![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
من آي النحل
من أسباب وقوع الشرك في هذا العالم ما يحصل من فساد الصورة العلمية بالغلو والزيادة في الحد ، فَيَظُنُّ الظان الجاهل في المعبود الباطل ما لا يصح إلا في حق المعبود بحق ، تبارك وتعالى ، فهو الإله الكامل في الذات والاسم والوصف والفعل ، فيظن في إلهه كمالا يؤهله أن يعبد ، وليس ثم كمال في المخلوق مطلق ، بل كل وصف كمال اتصف به المخلوق ، فهو مقيد ، ولو بحدوثه بعد عدم ، وفنائه بعد وجود ، فكيف وقد تَخَلَّلَهُ من النقص ما تَخَلَّلَ ، والصورة العملية ، في المقابل ، تفسد فرعا على فساد الصورة العلمية ، بما يلزم من هذا الغلو في التصور من طغيان ومجاوزة للحد في باب الاتباع والطاعة والتشريع ، وهي من أظهر وجوه العبادة ، فلا يكون فساد في العبادة الظاهرة إلا فرعا عن فساد آخر في الصورة الباطنة ، على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر ، صحة وفسادا ، فالطغيان في هذا الباب يكون ، بادي الرأي ، في الصورة العلمية الباطنة بمجاوزة في الحد المشروع فِي التعظيم ، وزيادة باطلة بها يحصل الفساد أن يَظُنَّ المخلوقَ الناقصَ كاملا فلازم ذلك ما يكون من طغيان آخر في باب الإرادة والقول والفعل ، فهي نتاج الطغيان والفساد في العلم ، فتكون عبادة الطاغوت ، وهو من يرضى بذلك كما حد من حد من أهل الشأن الطاغوت أنه : كل من عبد من دون الله ، جل وعلا ، وهو راض بذلك ، فخرج من لم يرض ممن سبقت لهم ا***نى من الملائكة والأنبياء والصالحين ، فتلك عبادة يحصل بها كمال الانقياد الظاهر باللسان والأركان في الخارج بما يكون من تعظيم وانقياد غَالٍ في الباطن ، فصورة الطغيان المحسوس باتخاذ إله في الخارج تصرف له من العبادات ما لا يصرف إلا لله ، جل وعلا ، وثم صورة أدق وهي الطغيان المعقول بمجاوزة الحد في الاتباع والطاعة ، فهما قَسِيمَا العبادة في *** الغلو بمجاوزة الحد في عبادة الطاغوت ، فقد حده بعض المحققين أنه ما حصل به التجاوز من معبود أو متبوع أو مطاع ، فثم ، من هذا الوجه ، طاغوت في العبادة الظاهرة ، وآخر في الاتباع والطاعة في مورد التشريع وإن جار وتعدى فخالف شرعة الوحي المنزل ، كما يقع من طواغيت بدلوا كلام النبوة أو عطلوه فاستبدلوا الذي هو أدنى من شرائع الوضع بالذي هو خير من شرائع الوحي ، وقل مثله في صور من الطغيان أخرى يظهر فيها فساد القوة العلمية ، كطاغوت الكهنة ممن يزعم الإحاطة بعلم الغيب فقد جاوز هو ، أيضا ، الحد أن نازع الرب ، جل وعلا ، في وصف من أخص أوصاف الربوبية وهو العلم بالغيب ، وصدقه وتبعه أقوام ، وما ذلك إلا لخذلان في باب الهداية ، أن عم الجهل وطم ، ففسدت القوة العلمية الباطنة فكان ما كان من الفساد في الخارج ، أو قد يكون ذلك مع حصول العلم الذي تقوم به الحجة وإنما فسدت القوة الإرادية ، فلا ينفك الفساد في هذا الباب يتراوح أن يكون فسادا في القوة العلمية الباطنة ، أو آخر في القوة العملية الظاهرة وَنِتَاجُهُمَا جميعا ما يكون من قياس فاسد يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ أعظم متباينين ، الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، وأي فساد في القياس أعظم من ذلك ؟! . فثم ، كما تقدم ، فساد في التصور يفضي إلى فساد في الحكم أن يتأله معبودا باطلا فيشرك بالله ، جل وعلا ، ما ليس أهلا أن يقاربه فضلا أن يماثله ، فيقع المشرك ، من هذا الوجه ، في القياس الفاسد الذي يفضي إلى التمثيل أن يُسَوَّى الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق ، فلا يخلو ذلك من قياس فاسد إذ يُسَوَّى فيه بين أعظم متباينين ، الخالق والمخلوق ، فهو قياس مع الفارق ، أي فارق ، فضلا أنه قياس في مقابل نص إذ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، ففساد الاعتبار فيه ظاهر من هذا الوجه ، فدلالة الطباق بين اللفظين في قوله تعالى في آي النحل : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، مَئِنَّةٌ من التَّخَالُفِ في الذات والوصف بالنظر في المعنى الذي اشتق منه اللفظان ، وبالنظر في جهة الاشتقاق ، فجهة الاشتقاق في اسم الفاعل تباين ، بداهة ، جهة الاشتقاق في اسم المفعول ، فالأول هو من يَفْعَلُ ، فهو الأعلى ، والثاني هو من يُفْعَلُ فهو الأدنى ، فشتان الفاعل والعاطل ، وذلك ما نص عليه الوحي على جهة الاستفهام إنكارا وإبطالا للتسوية بين المتباينين ، من يخلق ومن لا يخلق ، فحصل من طباق السلب ما يؤيد هذا الإبطال فهو جار على سنن القياس الصريح أن يفرق بين المتباينين فلا يُسَوَّى بَيْنَهُمَا ، فذلك خلاف القياس الصريح الذي يقضي ، كما تقدم مرارا ، بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المتباينين والتسوية بين المتماثلين ، فثم استفهام إنكار وإبطال : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، فَثَمَّ مُقَدَّرٌ يَزِيدُ في الإنكار ، فمدخول الاستفهام قد حذف ، فيقدر بما يلائم دلالة السياق ، فتقدير الكلام : أغفلوا وفسد قياسهم فمن يخلق عندهم كمن لا يخلق ، فطباق السلب يبين القدر الفارق بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فذلك نَفْيٌ للتماثل في وصف الربوبية ، فيحصل ، من هذا الوجه ، تمانع في الربوبية ، وهو ما يراد في الاستدلال مقدمةً صريحةً لنتيجة صحيحة ، فمن يخلق ليس كمن لا يخلق ، فالأول هو الذي يستحق التوحيد في التأله فَرْعًا على تفرده بأفعال الربوبية ، خلقا ورزقا وتدبيرا ، فالطباق قد نَفَى الفارق في وصف من أخص أوصاف الرب المستحق للعبادة ، وهو وصف الخلق ، فَلَزِمَ منه نفي القدر الفارق في فعل الألوهية ، فلا يَتَأَلَّهُ العاقل إلا لمن خلقه وَدَبَّرَ أمره ، فذكر الخلق هنا يجري مجرى التمثيل لعموم أفعال الربوبية بِفَرْدٍ من أفرادها هو ، كما تقدم ، من أخصها ، وهو وصف الخلق ، الذي أطلق ، فعم ، من وجه آخر ، جميع المخلوقات ، وذلك عموم دل عليه التَّنْزِيلُ في مواضع أخرى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ، فَثَمَّ عموم أول في الخلق ، وعموم آخر في التدبير ، فعطف اسم الوكيل على الخالق ، فالوكيل من يَتَوَلَّى الأمر بالتدبير ، وهو ما أكد في اللفظ بتقديم ما حقه التأخير ، فذلك ، كما اطرد في كلام أهل المعاني وَالْبَيَانِ ، ذَلِكَ مَئِنَّةٌ من الحصر والتوكيد ، فالاسم من الأسماء المطلقة إذ قيد بعموم استغرق فلا مخصص له ، فهو من هذا الوجه من الأسماء ا***نى إذ اشترط لها من اشترط من أهل الشأن أن تكون أسماء مطلقة لا تقيد بالإضافة ، خلافا للاسم في نحو قوله تعالى : (وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) ، فثم في هذا السياق قصر على جهة الحقيقة بتعريف الجزأين ، ولكن الجزء الثاني قد عُرِّفَ بالإضافة فليس اللفظ مطلقا ، بل ثم قيد الإضافة ، وهو ما حسن الإرداف به بعد قصر آخر حد على جهة النفي والاستثناء : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) ، فذلك أيضا من القصر الحقيقي بالنظر في دلالة الاستغراق في "أل" في "الحكم" ، فقد استغرق آحاد العموم : الحكم الكوني والحكم الشرعي ، وكل منهما ، عند التدبر والنظر ، *** تندرج تحته آحاد ، فحكم التكوين تحته التقدير والإيجاد والإعداد والإمداد ثم الإعدام .... إلخ من كلمات الربوبية ، وحكم التشريع تحته أجناس ، فثم الخبر الصادق ، وهو ، أيضا ، *** تحته أنواع من الإثبات والنفي ، والخبر ، من وجه آخر ، تنقسم موارده في الخارج ، فثم بالنظر في قسمة الزمان : خبر عن ماض وآخر عن حاضر زمن الرسالة وثالث عن مستقبل سواء أذكر في الكتاب أم في السنة كسائر المغيبات الجزئية التي أخبر بها صاحب الرسالة السماوية صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك مما يدخل في الاستثناء في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) ، وثم بالنظر في المخبَر عنه ، ثم : خبر عن الله ، جل وعلا ، وهو الأشرف ، فتلك الإلهيات ، وثم خبر في السمعيات المغيبة وهي ما يكون في الدار الآخرة ، وثم النبوات وهي مما انقضى من قصص المرسلين ، عليهم السلام ، وَقَصَّهُ التنزيل أن تحصل به التسلية من وجه ، وأن تحصل به العبرة في الطرد والعكس ، من وجه آخر ، وثم قسمة ثالثة ، فخبر عن الخالق ، جل وعلا ، وهو الأعلى ، وخبر عن المخلوق وهو الأدنى ، والخبر عن المخلوق ، من وجه آخر ، إما أن يكون خبر مدح لمن صلح من الخلق كالأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، وإما أن يكون خبر ذم لمن فسد كإبليس وفرعون وسائر من كفر وطغى ، فالكلام الإلهي ، من هذا الوجه يتفاضل ، فليس الكلام عن الخالق ، جل وعلا ، كالكلام عن المخلوق وإن شرف ، فصح أن يتفاضل الكلام من جهة فحواه ، لا من جهة من تكلم به ، فالمتكلم بكلام الكون وكلام الشرع واحد ، وهو الرب الخالق ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، من وصفه الذاتي بالنظر في نوعه الأعم ، ومن وصفه الفعلي بالنظر في آحاده الأخص ما كان منها في الكون ، وما كان منها في الشرع ، كما تقدم ، وثم في الشرع ما انضم إلى الخبر الصادق وهو : الحكم العادل وهو ، أيضا ، *** تحته أنواع من الأمر والنهي ، والأمر تحته أنواع فيرد للإيجاب وهو الأصل ، ويرد للندب وللإباحة ..... إلخ ، فلا يصار إليها إلا مع القرينة المرجحة التي تدل على إرادة معنى يخالف الأصل ، وهو الإيجاب ، والنهي ، أيضا ، تحته أنواع فثم نهي التحريم وهو الأصل ، وثم نهي الكراهة ، ونهي الإرشاد .... إلح فلا يصار إليها ، أيضا ، إلا مع القرينة المرجحة التي تدل على إرادة معنى يخالف الأصل ، وهو التحريم . ودلالة الاستغراق في "أل" في "الحكم" ، من وجه آخر ، تعم أوصاف الحكم فهو الحكم التام الكامل ، ومن ثم قيد بالحال : (يَقُصُّ الْحَقَّ) ، على جهة المضارعة مئنة من استحضار للصورة وديمومة واستمرار فذلك من وصف الفعل الذي نص عليه الوحي ، فهو مما يحدث ، جل وعلا ، من آحاده حالا واستقبالا ما يشاء فحسن ، من هذا الوجه ، أن يحد على جهة المضارعة . والشاهد أن الآية : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ، قد استغرقت شطري القسمة في باب الربوبية : الخلق والتدبير . فاستغرقت الآية وجهي الربوبية خلقا عم الخلق الأول : تقديرا والخلق الثاني إيجادا فهو تأويل ما قام في العلم الأول فضلا أنه يعم جميع أجناس الخلق ، خلق التقدير ، وخلق التكوين ، و : تدبيرا فتلك دلالة اسمه ، جل وعلا ، الوكيل ، فهو يدبر الأمر الكوني بكلمات التكوين ، ويدبر الأمر الشرعي بكلمات التشريع . فأطلق الفعل في آية النحل : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، فعم ، من وجه آخر ، جميع المخلوقات ، والمضارعة مئنة من ديمومة في الوصف ، حالا واستقبالا ، وذلك آكد في تقرير القدرة في حق الخالق ، جل وعلا ، ونفيها في حق المخلوق ، ومن ثم جاء استفهام الإنكار والتوبيخ ، بعد استفهام الإبطال : (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، فهو يَتَضَمَّنُ الأمر أن : تَذَكَّرُوا ، وقد أطلق فعل التذكير فذلك عموم آخر ، يعم جميع وجوه التذكر في العلم والعمل ، في العقد والشرع ، وهو يعم ، من وجه آخر ، المخاطب من جماعة الرجال ، وَيَعُمُّ من توجه إِلَيْهِ خطاب المواجهة بالنظر في زمن الخطاب والتكليف ، من النساء ، فتلك دلالة التغليب ، ويعم ، كما تقدم مرارا ، جميع من توجه إليه التكليف من أمة الدعوة وأمة الإجابة ، ويعم من وجد آنذاك ، ومن جاء بعدهم ، فخطاب المعدوم بالتكليف ، خطاب باعتبار ما سيكون ، فيشبه من وجه مجاز الإسناد بالنظر في المآل ، عند من يجوز وقوع المجاز في اللسان والتنزيل ، كما في قوله تعالى : (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) ، فأطلق العصير وَأَرَادَ المعصور ، فعم الخطاب بالنظر في فحواه وبالنظر فيمن توجه إليه من عامة المكلفين ، وذلك آكد في تقرير الحجة العامة ، ولو تدبرت في الآية لوجدتها ردفا لجملة من آيات التكوين ، فهي تجري مجرى العموم في الخلق بعد خصوص آيات بعينها في الأرض وفي السماء ، فـ : (أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ، فَنَوَّهَ قَبْلَهَا بآية البحر ، وما يحصل من وجوه الامتنان بالنفع الحاصل منها ، فـ : (هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فذلك من القصر بِتَعْرِيفِ الجزأين : الضمير "هو" ، والموصول : "الذي" ، ومحط الفائدة ، كما تقدم مرارا ، هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، وهو التسخير ، فسخر البحر ، والتسخير مئنة من التقدير الكوني ، فهو من الْجَبْلِ والخلق بالجبروت والقهر ، وذلك ما يلائمه العموم في دلالة "أل" في "البحر" فهي مئنة من بَيَانِ ال*** ، ومئنة من العموم فَتَسْتَغْرِقُ العذب والمالح ، فسخره الرب ، جل وعلا ، أن يستخرج منه المأكول طعمة ، والملبوس حلية ، فامتن باللحم الذي نكر في سياق الإثبات ، فهو مئنة من إطلاق قيد بوصف "طَرِيًّا" ، والتقييد لا مفهوم له ، إذ ورد في سياق امتنان فلا مفهوم للوصف في سياق الامتنان ، إذ تخصيص المنة مما يُنَغِّصُهَا ، فلا يدخلها التخصيص إلا لحق الرب ، جل وعلا ، وليس استخراج اللحم مما يظهر فيه حق للرب ، جل وعلا ، في التوحيد والتشريع ، وإن كان ثَمَّ وَجْهُ تَكْلِيفٍ ، فذلك بِالنَّظَرِ في الإباحة ، وما تَسْتَوْجِبُهُ من مباشرة الزِّينَةِ التي أخرجها الرب ، جل وعلا ، لعباده ، فضلا عن جملة من الآداب الشرعية كالبسملة ابتداء والحمد انتهاء ، فثم فعل في التسخير في آية النحل ، وفعل في الإخراج ، فَهُوَ مِمَّا تَعَدَّى بالهمزة ، فَتَعَدَّى فعل التسخير بالتضعيف ، وَتَعَدَّى فعل الإخراج بالهمزة ، فكلاهما من وصف الرب ، جل وعلا ، الفعلي ، الذي يحدث ، جل وعلا ، ما شاء من آحاده على الوجه اللائق بجلاله والذي تظهر به آيات القدرة النافذة ، وآيات الحكمة البالغة في مواطئة المفعول الكائن في الخارج لما قد قُدِّرَ أزلا ، فيكون إتقان الخلق فلا زيادة ولا نقص ، فذلك مما يرشح دلالة الثناء مدحا لرب الأرض والسماء ، جل وعلا ، بالقدرة النافذة والحكمة البالغة في تقدير الخلق وإيجاده وتصويره وإبداعه لا على مثال سابق وإتقانه فهو يجري على سنن محكم ، فذلك ، كما تقدم ، من الوصف الفعلي الذي يتعدى إلى غيره في موضع الامتنان بالإحسان أن أخرج الزينة وسخر المخلوقات جميعا ، فـ : (سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، فذلك عُمُومٌ خُصَّ فَرْدٌ من أَفْرَادِهِ بالذكر في آية النحل ، وهو البحر ، فسخر الرب ، جل وعلا ، ما في الأرض جميعا ، وخلق ما في الأرض جميعا ، فـ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فلا تخلو اللام في : "لكم" من دلالة اختصاص وذلك آكد في تقرير المنة ، والخلق يكافئ التسخير ، وقد يقال إن الخلق أول بالتقدير والإيجاد ، والتسخير تدبير ثان ، فامتن ، جل وعلا ، بخلق الأعيان ، وامتن بتدبيرها تسخيرا لها بإجرائها على سَنَنِ التقدير النافذ ، فسخر ، تبارك وتعالى ، البحر ، فذلك ما يجري مجرى التمثيل في مورد الامتنان ، فذلك عام لا يخص بالمثال ، فلا يخص عموم المنة بتسخير الكائنات ، لا يخص بتسخير البحر ، فهو فرد من أفراد العام ، والبحر ، من وجه آخر ، *** بالنظر فيما يندرج فيه ، فَثَمَّ العذب وثم المالح ، فَثَمَّ *** مطلق وهو المنة العامة ، وتحته آحاد كالبحر ، وهو ، كما تقدم ، *** ، أيضا ، بالنظر فيما تحته فَثَمَّ العذب والمالح ، فالعموم والخصوص درجات ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وقد يكون الشيء نوعا بالنظر فيما فوقه ، و***ا بالنظر فيما تحته ، فالبحر نوع مما سخر من الأرض جميعا ، وهو في نفسه ، *** عام تندرج فيه أنواع العذب والمالح ، وقل مثله في اللحم ، فهو فرد من أفراد ما يستوعبه البحر من آحاد النعم ، وهو في نفسه *** فمنه الطري الذي نصت آية النحل عليه ، وسياق الامتنان ، كما تقدم ، قرينة تمنع العمل بمفهوم الصفة ، فلا مفهوم مخالفة للصفة في مورد الامتنان بالمباح ، فلا يقال إن اللحم اليابس مما لا يدخل في عموم المنة ، بل *** اللحم ينقسم فمنه الطري ومنه اليابس ، فثم تسخير للبحر على وجه حصل فيه السبر والتقسيم باستيفاء أجزاء القسمة العقلية ، أَكْلًا ، فنص عليه على جهة التعليل باللام في : (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) ، وهي ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، نص صَرِيحٌ في التعليل وإن كان ظنيا لاحتمال الاشتراك في معان أخرى تدل عليها اللام ، فقرينة السياق في هذا الموضع قد رجحت دلالة التعليل ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، ودلالة "من" : دلالة ابتداء للغاية فابتداء غاية الأكل بالصيد تكون من البحر ، فثم استيفاء لأجزاء القسمة العقلية : أكلا ، كما تقدم ، وحلية عطفت عليه ، وقد نكرت ، أيضا ، في سياق الإثبات فهي مئنة من الإطلاق الذي قيد بالوصف : "تلبسونها" ، ودلالة المضارعة ، كما تقدم مرارا ، مئنة من استحضار الصورة وَدَيْمُومَةِ الوصف ، حالا واستقبالا ، وذلك آكد في تقرير المنة ، وليس ثم مفهوم ، فالحلية قد تلبس وقد لا تلبس ، فلا قيد هنا ، أيضا ، بمفهوم الوصف لعموم المنة فتخصيصها ، كما تقدم مرارا ، مما ينغصها إلا أن يكون ذلك لحق الرب ، جل وعلا ، وختم بالقسم الثالث ، وهو الحمل ، فالفلك تحمل البشر وسائر ما ينتفع به الناس من المحمولات من المطعومات وال******* وسائر الأغراض ، ودلالة "أل" في "الفلك" مئنة من بيان ال*** ، من وجه ، ومئنة من العموم فَتَسْتَغْرِقُ جميع آحاد العام ، فـ : تَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ : فدلالة الحال "مواخر" مما تستحضر به الصورة ، صورة الفلك إذ تشق الماء ، ومن ثم عطف العلة من خلق الأفلاك وإجرائها : (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) ، فتسخير الفلك لِابْتِغَاءِ الفضل في التجارة والرزق ، ومن ثم ختم بالعلة : (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فَاسْتُعِيرَ معنى الرجاء لمعنى التعليل ، ولا يخلو من دلالة رجاء ، فصرفت هذه الآيات رجاء أن يحصل الاعتبار والتفكر في العقل ، فَأَثَرُهُ في الخارج ما يكون من تكليف الشكر ، وليس ذلك بِرَجَاءِ المفتقر إلى الشكر ، فالرب ، جل وعلا ، غني عن العباد جميعا فلا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرانهم ، فـ : (قَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) . فالكلام قد صدر بما تقدم من آيات الربوبية تمهيدا لتكليف الألوهية بالشكر ، الذي أطلق فعم جميع موارده بالقلب واللسان والجوارح . فجاءت آية البحر ، وآية الجبال وهي من آيات البر ، فـ : أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا : فألقى الرواسي ، فدلالة التنكير في سياق الإثبات ، جارية ، على ما تقدم ، من دلالة الإطلاق ، والرواسي مما ألقي في الأرض بالنظر في دلالة الوتد المغروس في الأرض ، وزاد في تقرير المعنى بالنص على العلة فَثَمَّ لام تعليل قُدِّرَتْ فضلا عن دلالة النفي على تقدير الكلام بـ : لئلا تميد بكم ، ونكرت الأنهار والسبل مئنة من الكثرة ، وذلك مما تعظم به المنة ، ومن ثم نص على العلة على جهة الاستعارة ، كما تقدم ، فـ : (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، والهداية هنا تحتمل الهداية المحسوسة بالنظر في دلالة السياق إذ أتبع ذكر السبل ذكر الهداية فهي هداية الطريق المسلوك في ا*** ، وتحتمل دلالة الهداية المعقولة ، فإن ما تقدم من آيات الربوبية مما تحصل به الهداية في باب الألوهية ، عقدا وشرعا ، فأطلق فعل الهداية فهم يعم الهداية في التصور بأخبار الصدق ، والهداية في الحكم بشرائع العدل . ومن ثم أردف بعلامات الأرض ، ثم أتبع بآية في السماء بعد أن نَوَّهَ بجملة من آيات الأرض ، على جهة التَّمْثِيلِ ، فلا تخصص العموم ، كما تقدم ، فـ : (بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ، فقدم ما حقه التأخير تَنْوِيهًا به ، فضلا عن الضمير : "هم" فهو آكد في تخصيص الخطاب ، كما ذكر بعض المحققين ، فالقصر ، من هذا الوجه ، قصر إضافي ، تنويها بهذه الآية الآفاقية العليا ، فليست وحدها مما يهتدي به السائر ، بل يهتدي بجملة من العلامات منها ما في الأرض ومنها ما في السماء ، ودلالة المضارعة ، على ما تقدم مرارا ، مما تستحضر به الصورة ومما تدوم به المنة وتستمر ، وذلك آكد في تقرير المعنى . وبعد تقرير الحقيقة استنطاقا للخصم بالحجة أن يجيب السؤال : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، جاء عموم استغرق ، فـ : (إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فالإضافة إلى المعرَّفِ بـ : "أل" مئنة من التعريف في اللفظ والتعميم في المعنى ، والإضافة تجري ، بادي الرأي ، مجرى إضافة المخلوق إلى الخالق ، وقد يقال إنها تحتمل كلا الوجهين : إضافة المخلوق إلى الخالق بالنظر في النعمة الكونية فهي مخلوقة ، وإضافة الصفة إلى الموصوف بالنظر في النعمة الشرعية من الوحي ، فهي ، عند التدبر والنظر ، أعظم النعم وأشرفها ، فصح حمل الكلام على كلا الوجهين ، وذلك مما يستأنس به من يجوز عموم المشترك إذ دل اللفظ الواحد على وجهين في المعنى متباينين ، بل ومتضادين بالنظر في أن الأول ، وهو النعمة الكونية ، مخلوق ، والثاني ، وهو النعمة الشرعية بكلم الوحي النازل غير مخلوق ، فكل ما تقدم إنما جرى مجرى الضرب للمثل ، بآيات يحصل بها الامتنان في البحر والبر والجو ، وقد حد الشرط على جهة الندرة فـ : "إن" الشرطية مئنة من ندرة الحدوث إن كان مما يحتمل الوقوع بادي الرأي فضلا أن يكون محالا قد ضرب مثلا على جهة الفرض في الجدال العقلي ، كما في قول الرب العلي تبارك وتعالى : (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) ، فَعَدُّ نعم الرب ، جل وعلا ، مما يعجز عنه البشر ، وهو ما ورد النص عليه في الجواب : (لَا تُحْصُوهَا) ، وختم بالتوكيد لوصف الجمال فذلك آكد في الامتنان ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فأكد بالمؤكد الناسخ واسمية الجملة واللام الداخلة على الخبر وهي اللام المزحلقة ، وهو ، كما يقول بعض المحققين ، مما يجري مجرى الترغيب الذي يحمل الناظر أن يتأول تكليف الشكر على هذه النعم التي لا تحصى . والله أعلى وأعلم . |
|
|