![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
من خبر : "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ ............."
مما شرعت الاستعاذة به ، الكلمات التامات ، فهي من وصف الرب الجليل القدير ، تبارك وتعالى ، فـ : "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ" ، والإضافة إلى الرب ، جل وعلا ، قد أبانت عن حقيقتها في الخارج ، فهي إضافة معنى إلى ذات ، فالكلمات لا قيام لها بنفسها ، ولا قيام لها بغير من تكلم بها ، فالصفة ، كما يقول بعض المحققين ، إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى هذا المحل وحده فتنسب إليه لا إلى غيره ، فكلمة الله ، جل وعلا ، الكونية ، وصف ذاته بالنظر في نوعها ، ووصف فعله بالنظر في آحادها المقترنة بالمشيئة النافذة ، الموجب لهذا الكون بما فيه من الأعيان والأفعال الحادثة فكل ما سوى الله ، جل وعلا ، فمخلوق محدث ، فهو الأول بالذات والوصف قبل خلق الكون ، وهو الأول الذي لا منتهى لِأَوَّلِيَّتِهِ ، فإضافة الكلمة إليه : إضافة صفة إلى موصوف على وجه يليق بذات الموصوف كمالا أو نقصا ، فنسبة الكلمة إليه ، تبارك وتعالى ، نسبة كمال لا يدركه العقل وإن أحاط بمعناه ، إذ ذلك من جملة الغيوب التي لا يستقل العقل بدركها إلا أن يهديه هاد من الوحي إلى سبيل النجاة في العقد والشرع ، في التصور والحكم ، ولن يكون ذلك إلا أن يؤخر العقل إلى المحل الثاني ، فيوضع في الموضع الذي يليق به ، فالوحي أول والعقل ثان ، وذلك مقتضى القياس الصريح مبتغى كل عاقل فاضل يروم السلامة في الأولى والآخرة ، فلا ينقص من قدره أن يخضع بقياسه وذوقه للنقل المعصوم ، بل إن العصمة تكفيه المؤنة في أمور كثيرة لن يُدْرِكَهَا وإن جهد فهي مما حجب عنه من الغيب الذي لا يعلم إلا من طريق السمع ، فضلا عن وجوه من الحكمة تخفى في الشعائر والشرائع لن يدركها باستحسان عقل أو وجدان ذوق ، فإن رام معدن العصمة في التصور فعليه بأخبار الرسالة ، وإن رام معدن العصمة في الحكم فعليه بشرائعها ، فهي مادة العدل الذي تستقيم به حال الجنان والأركان جميعا ، وهو الذي يعم كل حركات الحياة ، ويخط لها سبيل الاستقامة في الخاص والعام ، فالأمم لا يصلب عودها ولا تشتد آصرتها إلا برباط وثيق من الدين واللسان ، فهما أشد إحكاما من حدود الزمان والمكان فرابطة الوحي قد حققت معنى الأممية الجامعة التي استغرقت جميع أبنائها من لدن آدم عليه السلام وَإِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ ، جل وعلا ، الأرض ومن عليها ، فـ : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، فَتُأُوِّلَ اللفظ الجامد بمعنى اشتق من مادة الجمع ، فتقدير الكلام : وإن هذه أمتكم أمة مجتمعة ، فهي تجتمع على دين التوحيد ، وأصول التشريع من المعلومات الدينية الضرورية في الأحكام التكليفية ، فتحريم الشرك والقتل والزنا والخمر ..... إلخ ، كل أولئك مما أجمعت عليه الشرائع المنزلة ، وإن كان ثم خلاف فهو في الأحكام الجزئية ، فمعنى الأممية الأوسع لا يحصل إلا بانتهاج السبيل الأقوم ، وتلك ، عند التدبر والنظر ، أقوى الجوامع وأشدها إحكاما ، إذ هي الأصدق والأعدل ، وهي الأصح في مستمداتها ومخرجاتها ، فلها من الألفاظ ما حقق نقله ، ولها من المعاني ما صح فهمه ، فهي أمة واحدة وصفها الاجتماع على الحق ، فاجتماع الأبدان دون أن تَأْتَلِفَ الأديان على كلمة سواء لا يغني شيئا ، فلا يحصل الاعتصام بسبب وثيق يعصم القلوب أن تتنافر ، والأبدان أن تتقاتل ، إلا أن يكون ذلك : كلمة التوحيد ، وتأويلها : الانقياد التام ، وقرينها في اللفظ ولازمها في المعنى : الاتباع التام للوحي ولا يكون ذلك إلا باتباع الرسول البشري بتصديق ما أخبر ، وامتثال ما أمر ، واجتناب ما نهى عنه وزجر ، فذلك مقتضى الشهادتين ، فبينهما من التلازم ما لا يخفى ، فـ : لا إله إلا الله ، توحيد في القصد والطلب ، فلا إله يعبد بما بطن من العقائد والإرادات ، وما ظهر من الأقوال والأفعال ، والشرائع والسياسات ، والأخلاق والرياضات ، لا إله إلا المعبود بحق لكمال ذاته وصفاته وأفعاله ، فكماله الذاتي الذي لا يعلل إذ لا سبب له من خارج ، بل كل سبب كمال منه يصدر صدور المخلوق المحدَث من الخالق المحدِث ، تَبَارَكَ وتعالى ، بكلمة تكوين نافذة ، فـ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ذلك الكمال هو سبب استحقاقه للعبادة والتأله ، ولأجله خلق الكون ، لتظهر آثار كماله جلالا وجمالا ، فيعبده الجن والإنس جميعا ، فلو لم يصلهم شيء من إحسانه لاستحق العبادة لكماله ، فكيف ونعمه على الخلق تترى ، مؤمنهم وكافرهم ، فلا يجحدها إلا كافر ، ولا يطيق أن يحصيها عقل ، فذلك مما تفنى الأعمار دونه ، وإنما تصح الصورة العلمية الخبرية في القلب بالنظر في الآيات الشرعية التي أبانت عن الحقيقة الإلهية الكاملة وأسمائها ا***نى وصفاتها العلى وأفعالها الجارية على سنن القدرة جلالا والحكمة جمالا ، والنظر في الآيات الكونية فبها يدرك العقل أدلة الربوبية اختراعا وعناية ، إيجادا وإعدادا وإمدادا ، فكل أولئك من وجوه الاعتبار الصحيح ، وبه أمر الكتاب العزيز ، فـ : (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ، وعلى الغافل عنه أنكر : (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) ، على تقدير محذوف يناسب السياق : أغفلوا أو عطلوا ما امتن به جل وعلا عليهم من آلات البصر والبصيرة *** ينظروا ويتفكروا في أنفسهم وفي آيات الكون ، ومن أعظمها ، خلق السماوات والأرض ، فإذا تفكروا وتدبروا ، وحدوا الرب ، جل وعلا ، بأفعالهم الباطنة والظاهرة ، وحصل لهم من استقامة الحال وحسن العاقبة ما يرغب فيه أصحاب العقول الكاملة ، وبذلك أُمِرَ عليه الصلاة والسلام أن يدعو المخالف ، فـ : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، ولا يكون ذلك إلا بالشطر الثاني : محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك توحيد التشريع إذ لا تكون عبادة إلا بمنهاج ، فـ : (لَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، فذلك توحيد الانقياد والتسليم ، و : (لْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) ، والصالح ، كما أثر عن الفضيل رحمه الله ، هو الأخلص والأصوب ، فاجتمع فيه صحة القصد وصحة النهج جميعا ، فصحة القصد بإخلاص التوحيد الباطن والظاهر لرب العبيد ، تبارك وتعالى ، فيوحد في العقد تصديقا ويوحد في الشرع امتثالا فيحصل العدل الذي لا تدوم الدول إلا به ، فَإِنَّ قيمة العدل المطلقة سبب في حفظ الملك فكيف إذا انضم إليها الشرع ، فاجتمع لها رسم السياسة في التصرف العاجل فيما يجد من نوازل في السلم والحرب ، ورسم التعبد في الغاية ، فما أراد السائس بها إلا رضى ربه ، جل وعلا ، وتلك أعظم صور الملك وأكملها ، فالعدل مما أجمع على حسنه العقلاء ، وإن اختلفوا في حده كسائر القيم المطلقة في الذهن فإنها حال التقييد في الخارج تفتقر إلى معيار محكم تُرَدُّ إليه العقول إن اختلفت في حدها ، فالعقول تختلف في الأحكام المقيدة في الخارج ، وإن تساوت في الحكم با***ن أو القبح بالنظر في القيم المطلقة في الذهن ، فلها قوة لا تُنْكَرُ في درك المعاني ولكنها تختلف أيما اختلاف في درك الحقائق في الخارج ، فثم من يرى العدل : التسوية مطلقا ! ، وذلك إن تدبرته وجدته عين الظلم وعين السفه إذ الحكمة تقضي ألا يُسَوَّى بَيْنَ مختلفين ، فمن سوى بين الأعيان جميعا وزعم أن ذلك مقتضى العدل فقد وقع في ضده من الظلم العظيم ، إن في العقد ، فـ : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، فهو يقضي بالتسوية بين الرب الخالق الكامل المستحق لجميع وجوه التأله الباطن والظاهر لكمال وصفه وفعله وعظم فضله وسبوغ نعمته وما شئت من عبارة لا تطيق حدا لآلائه الدينية والدنيوية ، فذلك الشرك يقضي بالتسوية بَيْنَهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وبين المعبودات الباطلة فهي مخلوقة محدثة فكيف تسوى بالخالق الأول تبارك وتعالى ، فذلك ، كما تقدم ، أعظم الظلم ، فـ : (الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ، فإذا عدل بالكامل ناقص كان الجور والظلم في التوحيد ، ولذلك وجب في تقدير الشهادة : لا إله إلا الله ، قيد : "حق" في أمر العبادة ، فـ : لا معبود بحق إلا الله ، إذ ثم معبودات كثيرة ، وكلها باطلة عاطلة ، إذ ليس لها من كمال الذات والاسم والوصف ما للرب ، جل وعلا ، فقياس العقل ، كما تقدم مرارا ، التفريق بين الكامل والناقص ، فَلَوْ قُدِّرَ الكلام بـ : "معبود" فقط ، لصح كلام أهل الوحدة والاتحاد ، فكانت المعبودات كلها حقا إذ العين واحدة ، وتلك وحدة الأديان التي ليست إلا نتيجة من وحدة الأعيان ، وذلك ما فسرت به : لا إله إلا الله ، في غلو أشد في هذا المقال ، فقال من قال إن تأويلها : لا موجود إلا الله ، فجعل الوجود جميعا هو عين موجده ، جل وعلا ، ما علا وما سفل ، ما طهر وما نجس ، وذلك مقال الاتحادية الغلاة ممن جهروا بالاتحاد العام والتزموه في الأعيان والأديان ، فصححوا أديان الوثنية ، ولم ينكروا أي مذهب محدث فجميعهم على خير ! إذ أرادوا توحيد الإله كل على هواه ! ، فاستوى المسلم والمشرك ! ، ولعل ذلك ما يفسر رضى خصوم الرسالة عن هذا القول ، فهو قول يحتفى به في هذه الأعصار ، في المشرق والمغرب ، وهو أثر من آثار الفلسفة لما مزجها من مزجها من المتأخرين برسوم أهل الطريق وجعلوا الوصول إلى الم**** والفناء في ذاته غاية النفس ! ، فإذا بلغ الغاية لم تلزمه عقيدة ولا شريعة ، فإذا انتحل الإنسان هذا القول حلت عرى الولاء والبراء في قلبه وما يكون منها من حب وبغض هو ، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، أوثق عرى الإيمان ، فانحلت بَقِيَّةُ الْعُرَى من باب أولى ، وأدنى ما يحصل من هذا القول الباطل لمن نظر فيه أنه حرية دينية مطلقة فتلك ، كما يتشدق القوم ، الليبرالية الدينية المعاصرة التي تَنْزِعُ فتيل التعصب الدوجماتي الذي يزعم احتكار الحقيقة وحده ولو كان مؤيدا بالوحي المنزل فيسوى هو وعابد الوثن فكلاهما على خير ! ، فعلام تنكر على المخالف ، وكلاكما يستمد الضوء من نفس المشكاة وإن اختلف الاتجاه بل وتعاكس بل وتناقض ؟! . وإكراه المخالف أن ينتحل الحق شيء ، فـ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ، والرضى عن انتحاله الباطل شيء آخر ! ، فـ : (نْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ، و : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) ، فأدنى ما يحصل منه أن تبرد حرارة الإيمان في القلب ، فيحصل الظلم العظيم بالتسوية في العقد بين المعبود بحق والمعبودات الباطلة . فضلا أن يزيد الناظر فيقع في اتحاد الأعيان فيسوي بينها جميعا فذلك مما يفسد العقيدة ويبطل الشريعة ، فتصير الأعيان جميعا مباحة ، ولذلك فشت الإباحية في بعض متأخري أهل الطريق لما نهجوا منهاج الاتحاد الخبيث ، وعدوا ذلك من الكرامات إذ سقط التكليف عمن وصل إلى رب البريات ، جل وعلا ، ويحصل الظلم ، أيضا ، بالتسوية بين الشريعة النازلة ، والشرائع المحدثة ، فـ : (مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، فذلك استفهام قد ضمن معنى النفي ، وذلك ، أيضا ، من وجوه الاعتبار الصريح إذ يقضي بالتفريق بين أعظم مختلفين : الخالق الإله المعبود بحق ، تبارك وتعالى ، فشرعه الكامل إذ يصدر من غني لا يفتقر إلى سبب ولا يحتاج إلى شيء ليميل إليه القلب حال سن القوانين والأحكام كما يظهر من أصحاب الشرائع المحدثة فلكل هوى في قانون يستحسنه فيسنه ، ثم يستقبحه بعد ذلك فينقضه ، فيضع ما يحفظ **الحه ، كما نرى في هذه الأعصار من حكام الجور إذ يسنون من الكلمات القانونية الباطلة ما يرسخ أركان ملكهم الجائر فيعارضون النقل والعقل جميعا وما ذلك إلا لضعف وَفَقْرٍ فيهم ظاهر فضلا عن الخوف الزائد وإن أظهروا الجلد والشدة وبطشوا بيد ظاهرها القدرة وباطنها العجز ، فكلما أمعن الظالم في ظلمه كان ذلك مئنة من تعاظم فقره يوما بعد آخر إلى أن يأذن الرب ، جل وعلا ، في زوال ملكه ، والدول ، لو تدبر العقلاء ، لا بقاء لها إلا بالعدل ، وأعظم صوره ، كما تقدم ، ما يكون مستمده في الكليات والجزئيات : شريعة رب البريات تبارك وتعالى . فالإنكار والنفي الذي ضمنه الاستفهام يقضي ، كما تقدم ، بالتفريق بين أعظم متباينين ، شرع الخالق ، جل وعلا ، الكامل ، وشرع المخلوق الناقص ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، فرع على كمال الخالق ، جل وعلا ، الكمال المطلق ، في مقابل نقص المخلوق ، فهو ، أيضا ، مطلق ، وكلاهما ذاتي لا يعلل . والمضارعة في الخبر : "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ" ، مئنة من الديمومة والاستمرار ، فلا ينفك العبد في كل أحواله الزمانية والمكانية يفتقر إلى رب البرية ، جل وعلا ، أن يعيذه مما يخاف من وساوس الشياطين وتربص أوليائهم من البشر ، و : "أعوذ" : مادة تجري في الشر ، فالاستعاذة تكون منه ، ويجناسها في اللفظ ، وإن ضادها في المعنى مادة : "ألوذ" ، فهي تكون في الخير ، فأعوذ من الشر وألوذ في الخير ، ولا يخلو كلاهما من معنى الاعتصام والالتجاء إلى رب الأرض والسماء ، تبارك وتعالى ، والباء مئنة من الإلصاق أو الآلة ، على ما في اللفظ من تجوز ، وقد يقال إِنَّهَا تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الاستعانة ، فاستعان العائذ بكلمات الله أن ينجيه من الشر ، ودلالة الإضافة : "بِكَلِمَاتِ اللهِ" ، من وجه آخر ، مما يؤيد معنى الكثرة ، وإن كان الجمع بالألف والتاء من جموع القلة ، فثم قرينة من النقل تؤيد معنى الكثرة فكلمات ربنا ، جل وعلا ، ليس لها حصر ، فـ : (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) ، و : (لَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فهو ، تبارك وتعالى ، (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، وكل شأن يكون بكلمة تَكْوِينٍ ، فَبِهَا تكون الأحداث في هذا العالم ، إحياء وإماتة ، إعطاء ومنعا ..... إلخ من الأضداد التي تدل يَقِينًا على معنى الربوبية التكوينية ، وثم قرينة من اللسان وهي الإضافة فهي تمحض الجمع لمعنى الكثرة وإن كان وضعه في اللسان لمعنى القلة ، وقد وصفت بالتامات ، فذلك كمال في الوصف لكمالٍ في الموصوف ، وهو كمال مطلق إذ الموصوف هو أعظم موجود ، الرب المعبود ، تبارك وتعالى ، وشرف الوصف من شرف الموصوف ، فالكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ، كما قرر أهل الشأن ، ودلالة : "من" : دلالة ابتداء غاية الاستعاذة من شر المخلوق وهي ، من وجه آخر ، دلالة بيان ل*** المستعاذ منه ، وهو الشر الذي لا ينسب إلى الرب ، جل وعلا ، إلا على جهة الخلق فهو خالقه فلا شر في فعله الصانع ، وإنما الشر في المفعول ال**نوع ، وهو ، مع ذلك ليس شرا محضا ، بل به يحصل من الخير ما يعظم شره فتظهر آلاء من قدرة ربنا ، جل وعلا ، وحكمته ، ويحصل من سنن التدافع بين الخير والشر ما ترجح **لحته مفسدتَه ، فالشر ليس إلى الله ، جل وعلا ، وصفا ، وإن كان له خلقا بكلمات التكوين النافذة ، وقد حد الشر ، من وجه آخر ، على جهة العموم ، فـ : "ما" الموصولة في : "شَرِّ مَا خَلَقَ" : نص في العموم ، وهي من المعارف كما قرر أهل الشأن ، والإضافة إلى المعرفة تفيد النكرة تعريفا في اللفظ ، وَتَوْضِيحًا وَتَعْمِيمًا في المعنى ، فيعم كل شر ، ما كان كليا فهو شر لذاته كإبليس والشياطين ، أو جزئيا فهو شر لغيره ، كلباس مباح فيه من الخير ستر العورة ، وفيه من الشر الكبر والخيلاء ، فيستعيذ الإنسان من شره ، فـ : "أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ، وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ" ، فثم مقابلة بين الشطرين ، وطباق إيجاب بين الألفاظ ، وذلك مما اسْتَغْرَقَ وجوه النصح جميعا ، طَلَبًا وَدَفْعًا ، فتحصل به السلامة التامة ، وثم إيجاز بحذف العائد ، فَتَقْدِيرُ الكلام : من شر ما خلقه ، وذلك مما اطرد في لسان العرب وَلَهُ شواهد كثيرة في التَّنْزِيلِ والسنة ، كما في قوله تعالى : (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) ، فتقدير الكلام : بعثه الله ، وذلك نص عام ، قد ورد بَيَانُه بذكر بعض آحاده في مواضع أخرى ، فـ : "أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" ، فذلك شر بعينه لا يخص به عموم النص السابق ، إذ يجري مجرى التمثيل للعام بذكر بعض آحاده فلا يخص بذلك ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، ومثله سيد الاستغفار وفيه : "أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ" ، فذلك من خلق الله ، جل وعلا ، ومن فعل العبد ، فالجهة منفكة ، وقل مثله في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ يَطْرُقُ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَانُ" ، فاستعاذ بالكلمات الكونيات التامات من جملة من المكروهات . والاستعاذة ، من وجه آخر ، مادة تنقسم في الخارج ، فمنها : المحظور وهو الاستعاذة بالمخلوق ، فلا يستعاذ إلا بالخالق ، جل وعلا ، إذ هو ، وحده ، تبارك وتعالى ، القادر أن يدفع الضر ويجلب النفع ويكشف السوء ، فـ : (أَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) . ومنها المشروع ، وهو الاستعاذة بالخالق ، جل وعلا ، فـ : "أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" ، والاستعاذة بوصفه كالكلام ، فهو من وصفه ، كما تقدم ، والرضا والمعافاة فهي من أوصاف الجمال ، فـ : "اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ" ، فاستعاذ بصفات الجمال رغبا من صفات الجلال رهبا . وكذلك صفات الجلال فقد استعاذ بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في دعاء : "أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" ، وفي رواية : "أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ" ، والقدرة والعزة من صفات الجلال ، وهو أمر شرع أيضا في التوسل ، فأول أنواع التوسل المشروع : التوسل بأسماء الله ، جل وعلا ، ا***نى وصفاته العلى ، وذلك خلافا لدعاء الصفة نفسها فهذا أمر لا يجوز ، فلا يقال : يا رحمة الله أنقذيني أو نحوه ، إذ يوهم أنها تستقل بذاتها فتكون ذاتا قديمة قدم الرب ، جل وعلا ، والصحيح أنها قديمة قدم الذات القدسية ولكنها لا تقوم بنفسها فليست ذاتا تضاهي ذات الرب ، جل وعلا ، وليست أقنوما يستقل بذاته قد تجسد فيه وصف الحياة أو العلم ، كما يزعم النصارى ، ولكنها وصف لا يقوم إلا بموصوف وإن صح تجريده وإطلاقه في الذهن فلا وجود له في الخارج إلا مقيدا بذات يقوم بها قيام الوصف بموصوفه . والله أعلى وأعلم . ??????? ??????: من خبر : "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ ............." || ??????: rss || ??????: اسم منتداك
|
|
|