من آية : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ .........) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-25-2016, 08:15 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ .........)

من آية : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ .........)
ومن قوله تعالى : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ، فأشار إليه إشارة القريب مئنة من يسر التناول ، فثم قرب معنوي حسن معه أن يشار إليه إشارة القريب ، وقد نُكِّرَ الكتاب مئنة من التعظيم ، وهو مما يَتَبَادَرُ إلى الذهن أنه كتاب الوحي إذ تقدم في الآية التي تَسْبِقُهَا ذِكْرُ التَّوْرَاةِ ، فقسمة العقل في هذا الباب : كتاب بني إسرائيل ، وهو كتاب التوراة أو العهد القديم ، والكتاب الخاتم ، فالإنجيل ، أو العهد الجديد ، وإن كان كتابا بِنَفْسِهِ إلا أنه مكمل للتوراة فهي الأصل في النبوات الإسرائيلية إذ يَرُدُّ إليها الإنجيل في أكثر الأحكام فقد جاء بِبَعْضِ الأحكام الناسخة ، وجاء بجملة من آي الوعظ الذي يذهب القسوة وَيُزِيلُ الجفوة من القلب ، فآل الأمر إلى كتابين : كتاب التوراة : أصل النبوات الإسرائيلية ، والكتاب الخاتم : أصل النبوة الخاتمة ، فتلك قسمة العقل بالنظر في أصول الوحي لا في آحاده ، فَثَمَّ كتب أخرى ، ولكن الأصول تأرز إلى كتابين رئيسين : التوراة والقرآن ، فثم دلالة عهد ، من هذا الوجه ، في نحو قوله تعالى : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) ، فـ : "أل" مئنة من العهد المخصوص الذي يستغرق التوراة والإنجيل جميعا ، وثم دلالة عهد آخر في نحو قوله تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) ، فحصل الطباق بين كتاب التوراة في هذه الآية ، فثم دلالة عهد أخص من دلالة الكتاب في : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) ، فهي في آية الأنعام تقتصر على كتاب التوراة فقط ، وذلك ، كما تقدم ، معنى أخص ، فحصل الطباق بينه وبين الكتاب الخاتم في الآية الَّتِي تَلِيهَا ، فجاء النفي في سياق الذم فَقَدْ انْتَقَصُوا من قدر الله ، جل وعلا ، فـ : (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، فَتَسَلَّطَ النفي على ال**در الكامن في الفعل ، وذلك مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، وَزِيدَ فِي الْبَيَانِ بالإطناب بالمفعول المطلق الذي ناب عن ال**در ، ولا يخفى ما فيه من دلالة الوصف الواجب في حق الرَّبِّ الخالق ، جل وعلا ، فَلَمْ يُعْطُوا الرب ، جل وعلا ، القدر الواجب من التعظيم ، وذلك أمر يعم جميع موارد الدين ، من الأخبار والأحكام ، فَثَمَّ من انْتَقَصَ من قدر الرب ، جل وعلا ، في الذات والاسم والوصف والفعل ، فعطل من كمال الذات ، أو عطل من دلالات الصفات ما أفضى ، مآلَ الأمر ، إلى إثبات عدم ! ، أو عطل من الفعل ما أفضى إلى مقال القدر ، فَثَمَّ من غلا في إثبات العدل أن لم يعلم منه إلا عدل البشر فقاس عدل الرب ، جل وعلا ، عليه ، فوقع في القياس مع الفارق ، قياس الغائب على الشاهد ، وهو ، من وجه آخر ، قياس فاسد الاعتبار إذ خالف النص الذي نَزَّهَ الرب ، جل وعلا ، أن يماثله شيء ، فـ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فذلك عموم يستغرق الذات والوصف والفعل والشرع ، فَثَمَّ من لم يقدر الوحي حق قدره ، فَضَاهَى به الوضع المحدث ، فذلك ، أيضا ، مِمَّا يدخل فِي عُمُومِ الْمَعْنَى ، فيكون ثم إيجاز حذف ، من هذا الوجه ، فَمَا قدروا ذات الله ، جل وعلا ، وما قدروا وصف الله ، جل وعلا ، وما قدروا كلم الله ، جل وعلا ، وهو كلم التكوين فما قدروا مشيئته النافذة حق القدر ، وكلام التَّشْرِيعِ فَمَا قدروا خبره الصادق وحكمه العادل ، وقد يقال إن لفظ "الله" ، جل وعلا ، وهو الاسم العلم بالغلبة على الذات القدسية التي تَقُومُ بِهَا الصفات العلية ، ومنها الكلام ، فمنه الكلام الكوني ، ومنه الكلام الشرعي ، فذلك يدخل في حد المسمى الذي دل عليه اسم الله ، جل وعلا ، الأعظم ، فَعَمَّ الذات والوصف والفعل والشرع ، وذلك أمر تظهر آثاره في هذه الأعصار المتأخرة لما خَفِيَتْ آثار النبوة الخاتمة ، فهي التي أبانت عن مجمل ما ركز ، جل وعلا ، في النُّفُوسِ من فطرة التوحيد والتَّشْرِيعِ ، وهي التي تقوم ما اعوج منه بِتَتَابُعِ الأعصار وَتَوَالِي الأجيال فذلك مظنة أن ينسخ العلم ويرفع ، فالنسيان آفة في الإنسان ، فإذا غفل وسوس له الشيطان ، وهو ، مع ذلك ، يستدرجه ، فلا يوقعه في الكفر والعصيان ، بادي الرأي ، بل يحدثه أنه يَرُومُ الخير والإصلاح ! ، فَيَقْتَرِحُ من هوى العقل أو ذوق النفس ما يعارض به محكم الشرع ، في أخباره وأحكامه ، فيفضي به أن يفسد تصوره في باب التحسين والتقبيح ، فَيَرَى المنكر مَعْرُوفًا حسنا ، وَيَرَى المعروف منكرا قبيحا ، وتلك ذريعة رئيسة إلى الشرك بجميع أنواعه ، إن شرك العبادة الصريح ، كما وقع لقوم نوح ، عليه السلام ، فكان الغلو وتجاوز الحد المشروع في الحب والتعظيم ، مع إرادة الخير في العقد والشرع ، وذلك ، بداهة ، ما لا يصح الرجوع فِيهِ إلى الأهواء والأذواق ، فاختلافها بل وتضادها مما يَنْتَشِرُ بِهِ الخلاف ويعظم به النِّزَاعُ والشِّقَاقُ ، فلا بد من حكم فصل ، هو الذي يحسن تقديره حق القدر ، فيكون الوحي هو المعظم ، فهو الحكم المهيمن ، إذ يصدق الكتاب الأول ، فهذا شطر ، ويهيمن عليه بما أحكم من آيه ، إن في الأخبار أو في الأحكام ، ففي الأخبار قد جاء بما يصدق أخبار الكتب الأولى ، إن في الإلهيات أو في السمعيات أو في النبوات ، فجاءت النبوة الخاتمة تقص من أخبار النبوات السابقة ما تحصل به العظة ، وما يحصل به تَثْبِيتُ الفؤاد ، فـ : (كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) ، وجاءت النبوة الخاتمة تفصل أخبارا أجملت في النبوات السابقة في باب الغيب في حق الله ، جل وعلا ، ذاتا واسما ووصفا وفعلا ، وفي أمر الساعة وما يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا من الأشراط ، وما يقع في السياق عند قبض الروح ، وما يكون في دار البرزخ ، وما يكون بعدها في دار المحشر ، من الأهوال ثم ا***اب ثم الجزاء ثم المآل إما إلى جنة وإما إلى نار ، فجاءت النبوة الخاتمة في باب الأخبار بالقدر الأعظم الذي يقدره الناظر حق القدر إن نَظَرَ في دلائله وَبَرَاهِينِه التي بلغت حد التواتر الذي يفيد العلم الضروري ، فجاءت بالتفصيل في الإثبات والنفي في باب الأخبار ، فهو يبين ما أجمل من أخبار الكتاب الأول ، فيجري مجرى المحكم المفسر الذي يقضي على المتشابه المبهم الذي يفتقر إلى الْبَيَانِ ، وهو ، من وجه آخر ، يُبَيِّنُ مواضع وقع فيها التعطيل للمعنى الصريح والتبديل للفظ الصحيح ، فكان التحريف إن في المعاني تأويلا ، وإن في الألفاظ تبديلا ، فلا نسخ في هذا الباب ، إذ النسخ ، كما يقول أهل الشأن ، لا يكون في الأخبار إذ يفضي ذلك إلى نَبْزِ الوحي بالكذب ، وذلك ما يَتَنَزَّهُ عنه كلام آحاد الصادقين من البشر فكيف بالرب ذي الجلال والعظم ، تبارك وتعالى ، فينتفي ذلك في حقه من باب أولى ، وإن ورد تعارض ، فذلك إما أن يكون في ذهن الناظر ، أو يكون مما بدل لفظه في الكتاب المتقدم ، إذ يهيمن الكتاب الخاتم عليه فقد سلم مما وقع في الكتاب السابق من التبديل ، وذلك أمر يقر به أهل الكتاب الأول فَيُقِرُّونَ بجهالة حال من كتبوا ، بل وجهالة أعيانهم ! ، فضلا عن انقطاع الأسانيد ونقل الترجمة وهي مما يحصل فيه التفاوت تبعا لعلم المترجِم بما يترجم عنه وما يترجم له ، وغاية أمره ، وإن بلغ ما بلغ من العلم ، أن يترجم المعاني الأولية الرئيسة دون المعاني الثانوية الزائدة ، فكل أولئك ما يجعل الكتاب الآخر هو المقدم ، فهو الحاكم المهيمن إن وقع التعارض وتعذر الجمع إذ قد سلم دليله مما نال دليل الأول من التبديل والتعطيل ، فلا اعتبار لمخالفة السابق إذ لم يَنَلْ من تأييد الدلائل الصحيحة الصريحة التي بلغت حد التواتر ، كما تقدم ، فهي تفيد القطع الجازم ، لم ينل منها ما نال الكتاب الآخر ، فغاية أمره أنه متشابه ، والكتاب الآخر ، هو المحكم في المقابل ، أو هو من الظني والوحي الخاتم هو القطعي ، فالمحكم يقضي على المتشابه ، والقطعي يقدم على الظني حال التَّعَارُضِ وتعذر الجمع فتقديم الكتاب الخاتم على الكتاب الأول حتم لازم فهو من الواجب بدلالة النقل والعقل جميعا على وجه لا يهدر تعظيم الكتاب الأول ، فالإيمان به حتم لازم ، ولكن ذلك ، بداهة ، لا يستغرق ما خطت الأيدي الآثمة من زيادات في اللفظ وما اقترحت الأذهان الفاسدة من تأويلات في المعنى ، فالإيمان به مخصوص إذ يخرج ما عارض الوحي الخاتم ، على وجه يَتَعَذَّرُ فِيهِ الجمع الصحيح لا الجمع بهوى يتكلف صاحبه من بواطن التأويلات ما يفضي إلى التلاعب بالأخبار والأحكام ، فلا يجب الإيمان مع هذه الحال إلا بجملة ما نزل من الكتب السابقة ما علمنا منه وما لم نعلم ، كما هي الحال في الرسل ، عليهم السلام ، فنؤمن بما قص التنزيل من أعيانهم وأخبارهم وما لم يقص ، فنؤمن بالمفصل في موضعه والمجمل في موضعه ، وما وقع في أيدينا منها فإنه مما يجب فيه التوقف ، وإن سلم كثير منه ، عند التدبر والنظر ، من التحريف ففيه من الكلمات ما اكتسى بهاء الوحي فهو ينطق بالحق في العقد والشرع ، وإن كان أمر الشرع أهون فالمخالفة فيه تحمل على النسخ ، فالوحي الخاتم قد نسخ جملة من فروع الكتب المتقدمة ، ولكنه ، بداهة ، لم ينسخ الجمل الرئيسة من أصول الدين في العلوم والأعمال والأخلاق والسياسات ، فذلك مما تواطأت عليه جميع النبوات ، فلا يتصور فيه الخلاف ، إذ ذلك ، كما تقدم ، يفضي إلى تكذيب الوحي ، وهو صادق كله ، ما نَزَلَ من السماء فسلم من تبديل البشر وتحريفهم ، فتلك ، عند التدبر والنظر ، أعظم جناية في حق الأمم ، أن يُبَدِّلَ رءوسها من كلام الوحي ما يخالف أهواءهم وأذواقهم أو يعارض رياساتهم ! ، فيكون كلام الأحبار والرهبان والمترأسين بالباطل ، إن في الدين أو في السياسة ، يكون هو المحكم الذي يتأول الناظر كلام الوحي من أجله ، بل قد يفضي به أن يهمل الوحي فيبدل لفظه أو يهجره إلى ألفاظ السادة والساسة الذين اتَّسَمُوا بوسم الطغيان ومجاوزة الحد في التصور والحكم ، فبدلوا الأديان واقترحوا ما يعارضها من الأهواء والأذواق ، فخالفوا قياس العقل الصريح الذي يقضي ، كما تقدم مرارا ، بتقديم المحكم على المتشابه ، فالواحد القاطع يقضي في الآحاد الظنية لا سيما إن تفاوتت تَبَعًا لتفاوت العقول والأذواق التي تصدر عنها ، فَتَعَدُّدُهَا يفضي إلى تعدد العقائد والشرائع ، فيصير الخبر الواحد أخبارا ، فكلٌّ يزيد فيه حتى تصير الأشبار أميالا ، فتلك خاصة التقادم إذ يستدرج الشيطان بني الإنسان أن يزيدوا في الأخبار والأحكام ، وأن يغلوا ويجاوزوا الحد في العلم والعمل ، وإن لبس عليهم الأمر ، كما لبس على قوم نوح ، عليه السلام ، كما تقدم ، فقد استدرجهم بدعاية الدين ، فما رام إلا التعظيم والتوقير لأهله من العباد الذين أحسنوا السيرة والسريرة ، فكانوا على الطريقة الأولى ، فـ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، فكانوا على التوحيد الناصح من الخطأ الناصع فلا خفاء في لفظه ومعناه ، فهو ، كما تقدم مرارا ، رسم العدل المطلق ، وهو منهاج الحق المحكم ، الذي يحسم النزاع في جميع مسائل التصور والإرادة والحكم ، إن في الباطن حبا وبغضا ، أو في الظاهر ولاء وبراء ، قولا وعملا ، فتصح جميع محال التكليف أن تمد بأسباب الصلاح من صادق الأخبار وعادل الأحكام ، *** يقتصر الوحي على جمل رئيسة وإنما أبان عن مفصل الطريقة من أحكام الشريعة ، فحسم النزاع في جميع موارد التصور والحكم على وجه تحصل به الكفاية ، فلا يجد الناظر في غيره حاجة ، وإن وجدها فإنما ذلك يرجع أن لم يقدر الله ، جل وعلا ، حق قدره ، كما تقدم صدر الكلام ، فلو قدره ، عز وجل ، حق القدر ، ما وجد في نفسه حاجة إلى غيره ربا يدبر وإلها يشرع *** يخرج عن منهاجه في جليل أو دقيق ، وما احتاج أن يحدث من الأخبار بالتأويل الذي يفضي إلى تعطيل الأخبار ، أو يحدث من الأحكام ما يعطل لأجله حكم الوحي ، وإن تلطف في القول فالتمس لذلك من وجوه التأويل ما لا يخفى بطلانه ، فهو ، كما تقدم مرارا ، أقرب ما يكون إلى تأويل أهل الباطن ! ، فضلا أن يصرح ويتبجح فهو يزدريه صراحة فلا يقدره ، أي قدر ، ولا يعتبره مرجعا وحيدا بل ولا حتى رئيسا من مراجع التشريع ، فقد عطله بالنظر في الأصل ، وإن وافقه في بعض الفروع اتفاقا بلا تقصد ! ، أو اشتهاء فهو يفرق بين بعض الكتاب وبعضه ، فيدخل من هذا الوجه في عموم الذم في قول الرب جل وعلا : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فتوجه الإنكار والتوبيخ بالاستفهام ، إذ ذلك مما يخالف صرائح المعقول الذي يدعيه كل مخبول يجهر بمخالفة الشرع المنقول ، فإن قياس العقل الذي ينتحله زورا يقضي أن يقدم المحكم الواحد فيقضي في المتشابه المتعدد من الأهواء والأذواق فلا بد من مرجع رئيس ترد إليه هذه المتشابهات ، وإلا أفضى ذلك إلى فساد عظيم في العقائد والشرائع والسياسات ، كما ترى في هذه الأعصار المتأخرة التي فسدت فيها الحال الباطنة والظاهرة ، أن عطلت الشرعة الخاتمة ، إن بعزل تام ، أو تنحية في بعض الفصول والأبواب دون بعض ، على وجه يحفظ لطواغيت الأرض رياساتهم الدينية والسياسية ، وهو ما تعظم فيه الجناية أن تواطأ القبيلان فتآمروا أن يضلوا الناس بغير علم ، فكل ينتفع بذلك حفظ رياسته وإن زعم أنه ينصر ديانته ، وحقيقة الأمر أنه يحفظ رياسته الباطلة ، ولو بتحريف الشرعة الخاتمة ، فأشبه بني إسرائيل من هذا الوجه إذ لم يقدروا الله ، جل وعلا ، حق القدر ، كما تقدم ، صدر الآية ، فالذم يعمهم من هذا الوجه ، وقياس العقل ، من وجه آخر ، يقضي أن يسوى بين المتماثلات فإن زعموا أنهم يؤمنون بالوحي إذ يحكمون به في بعض المواضع دون بعض ، ويجعلونه مرجعا من مراجع التصور والحكم والسياسة ، بل وربما جعلوه المرجع الرئيس فَنَصُّوا على ذلك في كتاب السياسة المحكم الذي صار المقدم المهيمن ! ، فإن صح هذا الزعم في تعظيم الوحي فلازمه أن يقدم في كل أمر فلا يبقى للنفس معه حظ في تصور أو حكم أو سياسة أو رياضة .... إلخ ، وذلك ، من وجه آخر ، ما عمت به البلوى الفردَ والجماعةَ ، فلا تكاد تجد نفسا إلا ولها غرض ينازعُ الوحيَ حكمه ، فهي تَتَأَوَّلُ لأجله محكم التنزيل وتمارس من ذريعة التبرير والتخريج على أصول الوحي ما تسوغ به ما تَرُومُ من الأقيسة أو المواجيد ، وإن رامت الخير في الجملة ، فأنى يبتغى من غير طريق الوحي ، فضلا أن تكذب في الدعوى ابتداء فتكون ال**يبة أعظم ، فهي ، من هذا الوجه ، تدخل في عموم : (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) ، ولا تكاد تجد جماعة وإن زعمت أنها على الكتاب والسنة ، إلا ولها **الح متوهمة تظن أنها المحكمة المعتبرة فتمارس من رياضة التبرير أيضا ! ، ما تخرج به سياساتها الجائرة على أصول الشريعة العادلة ، فتعظم الجناية أن يكسى الظلم لحاء العدل ، وأن يُلْبَسَ الزُّورُ ثِيَابَ الحق ، ولو تدبرت في هذا العالم لوجدت ذلك سببا رئيسا في فساد الأحوال في هذه الأعصار فما عظم الفساد إلا أن الله ، جل وعلا ، لم يقدر حق قدره ، *** يقدر الوحي حق القدر كمرجع في التصور والحكم ، فنازعته الأهواء والأذواق سواء أتبجحت فنطقت بالمخالفة الصريحة أم استحت فالتمست لذلك وجوها من التأويلات اللطيفة ! ، فلن يصلح الأمر إلا أن يقدر الرب ، جل وعلا ، حق القدر ، فتعظم كتبه ما تقدم منها وما تأخر فَيُعْطَى كلٌّ قدرَه ، فالكتاب الأول محل تعظيم في الجملة فقد سلم كثير منه ، عند التدبر والنظر ، من التحريف ففيه من الكلمات ما اكتسى بهاء الوحي فهو ينطق بالحق في العقد والشرع ، ولكنه ، مع ذلك ، لم يسلم من التحريف والتأويل في مواضع ، بما زادت الأيدي الآثمة ، فـ : (وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) ، أو اقترحت الأذهان الفاسدة من تأويلات أتت على أصول الدين وأحكامه بالإبطال بما استحسنت واستقبحت وإن خالفت الأصل ، فمن يجري على سنن الأصول المحكمة في الاستدلال والاستنباط فإنه لا يعتبر علة تأتي على الأصل بالإبطال ، ولا يقترح معنى يكون مناطا على وجه يرد به دلالة اللفظ الرئيسة ، فهذا الكتاب الأول مما يجب الإيمان به في الجملة ، وإن وقع التعارض مع الكتاب الخاتم ، فقد توافر للثاني من أدلة النقل والعقل ما سلم به المخالف من صحة النقل فهو متواتر ، وصراحة الاستدلال فقد نزل بلسان مبين له من طرائق الدلالة ما اشتهر ، وإن خفي في أعصار وأ**ار فلجهل وتقادم عهد بالوحي وذلك ما لا يطعن بداهة في دلالاته ، فـ :
عَليّ نَحْتُ القَوَافي مِنْ مَقَاطِعِها ******* وَمَا عَليّ لَهُم أنْ تَفهَمَ البَقَرُ .
فلا يكون جهل الجاهل حجة على العلم المحكم ، فليس عقله الفاسد هو المرجع حتى يكون جهله بالحق دليلا على انتفاء الحكم ، فعدم العلم ليس علما بالعدم ، كما يقول أهل الشأن ، فما ضر الحق أن جهله أعداؤه فذلك ، بداهة ، لا يقض ببطلانه ، وإلا صارت الدعوى دليلا يقبل فكل جاهل يدعي أنه لا يعلم ، وذلك يكفي في رد ما يعارض عقله أو ذوقه ، فتصير الدعوى التي تفتقر إلى الدليل تصير هي عين الدعوى التي يستدل بها الجاهل ، فأي عقل يَرْضَى بهذه الطريقة الفاسدة في النظر والاستدلال إلا عقلا قد أشرب الجهل أو الهوى فهو يعلم الحق ولكنه يحيد عن جادته إذ يفوت عليه ، كما تقدم ، جملا من حظوظه ورياساته ، فذلك أعظم ما صد أعداء الرسالات في الماضي أن يتبعوها ، وصد أعداءها في الحاضر أن يقبلوها ، فالسنة واحدة وإن اختلفت صور الإعراض والإبطال ، وكل يلتمس لطريقته الفاسدة من باطل النظر والاستدلال ما يروج به بضاعته الكاسدة .
والكتاب الخاتم ، من وجه آخر ، مهيمن قاض في الأحكام ، فكما أحكم ما تشابه في الأخبار إن بتفصيل المجمل ، أو رد الباطل الذي حرف لفظه أو معناه ، فما كان من ذلك الإحكام في الأخبار ، فثم إحكام يضاهيه في الشرائع والأحكام ، فهو يحكم ما تشابه من أقضية الكتاب المتقدم ، فينسخ منها جملة من الفروع ، فـ : "الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" ، فالدين واحد ودلالة "أل" فيه تَنْصَرِفُ إلى العهد وهو دين التوحيد ويلحق به ، من وجه ، أصول الأحكام والأخلاق والسياسات ، فكل أولئك ما لا يتصور فيه النسخ أن يرفع على وجه يفضي إلى إبطال ما رفع ، فلن يكون الظلم حسنا في أية رسالة ، فذلك معنى أجمعت النقول والعقول على قبحه ، ولن يكون العدل ، في المقابل ، قبيحا في أية رسالة ، فذلك ، أيضا ، مما أجمعت النقول والعقول على حسنه ، فتلك مجملات رئيسة لا يتصور فيها النسخ على ما فيه من تعارض بين الناسخ والمنسوخ ، وإنما يقع الخلاف في الفروع لا سيما إن رد الأمر إلى العقول مع ما تقدم من اختلاف عظيم بينها في التصور يفضي إلى تعارض بين أحكامها فما يظنه عقل فلان عدلا يظنه المخالف جورا ويتوقف فيه ثالث ، فتلك قسمة العقل في أي وارد ، فثم إثبات ونفي ، وثم توقف بينهما لعدم رجحان دليل المثبت أو النافي ، فلا يحسم النزاع بينها ، كما تقدم مرارا ، إلا الوحي الكافي : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وأما ما يتصور في النسخ من الفروع ، فالشريعة الخاتمة تقضي فيه على الشرائع المتقدمة ، فهي المحفوظة من كل تبديل ، وهي الحاكمة المهيمنة إلى ما شاء رب العالمين ، جل وعلا ، فشرع من تقدم ، إن خالف الشرع الخاتم فالعبرة بما أحكم من متأخر التنزيل فهو ينسخ المتقدم أو يخصصه ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، أمر يجري بين أحكام الشرعة الواحدة ، فإن كان ثم تعارض وتعذر الجمع وعلم المتأخر من المتقدم ، فالمتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه ، كما قرر أهل الشأن ، فقد يحكي شرعنا شرع من تقدم ، كما في قوله تعالى : (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ، فكانت التوبة بالقتل في الشرعة الإسرائيلية وهو ما نسخ في الشرعة الخاتمة ، فـ : (لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، فلا عبرة بما وقع لبعض أهل الطريق ، كما يحكي صاحب "التلبيس" رحمه الله ، فقد قارف عصينا ورام التوبة فألقى بنفسه في اليم وهو يتلو : (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ! ، فأي فساد في الاستدلال لنقص في العلم بالوحي الخاتم أعظم من ذلك ؟! ، فاستدل بشرع من تقدم مع إبطال الشرع الخاتم له إذ قد نسخه فذلك مما يجري مجرى النسخ من الأثقل إلى الأخف فهو ، عند التدبر والنظر ، من الآصار التي وضعها الرب ، جل وعلا ، عن هذه الأمة المرحومة ، فتدخل في عموم المنة بالرسالة الخاتمة ، فصاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ، فتلك من جملة الآصار الموضوعة ، وثم شرع تقدم سطر في الكتاب الأول وجاء الكتاب الآخر يصدقه ، وإن لم يحكه ابتداء أنه شرع لمن تقدم ، فذلك مما تواطأت عليه الشرائع والحجة فيه ، عند التدبر والنظر ، ما نص عليه الكتاب الخاتم ، فهو ، كما تقدم ، المهيمن ، وإنما يستأنس الناظر في حال كهذه بنص الكتاب الأول لا أنه العمدة في الاستدلال ، فلولا أن جاء الحكم في الكتاب الخاتم ما اعتبر لمجرد وروده في الكتاب الأول إذ قد دخله ما دخله من التبديل والتحريف ، وإن في مواضع بعينها ، فلا يعلم ذلك ، على وجه يقضي بالتوقف للاحتمال المتكافئ الذي يستوي طرفاه على وجه يفتقر إلى مرجح من خارج ، فما أدرى الناظر أن الحكم محل النزاع مما حفظ *** يبدل ، وما أدراه في المقابل أنه مما بدل *** يحفظ فدعوى في مقابل دعوى وليس ثم مرجح إذ قد عدم أصل صحيح ، ولو بإسناد واحد ! ، فضلا أن ذلك مما لا يثبت إلا بالتواتر ، فالكتب السماوية لا تثبت إلا بالتواتر ، ***ا استوى طرفا الاحتمال ، فهو من الجائز الذي يفتقر إلى مرجح من خارج ، ولا مرجح من نفس الكتاب إذ لا أصل ، كما تقدم ، يرجع إليه حال الاستدلال بالترجيح ، فليس ثم مرجح إلا الوحي الخاتم ، فذلك ، أيضا ، يدخل في عموم وصفه أنه المهيمن فهو المرجح من خارج حال التعارض بين ما تشابه إن في الأقيسة العقلية والأهواء النفسانية ، أو النصوص الرسالية المتقدمة ، فيحسم النزاع في جميع الموارد ، وثم ما لم يحكه شرعنا ، ولم يحكم فيه بنفي أو إثبات ، ولا يظهر فيه وجه مخالفة لما أحكم من التنزيل ، ولا يكون ذلك ، عند التدبر والنظر ، إلا في فروع ودقائق لا يُبْنَى عليها عمل فلا يتوجه فيها تكليف ، فذلك مما يستأنس به استشهادا لا احتجاجا ، كدقائق القصص القرآني الذي أجمل في التنزيل فاقتصر فيه على مواضع الخلاف الرئيسة دون إضاعة وقت وجهد في استقصاء التفاصيل الدقيقة التي لا نفع كبيرا يحصل بدركها فهي في أغلب أحوالها علم لا ينفع فالجهل به لا يضر بل قد ينفع أن يصرف الوقت في أمر أعظم قدرا وخطرا ، وغايته أن يكون فضولا تحصل به السلوى إذا كَلَّ الذهن وَمَلَّ فهو يروم ما خف ولطف من الأخبار التي لا يجهد فيها العقل باستنباط الأحكام ، وذلك ما يدخل في عموم : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" .
وثم في هذا الباب مورد النزاع فيما حكاه شرعنا من شرع من تقدم وسكت *** يعتبر ولم يلغ ، فحكاية شرعنا تثبت صحته في نفس الأمر ، ولكن ذلك مما حصل الخلاف في دلالته أيلزم الأمة الخاتمة منه ما لزم أصحاب الكتاب الأول أم لا يلزم ؟ ، وذلك موضع قد بسط الكلام فيه في كتب الأصول .

والشهد أن جميع صور المخالفة المتقدمة تدخل جميعا في عموم : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، وثم تقييد بالظرف على جهة الماضوية ، وهو عدم قدره ، جل وعلا ، في موضع بعينه من إنكار التنزيل ، فذلك ، من وجه يجري مجرى التمثيل للعام بذكر فرد من أفراده فلا يخصصه ، كما قرر أهل الشأن ، فما قدروه في هذا الموضع ، وما قدروه في مواضع أخرى ، إن في الأخبار أو في الأحكام ، فما قدروه : إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ : فعظمت الجناية أن أكدوا مقالهم الباطل بـ : "من" الزائدة التي تفيد التنصيص على العموم ، فعم السياق ، بادي الرأي ، إذ تسلط النفي صدر الكلام على النكرة "شيء" ، ثم زيد في الدلالة بـ : "من" التي تفيد التنصيص على العموم كما تقدم .


ومن ثم جاء الرد : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ :
فجاء القول باستفهام يستنطق به المخالف ، فذلك آكد في تقرير الحجة ، ودلالة "أل" في "الكتاب" في هذا السياق تنصرف إلى عهد مخصوص ، وهو كتاب التوراة الجامع للنبوات الإسرائيلية ، كما تقدم ، وقد أطنب بالحال نورا في التصور وهدى في الأحكام ، فبه تصح القوة العلمية والقوة العملية فالوحي ، كما تقدم ، مادة صلاح الباطن في العلم والتصور حبا وبغضا وما ينشأ منه من إرادات تظهر آثارها في الأقوال والأعمال في الخارج ، ومن ثم أطنب في الحال على جهة الذم : تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ، فذلك من الهوى في الاستدلال أن قطع قراطيس فما وافق أهواءهم أظهروه وما خالفها كتموه ، فهم من هذا الوجه يدخلون في عموم : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) ، وما كان ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا أن وافق المظهَرُ أهواءهم وخالف المكتوم ، في المقابل ، ما استعجلوا من الحظوظ من الأهواء والأذواق والرياسات .
وجاء التقرير بالمنة على وجه تعظم فيه الجناية أن يعرض الإنسان عن العلم بعد إذ جاءه فيجحد هذه النعمة العظمى ، فـ : (عُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) ، فحذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فالرب ، جل وعلا ، هو الذي يعلم عباده من جهالة ، فـ : (اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، وزيد في التقرير بتكرار النفي في : (وَلَا آبَاؤُكُمْ) ، فضلا عن دلالة التوكيد بالضمير : "أنتم" فذلك الوجه المعنوي ، وثم وجه صناعي في اللفظ ألا يعطف على الضمير المرفوع اسمٌ ظاهر إلا بفاصل من ضمير توكيد أو نحوه .

ومن ثم جاء الجواب : قُلِ اللَّهُ ، فحذف الخبر لدلالة السياق المتقدم عليه فقد ضُمِنَّ السؤالُ الخبرَ المسند على جهة الفعلية في : (أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ) ، فتقدير الكلام : قل الله أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ، فحسن الحذف من هذا الوجه ، فهو يجري مجرى إيجاز الحذف لما قد دل عليه السياق ، فذكره حشو لا جدوى منه ، فحسن حذفه من هذا الوجه .
ومن ثم ختم بالأمر ، فـ : (ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) ، فذلك من أمر التهديد ولا يخفى ما فيه من معنى التوبيخ والتقريع ، وقيد بالحال : (يَلْعَبُونَ) ، فذلك آكد في تقرير الجناية ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير : (فِي خَوْضِهِمْ) ، فهم في الخوض الباطل وحده يلعبون واللعب مذموم في الجملة فكيف إن كان في موضع باطل لا حق فيه من وجه ؟! .

ومن ثم جاء بالشطر الثاني : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ، على ما تقدم ، من القسمة ، فكان الكتاب الأول في الآية السابقة ، وأشير في هذه الآية إلى الكتاب الخاتم ، إشارة القريب مئنة من عهد قريب في الذهن ، إن في الذكر ، أو في يسره فقد نَزَلَ بلسان عربي مبين به ظهر من أدلة الحق ما يقيم الحجة ويحسم مادة النزاع في أمر الدين والدنيا ، ثم أطنب في وصفه فابتدأ بالجملة : (أَنْزَلْنَاهُ) ، وذلك وجه فصيح في العربية وإن خالف المشهور أن يقدم الوصف بالمفرد على الوصف بالجملة ، وإن ظهر وجه يحسن فيه التقديم أن يجري الأمر ، والله أعلم ، مجرى السبب والمسبب ، فالسبب يتقدم في الوجود ، وإن تأخر المسبَّب في الغاية ، فإن إنزاله هو سبب بركته التي عظمت فالتنكير في "مبارك" ، على هذا الوجه ، مئنة من التعظيم ، ومن أثم أطنب بوصف ثالث : (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) ، فتلك إضافة تخفيف لا تعريف وإلا ما جاز أن يوصف به النكرة : "كتاب" ، *** تفد إضافة المشتق إلى معموله ، لم تفد من هذا الوجه تعريفا فضلا أن المعمول مما أُبْهِمَ ، فهو في نفسه مجمل يفتقر إلى ما بعده ليبين معناه ، فالموصول لا ينفك يفتقر إلى الصلة فهي المبين لما أجمل من دلالته ، فضلا أنها مناط الفائدة في باب التعليل ، ومن ثم عطف على التقدير ، فثم **در مقدر من الإيمان ، ابتداء ، ثم النذارة ثانيا ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : أنزلنا الكتاب للإيمان به ثم الإنذار به ، فالإيمان أولا في النفس ثم الإنذار لغيرها فذلك ترتيب الحقائق في الحصول في الخارج ، وهو ما خص أم القرى ، ثم عم من حولها في كافة أرجاء الأرض ، فالعطف ، من هذا الوجه ، عطف عام على خاص ، فخصت أم القرى تنويها بشأنها فضلا أنها مبدأ الوحي فإنذارها ، ابتداء ، أولى من غيرها ، كما أن إنذار العشيرة أولى ، بادي الرأي ، من إنذار عموم القوم ، كما قد تأول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمر أن : (أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ، فجمع بني هاشم في القصة المشهورة في كتب السير والأخبار ، فضلا أن الآية لا تخلو من دلالة إعجاز في الكون إذ قال أهل الشأن إن أم القرى هي مركز هذه الأرض ، فانطلق الوحي من المركز ليعم جميع الأطراف ، فتلك الرحمة العامة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) .

ومن ثم نوه بحال من يؤمن به فأطنب عليهم في الثناء : (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ، فهم يؤمنون بالغيب من أخبار اليوم الآخر ، وتلك صحة العلم ، وهم مع ذلك : (عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ، وتلك صحة العمل التي نوه بها على جهة الحالية استحضارا للصورة ، لعظم أمر الصلاة خاصة ، وإن عم المعنى جميع أجناس العمل ما ظهر وما بطن ، فنوه بها أن قدم ما حقه التأخير فضلا عن دلالة المضارعة فهي مئنة من ديمومة واستمرار وذلك آكد في الثناء ، فصحت القوة العلمية بالإيمان ، وصحت القوة العملية بالصلاة ، واستوفى السياق شطري الإيمان في قسمة العقل فهو في القسمة الثنائية المعهودة : قول وعمل ، والقول يستغرق قول القلب تصديقا ، وقول اللسان شهادة ، والعمل ، من وجه آخر ، يستغرق جميع محال التكليف فثم عمل الباطن في الجنان ، وثم عمل الظاهر في اللسان والأركان ، فالعطف ، من هذا الوجه ، يجري مجرى التعاطف بين أجزاء الحقيقة ، فهو عطف قسيم على آخر ، وكلاهما ، من وجه آخر ، قسم يندرج في حقيقة تعم الجميع ، ولا يخلو العطف ، من وجه آخر ، من دلالة تلازم بين السبب والمسبَّب ، فالإيمان الباطن سبب في حصول العمل الظاهر ، ولا يخلو من دلالة عطف لثمرة على مثمِر تسبب في خروجها ، فالعمل ثمرة الإيمان فكل تلك المعاني صحيحة في النقل والعقل ، ولا يجوز الاجتزاء على بعضها دون بعض ، فلا وجه لمن أخرج العمل من قسمة الإيمان ، كما قد وقع من أهل الإرجاء ، أن أثبت دلالة التلازم ، ودلالة الثمرة ، دون دلالة التقاسم الذي يندرج أفراده ، كما تقدم ، في حقيقة أعم تستغرق الجميع ، فهما قسيمان لبعضهما ، قسمان لحقيقة أعلى تعمها جميعا .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:22 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant