من آية : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا .......) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-07-2016, 08:20 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا .......)

من آية : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا .......)
الإسلام كما حده المحققون هو : توحيد الله ، جل وعلا ، التوحيد التام في الذات والاسم والوصف ، والاستسلام له والانقياد بالطاعة فذلك لازم ما يحصل في الجنان من التصديق والإقرار ، وما يَتَوَلَّدُ منه من إرادة فعل وترك تنشأ من حركة حب وبغض ، ومع التوحيد العلمي والاستسلام فِي الباطن والظاهر لا بد من بَرَاءَةٍ من الشرك وأهله فذلك لازم الإثبات ، فلا يجزئ إثبات بلا نَفْيٍ للشريك والنديد ، فلا بد من نَفْيِ النِّدِّ في الحب والبغض ، في التَّأَلُّهِ والتَّشْرِيعِ ، فَجَاءَ النهي عن تلك الْحَالِ الرَّدِيَّةِ ، فـ : (لَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فصدر الآية بجملة من آيات الرُّبُوبِيَّةِ وآلائها ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) ، فالتوحيد في الذات والفعل ذريعة إلى التوحيد في العبادة والشرع ، فأطنب في وصف الرب ، جل وعلا ، الذي خلق ، فعم بالفعل المخاطب ومن تقدمه من سلف البشر الذين من قبله ، ولو نظرت في مقام التكلم لوجدت أنه يعم كل مخاطب بالنظر في عموم التكليف ، فكل قارئ للآية يدخل في عموم الضمير في مقام الخطاب ، فهو جل وعلا : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، فَعَمَّ المخاطب ومن تقدم ، والخطاب يعم ، من وجه آخر ، من يأتي خلفا بِقَرِينَةِ عموم الفعل ، فَالرَّبُّ ، جل وعلا ، هو الذي خلق ابتداء خلق التقدير ، ثم خلق انتهاء خلق الإيجاد ، فَثَمَّ خلق بعلم وحكمة ، وهو ، مع ذلك ، يَجْرِي بِمَشِيئَةٍ وقدرة ، وثم إطناب بالوصف : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، ولا يخلو ذلك من دلالة تَعْلِيلٍ ، فَعِلَّةُ التوحيد في العبادة : التوحيد في الخلق والرعاية ، وهو ما اصطلح أهل الشأن على تَسْمِيَتِهِ بدليل الاختراع والعناية ، فَقَوْلُهُ تعالى : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) هو دليل الاختراع ، وقوله تعالى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) هو دليل العناية بآلاء الرُّبُوبِيَّةِ في خلق السماوات والأرض ، وَإِنْزَالِ المطر وإخراج الزرع والثمر الذي تغتذي به الأبدان ، فَقَدْ أَنْزَلَ من السماء غذاء الجنان من وحي الأديان وَأَنْزَلَ من السماء غذاء الأبدان من ماء المطر وما يتولد منه من رزق الثمر ، فحصلت العناية بالباطن وحيا ، والعناية بالظاهر رِيًّا وَزَرْعًا ، فحصلت المنة بالخلق الأول ، في العلم الأول ، والخلق الثاني في العلم الثاني ، فَثَمَّ علم بتقدير أول ، وعلم إحصاء ثان يواطئ ما تقدم من العلم الأول فَهُوَ تَأْوِيلُهُ في الخارج ، وحصلت المنة بأسباب الحفظ والرعاية لهذا الخلق من المطر والنَّبْتِ ، فكانت الأرض التي تقل ، والسماء التي تظل ، فالسماء بناء محكم شيده الرب المحكِم ، جل وعلا ، فذلك مما أُجْمِلَ وَوَرَدَ بَيَانُهُ في مواضع أخرى من التنزيل ، فَهِيَ سَبْعُ سَمَاوَاتٍ ، وَهِيَ مِمَّا خلق في يومين ، كما في النص المتواتر : (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) ، فدخل اليومان المتقدمان في الأربعة ، كما اطرد في لسان العرب ، وبقي يومان من الستة فيهما كان خلق السماوات ، فخلقها من ال**** ، وَقَبْلَهُ كان الفتق كما في آية الأنبياء : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) ، فذلك من خبر الغيب الذي لا يُنَالُ إلا من مشكاة الوحي ، فاستغرقت الآية وجوه التوحيد في الربوبية ، خلقا مطلقا فهو *** أعم يستغرق جميع أنواعه من خلق التقدير الأول ، وخلق الإيجاد الثاني ، وعناية بآلاء الرُّبُوبِيَّةِ ، سماء وأرضا ، ماء وزرعا ، فَثَمَّ دَلِيلُ اختراعٍ وَرَدَ على جهة الإطناب بالوصف : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، فَعَمَّ على جهة العطف وهو مئنة من عطف التغاير استيفاء لقسمة العقل فاستغرق المخاطب ومن سبقه ، واستغرق ، من وجه آخر ، من خَلَفَهُ بقرينة العموم الذي استفيد من جملة من النصوص ، فـ : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ، فذلك عموم يستغرق كل مخلوق ، سلف أو حضر أو خلف ، وقد أُنِيطَ الحكم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة ، فِاسْمُ الرَّبُوبِيَّةِ عنوان الخلق ، والرزق والتدبير عنوان الاختراع والعناية ، قد ورد بَيَانُهُ في الوصف وهو الخلق الذي عَمَّ المخاطب وَسَلَفَهُ ، وعم الخلف ، كما تقدم ، بِقَرِينَةِ عموم الربوبية ، فالخلق علة انفراده ، جل وعلا ، باسم الرُّبُوبِيَّةِ ، فَوَصْفُ الخلقِ سبب في إطلاق اسم الخالق ، وهو ، من وجه آخر ، سبب في إطلاق اسم الرب ، جل وعلا ، وإطلاق اسم الربوبية سبب في استحقاقه ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، رتبة الإلهية أن يعبد وحده فَلَا يعبد سواه فَتِلْكَ دلالة المفهوم في الوصف ، فعلة استحقاقه ، جل وعلا ، العبادة أنه هو الرب لا رب غيره يخلق ويرزق ويدبر ، وذلك جار على ما تقدم مرارا ، من التلازم العقلي الصريح بين وصف الربوبية وتكليف الألوهية ، فحصل التلازم بين السبب والمسبَّبِ ، فانفراده ، جل وعلا ، بفعل الرَّبُوبِيَّةِ سبب في إفراده ، تبارك وتعالى ، بمنصب الألوهية ، والوصف يُفِيدُ ، من وجه آخر ، بالمفهوم أن من لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر فلا يستحق أن يعبد ، فإناطة الحكم بالفعل قد رشح دلالة القصر بالمفهوم ، وإن لم يكن السياق في نفسه حاصرا ، فاعبدوا ربكم يحتمل اعبدوه واعبدوا غيره ، ولكن إناطة الحكم بوصف الرُّبُوبِيَّةِ وما يدل عليه من فعل التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ والخلق والتَّدْبِيرِ ، يقصر الحكم على من اتصف بهذه الأوصاف دون غيره ، وذلك ما انفرد به الرب الخالق ، جل وعلا ، بالإجماع ، فـ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، فكان من حسن الاستدلال أن تكون المقدمة محل إجماع بَيْنَ الخصوم ، فَلَا تَصْلُحُ مقدمة يَتَنَازَعُونَ صحتَهَا ، لا تصلح مقدمة استدلال صريح إذ ثم خلاف فيها وَتَنَازُعٌ ، وإذ سلم المخالف فَيَلْزَمُهُ أن يُقِرَّ بالنتيجة التي تَقْتَرِنُ بالمقدمة على جهة التلازم العقلي ، فأطنب في المقدمة وذلك آكد في تقرير الحجة ، فضلا عن عموم الوصل في الوصف : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، ومن ثم أطنب على جهة الاستئناف بتقدير مبتدأ محذوف على قول ، فـ : هو : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) ، فيجري ذلك مجرى القطع إلى الرفع تَنْوِيهًا واختصاصا في سياق الثناء والمدح بإطناب في أوصاف الرُّبُوبِيَّةِ اختراعا وعناية ، فثم قطع من النصب في النعت الأول : (الذي خلقكم) ، فالموصول في محل نصب نعت لـ : "ربكم" الذي نصب على المفعولية ، فهو الذي يتوجب صرف فعل العبودية إليه ، على وجه استغرق بدلالة "أل" في "الناس" ، وهي ما زادت في دلالة اسم الجمع : "ناس" ، فصار مئنة من عموم ثان يستغرق ، بعد أن كان العموم الأول يحتمل فهو يصدق في أية جماعة تَزِيدُ على اثنين على القول إن أقل الجمع ثلاثة ، ومن قال إن أقله اثنان فيصدق فيهما أنهما ناس ، فضلا أن دلالة العهد قد تخص الناس إما بواحد ، كما في قوله تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) ، فالأول عهد مخصوص في واحد هو نعيم بن مسعود ، والثاني عهد مخصوص في واحد آخر هو أبو سفيان ، وإما بجماعة مخصوصة كما في قوله تعالى : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، فهم العرب الذين نَزَلَتْ فيهم الرسالة ، أو بأكثر من جماعة كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "«لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ»" ، فخص لفظ الناس في هذا السياق بالفرس والروم ، وحد اللفظ على جهة الاستفهام تَقْرِيرًا للمعنى باستنطاق المخاطَبِ .

فجاء الأمر في آية البقرة أن : (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) ، ومرجع الضمير فيه إلى لفظ الناس المذكر المجموع ، وإن عم بدلالة التغليب كل مكلف يدرك المعقول المفهوم من نص الوحي ، خبرا وإنشاء ، ثم أطنب في الوصف بالوصل : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، على جهة النصب ، كما تقدم ، وختم بالعلة على جهة الترجي ، ولا تخلو في هذا السياق من دلالة تعليل ، فإن الإتيان بـ : "لعل" ، بعد أمر يرشح دلالة التعليل ، فالعبادة سبب في حصول التقوى إذ بها يتقي المكلف سوء العذاب ، وهو أَثَرُ صفة الجلال ، وَظَرْفُهُ ما يكون يَوْمَ الجزاء ، وكل أولئك مما يدخل في إطلاق لفظ التقوى الذي عم جميع وُجُوهِهَا ، فكان القطع في الآية التي تليها ، إذ انتقل إلى الرفع على تقدير مبتدأ محذوف ، كما تقدم ، أو قد يجري ذلك مجرى النعت الثاني بعد النعت الأول : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، فيجري ذلك مجرى الإطناب في الوصف ، فالأول قد حد على جهة الوصل : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، وهو يرشح دلالة الاختراع ، والثاني : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) ، يرشح دلالة العناية بخلق الكون ، أرضا وسماء ، وَإِنْزَالِ الماء وَإِنْبَاتِ الزَّرْعِ والثمر ، فإن حمل على أنه نعت ثان فمحله النصب ، وقد يجري ، من وجه ثالث ، مجرى النصب على البدلية من الموصول الأول : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، وقد يقال إن البدلية هنا وإن صحت من جهة اللفظ إلا أنها لا تصح من جهة المعنى ، إذ في البدل يكون المقصود بالحكم هو البدل لا المبدل منه ، والمبدل منه هنا مقصود بالحكم ، فهو شطر العلة الأول ، إذ علة الرُّبُوبِيَّةِ في استحقاق صاحبها ، جل وعلا ، منصب الألوهية ، علة مركبة من شطرين : شطر الاختراع والإيجاد الذي دل عليه الإطناب بالوصل الأول : (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، وشطر العناية الذي دل عليه الشطر الثاني : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) ، فالأول مقصود بالحكم قصد الثاني فلو أبدل الثاني منه لكان ذلك إهدارا لشطر العلة أن يقال إنه غير مقصود بالحكم ، فيقتصر التعليل على شطر العناية دون شطر الاختراع ، والربوبية ، كما تقدم ، تستغرق الشطرين معا ، وثم وجه رابع للنصب أشار إليه بعض المحققين أن يوصل الكلام ، فعلة العبادة لعلكم تتقون ، والمفعول هو : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكلامِ : لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ الذي جعل لكم الأرض فراشا ....... إلخ ، فيكون ذلك جاريا على ما تقدم ، من التلازم الوثيق بين الألوهية تقوى ، والربوبية جعلا بمعنى التصيير إذ تعدى إلى المفعولين ، ولا يخلو من معنى الخلق فهو القدر الرئيس ، كما في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) ، فالخلق قدر أول بالنظر في التقدير ثم الإيجاد ، وتلك ، في نَفْسِهَا ، مِنَّةٌ أولى ، ثُمَّ تكون المنة الثَّانِيَةُ أن خلقت على أكمل وجه فصيرت الأرض فراشا يقل ، وصيرت السما بناء يظل ، فالعطف ، أيضا ، يجري مجرى عطف التغاير الذي يَسْتَغْرِقُ شطري القسمة بالنظر في أجزاء الكون فهو سماء وأرض ، استدل بهما من استدلال من عقلاء الأعراب ذوي الفطرة الصريحة وا*** الصحيح الذي أبصر آيات الإعجاز في الكون ، فتبصر بِهَا أن لهذا الكون خالقا مدبرا ، فـ : "سماء ذات أبراجٍ وأرضٌ ذات فجاج وبحارٌ ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير" ، فاستدل بآيات الإعجاز في الخلق ، أن هُيِّئَ على أكمل صورة ، لينتفع به المكلف ، فاستدل بالأثر على المؤثِّر ، وهو الله ، جل وعلا ، بأوصافه الفاعلة وكلماته الكونية النافذة ، فيجري ذلك مجرى التلازم الوثيق بين السبب والمسبَّبِ ، فلكلِّ مسبَّبٍ في الخارج سبب ، ولكلِّ نتيجةٍ مقدمةٌ ، كما قرر أهل النظر ، فحد كلامه على جهة الطباق إيجابا بين الأرض والسماء ، فكان التغاير في الجعل ، فجعل السماء بِنَاءً يعلو سقفُه الساكنَ المستقرَّ تحته ، فهي كالقبة أو الخباء ، كما يقول بعض المحققين ، ومنه قيل : بنى فلان على فلانة إذ كان الزوج يضرب خباء جديدا على أهله ، فاستغرق الجعل في سياق المدح بالإطناب بآيات التكوين ولا تخلو من دلالة العناية ، فالسماء والأرض ، ظَرْفَانِ يَسْتَغْرِقَانِ المكلفَّ وسائر الأسباب التي يَنْتَفِعُ بِهَا ، فالسماء ظرف الماء الذي يسقيه ، والأرض ظرف النبت الذي يُغَذِّيهِ وَيُنَمِّيهِ ، ومن ثم أطنب في بَيَانِ المنة ، فعطف على جهة التغاير ، فَبَعْدَ الخلق للسماء والأرض تقديرا وإيجادا ، كان النفع أن أَنْزَلَ من السماء العليا ماء ، فتلك نكرة في سياق الإثبات تُفِيدُ الإطلاق ، فهو ماء بِكْرٌ قد أطلق من أي وصف يشوبه ، ومن ثم عطف على جهة السبب ولا يخلو من دلالة فور بالنظر في زمن النمو ، فالفور في كل باب بحسبه ، وذلك آكد في تقرير المنة الكونية وما تستوجبه من التزام الطريقة الشرعية ، فـ : أَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ، وذلك من وصف الفعل المتعدي بالهمز ، ودلالة الباء نص في السَّبَبِيَّةِ ، وإن كان أثر الماء ، من وجه آخر ، يجري مجرى ما تقدم مرارا من دلالة السبب الناقص فهو يفتقر إلى ما يكمله ، فيفتقر إلى شرط يتممه ، ولا بد من انتفاء المانع الذي يحجزه ، ولا بد من رجوع الأسباب جميعا إلى السبب الأول الذي لا سبب يتقدمه وهو كلم التكوين النافذ ، أثر الوصف الرَّبَّانِيِّ الفاعل ، ومنه فعل الإخراج الذي تقدم ذكره ، فإثبات السببية إعمال للشرع ، وتقرير السبب الأول إعمال للقدر ، فالأسباب المخلوقة وإن ركزت فيها قوى التأثير إلا أنها لا تستقل بذلك ، فلا يستقل بالتأثير إلا كلم التكوين النافذ ، فهو ، كما سبق ، سبب لا سبب يتقدمه ، وهو ، من وجه آخر ، تأويل صحيح لأوصاف الفعل ، فكل كلمة خلق هي تأويل صحيح لاسمه جل وعلا ، الخالق ، أن تظهر آثاره في الكون تقديرا وإيجادا هو رسم الجلال ودليل الاختراع ، وكل كلمة رزق هي تأويل صحيح لاسمه الرزاق أن تظهر آثاره في الكون رزقا لجميع الكائنات ، وذلك ، في المقابل ، رسم الجمال ودليل العناية ، وقد استغرق ال*** وتلك دلالة "مِنْ" ، فهي لِبَيَانِ ال*** ، فضلا عن دلالة العموم الذي تُفِيدُهُ : "أل" في "الثمرات" ، ومن ثم أطنب بالعلة إن نُصِبَ : "رِزْقًا" أنه مفعول لأجله ، فَعِلَّةُ إخراج الثمرات أن يَنْتَفِعَ بها الناس رزقا ، وقد ينصب "رزقا" أنه مفعول به فيكون تنكيره مئنة من التعظيم ، وهو ما يَزِيدُ في دلالة "الثمرات" ، فجمع القلة : "ثمرات" ، قد رفد ابتداء في سياق الامتنان بـ : "أل" ، وهي مئنة من العموم المستغرق ، فصارت نصا في الكثرة ، وانضاف إلى ذلك دلالة التنكير تعظيما في "رزقا" ، وزد عليه دلالة اللام في : "لكم" ، فهي مئنة من الاختصاص ، وذلك ، أيضا ، آكد في تَقْرِيرِ المنة ، فإذ ثبت كل ذلك ، وهو من آيات الربوبية وآلائها ، فيحسن أن يُتْبَعَ بالمسبَّبِ ، إذ نَفْيُ الشرك باتخاذ الأنداد يستوجب إفراده ، جل وعلا ، بالتوحيد في التأله ، وهو المسبَّب الذي يَتَفَرَّعُ على سببه وهو انفراده ، جل وعلا ، بالربوبية خلقا وعناية ، فما تقدم ، من وجه ، يجري مجرى التمثيل لعام وهو *** الربوبية فذكر بعض آحاده من الخلق للذوات ، والخلق للأرض والسماوات ، ومن العناية بإنزال الماء وإخراج النبت والثمر ، فيكون العطف بالفاء إطنابا بذكر اللازم عقيب الملزوم : (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فيجري ذلك مجرى عطف التلازم بين العلة والمعلول ، أو السبب والمسبَّب ، فلا تخلو الفاء من دلالة السببية ، فسبب النهي عن الشرك في الألوهية هو انفراده ، جل وعلا ، بوظائف الربوبية خلقا وعناية ، كما تقدم ، ولا تخلو الفاء ، من وجه آخر ، من دلالة فور فذلك آكد في تقرير المعنى إذ يلزم من أدرك السبب أن يبادر بامتثال المسبَّب من النهي ولازمه ، فيبرأ من الشرك ، كما برأ الخليل ، عليه السلام ، فقال : (لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) ، ويثبت ضده من التوحيد فيحقق مقتضى الشهادة من النفي والإثبات ، وقد قدر بعض المعربين شرطا محذوفا فتكون الفاء ، من هذا الوجه ، فاء الربط ، فيكون تقدير الكلام على هذا الوجه : إن ثبت ما تقدم من انفراده ، جل وعلا ، بوظائف الربوبية فلا تجعلوا له ، تبارك وتعالى ، أندادا في الألوهية ، وقد يرجح هذا الوجه أن ثم إطنابا في تقرير المعنى بالمبنى المقدر ، ويرجح الوجه الأول أن الأصل عدم التقدير فلا يصار إليه إلا إذا تعذر حمل الكلام على مقتضى السياق دون تقدير محذوف به يستقيم المعنى ، وقد ورد النهي على جهة الاستغراق بدلالة ما تقدم من التغليب الذي يعم الرجال بأصل الوضع لواو الجمع ، ويعم النساء تغليبا بقرينة عموم التشريع ، وَقَدمَّ الاسم الكريم "الله" ، جل وعلا ، في : (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) ، مئنة من الحصر والتوكيد وذلك آكد في تقرير المعنى ، وقد نكر الأنداد في سياق النهي ، فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، فهو يستغرق جميع الأنداد في الباطن حبا وإرادة ، وفي الخارج عبادة وشرعا وسياسة ورياضة ، فذلك معنى يستغرق جميع محال الاختيار مناط التكليف كما أن لازم النهي عن الشرك من الأمر بالتوحيد يعم ، أيضا ، جميع محال الاختيار ما بطن من العقد ومادته الخبر إثباتا ونفيا ، وما ظهر من الشرع ومادته الإنشاء أمرا ونهيا .
ومن ثم احترز بالحال : (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فذلك مما يعذر به الجاهل ، على تفصيل في ذلك ، فلا يسوغ اتخاذ أنداد وإن لم يعلم المتخذ ، فالفعل في جميع أحواله محرم ، وإنما قد يعذر بعض المتخذين دون بعض إن قام في حقهم عذر معتبر من جهل أو تأويل ..... إلخ .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:08 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant