من آية : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ .......)
ومن قوله تعالى : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) ، فذلك من نَفْيِ الكون وهو آكد فِي تَقْرِيرِ المعنى وَتَوْكِيدِهِ ، وزد عليه دلالة الإطناب في ال**در المؤول : "أن يستغفروا" ، وهو ، من وجه آخر ، مما تستحضر به الصورة ، وفيه دلالة حال واستقبال فذلك آكد في تقرير الحكم ، فاتصل زمان النفي حالا واستقبالا ، وقد أطنب احترازا أن يظن ظان أن هذا الحكم يَقْتَصِرُ على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو سبب نَزَلَ عليه العام فلا يخصصه ، إذ ذكر بعض أفراد العام في سياق التمثيل ، أو سياق السبب الذي ينزل عليه العام ، هذا الذكر لا يخصص العموم إلا لقرينة تدل على اختصاص السبب بالحكم ، فلا يتعدى إلى غيره ، سواء أقيل إن اللفظ يستغرق بقية الأفراد بدلالة الوضع العام ، أو يدخل في العموم بالقياس على السبب ، فلو نَزَلَ النص مُقْتَصِرًا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لَعَمَّ بَقِيَّةَ الأفراد ، كما تقدم ، فهو حكم عام إذ لا قرينة تخصص ، ومع ذلك نص على المؤمنين على جهة الوصل الذي يفيد العموم ، كما قرر أهل الأصول ، وهو مما وضع لجماعة الذكور ، ودل على جماعة الإناث بدلالة التَّغْلِيبِ ، وقد أجمل في الوصل ثم أبان في الصلة ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم داخل في عموم المؤمنين ، فيحتمل العطف المغايرة ، فهم غيره بالنظر في الشخوص في الخارج ، ويحتمل العام بعد الخاص ، إذ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم داخل ، كما تقدم ، في عموم المؤمنين ، فيكون التوكيد في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتكرار ، بعام بعد خاص ، فنهوا أن يستغفروا للمشركين ، ودلالة : "أل" مئنة من الوصل إذ دخلت على اسم الفاعل المجموع : "مشركين" ، وهو يَعُمُّ بدلالة التغليب المشركاتِ ، وثم احتراز بـ : "لو" الوصلية فَهِيَ مَئِنَّةٌ من المبالغة ، فَتَوَجَّهَ النَّهْيُ العام ، ولو لأولي القربى من المشركين فانقطعت صلة النسب ، فالشرك مانع من الاستغفار ، فَثَمَّ بِرٌّ بالوالدين يَسْتَغْرِقُ الدعاء والاستغفار ، فـ : "يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا»" ، فَنَادَى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم نداء التعظيم ، فهو نداء الْبَعِيدِ ، وأناط الدعاء باسم الرسالة فَذَلِكَ ما يَحْسُنُ في مَوْرِدِ الاستفتاءِ فِي الشَّرْعِ ، والإضافة إلى اسم الله ، جل وعلا ، مئنة من التعظيم ، إذ شرف المرسَل من شرف المرسِل ، فهو من إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، ولا يكون ذلك إلا على جهة التعظيم ، فالإضافة ، كما تقدم مرارا ، إما أن تكون من إضافة الوصف إلى الموصوف كما في إضافة معاني الرحمة والبركة في نحو قوله تعالى : (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) ، فتلك معان لا تقوم بنفسها في الخارج وإن صح تجريدها في الذهن ، فلا توجد في الخارج إلا مقيدة بموصوف له حقيقة في الخارج تقوم به فهي قدر زائد على الذات ، وهي ، مما يتفاوت كمالا أو نقصا ، تَبَعًا لتفاوت الذات التي تقوم بها كمالا أو نقصا ، فالكلام على الصفات فرع عن الكلام في الذات ، فمن له كمال الذات المطلق فَلَهُ كمال الوصف المطلق وليس ذلك إلا لله ، جل وعلا ، وإما أن تكون من إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، وذلك جار مجرى التشريف ، كما في قوله تعالى : (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) ، و : (أَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) ، فتلك عبودية العابد وهي ، كما تقدم في مواضع سابقة ، أخص من عبودية العبد ، فالأولى وردت في سياق النبوة وهي مئنة من اصطفاء أخص فعبودية الرسول أخص بالنظر في الآحاد ، إذ الرسل عليهم السلام صفوة مختارة من جمع كثير ، وأعم بالنظر في الدلالة إذ اجتمع فيها معنى عبودية التكوين العامة ومعنى عبودية التشريع الخاصة التي بلغت أرفع درجاتها فالأنبياء عليهم السلام أعبد الناس لربهم ، جل وعلا ، إذ هم أعلم الناس به بما امتن عليهم من وحي الرسالة ، والإضافة مئنة من التعريف في اللفظ والعموم في المعنى ، ولكنه ، بداهة ، مِمَّا خُصَّ بدلالة العهد المخصوص فِي الرَّسُولِ الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقرينة الخطاب في سياق الاستفتاء رشحت معنى العهد في رسول بعينه هو خاتمهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومن ثم جاء الاستفهام بـ : "هل" ، فهو استفهام يفيد التصور ، فـ : "هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟" ، والنكرة في سياق الاستفهام مئنة من العموم ، ودلالة الجناس اشتقاقا مما يُقَرِّرُ المعنى وَيُؤَكِّدُهُ ، فجاء الجواب : "نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا" ، فعم إذ الصلاة مئنة من الدعاء بالرحمة ، والدعاء بالثناء والحمد ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) ، فتلك صلاة الثناء والمدح ، وصلاة الرحمة الخاصة ، رحمتُه ، تبارك وتعالى ، بالمؤمنين ، رحمة الرحيم خلافا لرحمة الرحمن العامة ، فـ : (كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) ، فَثَمَّ عموم أفادته "أل" الموصولة في : "المؤمنين" ، فهو يعم النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من باب أولى فهو أول المؤمنين ومقدم المسلمين ، فالصلاة عليه رحمة وَثَنَاءٌ بالمدح ، فَحُمِدَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأوصاف من الكمالِ تَلِيقُ بذاته الشريفة وَوَظِيفَتِهِ المنيفة ، وظيفة النبوة الخاتمة ، أعظم درجات المنصب الذي اصطفى ، جل وعلا ، له من اصطفى من خيرة الخلق ، فَهُوَ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا ، اصطفاء محض لا ينال بكسب أو رياضة أو فتوة ، فالصلاة في هذا الموضع مئنة من الدعاء ، فدلالة السياق رشحت معنى الصلاة في اللسان ، دون معناها في الشرع ، فهي العبادة المعهودة التي تَتَضَمَّنُ من الأقوال والأعمال المخصوصة ما افْتُتِحَ بالتكبير واختتم بالتسليم ، فالأصل حمل الألفاظ في نصوص الشرع على معانيها الشرعية الأخص إلا إذا وردت قَرِينَةٌ تَصْرِفُهَا إلى مَعَانِيهَا اللغوية الأعم ، كما في هذا الموضع فالصلاة على الأبوين بعد موتهما وَقْبَلَه ليست هي الصلاة المعهودة إلا ما كان من صلاة الجنازة ، وهي ، عند التدبر والنظر ، ليست كصلاة الفرائض والنوافل بالنظر في الماهية وإن تضمنت بعض أفعال الصلاة المعهودة ، من تكبير وفاتحة وشطر من التشهد ، فثم عموم وخصوص من وجه ، فاشتركا في بعض الأقوال والأعمال وافترقا في بعض ، فاختص كُلٌّ بقدر لا يوجد في الآخر ، فصلاة الجنازة أقرب إلى دلالة الصلاة في اللسان فهي دعاء وشفاعة ، وبعد الموت تَمَحَضَّ معنى الصلاة في اللسان فليس إلا الدعاء لهما ، وهو ما ورد النص عليه في سياق آخر ، فـ : "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ" ، فنص على الدعاء فذلك يجري مجرى الْبَيَانِ لما أجمل من لفظ الصلاة في السياق الأول ، والاستغفار ، عند التدبر والنظر ، يدخل في عموم الصلاة بِمَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ الأعم ، فهو دعاء تطلب فيه المغفرة ، فتلك دلالة الألف والسين والتاء في العامل : "أستغفر" ، فهي مئنة من الطلب كما قرر أهل الشأن من الصرفيين في مبحث معاني الحروف الزائدة ، إذ كل زيادة في المبنى تقابلها زيادة في المعنى ، كما اطرد في كلام الْبَلَاغِيِّينَ ، فَيَكُونُ عطف الاستغفار على الصلاة من هذا الوجه ، عطف خاص على عام ، فالصلاة الدعاء مطلقا ، والاستغفار دعاء بِعَيْنِهِ تطلب فِيهِ الْمَغْفِرَةُ ، فالعطف : عطف تغاير بالنظر في المبنى ، وعطف خاص على عام تَنْوِيهًا به ، فالاستغفار من أعظم الدعاء للميت أن يَتَجَاوَزَ الرَّبُّ ، جل وعلا ، عن ذنوبه ، فلا يؤاخذه بما اقْتَرَفَ ، بل يَعْفُو ويصفح ، ومن ثم أطنب في البيان على جهة العطف الذي استوفى خصال البر بالوالدين بعد وفاتهما ، فـ : "إِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا" ، فالعطف ، كما تقدم ، عطف تغاير فهو مئنة من وصل إضافي يزيد في المعنى باستيفاء الخصال ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن دلالة السياق غير حاصر ، فثم أدلة أخرى في الباب ، كما في قوله عليه الصلاة والسلام : "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ" ، فالصدقة تصح من الابن بعد وفاة أبويه ، ومثله ما كان من حديث عائشة ، رضي الله عنها ، وفيه : "إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ، إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»" ، وحديث ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وفيه : "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: إِنَّ أَبِي مَاتَ، وَلَمْ يَحُجَّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى»" ، فالحج يصح عن الميت فرضا أو نفلا ، على خلاف في النفل ، فثم من عده ضرورة إذ هو خلاف الأصل ، فالنيابة خلاف الأصل ، فتقدر بقدرها ويقتصر فيها على الواجب ، فلا يزاد عليه من النفل ما ليس بوارد ، وثم من عم بدلالة الإطلاق في الأمر ، فـ : "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ" ، إذ لم يقصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك على الواجب ، وقد قامت الحاجة إلى البيان فلا يجوز تأخيره عنها ، ***ا سكت عليه الصلاة والسلام في موضع البيان ، كان سكوته بيانا ، ولا مانع من إكراه أو نحوه فالمقام مقام فتوى وثم للإسلام الدولة والصولة ، فذلك ما كان آخر البعثة ، وحديث : "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" ، على خلاف مشهور فثم من احتج بالعموم فهو يستغرق الواجب وثم من قصره على النذر فهو بمنزلة الدين ، فيدخل في عموم : "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" ، وثم من وسع دائرة الاستدلال ، فعم الصلاة إن كانت نذرا فهي بمنزلة الدين الذي يقضيه الإنسان عن والديه ، وذلك ، أيضا ، من البر ، أن يقضي دينهما سواء أكان للمخلوق أم للخالق ، جل وعلا ، فـ : "دَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" ، فدلالة القياس الأولوي توجب قضاء دين الخالق ، جل وعلا ، من الحج ، وهو سبب الورود ، وثم من قاس عليه سائر الديون ، من زكاة وصلاة نذر إذ فيها يظهر معنى الدين ما لا يظهر في الفريضة ، وثم من وسع دائرة الاستدلال لِتَعُمَّ جميع وجوه العمل ، صلاة ، لا على سبيل قضاء الواجب وإنما زيادة في النفل ، أو صوما ، ولو نفلا ، وقراءة ....... إلخ ، وذلك مبحث مبسوط في كتب الفقه ، وذلك ، من وجه آخر ، عموم خص بهذا النص ، فخرج الوالدان المشركان ، إذ ثم مانع من نفاذ الحكم في حقهما وهو الشرك ، فلا بد فِي أَيِّ حكمٍ من استيفاء لِشَرَائِطِهِ وَانْتِفَاءٍ لموانعه ، فقيد بالواو ، فهي مئنة من حالية تقيد ، على تَقْدِيرِ : وَلَوْ على حال كونهم أولي قربى ، فَعَمَّ باللفظ وإن نَزَلَ النص على سَبَبٍ بعينه وهو طلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاستغفار لأمه ، وجواب الشرط ، كما يقول بعض المعربين ، محذوف قد دل عليه ما تقدم ، على ما اطرد في لسان العرب من دلالة المتقدم على المتأخر ، فَتَقْدِيرُ الكلام : ولو كانوا أولي القربى فما كان لقرابتهم من المؤمنين أن يستغفروا لهم ، وثم قيد يحترز به إذ الجهل بالحكم مانع من الذم ، فلا ذم إلا بعد بلوغ الحجة ، فالكلام يفيد بالمفهوم أن لا مؤاخذة في استغفار قبل وُرُودِ النص وقبل بلوغه المخاطب ، وإن لم يَنْفَعِ القريب الكافر ، ولكن المؤمن لا يذم إذ فعل ما يعتقد أنه جائز ولم يقصر في طلب الحق ولم يُعْرِض عن تعلمه ، وأما بعد بلوغ الحجة فلا عذر ، فالنفي في الآية مئنة من النهي ، فهو خبر يُرَادُ به إنشاء النهي ، على تقدير : لا تستغفروا للمشركين ، ومن ثم جاء الإطناب بمثال آخر ، وهو استغفار الخليل عليه السلام لأبيه ، فـ : (مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) ، فذلك من القصر بأقوى الأساليب وهو آكد في تقرير المعنى ، والموعدة ، **در ميمي ، فَهُوَ مَئِنَّةٌ من الوعد ، وهو ما أجمل في هذا الموضع وَأُبِينَ عنه في سياق آخر ، فـ : (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) ، وثم جناس اشتقاق بين ال**در : "موعدة" ، والفعل : "وعدها" ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، آكد في تقرير المعنى ، وفعل العدة مما تعدى إلى مفعولين أحدهما مضمر متصل ، وآخر مضمر منفصل ، ومن ثم جاء الاستدراك بـ : "لَمَّا" وهي مئنة من التأقيت ، ***ا تَبَيَّنَ له ، واللام مئنة من التبليغ فقد بلغه البيان ، وهو علم زائد أوجب الانتقال من الحكم السابق إلى آخر لاحق نسخه ، أو رفعه إذ لم يكن مباحا بادي الرأي إباحة الشرع وإنما كان من قبيل إباحة العقل التي تستصحب حتى يرد الدليل الناقل ، فجاء البيان الناقل ، فـ : (لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) ، وقد أطنب فتأويل أَنَّ وما دخلت عليه من الجملة الاسمية **در على تقدير : ***ا تبينت له عدواته لله ، جل وعلا ، تبرأ منه ، فتلك الأسوة ا***نة في آي التحريم ، فـ : (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) .
ودلالة "من" : دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء غاية البراءة من المتبرَّئِ منه ، ومبنى "تَبَرَّأَ" ، كما يقول بعض المحققين ، مئنة من "تَفَعَّلَ" ، ففيه زيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى فهو مئنة من المبالغة في البراءة ففيه قدر زائد على الفعل "برئ" .
ومن ثم استأنف ثناءً على الخليل ، عليه السلام ، فـ : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) ، فأكد بالناسخ فضلا عن اسمية الجملة ، ودلالة اللام المزحلقة التي أُخِّرَت فِي اللفظ فدخلت على الخبر لئلا يجتمع مؤكدان صدرَ الكلام ، فذلك مما يُثْقِلُه بتكرار معيب إذ لكلا اللفظين نفس الوظيفة وإن اختلفا في المبنى ، وزد عليه المبالغة في "أواه" ، وهو مما يحتمل الاشتراك ، كما يقول بعض المحققين ، فهو مئنة من شفقة على النفس ، من وجه ، وشفقة على الناس ، من وجه آخر ، فيجمع الْمَوْرِدَيْنِ : *** الشفقة الأعلى ، فتحته أنواع اخص ، فشفقة على النفس تضرعا واستغفارا ، وشفقة على الناس دعاء لهم بالرحمة ، وبذا يحصل الكمال ، والشفقة على الناس مئنة من الحلم الذي لا يفضي إلى انتهاك حرمات الشرع ، فحسن من هذا الوجه ، والله أعلم ، أن يُرْدَفَ وصف الأواه بوصف الحليم ، وهو صفة مشبهة حدت حد المبالغة في اللفظ ، إذ "فعيل" من أقيسة المبالغة ، فلا يخلو ذلك من زيادة توكيد فضلا عن تلاؤم السياق أن أتبع مثال المبالغة لفظا ومعنى وهو الأواه بما يقاربه ولو في اللفظ أَنْ حُدَّا ، أيضا ، حد المبالغة .