" وحدة الحكماء المتألهين.." - مواضيع منقولة من مواقع اخرى

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-07-2015, 07:27 PM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي " وحدة الحكماء المتألهين.."

" وحدة الحكماء المتألهين.."
وحدة الحكماء المتألِّهين
وتعطيل الضدِّ بين المعلمين


ويستمرُّ الصراع في العالم الضدي بين ثنائيات الأضداد إلى أن يصل الإنسان بعد تطوره عبر ملايين السنين لوحدة ربِّ الأرباب، تلك الوحدة التي يظن البعض أنهم قد وصلوا إليها بمجرَّد العلم الظاهري بها أو التعبير اللفظي عنها، متجاهلين حقيقة لن تعرفه حتى تدركه، أي لن تصل إلى توحيده حتى تدرك بالحقيقة وتعيش بالحقيقة، ذلك التوحيد، فكيف نستطيع التمييز بين المعلمين؟ وكيف لنا الوصول إلى وحدة الحكماء المتألِّهين؟

قد يقف البعض عند الكلمة وتحجبه عن الوصول لأنَّه لا يخترق القالب الحرفي ليصل إلى المعنى الدقيق، وأكبر حجاب يكون لديه في هذه المواقف هو رغبته الشخصية في الدفاع الكلامي أو الفكري، أو العقائدي عن رب البَرِية، أو عن مقامها السامي المنزَّه في الألوهية، ولذلك قد يزعجه مقولة الحكماء المتألِّهين، وهذا الانزعاج أكبر دليل على عدم وصوله إلى القداسة الحقَّة، وعدم معرفته توحيد الحقيقة بين الوجود والتنزيه، وبالتَّالي تطرُّفه إلى أحد الطرفين قد جعله ينزعج من مجرَّد هذا اللفظ، أما بالحقيقة فإننا نعلم أنَّ الألوهية تجاوزية ولا نهائية تخترق الزمان والمكان وتخترق كل إنسان، ومَنْ وصل لملامسة أعتاب أبواب مقامها السامي الشريف فإنَّه سيحسُّ بخلقه الكثيف ولبسه حلة اللَّطيف، والذي عبره وعبر حواسه اللطيفة التجاوزية، سيحس بمعنى الأحدية بداخله هو نفسه، لأنَّه قد استخدم جهازه الخاص ليتحسس القداسة والألوهية «وهل يدرك الكثيف اللطيف إلا بمادة من اللطافة».





ولذلك سيتقبل مقولة وحدة الحكماء المُتألِّهين كواحد معه في الله، حيث إنَّه تجاوز محدودية رؤياه وعاش جمال كماله الخاص في رؤيا المقام الأحدي للوجود خلف كل موجود، وهذا مقام كبير سيصل إليه كل إنسان ليعبر خيرَ تعبير ـ ومن داخله ـ عن أحدية الوجود بتوحيد رب كل موجود، ومع ذلك وبالرغم من وصول العبد إلى هذا التوحيد العالي في مقام كمال الجمال، فإنَّ أترابه سيلحقون الأذية به، غيرة منهم على أربابهم، معتقدين أنَّ مقام الألوهية السامي الشريف قد انتهك بكلام ذلك المتحقق عندما قال:
«أنت أنا، وحقيقتك هي عين باطني». أو عندما قال ذلك الصوفي المتحقق «أنا الله»، و«ما في البُرْدَةِ غير الله».
فاتُّهم أولئك الواصلون بالزندقة والكفر، ومن قِبَل مَنْ؟ من قبل الزنادقة والكَفَرَة أنفسهم المحجوبين عن الحقيقة والبعيدين عن تقديس الألوهية العميقة وغير المستحقين لسبر أغوار الأسرار الغميقة، متناسين قول العامية «الحجر الذي لا يعجبك يفجُّك».
أي إنَّ عدم مقدرة هذا الجاهل على تجاوز السطح الظاهري للحياة، متقوقعاً عند دائرة الأنا الأصغر في المعتقدات، معتبراً أنَّ معتقداته الخاصة هي التعبير الحقيقي عن الألوهية، طاعناً بما يقوله الآخرون، جاهلاً بأنَّ الإنسان ينظر ما بنفسه فيرى الآخرين، وأنَّ الكافر هو الذي يُكَفِّر الآخرين، فيطلق سهام ضدِّيَّته على البررة الأطهار معتقداً أنّه يعمل لصالح الإله الجبار، منصِّباً نفسه «محامي دفاع» عن خالقه، الله أكبر ما هذا الوصول؟ وكم هي دائرة الضد ضيِّقة لمعرفة خير محصول!.
هل لأنَّ الآخرين قد قالوا وعملوا بما نظنُّ ونعتقدهم أخوة لنا، وإذا عملوا غير ذلك فهم أعداء لنا وأعداء ديننا، هل الدين يخضع للأمزجة الشخصية والأهواء؟ وهل الحقيقة تسبر أغوارها بمجرَّد الظنِّ والاعتقادات والمقالات؟
اعلموا أيها الأخوان أننا نستطيع الآن توحيد كل الوجود والوصول إلى وحدانية رب الوجود حتى بالعلم المادي نفسه من خلال علومه المادية، حيث إنَّ طبيعة عصرنا المادي الآن كثيفة عقلية ضيقة إلى أبعد الحدود، وعلى الرغم من ذلك تمَّ إثبات الأحدية في كل شيء من خلال علوم الرياضيات والفيزياء الحديثة، وعلى ذلك فإنَّ الاحتكام أصبح حسياً وعلى الملأ، صحيح أنَّ درب لغة العقل الجزئي صعبة ومثل النجمة في السماء بمحدوديَّتها وباب السماء هو باب الإيمان القلبي الحر من كل حدود وقيود، وعلى الرغم من ذلك فإننا مدفوعون لكي ندخل عبر النجمة أو النقطة المحدودة تاركين كل أبواب السماء، ولذلك سأحدثكم قليلاً بلغة العلم لكي نحصر عقولنا عن الحيرة والشك في فترة من الفترات.
علمياً بالدخول عميقاً في عمق الوجود الظاهر، فإننا نرى أنَّ الأشياء مكونة من جزيئات، والتي بدورها تتكون من ذرات وتعتبر الذرة الوحدة الأساسية في الوجود مثل الخلية الحية كوحدة أساسية للكائن الحي، وهذا يعتبر مستوى سطحياً ظاهرياً مرئياً، له قوانينه الخاصة والتي كلما كبَّرنا صورته عبر مجاهرنا وآلاتنا الحديثة نرى صوراً أخرى للوجود، صحيح أنَّ العين المجردة لا ترى تلك الصور والأشكال، ولكن لا يعني عدم رؤية الأشياء بالعين المجردة، عدم وجود تلك العوالم، وهكذا تتتالى الرؤى إلى أن نصل إلى أحدث وأكبر مجهر إلكتروني، ونرى من خلاله مكونات حتى للذرات الدقيقة، وتستمر العلوم بالبحث والغوص في عمق الوجود بفروعها النظرية والفلسفية والرياضية إلى أن تضع معادلات صحيحة تنتظر آلة تختبرها حسياً وهذا هو واقع العلم اليوم، أي إنَّ العلماء يضعون الأسس والنظريات والطرق والمسالك لكي ينمو لدى المريد السالك مجهره ا***ي الخاص وجهاز جماله الخاص، لكي يلتقط صور الوجود الدقيقة في هذا الوجود، فإذا كنت أيها الإنسان ممن لم يرَ البحر في حياته فلا يعني عدم رؤيتك البحر، أَنَّ البحر غير موجود، وإذا كنت أعمى عن رؤية الشمس فلا يعني عدم رؤيتك الشمس هو عدم وجود الشمس، وإذا كان قد جاءك في الحلم حلمٌ ترى فيه أشياء وكائنات فأنت الذي اختبرت بجهازك الخاص عبر الدماغ ولا يحق للآخرين نكران هذا الشيء عليك، لأنهم سيكونون مثل المجانين الذين ينكرون على الآخرين حقوقهم الطبيعية المشروعة والتي كل فرد فيهم له الحق في رؤية الخلق من زاويته، ويعبِّر عن ذلك من وجهة نظره، ويكون المقياس العلمي الوحيد في هذه الحال هو تعبير المختبرين عن المشاهد الوجودية الرائعة وتطابقهم بالوصف لما يشاهدون، وهذا ما يحدث مع الصوفيين ومع المعلمين ومع العلماء المختبرين لهؤلاء الذين يقتربون من المشاهد الوجودية الرائعة الجمال، وهذا هو العلم الآن يصل إلى إثبات الأحدية الواحدة في الوجود من خلال فيزياء الحقل الموحد، الذي يمكن الوصول إليه نظرياً عبر الدخول في مستويات الوجود الدقيقة حتى نصل إلى نواة الذرة وندخل أكثر فنرى وجود نويات، وهكذا حتى نصل إلى جسيمات طاقية دقيقة جداً لا متناهية في الصغر، نستطيع حصرها في خمس موجات طاقية دقيقة جداً تعبِّر عن العناصر الخمسة في الطبيعة، وكأنَّ مقولة «أنو نارايان مهاتو مهايان» من الحكمة الفيدية بالسنسكريتية والتي تعني «أصغر من أصغر شيء، أكبر من أكبر شيء»، هي صحيحة علمياً.
وكأنَّ مقولة «الفرد هو كوني» هي صحيحة.
ومقولة

«أتزعم أنك جرمٌ صغير


وفيك انطوى العالم الأكبر»



هي صحيحة ومن تراثنا العربي الخاص.
لأنَّ الشيفرة الكونية الدقيقة هي تعبير كوانتي بالقوة عن الوجود الظاهري التالي، مثل الشيفرة الوراثية dna، في نواة الخلية الحية والتي هي تعبير دقيق عن الكائن الحي بكمال صورته، وكذلك البذرة بمكوِّناتها الوراثية الدقيقة تعبير عن الشجرة في المراحل التي تلي ظهورها وإنتاشها في العالم السطحي، وكذلك فإنَّ الموجات الطاقية الخمس لا نهائية الصغر هي تعبير عن العناصر الطبيعية الخمسة والتي هي التراب والماء والنار والهواء والأثير.
علماً بأنَّ الأثير هو عبارة عن عنصر يدخل في كامل العناصر الأخرى، ويخرج منها وكأنّه هيولى لها، ولذلك فإنَّ العلماء يؤكدون جازمين أنَّ العناصر الطاقية يمكن توحيدها في عنصر واحد في مرحلة الخلق الأولى البدائية واستطاعوا اكتشاف خاصة فيزيائية وحيدة لهذا العنصر الوحيد وهي أنَّ كثافته لا نهائية، ولكي نفهم معنى «كثافته لا نهائية»، نستطيع أن نقول إنَّه إذا ما كثَّفنا الكرة الأرضية، أي أزلنا الفراغات التي بين الذرات والتي بين الإلكترونات والنويَّات في الذرة نفسها، فإنَّ الأرض كلها سيصبح حجمها كحجم كرة زجاجية قطرها 1سم فقط، وسينتج عن ذلك، قوة جذب هائلة تجذب المجرات البعيدة والقريبة، وتمتص الضوء نفسه، فكيف إذا وصلنا إلى ذلك العنصر الوحيد الجوهر والذي كثافته لا نهائية، فذلك يعني ****** الزمان والمكان، ولذلك فإننا سندخل من أصغر ذرة لكي نخرج إلى أكبر مجرة، فالقوانين هنا أصبحت أخرى وتحتاج منّا لغة الفيزياء الكوانتية ولغة مجموعات الرياضيات اللانهائية ولغة الفلسفة والصوفية، لكي نتعرف على سر الكون هذا في عنصره الدقيق الوحيد لا نهائي القدرة، والذي إذا وضعناه هو نفسه في كفَّة ميزان ووضعنا كل الأكوان والمجرات في الكفة الأخرى، فإنَّ كفة العنصر الوحيد سترجح على كفة الأكوان، وهذا سر عميق في الخلق يجعلنا نسحب فكرنا للخلف ونرجع البصر كرتين، ومن هنا استنتج العلماء أنَّ الكون بكلِّ ما يظهر ما هو إلا مرحلة تجسيد ظاهرية عن تلك العناصر الجوهرية والتي نستطيع أن نقول عنها إنَّ عددها لا نهائي وواحد في الوقت نفسه، لأنَّ وجودها لا نهائي الكثافة ويخترق الزمان والمكان وبلغة اللانهاية لا نستطيع أن نقول عن اللانهاية للعنصر الصغير بأنَّها أصغر من اللانهاية للعنصر الكبير، فنحن في لغة علمية أخرى وفي كون آخر وفي مستوى وجودي آخر وفي عالم آخر.
«تلك أمم نقَّتها أسماعها، ورقَّتها قلوبها، وجعلتها من الحق قاب قوسين بل أدنى».
ومن هنا نستطيع أن نبدأ بالفهم المقدَّس، وذلك بمعرفتنا أننا بكل ما ننظر وما نملك وما نعلم وما نظن وما نعتقد وهمٌ بوهم أمام قوة حقيقة ذلك العنصر الجوهري الذي يعقل كل شيء، ويعلم كل شيء ويخترق الماضي والمستقبل والأكوان وفي اللحظة نفسها الآن، لذلك قيل عن ذلك العنصر الجوهر.
«لا أنت مخلوق ولا أنت خالق»، ونحن ككائنات أخذنا الصورة الإنسانية والتي خلقها الله على صورته، أي وضع فينا جهازاً حساساً جداً نستطيع بحسن استخدامه الانسجام مع الجوهر أو مع العقل الكلي فينا، وبالتالي «نصل إلى حدِّ الإمامة بمنزلتنا»، أي نصل لمعرفة أساسنا الوحيد، وبالتالي نصبح أئمة الكون كوننا لا نستطيع عند الوصول إلى تلك المعرفة الفائقة اليقينية التفريق، لأننا أصبحنا بعلم اللانهائية وبعلم اللانهاية، والواحد المنزَّه عن الآحاد هو الذي يعلم مراتب العباد ومنازلهم، وهو الذي جعل لكل نفس نوراً وأجلاً وكتاباً، وهو الذي يعلم بتفضيل الواحد على الآحاد، وليس نحن ومَنْ نحن لكي نضع أنفسنا بتلك المنزلة التي من خلالها نقيِّم ونحكم على الآخرين ونتعدَّى طورنا ونتطاول على الحكماء المتألهين والمعلمين المقدِّسين والذين يغنُّون مجد أحديَّتهم بتناغمهم مع عنصر جوهريَّتهم بشعارهم الذي رفعوه «لا نفرِّق بين أحد من رسله»، أي منهم أي من ذواتهم في الباطن، فأي كفر هذا وأي مخالفة للحق وأي تعدٍّ للطور في أن نؤلف ونعتقد ونظنَّ الظنَّ بأولئك المعلمين والمقدسين والحكماء المتألهين، الذين وصلوا إلى عمق الوجود الظاهر وسبروا أغوار الباطن، واكتشفوا أكناه الوجود، ووحدوا المعبود بحقيقة التوحيد ولم يروا إلا
«زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره مَنْ يشاء».
وكان تعبير الزيتونة هنا عن ذلك العنصر الجوهري الوحيد الذي يجمع فيه كمال التوحيد والوصول إلى وحدة الوجود الحقيقية، والتي تجمع كل البرية، لتعقلها في عقل جوهري واحد غير خاضع للثنائية شرقية كانت أم غربية، ولذلك فإنَّها حقيقة مشعة أبدية أزلية، تشع من ذاتها ولا تحتاج لوسيط خارجي ينير لها ضوءها، وهكذا بتراكم التأمل على هذا النور الجوهري ذاتي الإشعاع، فإننا نكدس النور والمحبة في أنفسنا لكي نصل إلى الهداية الحقيقية، وهي التي تصل بنا إلى حقيقة توحيد رب البرية إذا شئنا ذلك وهذه المشيئة خاصة بنا وعدل الإله بالتغيير هنا لمن يريد أن يهتدي، ولمن يريد أن يعود إلى حقيقة النسغ الكامل المولد لشجرة الكون المتعددة، ولمن يريد أن يعود إلى عالم خلقه الخاص وإلى عالم وجوده الدائم، حيث لا موت ولا ولادة، بل حياة تتعدى الموت والولادة، وبالتالي حياة لها عالمها الخاص بعيداً عن قوانين ثنائية عالمنا، في جنة عرضها السموات والأرضين، لم تكن قد جرت بالدار فتوصف بالمقدار لأنَّها غير خاضعة لنواسية عالمنا الظاهري.
و«ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». لأنَّها جنة توحيدية فيها المعرفة الحقيقة من خلال الوصول العرفاني اليقيني إلى سر الوجود، وبالتالي ****** الحواجز والقيود وتجاوز ثنائيات بندول الحياة والوصول إلى حقيقة جسم المحبة اللامشروط والتي فيها النظرة العرفانية الأحدية وفيها ما لا يمكن أن يخطر على بال جِنِّي كان أم إنسي، لأنَّ وعيها بالعقل الكلي الموجود والكامن في باطن كل الوجود والمحجوب عن غير المستحقِّين لتلك النعم العرفانية ولتلك الحلل التوحيدية، لأنَّ طبيعته تجاوزية تسمو فوق عالم المادة والطين، وفوق عالم الحواس المحدود، ولذلك ضَلَّ كل مَنْ وصف القيامة وكل مَنْ حاول التعبير عن نعمة جنتها، مدَّعياً معرفتها، فهي جنَّة توحيدية لعيش نعمة الوعي الحقيقي وليست للتمتُّع بما خيَّلته لنا حواسنا وشهواتنا ورغباتنا، وكيف نُخضِع الحقيقة لخيالاتنا؟ وكيف نخضع عقل الوجود الجوهري البسيط الأزلي لأمانينا وأهوائنا، ولذلك فإنَّ الجنة هي الدعوة الهادية المهدية، وهي جنة الحقيقة التوحيدية، كحقيقة تعاش بحياة الوعي، وعي أكناه الحياة ووعي وحدة الحكماء، وليس كاعتقاد أو ظنون أو رسوم تتحد في ظاهر عقلنا ونعتقد أننا نوحِّد من خلال الكلام بها، فهذه التجربة للاختبار الشخصي الفردي وهذا الاختبار لا يكون إلا لمَنْ هو موحِّد حقيق ومستحق تلك التجربة العرفانية، والتي هي غير خاضعة للزمان والمكان، ولذلك يستطيع ملامسة أعتاب أبواب جنتها مَن اتَّقى ونقى ورقى في هذه اللحظة، والآن، وما الوعد في مستقبل الأيام إلا قيامة صغرى نسبية من طبيعة الزمان ضمن قانون طبيعي، لكل شيء بداية ونهاية، كعالم حسي وضعي زماني مكاني خاضع للقوى الازدواجية، وهذا يتوافق مع كل المعتقدات ولا يتناقض معها في أن «الساعة آتية بغتة لا ريب فيها»، ولكنها قيامة صغرى في عالم المادة والشكل لأنَّها مرحلة تحوُّل لساكني العالم المستقطب، أما القيامة الكبرى فأصبحت قيامة وعي تتم ب****** حاجز الزمان والمكان، ولذلك كان وجودها في كل لحظة وكل مكان ولكل إنسان إذا كان مستحقاً عيشها في جنة:
«سبقنا يا مولانا أحباب أخلصوا لك الحبَّ، فنعموا برضوانك الأبدي، فألحقنا بهم وأدخلنا في جنة عشاق جمالك».
الله أكبر «فهذه هي القيامة الكبرى قد قامت حقاً، كانت وعداً منذ السنين»، ولذلك كانت هذه الجنة نعمة كبيرة في كل العوالم لمستحقيها، وما الحكماء المتألهون إلا مثالٌ يُحتذى لعيش الجنة على الأرض، وما وحدتهم إلا من خلال الوصول إلى حقيقة جنتهم، فهم يعيشون في عالم حبهم الخاص وعالم غبطتهم اللانهائي للتعبير الحقيقي أمام أفراد ال*** البشري، عن حقيقة الألوهية العميقة في الوجود فكان وجودهم كوجود التجليات من أجلِّ وأعظم وأقدس النعم على الأرض، لأنهم نعمة كبرى للمؤمنين بالسلوك على رسالة حياتهم لأنَّ «حياتهم هي رسالتهم»، وسيكونون نقمة كبرى ومحنة عظمى على أصحاب الأماني ومَنْ للرغبة والمجد والأنا يرغبون في هذا العالم الفاني، وهكذا كان الرسل والأنبياء الأجلاء وهكذا «لم تخلو الدار من الفاضل»، و«لو خليت بليت»، و«ببركة موحد بتعمِّر جزيرة».
وهنا الموحد بمثابة الحكيم المتألِّه والذي ببركته تغمر جزيرة الكرة الأرضية كلها، وما المحن والحروب والويلات أثناء وجود الحكماء المتألهين على سطح الأرض إلا نعمة لخلاص أصحاب الاستحقاق من سلبيات تُعيق تحليقهم في عالم السماء وما الألم إلا رسول تحذير وتنبيه للعودة إلى ذلك العنصر الصحيح الذي يغنِّي مجد أحديَّته معبراً عن وجود قداسته بتجلِّيه من خلال حكمائنا المتألِّهين والذين قيل فيهم: «وقد أذنا لحكمائنا المتألِّهين أنْ يقولوا للشيء كُنْ فيكون»، للتأكيد دوماً على صحة الحديث القدسي الشريف في «أطعني يا عبدي أجعلك عبداً ربانياً قادراً أن تقول للشيء كُنْ فيكون».
فهذه هي الحقيقة الروحية التوحيدية الكبرى والتي فيها اختلفت الناس واختلفت النسب والأحوال والظهورات و«كل على قدر صفاه كالناظر إلى وجهه في المرآة»، وتعدَّدت المدارس والمعلمون في محاولة وصف حقيقة الجوهر الوجودي الكامن في كلمة الوجود، فكان الصراع الضدي حتى في طرق الترقي والروحانية، وكانت مدارس السحر والشعوذة والسلبية كتعبير عن تجمعات مَنْ نظروا إلى ذواتهم ورأوا أنفسهم بجانبها من أنا وضدية وسلبية لأنهم كانوا ينظرون حقاً إلى مرآة الوجود، والتي تعكس بقوة أكبر ما بداخل أنفس الناس إذا كانت الأرض متشرفة بوجود الحكماء المتألهين جسدياً عليها، فتكثر الشيطنة والشعوذة والسحر كرد فعل على وجود القوى الخيِّرة، والمبشرة بعمار الدار، ووأد بنات الأشرار كأفكار وكأعمال في قبور دهاليز أودية أنفسهم المظلمة، فتتوالد الموؤودات لتخرج من شياطينها شياطين لتقام الحجة بالفعل على «كل مَنْ عليها فان، ويبقى وجه ربك ذي الجلال».
وهكذا فلا وجود إلا لحقيقة واحدة هي «الآن علمتك في الأرض، وفي السماء تباركت يا ذا الأسماء والتجليات»، للتعبير عن وحدانية الله والذي في سماء عرشه إله وفي أرض خلقه إله، والذي يُظهر ذاته من خلال صورة الإنسان ليعبر حقيقة عن اللاهوت العظيم في الناسوت الكريم، فيصبح التوحيد وجوداً ماديَّاً محسوساً، وفي الوقت نفسه تنزيه هذا الوجود عن المحدود فتتصل الأنوار القدسية بعنصرها الجوهري الوحدي لترتقي إلى العوالم اللانهائية فيكون الإنسان الإله بالظاهر إنساناً وبالباطن إلهاً، وهذا هو المعنى الحقيقي لخلقنا على صورة الله، فنحن بظاهرنا كما نحن عليه، أما بباطننا فنحن الروح العظيم بذلك الجوهر الكريم، حيث لسنا إلا تجليات المبدع في صور متعددة، مثل **ابيح الكهرباء التي تعبر عن وجود واحد للكهرباء فيها، ولكنها تظهر ذاتها بإضاءتها لكهرباء ذاتها بنفسها، فنحن الذين نعطل سريان النور الأحدي فينا، ونحن مَنْ نحرق **ابيحنا بأيدينا عندما نلعن العالم، فماذا تنفع لعنة العالم بظلامه؟ فلن ينفعنا إلا السماح ل**ابيح الوجود بالتعبير عن وحدانية الوجود لينزاح الظلام ويحل محلَّه النور العظيم، بتجمع إضاءات ال**ابيح، فنحن مرايا جمال المبدع ونحن الطريق والحق والحياة، وما قيلت هذه العبارات إلا من قبل حكماء متألِّهين إلاَّ لنأخذ منهم الدرس، درس النجاة والحياة، لكي نسير على نورهم، ونضيء **باحنا الخاص، وليس لنقف عندهم معتقدين فيهم بالألوهية وننفيها عن أنفسنا، فالألوهية وحدانية، مرة يلبسها ذاك وأخرى يلبسها هذا، ولذلك لا فرق بيننا في الله، فالكل فَمٌ واحد يسبِّح الإله الواحد في الكون الواحد، ليعبر حقيقة عن النور الواحد، كتجلٍّ للإله الواحد، فهذه هي وحدة الحكماء المتألِّهين وهذه هي سيمفونية الموحدين في حقيقية نفي الذات، لتخلع الصفات، ويشع منها نور الحقيقة الساطع، فكلُّ **باح أراد الانفصال عن روح نوره، ظهر جامداً مادياً أنانياً كما هو، ولم يعبِّر عن حقيقة وجوده وغاية وجوده من خلال السماح لسريان تيار النور بالدخول إلى قلبه، فيشع بنور حبه، فيتوهَّج ال**باح بعد أن صاح: «والذي يفنى يشاهد كل أسرار الوجود».
وليبقى ذلك ال**باح الأناني معطلاً إلى أنْ يشاء ربه فيغيِّره خلقاً آخر بعد أن يدفع ثمن ذلك العنادِ ذاتَهُ نَفْسَها، فهذه هي حقيقة وحدة الوجود، والتي هي ليست لتجميع تجمعات تعتقد بها، وتصبح هي نفسها مذهباً يُعتنق، بل وحدة الوجود، حقيقة علمية عملية لنعيش جنتها بالسماح لقلوبنا بأن تكون طاهرة نقية، لتشع منها الأنوار القدسية، فنحقق غاية الحياة، وكل ما عدا ذلك وهم وزيف وخداع.
فمن أين تأتي الصراعات الضدية بين المذاهب والأديان والمعلمين؟
إنَّها تأتي من السقوط من علو برج الحقيقة الشاهق إلى أودية الأنا المظلم، وإلى الصراع مع شياطين النفس البشرية وأعدائها الأبديِّيْن، حيث نسمح لخفافيش الظلام بالنمو على الغضب والشهوة والحقد وا***د، ونعتقد من خلال أمراضنا النفسية أننا نوحد رب البرية، وأننا من العاملين على أنفسنا، ومن السالكين الصراط المستقيم، ونعتقد أن الألوهية بوحدانيَّتها تتحمل أن يقال عنها إنَّ لها جيشاً من المؤمنين يقاتلون من أعداء الدين، «أفبعد هذا البيان أنت سامدون وتضحكون ولا تبكون».
إنَّ الألوهية منزَّهة عن أفعال وأعمال وأفكار البشرية، ونحن مَنْ نعتقد حولها الاعتقادات، ونحيك المؤامرات، ونتمذهب بالمذاهب ونحشد الحشود والجماعات، ونلحق بالمعلمين لنمدح بمن لنا ونذم بمن علينا، متجاهلين شمس أرضنا الوحيدة أنها خير معلم للتوحيد في سطوعها على كل البشر، غير مميزة بين طائع وعاص، أو مؤمن وكافر؛ فليس من طبيعتها التقييم وليس من طبيعتها الازدواجية، فهي أحدية لأنَّها تعطي بلا شرط، وتمن وتحب بلا شرط، ولهذا السبب قد عُبد الإله من خلال قرص الشمس لأنَّ عبيدها أحسوا بالتناغم مع الوحدانية الحقيقية التي تقبل بالكل، وتنعم على الكل بعيداً عن التمذهبات والتَّحزُّبات والتجمُّعات، ونحن كجهلاء عندما نتكلم عن وحدانية الله نعتقد أننا نتكلم بالحقيقة، وأنَّ الآخرين كانوا وثنيين وعبدوا الإله من خلال قرص الشمس، ونتهمهم أنهم لم يكونوا على حق، وأنهم أشركوا بالإله، وإننا نحن غير المشركين، وإننا نحن الموحِّدون الذين نقول فقط قولاً باللسان «لا إله إلا الله»، متناسين المثل والمثال، و«كيف أنَّ الله يضرب الأمثال للناس لعلهم يتفكرون».
فالشمس رمز ليعبر عن صفة إلهية، مثل الرمز الذي يعطى للبقرة عندما نعتقد أنَّ جهلة الهنود يعبدونها، ونؤلف حولهم التهم، ونحن بما نؤلف أكثر كفراً وشركاً من قبل، فالبقرة رمز للعطاء، والعطاء صفة إلهية، ولذلك كتقديس لهذه الصفة يرفع الهنود البقرة إلى هذا المقام، صحيح أنَّ بعض الجاهلين يعتقدون بشكل مادي محدود بالشمس كإله أو بالبقرة كإله، بغض النظر عن الرمز وراء ذلك، ولكنهم لهم حسن نيتهم ويشفع لهم مقولة «الدين المعاملة»، فللنظر نحن لأنفسنا والذين نعتبر أنفسنا مميزين عن غيرنا، هل نحن صادقون؟ هل نحن للصراط المستقيم سالكون وبالدين المعاملة عاملون، فهذا هو الحكم الفصل بين الحقيقة والخداع وبين الداعي والمدعي، وبين الحلال والحرام.
هل بمجرد تنفيذنا للطقوس والناموس سنصل إلى التوحيد؟
هل نحن متأكدون أننا لا نكفر ولا نشرك بالله أحداً غيره؟
لماذا ننسى الروح الواحدة المتحدة فينا، وننسى الألوهية المكونة لكل الوجود، وننسى ذلك العنصر الجوهري الوحيد الذي يخترق كل موجود؟.
فنحن بحقيقتنا وبروحنا وبباطننا تلك الحقيقة الواحدة، وما حياتنا إلا تكريس للوعي الإلهي وطريق للوصول إلى «جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً»، لأنَّها هكذا خالدة وتجاوزية وتسمو إلى ما فوق المتع ا***ية.
لا ضيرَ في المتع ا***ية لو أخذت كوسيلة تعبير مادية عن الإلهية وكوسيلة التزام دقيقة ضمن قوانين الشريعة «فكل ما خالف الشريعة باطل»، وهذا صحيح تماماً عندما نعمل في عالمنا الخارجي، لأنَّ التزامنا الخارجي هذا هو الذي يعطينا الحرية في الحياة الداخلية، مثل التزام الكوكب السيار حول مداره أو مساره، فحريته ووجوده بسبب التزامه ونظامه؛ وضياعه إلى العبثية والعدمية عندما يخرج عن مساره.
وكذلك الإنسان لا ضيرَ في تمتعه بالحواس ضمن القانون الديني والاجتماعي والعلمي، ولكن عليه أن يعي تمام الوعي أنَّ هذه المتع فانية وزائلة وغير باقية وتورث كثرتها الأمراض والأسقام وتفقد الإنسان بريقه الخاص بطاقاته الباطنية لأنَّها لم تكرَّس للإلهية ولوعي الأحدية.
فلا شيء إلا ويخترقه الجوهر الروح الإله، ولذلك عندما يتمتع الإنسان حسياً عليه أن يقدم هذه المتع للإله أولاً وأخيراً، لكي يغلق دائرة الطاقة اللانهائية على نفسه ويعمل من هذا المستوى العالي في الوجود، لا أن يبقى محدوداً ضمن متعة حسية فانية، يهدر حياته للحصول عليها، وعندما يحصل عليها تكون سبب مرضه وموته الأبدي.
«فلتكن طلبتكم خلاص أرواحكم تُقضَ حوائجكم».
أي لتكن غايتنا الإلهية في الحياة، أي الوعي الأسمى، وكل شيء سيتيسر من تلقاء نفسه إذا كان لصالحنا النهائي بتَيَسُّره، «اطلبوا ملكوت السماء والباقي يزاد لكم».
«وهكذا منذ البدء يا مولاي، إنَّ كلَّ مَنْ ترك حياته ومَتاعه وجعلها لك مخلصاً، فقد فاز برضاك، وسلك؛ وكل مَنْ سلك تلك القرية، مجاهداً في رضاك ومرضاتك، فقد عزَّ بك، ومَلَك.
«لا يحزنهم إذا حُرِموا متاع الحياة الدنيا، فهم في نعيمٍ دائم من رضوانك أكبر، وأي نعيمٍ في دنيانا يساوي ما في قلوبنا لك من حبٍّ يربو ويُؤْثَر».
فهذه هي الحقيقة التوحيدية التي تجعل كل شيء في موضعه الصحيح، وتحترم دوماً إرادة الإنسان مع الأخذ بعين الاعتبار الغيرة المقدسة عليه لغاية تطوره في الحياة، فالألوهية تسمح له بالمتع ا***ية المتوازنة إلى أن ينمو بالوعي ويكرسها لوعي الإلهية ويقدمها على مذبح ذكر الله الدائم، فتصبح متعته أكبر بما لا يقاس، فإذا عبَّر عن المحبة الإلهية بمقدرتها على الخلق ***ياً في فترة من الفترات، فإنَّ هذا لا يعيبه شريطة أن لا يقف في هذا المقام، بل ينطلق من خلاله للوصول إلى أسمى مقام.
وكذلك إذا كانت عبادة الأوثان والأصنام لطلاب الصف الأول مقبولة، فإنَّها تصبح محذورة على طلاب الصفوف العليا، فلا شيء في الحياة خالٍ من الألوهية الموحدة العميقة، حتى ولو كان حجراً، ولكننا هنا علينا احترام طلاب الصفوف الأولى في الحياة، فإذا نحن وصلنا بالترقي والتطور الروحي إلى مراحل متقدمة لا يعني أنه يحق لنا النظر إلى طلاب الصفوف الأولى بحكم وتكفير وتقييم وازدراء، وإلا فهذا يعني: «إنَّ الإناء ينضح بما فيه»، ولذلك فإنَّ شياطين أنفسنا الداخلية استطاعت أن تُقيِّم الأمور من وجهة نظرها القاصرة المحدودة.
«فما الشَّرُّ والقبحُ والدمامةُ في بعض الكائنات إلا دليلٌ على كمالِ جمالِنا في جمال كمالنا، كآية النور والظلام».
ففي حقيقة التوحيد لا شيء عبثي ولا شيء لا يخترقه الإله، ولكنه وعينا العميق هو الذي يوسع علينا دائرة الفهم المقدَّس لننظر بعين اليقين إلى موجودات الحياة، ونعرف التمييز بين الوسائل والغايات.
فإذا كانت المتعة ا***ية وسيلة ليحافظ الإنسان على وجوده فهي وسيلة فقط بهذا المقدار ولها كل التقدير والتقديس والاعتبار، أما عندما تصبح غاية، والحياة تسير من أجل المتع ا***ية، فيجب علينا تحطيمها، ولذلك تأتي المذاهب والتيارات ضد بعضها البعض غير قادرة على التمييز في أي مرحلة تطورية يجري الزمان، فما هو ممنوع الآن يمكن أن يكون مسموحاً في مكان وزمان آخر، ولذلك علينا احترام واقعنا الذي ولدنا فيه، والالتزام فيه من أجل التحول عنه، والتحول هنا بمعنى التجاوز ولا يعني أبداً نفيه وعدم الاعتراف به، بل تطوير الحب الأصغر ليصل إلى الحب الأكبر، وتطوير عبادة الأصنام ا***ية لنصل بها إلى عبادة الله في مقاماته العليَّة.
فالأصنام يمكن أن تُقَدَّس إذا كانت وسيلة ويجب أن تُحطَّم عندما تصبح غاية.
والأديان بمذاهبها يمكن أن تقدس إذا كانت وسيلة للوصول إلى الألوهية، ويجب أن تنسخ إذا أصبحت غاية.
وعبادة الشكل والصورة والاسم والمعلم يمكن أن تقدس إذا كانت وسيلة للوصول إلى ربِّ العالمين، ويجب أن تحطم إذا أصبحت غاية، وفي هذا تكمن أهمية الفهم المقدس حسب الزمان والمكان، وعلى حسب تطور كل إنسان، ومن هنا تكمن أهمية تعطيل هذه الضدية بين التيارات والمعلمين والتي في الحقيقة ليس لها وجود في نفوس الموحدين، بل وجودها مرهون بوهمية أفكار المتعمشقين على الحقائق العالية، المتطفلين على سلم الوجود الواحد، ولذلك فإنَّهم يعكسون ما بأنفسهم من ضدية إلى واقع الحياة الخارجي، غير واصلين إلى حقيقة أنَّ الكل واحد يدور في فلك الإله الواحد، ولكن لكلٍّ مولاه وله الحق من زاوية ما يراه.
«إنَّما اختلفت الأحوال لاختلاف الأزمان واختلفت الأزمان لاختلاف الحركات، واختلفت الحركات لاختلاف التوجهات، واختلفت التوجهات لاختلاف المقاصد، واختلفت المقاصد لاختلاف التجليات، واختلفت التجليات لاختلاف الشرائع، واختلفت الشرائع لاختلاف النسب الإلهية وإنما اختلفت النسب الإلهية لاختلاف الأحوال».
والكل دائرٌ في دائرة حبه واختلفوا على وهمية ضده من خلال تنصيبهم الضد مولاً لهم، فاحتجب مولاهم الحق عنهم وغابت صورة الحقيقة من بينهم وتقدَّست الحقيقة عن الضد والتضاد، «ولو كان فيها آلهة غير الله لفسدتا».
فتعالت الحقيقة الواحدة في كل زمان ومكان وتنزَّهت وتطهَّرت من أن تكون حصراً أو حكراً على إنسان ولكنه النزاع في حلكة الظلام بين مَنْ أطفؤوا نور الحقيقة الساطع، والكل إلى الحق راجع، وأنَّى لهم الهزء بنا وبناياتنا، إنَّما النايات تستهزئ بهم وبإيمانهم المزعوم وتوحيدهم ال**طنع.
فالحكيم المبارك بوذا كان واحداً وصاحب حقيقة عرفانية واحدة، وتصارعت المذاهب عبره فتعدد، وكذلك المسيح كان واحداً، فتعدد بتعدد مَنْ تركوا توحيده بأحديَّته وتصارعوا في دائرة ضديَّتهم، وكذلك الإسلام كان واحداً فتعدُّد، وهكذا تفرُّ النفوس من ربٍّ إلى رب، ومن صنم إلى صنم معبرة عن ما بداخلها من تناقضات ضدية، من طبيعة زمانية مكانية، ومن طبيعة شيطانية، وكل ذلك باسم الألوهية، فعُبِدَت الألوهية من قبل الأضداد بالاسم وكان الحق فقط بالرسم، وتعالى الحق عن تشبيه وتعطيل كل من عطلوا نوره الأحدي بداخل نفوسهم، فانعكس انطفاء شعلة نوره على مذاهب وأحزاب وتجمعات باسم الدين وباسم رب العالمين، وهو منهم براء وهم منه، ليس لنا سواه لأنه إله الأنا والهوى فلسنا لغيره عابدين».
ولو عرفوا الإله حقاً ما عبدوه ولو عرفوا إبليس حقاً ما لعنوه، لأنَّهم بلعنته يلعنون أنفسهم، وبعبادة حقيقة الألوهية السامية المقدسة المنزَّهة ينسخون عقائدهم، وبذلك صدق مَنْ نطقت الحقيقة عبر فِيْهِ:
«يا أيها الناس، ألم نرسل إليكم منذرين ومبشِّرين، كما أرسلنا إلى الأولين بالكلمات الغربية والشرقية والإشارات، ببيانات المظاهر الإلهية القدسية، وهدوكم صراط بحر أسمائنا وصفاتنا الأحدية حول محلِّ تجلِّي ذاتنا ببصائر ذواتنا، واعلموا أنَّ الذين آمنوا ووحدوا، وصدقوا ما عاهدونا عليه، فسنحييهم حيوات طيبة، وحرمنا عليهم الموت إلا الموتة الأولى، وهم ضيف إيمانهم لدينا، والذين جحدوا وضلُّوا، فسنبتليهم بأزمانٍ فيها الشدة والضيق، وتزول من بينهم آثار شموسنا، ونمحق أثمار أشجار العلم والحكمة، ونجعل أمرهم بينهم عمىً عليهم وشأنهم بأيدي جهلتهم، ونُغلق عنهم أبواب التوحيد والمعرفة، ونستبدل لهم الظنَّ بالعلم والشقاوة بالهداية، ويعود زمام كلِّ طائفة بيد جاهل، ونفرِّقهم شيعاً، ونجعل أمرهم بينهم فرطاً، ولم نُبْقِ بينهم لنا إلا الاسم، وهاجت بذلك فيهم رياح النفس والهوى، وأُطفئت سُرُج العقول والأفئدة في القلوب».
أمام عظمة هذه الحقائق وهذه الكلمات نُطأطئ الرأس خاشعين متيقنين من حقيقة التوحيد في نفوس الموحدين والذين لا نعرف لهم اسماً لأنَّ «تلك الذوات قد جعلت ذكرها في ساحة البقاء كفراً وشركاً بالهوية»، ويكفينا أن نعود لأنفسنا فقط لنعرف الحقيقة الواحدة التي تعددت بسبب ضدية المذاهب والمعلمين ويكفيهم هذا الجحيم ويكفي الموحدين وحدة الحكماء المتألهين، ويكفيهم عيش جنَّة توحيدهم بنعمة باريهم، «إنَّما أعمالكم ترد إليكم»، فهذا هو القانون الجبار، مَنْ وحَّد فلنفسه ومَنْ أشرك أيضاً لنفسه، وبقيت الحقيقة تنتظر ناياتها لتسلم كل نايٍّ نفسها إلى خالقها فيعزف من خلالها ألحاناً أحدية عذاب، معبِّرة عن جنة «إلينا المآب» في «يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، وادخلي في عبادي، وادخلي جنتي».



منقول...مع أعذب الود والسلام


كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:09 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant