![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟" ، فذلك من الاستفهام في مقام التبليغ الذي تَبْرَأُ به ذمة المبلِّغ فحسن تصديره بـ : "ألا" الاستفتاحية فَبِهَا يَسْتَرْعِي المخاطِب ذهن المخاطَب ، ***ا أجابوا بـ "نعم" ، جاء الإطناب ، فـ : "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" ، فكان الدعاء الأول دعاء الثناء باسم الله الأعظم وَزِيدَ فيه الميم فهي عوض النداء الذي يقدر بنداء البعيد وذلك مما يرشح معنى التعظيم ، فنداء البعيد في سياق الدعاء ينصرف بداهة إلى التعظيم فهو يَدْعُو مَنْ عَلَا بِالذَّات والوصف فليس كمثله شيء ، والأمر في قوله "اشهد" : ينصرف إلى طلب الدعاء ، فمادة الأمر مئنة من الطلب وهو مما تنقسم موارده في الخارج ، فإن كان من خطاب الأدنى للأعلى فهو مئنة من *** عَام وهو التعظيم ، وهو في نفسه يَنْقَسِمُ ، فمنه تعظيم العبادة والدعاء من أجناسها ، كما في هذا الموضع ، ومنه تعظيمٌ لِمَنْ يَعْلُو القائل درجة ، ولكنه لَيْسَ معبودا ، فخطاب الصاحب للرسول الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، خطابه له باسم الرسالة **درا بالنداء بـ : "يا" ، مئنة من تعظيم ولكنه ، بداهة ، لا يَرْقَى إلى العبادة ، فـ : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) ، فالرسل ، عليهم السلام ، بشر وإن وجب لهم من التعظيم ما وجب ، فـ : "لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ" ، فهو العبد العابد ، فَعُبُودِيَّتُهُ عبودية الانقياد مع ما اشترك فيه مع بقية البشر من عبودية الاضطرار ، *** يخرج عن هيئة البشر ، ولكن له ، من وجه آخر ، درجة اختص بها لا تخرجه عن بشريته وإن أوجبت له من المنزلة ما جعل خطابه يغاير خطاب العامة ، فـ : (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) ، وقد يكون النداء ، من وجه آخر ، من عظيم إلى من دونه ، ويكون المخاطَب عظيما وإن كان دون المتكلِّم ، فيكون ذلك من التنويه بشأن المخاطَب ، كما في نداء الرب ، جل وعلا ، لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم *** يواجهه بخطاب إلا **درا بـ : "يا" تَنْوِيهًا بشأنه وتعليما لأتباع الرسالة كيف يخاطبون صاحبها ، وكيف يَرْوُونَ عنه الخبر ، وكيف يعظمونه التعظيم الواجب ، وقد يكون الخطاب من عظيم من عظماء البشر لآخر دونه ، فَيُعَظِّمُ من دونه تواضعا ، وتنويها بشأن المخاطَب ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد احتفى بجمع من أصحابه ، فخصهم بفضائل ، وخاطبهم خطاب التعظيم وإن كانوا دونه في المنزلة ، فلا يبلغ أعظمهم ولاية أن يضاهي نبيا واحدا ، وإن جهل اسمه وخبره ، فنبي واحد خير من جميع الأولياء كما نص على ذلك من نص من المحققين ، فجعل الثَّنَاءَ على أصحابه رضي الله عنهم واجبا ، فلا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق في قلبه غِلٌّ ، فهو يروم القدح في الوحي والتهوين من قدره ، إما حجودا للرسالة ، وإما ازدراء لها بالتشكيك في نصوصها لا سيما السنة فهم أول حلقة في إسنادها ، فيطعن في النقل بالطعن في الناقل ليسوغ للعقل أن يتقدم الوحي ، فذلك ، لو تدبرت ، من طغيان النفس ، فهي تعجب بقياسها وذوقها وَتَتَأَوَّلُ لأجل ذلك من الشَّرْعِ ما تَتَأَوَّلُ ، وَلَوْ أفضى بِهَا الأمر أن تطعن فِي الخبر إن خالف ما ذَهَبَتْ إِلَيْهِ ، وأيسر السبل إلى ذلك الطعن في الناقل ، تصريحا أو تلميحا ، ولا يخلو ذلك ، عند التدبر والنظر ، من رد لمتواتر من النقل أبان عن فضل القوم وصدق رواياتهم فأوجب عدالتهم وإن لم يثبت لهم عصمة فهم بشر كسائر البشر يصيب ويخطئ ولهم هنات ، ولكن لهم من الفضائل العظمى ما يجبها ، ولهم من التوفيق ما ليس لغيرهم فسرعان ما يرجعون ، فما عظم القوم إلا أنهم الأصحاب الذين أجابوا ، فَنَهَضُوا بِتَبِعَةِ هذا الأمر ، فهم السابقون الأولون الذين حصل لهم من الابتلاء والتمحيص ما نَفَى الشَّائِبَةَ فَكَانُوا مع صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المنشط والمكره ، فذلك برهان الصدق *** تكن البيعة دعوى وإنما أقام القوم عَلَيْهَا من الْبَيِّنَةِ ما قطع بصحتها ، في حياته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد موته ، فحملوا الدين إلى العالمين ، وفتحوا الأ**ار بالسنان ، وفتحوا القلوب بالقرآن ، فكل أولئك ما أوجب الثناء عليهم ، ولو لم يكن ثَمَّ نص على فضيلتهم ، *** يكن لهم من الفضل إلا هذا ، لكفى به فضلا أثبته التاريخ وإن دس فيه من دس ، كذبا صراحا ، أو زيادة في خبر صادق ما ليس منه ، أو تعظيما لذنب حتى بلغ صاحبه به حد الجرم القادح في العدالة بل والناقض لأصل الديانة ! ، فمثله في ذلك كمثل قريش إذ طعنت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن قاتلت سَرِيَّتُهُ في آخر الشهر الحرام ، فـ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) ، فَأَثْنَى عليهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وجعل القدح فيهم محرما ، فعظم من قدرهم ، وهم دونه ، فهو ، بأبي هو وأمي ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير البرية كلهم ، فضلا أنه أثنى على غيره من الأنبياء ، عليهم السلام ، فـ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ" ، و : "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" ، وإن كان الضمير يحتمل الرجوع إلى القائل لا إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفي سياق آخر : "ما ينبغي لنبي أن يقول : أنا خير من يونس بن متى" ، فذلك ما يرشح رجوع الضمير في السياق الأول إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويرشح رجوع الضمير إلى القائل عموما ، كما يذكر بعض الفضلاء ، روايات من قبيل : "لا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن متى" ، و : "من قال : أنا خير من يونس بن متى فقد كذب" . فأثنى عليهم وهم دونه ، فذلك يجري مجرى التواضع من وجه ، ومجرى التعظيم لتلك الصفوة لئلا يجترئ مجترئ عليهم أن وقع منهم صغير أمر ، لهم فيه وجه تأويل ، فالعصمة في التبليغ لا توجب السلامة من الغفلة ، فلا يسلم منها بشر وإنما حمد القوم أن سارعوا فتذكروا فهم أهل البصيرة والنظر . وقد يكون النداء بـ : "يا" من وجه آخر مئنة التحفيز أن يتنبه الغافل ، وقد يكون مئنة من التحقير ، فيكون من نداء الأعلى للأدنى في موضع زراية ، كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، يجري مجرى الاشتراك في اللفظ فقد تعددت أغراضه ، فيجمعها البعد ، وهو *** أعم ، فمنه بعد المكان ، ومنه بعد المكانة ، وبعد المكانة ، من وجه آخر ، منه بعد التعظيم ، ومنه بعد التحقير ، ولا يخلو من معنى لطيف في البلاغة ، فقد ينزل القريب منزلة البعيد ، فينادى عليه بـ : "يا" إما تعظيما لشأنه ، أو عتابا له أن سها وانشغل ، أو تحقيرا لشأنه فهو قريب المكان دني المكانة ، أو تنبيها له إن غفل فهو حاضر الجسد غائب الفكر والنظر ، فجاء الدعاء من الأدنى إلى الأعلى بلفظ الأمر من جهة اللفظ ، والدعاء من جهة المعنى ، فـ : "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" . ثم جاء الأمر بصيغة أخرى تجري مجرى القياس المطرد في لسان العرب ، فـ : "لْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ" ، فدخول لام الأمر على المضارع مئنة من الأمر في لسان العرب كما قرر أهل الشأن من النحاة والأصوليين في حد الصيغ القياسية للأمر وإن كانت دلالة الأمر تحصل من ألفاظ أخرى كلفظ الكتابة والفرض وقد تستفاد من المعنى كوعد على الفعل ووعيد على الترك ..... إلخ ، فدلالات الأمر المعنوية أوسع من دلالاته اللفظية القياسية ، ودلالة الأمر ، في هذا الموضع ، دلالة الإيجاب ، ولا يخلو من دلالة الإرشاد والتنبيه ، وقد يحمل على الندب بالنظر في الأمر المبلَّغ ، فإن نقل المندوب دون نقل الواجب ، فَيُشْبِهُ ، من وجه ، بَيَانَ الشرع ، فبيان الواجب : واجب ، وبيان المندوب مندوب ، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب ، وقد ينظر في الأمر نظر العموم في ال*** ، ف*** الشريعة ملزم وإن كان من أنواعه وآحاده ما لا يجب ، فالنقل العام واجب ، سواء أكان لفرض أم لنفل ، لقرينة حفظ الشرع ، فمن تمام العدالة التي بها نالت هذه الأمة رتبة الشهادة ، من تمام عدالتها ألا تفرط في نقل شرعتها ، لا في جليل أو دقيق ، لا في أصل أو فرع ، لا في فرض أو نفل ، والفعل "ليبلِّغ" قد تعدى بالتضعيف ، فهو يتعدى إلى مفعول واحد حال التخفيف فتقول : بَلَغَ الأمرُ فلانا ، ويتعدى إلى مفعولين حال التضعيف ، فتقول : بَلَّغَ فلان فلانا الخبر ، فذكر في هذا السياق مفعولا واحدا وهو المبلَّغ ولم يذكر الآخر فأطلق البلاغ ، وذلك مئنة من استغراق جميع أمور الدين ، وإن ورد النص في سبب بِعَيْنِهِ فَالْعِبْرَةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما يقول أهل الشأن ، وثم طباق بين الشاهد والغائب ، فهو من طباق الإيجاب ، فضلا عن الجناس فِي الْوَزْنِ فَكِلَاهُمَا قد حُدَّ على جهة اسم الفاعل ، وإن كان الأول "الشاهد" مما اشتق من فعل متعد ، فتقول : شهد فلان الأمرَ ، والآخر "الغائب" مما اشتق من فعل لازم ، فتقول : غاب فلان عن الأمر فتعدى بواسطة "عن" ، وذلك مِمَّا يَزِيدُ فِي مَعْنَى المقابلة بَيْنَ الطرفين ، وقد استدل بهذا الأمر من استدل من أهل الأصول أن العلم بالمعنى شرط في بلوغ الحجة وحصول التكليف ، إما بِدَرَكِ العربية الَّتِي نَزَلَتْ بِهَا النصوص ، أو الترجمة عنها ، فمن لم يبلغه المعنى فما قامت عليه الحجة فإن الحجة ليست في اللفظ وحده فاللفظ إن لم يفهم معناه فليس إلا أصواتا مجردة فارغة الدلالة في معجم السامع الأعجمي ، وإن لم تكن كذلك في نفس الأمر فَلَهَا معان وضعت لها في معجم اللسان ، وإنما جهلها السامع أن لم يكن من أهل العربية ، فيكون تَعَلُّمُهَا مِنْ هذا الوجه من فُرُوضِ الكفاية على وجه تحصل به الغاية من فهم الشريعة وذلك أمر يتفاوت تبعا لتفاوت الناس في التكليف ، فليس كل أحد مكلفا أن يفقه العربية على وجه يجعله أهلا للاجتهاد في استنباط أحكام النوازل وما خفي من الدقائق ، وإنما يجزئ كل أحد منها ما يصح به دينه ويتم به فرضه ، والفرض يتفاوت بالنظر في أعيان المكلفين ، وإن كان واحدا بالنظر في عمومهم ، فلا يجب على كل أحد أن يفقه أحكام الجنايات ، وإنما يجب على من تصدى للفصل فيها أن يفقه من أحكامها وألفاظ أدلتها ووجوهها في اللسان ما يجعله أهلا أن يفتي فيها ، فمن لم يفقه العربية فلفظ النص دون معناه لا يقيم عليه حجة ، وإن وجب عليه ، من وجه آخر ، أن يسعى في درك الحق بدليله فإن توقف ذلك على تعلم قدر من العربية ، صار ذلك في حقه من فرض العين إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فإن لم يتم درك التوحيد ومعانيه ولوازمه ونواقضه إلا بتعلم قدر من العربية يفصح عن ذلك فتعلمه حتم لازم على كل أحد ، إن من أهل اللسان فقد صار كثير منهم في حكم الأعاجم ! ، أو من الأعاجم أصالة ، لا سيما إن كانوا من أهل الرسالات السماوية ، فعندهم من خبر الوحي آثار فهم أقرب إلى فهم معاني الرسالة الخاتمة من غيرهم ، وإن كان ذلك في حق الجميع واجبا ، ولكن دائرة العذر في حق من لم تبلغه رسالة ابتداء أوسع منها في حق من بلغته رسالة وإن وقع فيها من التبديل والتحريف شيء كثير ، فلا بد من فهم اللفظ ، فلا يجزئ نطقه دون فهمه ، فمن لم يفهمه فهو في منزلة من لم يبلغه فيدخل في عموم "الغائب" من هذا الوجه ، فدلالة : "أل" فيه ، وفي "الشاهد" مئنة من العموم المستغرق لآحاده ، وذلك مما يحسن تقييده ألا يكون معرضا ابتداء عن طلب الحق بدليله ، فهو ساع في دركه ، وإن لم يفقه العربية ، فإن اجتهد في البحث والتفتيش ولم يجد من يترجم له أو يعلمه العربية لينظر بنفسه فالعذر في حقه آكد وإن كان ذلك من النادر فلا حكم له في الجملة وإن كان معتبرا في العذر فذلك قد يُلْحِقُهُ من وجه بأهل الفترة ، وذلك ما يوجب من وجه آخر ، على أهل اللسان العربي ، أن يَتَعَلَّمَ بعضهم ألسنة الأمم الأخرى لِيُبَلِّغُوهُم رسالةَ ربهم ، جل وعلا ، فذلك ، أيضا ، مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب على حد الكفاية المجزئة في هذا الباب فلا يجب على جميع الأعيان بداهة أن يتعلموا لغات الأمم الأخرى ، ومن ثم خَتَمَ بالعلة على جهة العطف بالفاء ، فلا تخلو من دلالة سَبَبِيَّةٍ ، وإن لم تكن نصا فيها في هذا الموضع ، فهي إلى العطف والفور أقرب ، فتجري من وجه مجرى الوصل الإضافي بمعنًى يزيد ، وتجري من آخر مجرى الوصل السببي ، إذ لا تخلو فاء من معنى سببية ، كما يقول بعض الفضلاء من أهل الشأن ، فَـ : "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" ، فَقَدْ يزيد المبلَّغُ الغائب على المبلِّغ الشاهد ، قد يَزِيدُ عليه فقها فَيَنْتَفِعُ بالنص ما لا يَنْتَفِعُ به الناقل ، فالناقل يحمد إن أتقن اللفظ ، فـ : "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ" ، فذلك من الخبر الذي يُرَادُ به إنشاء الدعاء ، فجاءت النكرة في سياق الدعاء مئنة من العموم ، فهي تعم كل سامع لأي شيء من الوحي ، فذلك عموم آخر ، يستغرق جميع الألفاظ ، أخبارا أو أحكاما ، وقد قيد السماع بالضبط ، وإن لم يفقه من المعنى إلا قدرا يجوز له نقله على وجه يؤمن فيه الخطأ ، وقد حذف عائد الصلة في : "كما سمع" مئنة من الإيجاز ، وهو ، كما تقدم مرارا ، مما اطرد في اللسان ، فيحمد الناقل من هذا الوجه ولكنه قد لا ينتفع باللفظ ما ينتفع به الفقيه ، وذلك ، لو تدبرت ، هو مدار الاستدلال في الشرع الخاتم ، فلا بد من صحة الألفاظ نقلا وذلك عمل أهل الرواية ، ولا بد مع ذلك من صحة الاستدلال أن ينتفع باللفظ على ما اطرد في لسان العرب بالنظر في دلالته المعجمية المفردة وقرائن السياق المركب الذي يرد فيه اللفظ فقد يرشح السياق أو بساط الحال من المعاني ما لا يظهر بادي الرأي لا سيما في مواضع الإجمال باشتراك أو نحوه ، فيرشح السياق أحد معاني المشترك دون بقيتها ، وكل أولئك عمل أهل الدراية ، فالشريعة : رواية للألفاظ ودراية بمعانيها ، وقد يجمع الناظر الفضيلتين فيكون أهلا أن يروي ، وأهلا أن يفقه ويستنبط ، وقد يقتصر على إحداهما فيحمد في باب دون آخر ، وينتفع به في موضع دون آخر ، ولا يعيبه ذلك إذ قد جعل الله ، جل وعلا ، لكل شيء قدرا ، فالقلوب أوعية لا تتساوى في درك الحقائق ، حفظا وفهما وإنما تتفاوت ولا يكلف الله ، جل وعلا ، نفسا إلا وسعها ، وذلك أمر ظهر من لدن الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وإلى يوم الناس هذا فتفاوت الأصحاب ، رضي الله عنهم ، في الحمل عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمن مقل ومن مكثر ، وتفاوتوا في الفهم فهم في الفقه على درجات ، وفي الفتيا على أنحاء ومذاهب ، وقد صنف من صنف في عد مراتب المفتين من الصحابة ، رضي الله عنهم ، وترتيبهم في هذا الشأن إتقانا وإكثارا ، كما قد صنع أمثال ابن حزم ، رحمه الله ، ومن جاء بعدهم فهو مثلهم ، فَتَفَاوُتُ أهل العلم في الاجتهاد أمر يظهر ، وقد قسم أهل الأصول الاجتهاد ، فجعلوه على طبقات ، فمستقل ، ومنتسب ، ومجتهد مذهب يخرج ، ومجتهد ترجيح بين الأقوال ، وناقل للأرجح دون أن يملك ملكة الترجيح ، ومقلد ..... إلخ ، وصنف من صنف من فقهاء المذاهب في طبقات المذهب ، وتلك مراتب في العلم والإدراك لا يحيط بها علما إلا رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فتشبه ، من وجه ، مراتب الإيمان فالناس فيه على أنحاء لا يحصيها إلا من خلقهم وامتن عليهم أن قذف في روعهم الإيمان فتفاوتوا فيه إن في التصور والإرادة في الباطن ، أو في القول والعمل في الظاهر . والله أعلى وأعلم . ??????? ??????: من خبر : "فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ ...." || ??????: rss || ??????: اسم منتداك
|
![]() |
|
|