![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
مفهوم الغيبة وحكمها. لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الغيبةُ مائِدَةُ طعام الكلاب وإدامُ الفُساق : كما ترَوْن في الأعمّ الأغلب بعيدون عن الكبائر من قَتْلٍ، أو شُرْب خمرٍ، أو زِنى، لكِنّهم يقعون في موبِقاتٍ كلاميَّة كثيرة تحْجُبُهم عن الله عز وجل، فالمَعْصِيَة تحْجُب عن الله تعالى صغيرةً كانت أو كبيرة، ولا تنْسَوا أنَّ الإصْرار على المَعْصِيَة الصغيرة يجْعلها كبيرة، والسلف الصالح كما ذكرْت في الخُطبة أنَّ العبادة ليس في أداء الصلوات فَحَسْب وصِيام رمضان، ولكنَّ العبادة الحَقَّة في ضَبْط اللِّسان وضَبْطُهُ يحْتاجُ إلى إرادةٍ قَوِيَّة. فالإنسان يسْترْسِل في الحديث عن عُيوب الناس ونقائِصِهِم، وفضائِحِهم، ومساوِئِهم، وفي هذا الحديث كما قال العلماء مُتْعَةٌ اجتماعية، لذلك قالوا: الغيبةُ مائِدَةُ طعام الكلاب، وإدامُ الفُساق، ومن أعْمال أهْل الفُجور. البهتان و الغيبة : على كُلٍّ نحن في تفاصيل دقيقة عن الغيبة، وينبغي للمؤمن أن يقف مَوْقِفَ دقيقاً: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ)) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] البهتــــان: أن تقول على أخيك شيئاً ليس فيه، أما الغيبة فأن تقول عنه شيئاً هو فيه، هذا تعريف الغيبة من قِبَلِ النبي عليه الصلاة والسلام، طبْعاً ذِكْرُكَ أخاك بما يكْره سواءٌ أكانت هذه الغيبة في بدنِهِ، أو دينه، أو دُنياه، أو نفسه، أو خُلُقِه، أو ماله، أو ولده، أو زَوْجته ووالده، أو ثَوْبِهِ، أو مِشْيَتِهِ، أو حَرَكَتِهِ، أو عَبوسِهِ وطلاقتهِ، أو غير ذلك مما يتعلَّقُ به، كُلُّ هذه الموضوعات مُتَعَلِّقَة بالغيبة. شيءٌ آخر: سواءٌ ذَكَرْتَهُ بِلِسانك، أو كَتَبْتَهُ بِيَدِك، أو رَمَزْتَ إليه، أو أشَرْتَ إليه بِعَيْنِك، أو يَدِك، أو رأسِك، أو نحو ذلك؛ تلْميحاً كان أو تصْريحاً فَكُلُّ هذا من الغيبة. ففي البَدَن كأن تقول: فلان أعْرج، وهذا أعْمَش، وذاك قصير، وفلان طويل، والآخر شديد السمْرة؛ هذه غيبة البَدَن، وفي الدِّين كأن تقول: فاسق، وسارق، وكاذب، وظالم، ومُتهاوِن بالصلوات، ليس باراً بوالِدَيْه؛ هذه في الدِّين، وفي الدنيا كأن تقول: هذا قليل الأدب وكثير الأكل والنوم، وينام في غير وَقْتِه، وفي والده كأن تقول: والدُه زِنْجي، أو تحْتقِرُ والده بالصَّنْعة، وفي الخُلق كأن تقول: مُتَكَبِّر ومُرائي وجبار..إلخ، وفي الثوب وسِخُ الثَّوْب وطويل الكمّ. الغيبة من أوْسع المعاصي التي يقْترِفُها الناس : أيها الأخوة، الغيبة من أوْسع المعاصي التي يقْترِفُها الناس وهم لا يشْعرون في مجالسِهِم، وسفَرِهِم، ولِقاءاتِهِم، وولائِمِهِم، وأعْراسِهِم، وفي أحْزانِهِم، فمادام هذا اللِّسان ينْهَشُ أعْراض الناس فَهُو واقِعٌ بِغيبَةٍ كبيرة، والغيبة كما تعْلمون من الكبائِر. ((عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ)) [الترمذي عَنْ أَبِي حذيفة ] فهي قصيرة وكُلُّ من يراهاَ يراها قصيرة فماذا فعَلْتَ أنت؟! قال ا***ن: "ذِكْرُ الغير ثلاثة: الغيبة والبهتان والإفْك، وكُلٌّ في كتاب الله عز وجل، فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفْك أن تقول ما بلَغَكَ عنه". فإن نَقَلْتَ ما بلغَكَ عنه فهذا إفْكٌ، وحديث الإفْك معْروفٌ لَدَيْكم حينما قالوا عن السيِّدَة عائِشَة ما قالوا؛ فإنْ نَقَلْتَ ما ذُكِرَ لك فهذا إفْكٌ، وإنْ نقلْتَ ما في الإنسان فهذه غيبة، وإنْ نقلْتَ ما ليس فيه فهذا بُهْتان؛ ذِكْرُ الغير ثلاثة: "الغيبة والبهتان والإفْك، وكُلٌّ في كتاب الله عز وجل، فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفْك أن تقول ما بلَغَكَ عنه"، وذكر ابن سيرين رجُلاً فقال: ذاك الرجُل الأسْود، ثمَّ قال: أسْتغْفر الله إنَّي أراني قد اغْتَبْتُه، وذكر ابن سيرين إبراهيم بن أدْهم فوَضَعَ يَدَهُ على عَيْنِهِ ولم يقُل أعْوَر، بل أشار وخاف أنْ يقول أعْور! فَكُلما اشْتَدَّ خَوْفُك من الله كلما كنت وقافاً في الأمْر والنَّهْي، وكان لك مكانٌ عند الله كبير، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴾ سورة القمر: 54 من ضبط لسانه و اشتغل بذكر الله كان ذِكْر الله شِفاء له ولِمَن حَوْلَهُ : إذا ضَبَطَ لِسانه، و اشْتغل بِذِكْر الله عز وجل والدَّعْوة إلى الله، وذِكْر ما في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله من فضائِل، وما عند الصحابة من الكرامات، كان ذِكْر الله شِفاءُ له ولِمَن حَوْلَهُ، أما إذا اشْتَغَل بِذِكْر الناس فَذِكْر الناس داءٌ له ولِمَن حَوْلَهُ، وهو قَوْلُ سيِّدنا عمر: "ذكر الله شفاء وذكر الناس داء"، كُلُّ إنسانٍ لا بد له من لِقاءات شِئْت أم أبَيْتَ، أحْبَبْت أم كرِهْتَ، أعْجَبَكَ أم لم يُعْجِبْك، فأنت مُضْطرّ أن تلْتقي مع أصْدِقائِك، ومع جيرانك، وإخْوانك، وزُملائِك، وأقْرِبائِك في وليمَةٍ، أو سَهْرَةٍ، أو لِقاءٍ، أو تهْنِئَةٍ، أو نُزْهَةٍ، أو تعْزِيَةٍ، وفي حَفْلَةٍ، أو عقْد قِران؛ فاللِّقاء حَتْمي، فَقَبْلَ أنْ تدْخُل قُلْ في نَفْسك: ماذا أقول؟! لا تدْخل وأنت خالي الذِّهْن، هيئ في نفْسِكَ آيةً أو حديثاً أو قِصَّةً أو شيئاً عن أصْحاب رسول الله، المُهِمّ شيءٌ يُقَرِّبُهم إلى الله، واذْكُرْهُ بِلُطْفٍ وأدَبٍ وحِكْمَةٍ وتسامُحٍ فإن رأيْتَ الوُجوهَ قد أشْرَقَتْ وتألَّقَتْ فهذا هو قَوْلُ سيِّدِنا عمر: "ذكر الله شفاء وذكر الناس داء". أيها الأخوة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لا يغْتابَنَّ أحدكم أحداً فإني قلتُ لامْرأةٍ وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: إنَّ هذه لَطَويلَةُ الَّذيْل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: اِلْفظي الْفظي فلَفَظْتُ مضْغة لَحْمٍ"؛ أيْ كأنَّها أكلَتْ لحْمَ أُخْتِها ميِّتَةً، كما قال في وَقْتٍ آخر:" تَخَلَّل فقال: وممَّ أتَخَلَّل يا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولم آكل اللَّحْم؟! فقال: لقد أكلتَ لحْمَ أخيك"، تَخَلَّلْ. الغيبة لا تقْتَصِرُ على اللِّسان فقط : أنَّ الغيبة لا تقْتَصِرُ على اللِّسان، فالذِّكْر باللِّسانِ مُحَرَّم، ولكن هناك التَّعْريض، وهناك التَّصْريح، وهناك القَوْل، وهناك الإشارة، فإذا أشار الواحد على الآخر بأنَّهُ بخيل؛ أحياناً بِشَفَتَيْهِ، وأحْياناً يحَرِّكُ رأسَهُ، وأحْياناً يرْفعُ عَيْنَيْه، كُلُّ هذا عند الله غيبة، كلامٌ، وإشارةٌ، وتصْريحٌ، وقَوْلٌ، وغَمْزٌ، وتحْريك شَفَتَيْن، وعَيْنين، ورأس؛ هذا كُلُّهُ يدْخُلُ تحت الغيبة، فإذا أردْتُم مجْتمعاً مُتماسِكاً كالبُنْيانِ المرْصوص، وكالجَسَدِ الواحد ابتعدوا عن الغيبة، فالغيبة هي التي تُمَزِّقُ وِحْدَةَ هذا الجَسَد، وإذا أردتم مُجْتمعاً مُتباغِضاً تسود فيه العداوة وا***َدُ والأحْقاد، فالسَّبَب هو الغيبة، ذَكَرْتُ مَرَّةً أنَّ أُناساً طيِّبين كانوا يلْتقون كلَّ ثلاثاءٍ مثلاً؛ هذا اللِّقاء دامَ سبْعة عشرَ عاماً، فسَأَل بعْضُهم بعْضاً ما سِرُّ هذا التوْفيق والاسْتِمْرار وتِلك الدَّيْمومة؟? فقال أحدهم: لأنَّ هذه المجالس خالِيَةٌ من الغيبة، ولو كان فيها غيبة لانْقَطَعَتْ منذُ أمَدٍ طويل. السيِّدَة عائِشَةُ رضي الله عنها قالتْ: "دخَلَتْ عليْنا امْرأةٌ ***ا ولَّتْ أوْمَأْتُ بِيَدي إنَّها قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: اِغْتبْتيها". قال: ومن ذلك المحاكاة أو التَّمْثيل كأن يمْشِيَ الإنْسانُ مُتعارِجاً، يتصَنَّعُ العَرَج كي يبْدُوَ مُتعارِجاً، أو كما يمْشي أو يضْحك أو يجْلس أو يتَحَرَّك، فإذا قَلَّدْتَ إنْساناً من أجل أنْ يضْحك الناس عليه فهذه من أشَدِّ أنواع الغيبة، وهناك غيبة بالكتابة، والرَّسْم، هناك رُسوم تبْعَثُ على الضَّحِك وأحْياناً هناك كتابات؛ قالوا: القلمُ أحدُ اللِّسانَيْن. يتبــــــــــــــع... |
![]() |
|
|