من آية : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ .......) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-26-2016, 07:37 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ .......)

من آية : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ .......)
مما تقرر في باب النبوات أن عصمة الأنبياء ، عليهم السلام ، أمر يقطع ببطلان أي خبر يقدح في كمال النبوة الخاتمة ، إن في الباطن فهم أكمل الناس ديانة ومروءة وذلك ما سلم به الخصوم فلو وجدوا من الحال ما يذم لبادروا بإظهاره وإشهاره طعنا في صاحب الدعوى فالطعن فيها طعن فيه ، إذ الطعن في الرسول طعن في الرسالة ، والطعن في الناقل طعن في المنقول ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مراد رئيس في مقال من طعن في السلف ، رضي الله عنهم ، حملة الوحي فذلك ما يتوسل به بطريق خفية لا يفطن لها كل أحد أن يقدح في الوحي ، في الكتاب والسنة ، وإن أظهر تعظيمهما في الجملة فلازم دعواه في القدح في حملتها القدحُ فيها ، فالعصمة تقضي ببطلان أي خبر يقدح في كمال النبوة إن في الباطن ، كما تقدم ، أو في الظاهر ، فهم الأكمل في الخَلْق ، ولذلك كَانُوا على الرَّاجِحِ من أقوال أهل العلم ، رجالا ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) ، فذلك نص في محل النزاع ، وقد قصر على جهة النفي والاستثناء ، وهو أقوى أساليب القصر ، كما قرر أهل الشأن ، وقد أطلق لفظ رجال في سياق إثبات ، فهو مئنة من إطلاق ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وقد قُيِّدَ بالوصف الأول : (نُوحِي إِلَيْهِمْ) ، فهو يدل على اصطفاء خاص ، وقيد بالوصف الثاني : (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) ، *** يخرجوا بهذا الاصطفاء عن *** الخلقة الأولى فهم بشر كبقية البشر ، فدلالة "من" ، عند التدبر والنظر ، دلالة ال*** ، ولا تخلو من دلالة ابْتِدَاءٍ للغاية فهم من *** البشر ، فابتدأ ، جل وعلا ، اصطفاءهم وخلقهم وبعثهم من أقوامهم ، ولا تخلو من دلالة تَبْعِيضٍ فالرسل ، عليهم السلام ، بعض الجماعة ، فذلك يصدق في واحد في جماعة ، ويصدق في حق الرسل ، عليهم السلام ، بالنظر في عموم البشر ، فهم بعض الجماعة الإنسانية ، وهم ، عند التدبر والنظر ، صفوة البشر ، فهم خير طباق البشر ، وأصحابهم خير طباق الأمم ، وأصحاب النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير طباق هذه الأمة ، وهي أفضل الأمم ، فصح في القياس الصريح بِتَرَاتُبِ هذه المقدمات نَتِيجَةٌ رئيسة وهي أن أولئك الأفاضل من السلف الأوائل ، رضي الله عنهم ، هم خير طباق الأرض جميعا بعد الرسل والأنبياء عليهم السلام ، ودلالة القرى تَنْصَرِفُ إلى معنى مطلق في الذهن ، وهو الجماعة مطلقا ، سواء أكان الجمع جمادا من الدور والمساكن ، أم حيا من البشر الذين يسكنون هذه الدور ، فَالْقَرْيُ مئنة من الجمع ، كما يقول أهل اللسان ، ومنه : قَرَيْتُ الحوض إذ ملأته بالماء ، فثم دلالة أعم ، وهي مطلق الجمع ، وثم دلالة أخص وهي دلالة الدور فهي قرية مساكن ، ودلالة البشر فهي قرية سكان ، وثم دلالة أخص وهي القرية المعهودة التي تشاطر المدينة حقيقة التجمع البشري ، فثم عرف حادث في تقسيم الأ**ار ، فثم مدن وثم قرى ، وثم مراكز وثم أرياف تحيط بالمدن ، وثم كفور ونجوع وهي دون القرى ، وتلك تقسيمات وتراتيب إدارية حادثة لا يجوز حمل التنزيل الأول عليها ، فعرفها حادث بعد نزوله ، والوحي ، كما تقدم مرارا ، لا تفسر ألفاظه بعرف حادث عليه ، وإنما يُفَسَّرُ بالعرف المتداول في لسان الناس زمنَ التَّنْزِيلِ ، أو ما سبقه من اللسان المشهور المتداول فلا يحمل على عرف حادث ، ولا يحمل على وجه بعيد مهجور في اللسان ، فلا يخرج على شَاذِّ اللغات أو مهجورها ، وإنما يحمل على المشهور من لسان قريش فبلسانهم نَزَلَ ، وذلك بالنظر في الغالب ، وإن كان ثم فيه من لسان غيرهم ، على وجه يصح ، فهو فصيح ، إذ التَّنْزِيلُ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ الفصيح والأفصح ، فلا يحمل على عرف حادث ، أو وجه شاذ مهجور ، أَوْ وَجْهٍ بَعِيدٍ لا يَتَبَادَرُ غلى الذهن إلا أن يكون ثم قرينة معتبرة توجب حمل اللفظ على الوجه البعيد غير المتبادر ، فهو ، كما تقدم ، فصيح فليس شاذا أو باطلا ، ولكنه مما يَبْعُدُ فَلَيْسَ إلى الذهن يَتَبَادَرُ وإن كان مما دل عليه اللسان في الجملة ، بأصل الوضع الأول في المعجم ، فلا يحمل اللفظ عليه إلا بِقَرِينَةٍ صحيحة مُعْتَبَرَةٍ ، توجب صرف اللفظ عن معناه الراجح المتبادر إلى معنى آخر مرجوح لا يَتَبَادَرُ ، فثم سياق يدل على المعنى ، فتلك قرينة زائدة تنضم إلى دلالة اللفظ المطلقة في معجم اللسان الأول ، وبهما جميعا يستدل السامع على مُرَادِ القائل ، فإن السياق ، كما تقدم مرارا ، أصل في تعيين مراد المتكلم على وجه يصح فلا يُزَادُ عليه ولا ينقص منه ، فلا بد من النظر في سياق أعم ، وهو عرف اللسان زمن ورود الخطاب سواء أكان عرفا عاما ، أم عرفا خاصا بأهل صناعة معقولة أو محسوسة ، فإن لكل صناعة عرفا في اصطلاحها ومعجمها الأخص الذي يستعمل ألفاظ اللسان المتداولة فَيَزِيدُ في معناها المطلق قيدا أخص له دلالة لا يدركها إلا من تضلع من هذه الصناعة فهو من أهلها ، فالحقيقة الاصطلاحية المقيدة أخص من الحقيقة اللغوية المطلقة ، وذلك أصل في الشرع وفي سائر العلوم والصنائع العقلية والتجريبية ، فهو أصل من أصول الاستدلال في كل علم إذ به تستنبط النتائج من المقدمات ، وذلك أمر يستند إلى دلالة الألفاظ على المعاني ، فثم دلالة اللفظ الأخص ، وهي الدلالة المعجمية المطلقة التي تكافئ الترجمة من لسان إلى آخر فتنصرف إلى المعنى الأول الذي يدل عليه اللفظ مفردا بلا قرينة زائدة من العرف الخاص ، وثم قيد أخص وهو دلالة السياق الذي يرشح معنى دون آخر ، فلا يصح من هذا الوجه أن يحمل لفظ القرية على القرية المعهودة في اصطلاح المتأخرين وتراتيبهم الإدارية والتنظيمية ، فإن الرسل عليهم السلام لم يبعثوا في القرى دون المدن ، فكانوا في الريف دون الحضر ! ، أو في البادية ، بل إن بعثتهم كانت في الحواضر الرئيسة فهي مجتمع الناس ومعدن الرياسات والسياسات ، ففيها رءوس الناس في السياسة ، وفيها رءوس الأموال من التجارات وسائر الصنائع ، فهي ملتقى العامة ومناط عنايتهم ، وهي مظنة ذيوع العلم واشتهاره ، والنبوة مقام اشتهار ، فلا يكون ذلك في القرى النائية أو البوادي القاصية ، فيشتهر القول في العواصم ما لا يشتهر في القرى والبوادي ، فبعث الأنبياء عليهم السلام في مجتمع الناس ومعدنهم الرئيس ، وَبُعِثُوا في أنساب أَقْوَامِهِم ، وبعثوا رجالا ، وهو محل الشاهد ، إذ النبوة مقام يقضي بالاشتهار ، وذلك ما يخالف طبائع النساء التي فطرت على حب الاستتار ، فلا يلائم هذا المنصب جبلتها ، فاقتضت الحكمة الرَّبَّانِيَّةُ أن يوضع الشيء في موضعه فيبعث النبي من ال*** أو النوع الذي يطيق تحمل أعباء الرسالة ، فهي القول الثقيل الذي لا تطيقه إلا النفوس الكاملة ، والرجال قد فضلوا على النساء وزادوا رتبة بمقتضى الفطرة والجبلة ولهم من قوامة التشريف والتكليف ما يجعلهم سادة يتبعون ، فإن النفوس العزيزة تأبى الانقياد لمن دونها في الرتبة أو الجبلة ، فالرجل يأبى أن يخضع لرجل مثله إن كان دونه في الجاه أو الهيئة أو النسب .... إلخ ، فكيف بالمرأة وهي له خاضعة وفي سلطانه داخلة بمقتضى ما تقدم من قوامة التشريف والتكليف ، فلا يخضع الناس لها من باب أولى ، إذ أبوا في عامة أحوالهم أن يخضعوا للأنبياء عليهم السلام ، وهم من هم في كمال الخَلق والخُلق والهيئة والنسبة ، فضلا أنهم جاءوا بما يصلح الحال والمآل من الشرع المحكم التام ، فجاءوا بأصدق خبر وأعدل حكم ، وجاءوا بما يبين ما أجمل من فطرة التوحيد والتشريع ، وجاءوا بما تستقيم به أمور الناس في خاصة أمرهم وعامته في عقدهم وعبادتهم الخاصة وأحكامهم وشرائعهم وسياساتهم العامة ، في رياضاتهم النفسانية لاستصلاح طرائقهم الأخلاقية ، فجاءوا بما يصلح الدنيا فيسعد الإنسان في الحال ، ويصلح الدين فينجو الإنسان في المآل ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مُبْتَغَى كافة العقلاء ، فقد اختلفوا ، كما يقول ابن حزم رحمه الله في كل شيء ، وأجمعوا على شيء واحد وهو استجلاب أسباب السعادة واستدفاع أسباب الهم والحزن ، ولكل في ذلك مذهب وطريقة ! ، فثم من ضل فابتغى السعادة في محسوس من مطعوم أو مشروب أو منكوح ، حل أو حرم ! ، فهو يشبع الغريزة ويطفئ نار الشهوة فلا تزداد إلا اشتعالا ولا تزاد النفس بها إلا اشتغالا بتحصيل أسبابها وذلك ما يوجب الهم والحزن ، إذ يخشى فواتها فهي ما يلتذ به ولو حالا يَتَلَهَّى به عن ألم في النفس ووخز في الضمير الذي لا يستقيم حاله إلا بسلوك جادة الدين ، وثم في المقابل من هدي إلى طريقة الشرع ، فطرة الحق ، فأخذ بأسباب النبوة والوحي فهي معدن السداد في القول والعمل ، وهي معدن الفلاح في العاجل والآجل ، وهي آكد ما يحرص عليه العاقل إذ محلها المحل الأشرف ، وهو الفؤاد فأين هو في المكانة والمنزلة من البدن الأجوف الذي يمتلئ بالقذر ويفنى إذا حان القدر ، فمحل الفؤاد أشرف إذ الروح لا تفنى ، وإنما تفارق الجسد إذا فسدت أخلاطه واستحالت مادته *** يعد قابلا لآثارها الشريفة التي يَحْيَى بها ويحس ، حياة العلم فهي الأشرف ، وحياة ا*** والحركة ، ومنها ما يكون اضطرارا كحركة الأحشاء ، ومنها ما يكون اختيارا كحركة الجوارح التي تكتسب الأعمال إن خيرا أو شرا ، فهي أشرف بداهة من حركة الأحشاء ، وحركة الباطن في الجملة أشرف من حركة الظاهر ، إن اختيارا أو اضطرارا من باب أولى فجبلة الحيوان في النماء وا*** بما يلتذ به البدن أو يتألم ، هذه الجبلة ، من وجه آخر ، *** تندرج فيه جميع الحيوانات ، ما عجم وما عقل ، على تفاوت بينها في الإدراك فبعضها فوق بعض في الرتبة ، وذلك ، أيضا ، مقتضى الحكمة ، كما تقدم في تفضيل الرجل على المرأة ، تفضيل ال*** على نظيره ، فلا يستغرق الآحاد جميعا ، فَفُضِّلَ الرجل على المرأة أن اختص في فطرة التكوين بالقوة في الجسد والعقل ، وَفُضِّلَ عليها في فطرة التشريع ، فأنيطت به من الوظائف الدينية ما لم ينط بها ، سواء أكانت بالاصطفاء والاختيار كالنبوة ، فهي ، كما تقدم من الراجح من أقوال أهل العلم ، منصب اختص به الرجال ، بمقتضى القصر في قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) ، فهو قصر حقيقي ، لا سيما على القول بالتسوية بين الرسول والنبي في وظيفة التبليغ والتبيين ، وإن اختص الرسول أن يبلغ ويبين دينا جديدا ، وأما النبي فَيُحْيِي ما اندثر من دين تقدم فهو يأرز إليه في العقد والشرع فيبينه ويبلغه ولا يأتي بجديد يزيد عليه ، خلافا للرسول الذي يأتي بقدر يزيد فينسخ إما جزءا ، كرسالة المسيح عليه السلام ، وإما كُلًّا ، كرسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومن أجاز شيئا من ذلك في حق النساء فقد أجاز ما لم يكن فيه بلاغ ولا بيان يقتضي الظهور والاستعلان ، فأجاز النبوة على اصطلاح مشهور في كلام أهل الشأن أن النبوة لا تقتضي بلاغا أو بيانا ، فصاحبها قد أعطي الحكمة ولم يؤمر بالتبليغ ، فَفُضِّلَ الرجل على المرأة على كلا القولين ، فذلك محل إجماع بين الفريقين ، فمن أجاز أن تحظى المرأة باصطفاء في باب الوحي فقد قصر ذلك على النبوة دون الرسالة لئلا يخالف نص الآية على الإرسال : (أَرْسَلْنَا) ، فمادة الإرسال مظنة من بعث إلى جماعة يبلغهم الرسول ما أُرْسِلَ به ويبين لهم معناه ، وذلك مناط تظهر فيه آية القدرة والحكمة في الخلق والاصطفاء والإنزال للوحي والإرسال لمن اختاره لهذه الوظيفة العظمى التي لا تحصل ، كما تقدم مرارا ، بكسب أو رياضة أو فتوة ، فهي وهب خالص من الرب ذي الحكمة البالغة إذ يعلم حيث يجعل الرسالة ، فَيَخْتَارُ المحل الأكمل والأشرف ، إن في النوع ، فاختار الرجال ، أو في الفرد فاصطفى خير الرجال وأكملهم في الظاهر والباطن ، كما تقدم ، فعوفوا من نقص الخِلقة ، إن بالنظر في النوع فالرجال أشرف من النساء ، وإن بالنظر في الهيئة فعوفوا ، كما تقدم ، من كل ما ينفر في الظاهر ، وإن جاز في حقهم المرض والموت فذلك من عوارض النقص التي لا يسلم منها بشر ، وإن بلغ من الكمال ما بلغ ، فـ : (مَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) ، فذلك من الجعل الكوني الذي انْتَفَى في مورد جلال يحسن فيه التعظيم ، فأسند الفعل إلى ضمير الفاعلين ، وبعد الخبر جاء إنشاء باستفهام إنكار وإبطال فليس أحد بخالد ، وهو ، من وجه آخر ، يجري مجرى قياس الأولى ، إذ قد انتفى الخلد في حق الأعلى من الأنبياء عليهم السلام وهم صفوة الخلق وانتفى في حق أفضلهم وخاتمهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا نبوة بعده فلو كان بقاء الحجة مقيدا بشخص النبي لكان أولى من يستحق الخلد هم الأنبياء عليهم السلام لا سيما النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ رسالته العامة الخاتمة وحجته الأعظم قياما على البشر ، والتكليف بها التكليف العام الذي لا يسع أحدا بلغه أن يخرج عن منهاجه ، فإذا انتفى في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فانتفاؤه في حق بقية البشر يثبت من باب أولى ، فذلك من قياس الأولى الصحيح ، وهو ما اطرد الاستدلال به في التنزيل على وجه صحيح يواطئ دلالة العقل الصريح ، فنص على البشر جميعا ، فتلك دلالة النكرة : "بشرا" في سياق النفي ، فلا يسلم من عارض الموت بشر ، بل ولا يسلم منه مَلَكٌ ! ، فـ : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ، وذلك عموم يندرج فيه كل كائن محدث فخرج الرب الخالق ، جل وعلا ، وخرج ما استثنى من أهل الجنة من الحور والولدان ومن يخلقهم خلق الابتداء للنعيم فلا يجري عليهم قدر الموت ، وإن كان بقاؤهم ، من وجه آخر ، بقاء بسبب من خارج يفتقرون إليه وهو إبقاء الرب ، جل وعلا ، لهم ، فلا غنى لهم عنه ، فليس ثم غني مطلقا إلا الرب الغني الحميد الذي استجمع أوصاف الغنى خاصة والحمد عامة ، فحمد بأوصاف الجمال ، وعظم بأوصاف الجلال ، وعوفوا من نقص الديانة والمروءة فلا يقترفون ما يقدح في الدين أو الحشمة ، فاصطفاهم الرب ، جل وعلا ، لهذا المنصب التشريعي على جهة الاختيار فلا تكليف فيه يظهر إذ لم يكلف ، جل وعلا ، أحدا ، أن يصير نبيا ، وإنما كلف البشر أن يسلكوا جادة النبوة بالأخذ من علومها في عامة أحوالهم وشئونهم ما خص منها وما عم ، واصطفاهم ، من وجه آخر ، بتكاليف شرعية لا تكلف بها النساء من الجهاد والولايات السياسية ...... إلخ ، وكل أولئك ما حسن معه إسناد فعل الإرسال إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم بأوصاف من القدرة والحكمة تظهر في بعث الأنبياء عليهم السلام .

وكذلك الشأن في تفضيل *** الإنسان العاقل الناطق المكلف إذ مناط التكليف فيه حاصل إن بالقوة كالطفل الذي لم يعقل بعد فهو مظنة التعقل إذا بلغ واكتمل عقله ، فتكليفه بأصل القوة والفطرة المركوزة في الجبلة وإن بالفعل كما في تكليف البالغ العاقل ، فالبلوغ مظنة حصول العقل الراشد ، مناط التكليف الكامل ، فثم أهلية أداء كاملة ، تغاير أهلية الأداء الناقصة في الطفل المميز الذي يعقل في الجملة ولا يكلف في الشرعة ، فهذا المناط في التكليف بأمر التوحيد والتشريع هو مناط التفضيل للإنسان على سائر أجناس الحيوان الذي يتحرك بالإرادة وا*** ، فبعض أجناسه فوق بعض ، وذلك مناط آخر به تظهر آيات القدرة النافذة في خلق الأجناس والأنواع المختلفة ، وآيات الحكمة البالغة أن خُلِقَ كُلٌّ لما يُسِّرَ له فركب فيه من القوى والغرائز ما يلائم الغاية التي خلق لأجلها ، فركز العقل في ال*** المكلف من الجن والإنس ، فبه تحصل الغاية من خلق الثقلين ، من توحيد رب المشرقين والمغربين على وجه يواطئ ما تقدم من وظيفة النبوة في التبليغ والتبيين ، وقد جاءوا ، مع ذلك ، بما يُرَشِّدُ هذه الفطرة إن غوت وحادت عن جادة التوحيد التي فطر الناس عليها ، وذلك ما نوه به التنزيل إذ أمر إيجابا أن : (أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) ، والأمر قد أطلق فعم جميع موارد الاستقامة على سنن الوحي ، في العقد والشرع ، في الحكم والسياسة والأخلاق ، كما تقدم ، ما عم منها وما خص ، فهي تدخل في عموم "الدين" ، إذ هو مئنة من الخضوع والانقياد ، والأخلاق مما يظهر فيها تأويل ذلك ، فيخضع الإنسان لمقتضى الفطرة الأخلاقية فلا تعارض بينها وبين الفطرة الإيمانية ، ففطرة الله ، جل وعلا ، فطرة الدين كله ، فطرة التوحيد ، وفطرة التشريع ، وفطرة التحكيم ، وفطرة التهذيب ، فكلها تدخل في عموم ما أردف به الأمر : (فِطْرَتَ اللَّهِ) ، فنصب على الاختصاص تنويها بأمره وتعظيما لشأنه ، ف*** الفطرة الأعم الذي عنيت به النبوات : بيانا لما أجمل وتقويما لما اعوج ، هذا ال*** تندرج فيه أنواع ، فثم ، كما تقدم ، فطرة التوحيد والتشريع ..... إلخ ، وهو ، من وجه آخر ، مما تنقسم موارده في الخارج بالنظر في ا*** والمعنى ، فثم فطرة الأديان ، وثم فطرة الأبدان ، فالأولى مظنة العقد ، والثانية مظنة الفقه ، فـ : "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ ، قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ" ، فالفطرة ، من هذا الوجه ، تضاهي الإيمان فهي اسم ذو شعب وآحاد تتفاوت في الفضل من فطرة الأديان وهي الأعلى إلى فطرة الأبدان وهي الأدنى ، وإن شرفت وعظمت أن أمر بها الشرع إما إيجابا أو ندبا على تفصيل في أحكام السنن الواردة في الخبر ، فمنها ما يجب بالإجماع كالختان في حق الرجال ، وإعفاء اللحى .... إلخ ، ومنها ما يندب كالسواك ، على خلاف مرجوح إذ أوجبه بعض أهل العلم في مواضع ، استدلالا بظاهر الأمر ، ومدوامة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه ، وذلك ، كما يقول أهل الشأن ، مظنة الإيجاب ، وإن لم يقطع بذلك فقد دوام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أفعال هي من النوافل بالإجماع كمداومته على جملة من سنن الهدي ، كركعتي الفجر ، وهما من السنن الرواتب فليسا مما يجب كالفريضة ، بالإجماع ، وذلك ما استدركه أهل العلم على الحنفية ، رحمهم الله ، إذ كان من جملة ما استدلوا به على إيجاب الوتر أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتركه في سفر ولا حضر ، فأجيب أن ركعتي الفجر ، أيضا ، كذلك ، ولم يكن ذلك سببا في إيجابهما ، ومن سنن الفطرة ما اختلف في حكمه ، كختان الإناث ، وإن كان الراجح إيجابه ، على تفصيل في ذلك ، وقل مثله في غسل البراجم وما يندرج فيه من تخليل الأصابع ، فَثَمَّ من أوجبها ، وهو لازم قول المالكية إذ أوجبوا الدلك في الوضوء ، وثم من أوجبها إذا كان ثم قذر يحول دون وصول الماء إلى البشرة ، وذلك أمر محل اتفاق فمن يقول إن الدلك والتخليل سنة في الجملة فإنه يوجبه إذا كان ثم مانع يحول دون وصول الماء إلى البشرة فلا يزول إلا بالتخليل والدلك ، فيكون ذلك من باب : ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

فالفطرة من هذا الوجه تكافئ الدين كله ، عقدا وشرعا ، فهي يستغرق جميع خصال الطاعة ، وذلك ما يلائم الإضافة في اللفظ : (فِطْرَتَ اللَّهِ) ، فالإضافة مئنة من العموم ، كما يقول أهل الأصول ، وهي لا تخلو في هذا الموضع أن تكون من إضافة المخلوق إلى الخالق ، فإن الفطرة أمر يظهر في الطبائع الجبلية ففطرة الأبدان تقضي بحب الطعام والشراب وإن لم يعلمها الصبي الصغير فإنه يهتدي لثدي أمه ليغتذي بمقتضى هذه الفطرة ، ولا تخلو ، من وجه آخر ، أن تكون من إضافة الصفة إلى الموصوف ، فإن الفطرة هي الدين ، كما تقدم ، والدين عقائد وأحكام ، فهو أخبار وإنشاءات ، وذلك ما قد علم بالوحي ، وهو كلام الرب ، جل وعلا ، وهو ابتداء من وصفه الشريف ، فهو من وصف الذات بالنظر في نوعه ، ومن وصف الفعل بالنظر في آحاده ، وهو ، من وجه آخر ، من علمه ، جل وعلا ، والعلم من وصف الذات ، فذلك قدر زائد في الوصف وهو ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما احتج به أحمد ، رحمه الله ، على من قال بخلق القرآن ، فهو من العلم ، والعلم بالإجماع غير مخلوق .

والسياق ، من وجه آخر ، يرشح دلالة الفطرة الدينية ، إذ تقدم الأمر أن : (أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) ، فيكون ذلك من البيان بعد الإجمال على تقدير العامل المحذوف بـ : أعني ، فالدين من هذا الوجه يكافئ الفطرة في الحد ، واختصاص الوجه بالحكم يجري مجرى الخاص الذي أريد به عام ، وهو جميع الأركان التي يناط بها التكليف إن بالفعل أو بالترك ، وخطاب المواجهة يخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعم بقرينة العموم في خطاب الوحي ، فهو يعم كل مكلف ، سواء أكان من أمة الإجابة الأخص أم من أمة الدعوة الأعم ، وسواء أكان من الرجال أم من النساء ، وسواء أكان حاضرا أم غائبا زمن التكلم ، وسواء أكان موجودا أم معدوما حال وروده ، وقد يجري إسناد الحكم للوجه مئنة من كمال الخضوع والانقياد ، فالوجه أشرف عضو فإذا خضع خضعت بقية الجوارح الظاهرة فضلا أنه مما تظهر عليه كوامن النفس ، فخضوعه في الغالب مئنة من خضوع الباطن إلا لمانع كالنفاق ، والسياق ، بداهة ، يدل على خضوع وجه ظاهر هو تأويلٌ لخضوع الباطن على وجه صحيح سلم من النفاق والرياء والشرك ، فحسن من هذا الوجه أن يقيد بالحال "حنيفا" ، فهو فعيل بمعنى فاعل ومعنى المبالغة فيه ظاهر ، فاحترز به من الشرك إذ لم يُقْصَرِ الخطاب ، مطلعَ الكلام ، فاحتمل الأمر بإقامة الوجه للدين ولغيره ، فيكون الشرك في الإرادة والتوجه فجاءت الحال احترازا ، فهي ، من هذا الوجه ، عمدة في المعنى وإن كانت فضلة في اللفظ ، فثم معنى يفيد يحصل بدونها ، ولكنه ليس مراد المتكلم حتى يرد التقييد بها .
وكل أولئك مما جاءت به النبوات التي حملها أولئك الرجال الذين اصطفاهم الرب ، جل وعلا ، لهذه الوظيفة الشريفة والرتبة المنيفة بلا تكسب ولا تقصد ، فـ : (مَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:15 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant