسرائيل في الآية الأولى والثانية ، وثم آخر استغرق الناس جميعا في الآية الثالثة ، فالرسالة الأولى عامة في قَبِيلٍ بِعَيْنِهِ ، والثَّانِيَةُ عَامَّةٌ تَسْتَغْرِقُ *** الناس كله ، فجاء التوكيد فارقا آخر ، فالتوكيد بـ : "جميعا" في آية الأعراف فصل في التعريف أخرج جميع الرسالات المتقدمة ، إذ كان فيها معنى الجميع مخصوصا بِالْقَبِيلِ الذي بعث فيه الرسول ، فـ : "كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" ، فثم مقابلة بين الشطرين ، ولا تخلو من دلالة طباق إيجاب بين النبي في الشطر الأول وهو مئنة من عموم استغرق جميع الآحاد إلا النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحصل الطباق من هذا الوجه بالنظر في دلالة تاء المتكلم في "بُعِثْتُ" ، وقل مثله في الطباق بين "قومه" وهو لفظ أخص و "الناس" وهو لفظ أعم ، وقل مثله ، أيضا ، في الطباق بين الحالين "خاصة" في الشطر الأول ، و "عامة" في الشطر الثاني ، وكل أولئك مما يُبَيِّنُ القدر الفارق بين الرسالة الخاتمة وبقية الرسالات ، وإن اشتركت جميعا في معنى الإرسال ، وذلك تصديق ما جاء في التَّنْزِيلِ أن : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، فجاء التوكيد في آية : (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) ، جاء التوكيد بالناسخ ، وجاء ، من وجه آخر ، بالحال "مُصَدِّقًا" ، فهي حال مؤكدة إذ جاءت بعد جملة ، كما في نحو قوله تعالى : (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) ، ويضرب له النحاة المثلَ بقول القائل : هذا أبوك عطوفا ، فجاءت الحال المشتقة ، والتي حُدَّتِ اسم فاعل من الرباعي المضعف "صدَّق" ، وزيدت اللام تقوية في "لِمَا" ، ولا تخلو من دلالة توكيد بإطناب في المبنى يضاهيه إطناب آخر في المعنى ، فيصدق ما بين يديه مما تقدمه من التوراة ، والتصديق مئنة من الإحكام والتثبيت فلا نسخ ولا رفع ، وذلك عموم خص بجملة من الأحكام نسخت ، فزادت آية آل عمران ذلك القدر ، فقد استغرقت الشطرين : تصديق الأصل في الجملة ، ونسخ الجزء فدلالة التبعيض تستغرق جملة أحكام دونَ بَقِيَّتِهَا ، فالأصل محكم لم ينسخ ، فذلك المعظَّم ، وبعض قد نسخ وهو الأقل ، خلافا للرسالة الخاتمة ، فإنها تشاطر رسالة المسيح عليه السلام أنها تصدق ما تقدمها ، ولكنها تزيد أنها تهيمن ، فكتابها ينسخ ما تقدم ، فهو يصدق الأصول ، وهو ، مع ذلك ، يفصل فيها ، لَا سِيَّمَا فِي مَوَارِدِ الغيبِ والتوقيفِ إن في العقائد أو في الشرائع ، وهو ينسخ الفروع ، فجاء بأحكام منها ما يصدق ما تقدم كالقصاصِ ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) ، فهو يصدق ما كتب على أهل التوراة ، فـ : (كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ، وجاء بأخرى ناسخة ، وذلك ، كما تقدم ، لا يكون إلا في الفروع ، إذ الأخبار لا تنسخ وأصول الأحكام والأخلاق التي تجري مجرى الضرورة في العلم محكمة فلا يُتَصَوَّرُ أن تُنْسَخَ ، فَثَمَّ قدر فارق آخر ، فكلاهما يصدق ما بين يديه ، ولكن الرسالة الخاتمة تهيمن ما لا تهيمن رسالة المسيح ، عليه السلام ، فرسالة المسيح ، عليه السلام ، قد نسخت بعضا ، والرسالة الخاتمة قد نسخت الجميع ، على التفصيل المتقدم ، فاستقل كتابها بوصف المهيمن دون بقية الكتب ، فلا سلطان لها يعم ، إلا ما كان من عموم التوراة ، ولو تدبرته لوجدته عموما يخص بني إسرائيل فلا يستغرق غيرهم وإلا ما نجا ابن نفيل ، رضي الله عنه ، إذ استمسك بالحنيفية دين الخليل ، عليه السلام ، فإن التوارة لم تنسخها ، ولو كان ذلك ما وسع ابن نفيل أن يخرج عنها أو يخالف أمرها ، وذلك ما لا يكون ، بداهة ، في الرسالة الخاتمة فلا يسع الناظر فيها أن يخرج عنها أو يخالف عن أمرها في جليل أو دقيق ، فَثَمَّ من المخالفة ما يَنْقُضُ أصل الدين ، وَثَمَّ مِنْهَا ما ينقض كمال الدين الواجب ، وكلاهما يدخل في عموم : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فإن دلالة : "أمره" دلالة العام الذي يَسْتَغْرِقُ جميع موارد الوحي ، فلا يَنْصَرِفُ إِلَى دلالة الأمر الأخص في الأصول ، وهو شطر من الإنشاء ، وإنما الأمر في هذا السياق ينصرف إلى الطريقة والعادة الدينية سواء أكانت خبرية أم إنشائية ، فثم فتنة تنقض أصل الدين وهي العظمى وتوجب العذاب الأليم المؤبد ، وثم فتنة عظيمة تنقض كمال الدين الواجب وهي ، في المقابل ، توجب العذاب الأليم المؤقت إن انتفت موانع نفاذ الوعيد كلها فَلَمْ يَبْقَ إلا التطهير بِنَارِ العصاة ، فالسياق ، من هذا الوجه ، مما يحتمل الاشتراك ، إذ يحتمل الوجهين بلا تَكَلُّفٍ في الاستدلال .

والشاهد أن السياق قد توجه إلى بني إسرائيل بتصديق مخصوص لكتاب التوراة ، وثم استعارة ما تقدم بَيْنَ اليدين حسا لما تقدم بينهما معنى بالنظر في زَمَانِ التوراة فقد تقدمت رسالة المسيح عليه السلام ، فالتوارة العمدة الأولى ، والإنجيل خاتمة الأمر في بَنِي إسرائيل قبل أن يتحول الأمر وَيَنْتَقِلَ إلى أَبْنَاءِ العمومة من العرب نَسْلِ الذبيح عليه السلام ، ومن ثم عطف باسم فاعل آخر من "بَشَّرَ" المضعف ، الذي تعدى بالباء ، فصدق السابق وبشر باللاحق ، فـ : مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ : فَنَكَّرَ الرسول مئنة من التعظيم ، ولا يخلو الإطلاق من إجمال ، إذ النكرة في سياق الإثبات مئنة من الإطلاق ، كما قرر أهل الشأن ، والإطلاق لا يخلو من نوع إجمال يبينه القيد ، فجاء القيد بالجملة "يَأْتِي مِنْ بَعْدِي" ، وبعدها زاد البيان بوصف آخر بلا وصل بعاطف فثم اتصال وثيق بين الموصوف وأوصافه ، فالموصوف الواحد قد يوصف بأكثر من وصف إما على جهة الفصل ، وذلك الأصل ، كما في قوله تعالى : (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) ، فَتَعَدُّدُ الأخبار من *** التعدد في الأوصاف ، إذ الخبر وصف في المعنى إذ يسند إلى المبتدأ ، والإسناد لا يكون إلا لمعنى يسند إلى المبتدأ أو الموصوف ، سواء أكان من المحسوس ، كقولك : محمد كريم مجتهد ، أم من المعقول كقولك : العلم شريف نافع ، فـ : "محمد" اسم ذات محسوسة تثبت في الخارج ، و "العلم" اسم معنى معقول يَثْبُتُ فِي الذهن ، فجاء التقييد بِزَمَانِ الرِّسَالَةِ ، فـ : (يَأْتِي مِنْ بَعْدِي) ، ودلالة "من" مئنة من ابتداء غاية ، فابتداء غاية الإرسال بعد المسيح عليه السلام ، فبعث النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعده بستة قُرُونٍ أو يزيد ، ومن ثم زيد في التقييد بالوصف : (اسْمُهُ أَحْمَدُ) ، فاشتقاق اسمه من مادة الحمد ، فهو أحمد الناس لربه ، جل وعلا ، وهو محمد محمود الوصف ، فحُمِد في وصفه وحَمِدَ في فعله إذ أَثْنَى على ربه ، جل وعلا ، حق الثَّنَاءِ ، فهو البارقليط ، وتأويله الحمد والشكر ، وذلك المعنى الذي اشتق منه اسم التفضيل "أحمد" ، وهو ، كما تقدم ، من أسماء النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

ومن ثم جاء العطف بالفاء مئنة من فور تعظم به الجناية ، إذ سارعوا في رد البينات ، فَكَذَّبُوا بِهَا ، فـ : لَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ :
ودلالة التوقيت ، أيضا ، مما تعظم به الجناية ، بالنظر في الاقتران بين الفعل مجيئا بالبينات ، ورد الفعل تكذيبا بها ، ودلالة "أل" مئنة من عهد مخصوص في "البينات" التي جاء بها المسيح عليه السلام لا سيما الخوارق المعجزة ، فلا يخلو اللفظ من إجمال أبان عنه التنزيل في مواضع أخرى ، كما في آية المائدة : (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) ، وَزِيدَتْ آيةُ المائدة في موضع تال في نفس السورة ، فـ : (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ، وَذُكِرَتْ آية الإنباء ببعض الغيوب في آي آل عمران في موضع ثالث ، فـ : (أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) ، فيجري ذلك مجرى تفسير آي التنزيل ، بعضه المجمل في موضع بما فصل منه في آخر .


فـ : قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ : فدلالة اسم الإشارة ترجع إلى ما تقدم من البينات بالنظر في معنى البيان الذي يحصل بها ، فكذبوا ونعتوا الحق بالسحر أن كان ثم آيات إعجاز في إحياء الموتى بإذن الله ، جل وعلا ، وإبراء بعض المرضى والإنباء ببعض الغيوب على وجه لا يحصل إلا لرسول صادق فما سواه فتخييل أو كهانة ، فإن خدع بعضا وظهر أنه آية أو كرامة فليس إلا خارقة فتن بها من فتن ، ف*** الآي يباين *** السحر وإن حصل نوع اشتراك بالنظر في معنى الخرق للعادة فليس ذلك في نفسه آية حتى ينضم إليه من النظر في حال صاحبها والنظر في دعواه .... إلخ ما يجرم الناظر فيها ، إن أنصف ، بصدق صاحبها أو كذبه لا سيما إن كان محل النزاع دعوى النبوة فهي ، كما يقول بعض المحققين ، أعظم دعوى فلا يدعيها إلا أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين ، ورحمة رب العالمين ، جل وعلا ، قد استوجبت أن يؤيد الصادق ببراهين ، وأن يفضح الكاذب ، ولو بعد حين ، وإلا قامت الحجة للناس على رب العالمين ، جل وعلا ، أن أيد الكاذب بآيات على وجه تحصل به الشبهة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، يخالف مقتضى الحكمة ، فضلا عن الرحمة ، فإن وضع الآي ال**دق في محل كاذب وضع للشيء في غير موضعه وذلك ما يجافي وينافي مقتضى الحكمة ، ومن أحق من الرب ، جل وعلا ، أن يتصف بها أزلا وأبدا كسائر أوصاف كماله ، تبارك وتعالى ، فهو الأول والآخر بكمال الذات والاسم والوصف والفعل جميعا .

فقالوا : هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ، فنظروا في *** الخارقة دون أن يحققوا في القدر ، فإن الخرق في الآية أعظم فلا تستوي آية النبي وخارقة الساحر لمن دقق النظر ، والتنكير في "سحر" مئنة من التعظيم فضلا عن الإطناب بوصف "مبين" .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:18 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant