![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
مما تقرر في آي التنزيل أن إمامة الدين لا تحصل إلا بامتثال أحكامه ، ما ظهر منها وما بطن ، وهو أمر لا يحصل إلا بِالتَّوَاصِي ، فإن الْفَلَاحَ لا يُنَالُ إلا بشرائط بها يصلح الباطن والظاهر ، فلا بد من إيمان وعمل صالح ، فذلك ما اسْتَثْنَى الرَّبُّ ، جل وعلا ، في آي العصر ، في قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ، فجاء القسم بالعصر صدر السورة ، وهو الزمان ، والزمان أشرف ما يملك العاقل فلو جاز أن يقسم أحد بِغَيْرِ الله ، جل وعلا ، لكان قسمه بالوقت من أَوْلَى ما يكون ، فإن الزمان هو الإنسان ، فليس الإنسان إلا ساعات وأيام تَتْرَى ، فإذا ذهب مِنْهَا شيء ذهب منه بَعْضٌ ، فجاء القسم بالعصر ، ودلالة "أل" قد تحمل على بَيَانِ ال*** ، فأقسم ، جل وعلا ، بِجِنْسِ الزَّمَانِ ، وهو أمر يحصل بمطلق الحقيقة في الخارج ، فيحصل بِالْقَسَمِ بأي قدر من الوقت ، فَالزَّمَنُ كله شريف ، وإن كان ثَمَّ أوقات خصت بِنَوَاهٍ في العبادة ، كالنهي عن الصلاة في أوقات النهي المعروفة في كتب الفقه ، والنهي عن الصيام يَوْمَيِ العيد وأيام التشريق إلا في حق من لم يجد الهدي ، وهي ، مع ذلك ، أزمان شريفة بالنظر في مطلق الحقيقة ، فَالزَّمَنُ شَرِيفٌ به أقسم الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وفيه نظر من نظر من أهل الفقه والورع فعلم أن إرثه ما ادخر من صالح القول والعمل ولا يكون ذلك إلا أن يَعْمُرَ زمانه بما ينفع ، فيشتغل بتحرير معاقد الإسلام الظاهر من الأحكام والشرائع والأخلاق والسياسات ، وقبلها يجب الاشتغال بالمحل الأول فلا يصلح ما بعده من فروع الظاهر إلا بصلاحه ، فيحرر معاقد الإيمان الباطن ، بمطالعة الأخبار ، فَثَمَّ غيب لا يحصل الإيمان النافع المجزئ إلا أن يصدق به المكلَّف وَيُقِرَّ ، فَيُجْرِيهِ على ما اطرد في لسان العرب الذي نَزَلَ به الوحي ، فيؤمن بالوحي ، وذلك أنفع زاد يعمر القلب فَبِهِ يصح إذ تحصل مادة نافعة ، فالإقرار والإذعان مما يطمئن به القلب فإنه لا يسكن وَيَقَرُّ إلا بالذكر ، ومنه الخبر ، فهو مادة سكينة وهي مادة نعيم وبهجة ومادة لذة وصلاح ، فليست كل لذة تنفع وتصلح ، فقد يَتَوَهَّمُ القلب في مقال أنه مناط الحق الذي به يسعد ، وفيه هلاكه لو تدبر ، وانظر إلى من ضل سَبِيلَ النبوة كيف استحسن بالهوى والذوق مقالات تَخْدَعُ ، فثم زخرف يستحسنُه مَنْ لم يَمِزِ الخبيث من الطيب ، فلا ينظر في جوهر الأمر ، وإنما يخدع بظاهره ، بادي الرأي ، وذلك من أعظم ما يوقع الناس في الضلال ، إن في العلم أو في العمل . فأقسم ، جل وعلا ، بالعصر ، وهو مطلق الزمان ، كما تقدم ، فدلالة "أل" دلالة بَيَانٍ لل*** ، فهو يصدق في أي قدر من الزمان ، وثم من حملة على دلالة عهد بالنظر في وقت الصلاة ، فهي صلاة العصر ، فيكون الإقسام بها ، إذ هي من أعظم الصلوات ، فـ : "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ" ، فذلك عموم يناط باستيفاء شروط وانتفاء موانع ، فلا يجزئ في حصول الوعد بداهة صلاة البردين فقط دون بقية الصلوات فضلا عن بقية الفرائض ، ولا يجزئ ذلك مع حصول ناقض من نواقض الإيمان ما بطن منها وما ظهر ، فيكون الإقسام بصلاة العصر ، ويكون الحذف إيجازا إذ نَابَ المضاف إليه عن المضاف على تقدير : وصلاة العصر ، وذلك مما يجري مجرى المجاز بالحذف عند من يجوز المجاز في اللسان والتنزيل ، ومن ينكر المجاز فيهما فإنه يجعل ذلك من مشهور اللسان فكم من شواهد من أعصار الاحتجاج حُذِفَ فيها المضاف وناب عنه المضاف إليه ، وقد يجري ذلك مجرى عهد آخر أشار إليه بعض المحققين ، فأقسم بعصر النبوة إذ هو أشرف العصور إذ يظهر فيه الحق على جهة القطع فثم وحي يأتي بالحق المحكم ويجيب عما يكون من تشابه فَيُؤَيِّدُ أهل الحق بما يكون من تَثْبِيتٍ للجنان ، ويسكت في أحيان فلا يسكت عن باطل فهو يسدد الأمة ويرشدها إن بنطقه أو بسكوته وإرثه أعظم إرث إذ به تقام الحجة وتستبين المحجة فعصره أزهى العصور ، ورحمته قد عمت ، فَهِيَ تَعَمُّ أهل زمانه ومن جاء بعدهم وبقدر ما يظهر من أحكامه يكون الخير والصلاح في الأرض ، وبقدر ما يخفى ويندرس من آثاره يعظم الشر ويكون الفساد في الأرض ، فلا يصلح منها إلا ما أشرقت عليه شمس النبوة وذلك أمر يتفاوت فثم من تشرق عليه شمس النبوة ساطعة فيكون الخير عظيما ، وثم من الأرض ما تحجب فيه شمس النبوة بظلم لا يبلغ حد الكفر فيكون تعطيل جملة من الأحكام لا نقضا للأصل أو طعنا في المناط وإنما هوى في القضاء رجاء عطاء أو حظوة ، أو مداهنة لذي سلطان أو قربى ، فيكون النقص بقدره على وجه لا ينقض أصل الإيمان ، فثم فساد ولكنه بداهة لا يَبْلُغُ فساد عصر حجبت فيه شمس النبوة كلها إلا خيوطا من الضياء الخافت بها تقام الحجة ، فلا تخلو الأرض من قائم بها قد علم من الوحي ما يحصل به العلم . ومن ثم كان الجواب : (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) ، فصدر بالتوكيد الناسخ "إن" ، فضلا عن اسمية الجملة ولام التوكيد التي تأخرت فدخلت على الخبر "لفي خسر" لئلا يصدر الكلام بمؤكدين فَيَثْقُلَ في النطق ، وزد عليه دلالة الظرفية المعنوية فالخسر وعاء قد استغرقهم وذلك آكد في بَيَانِ المعنى وتقريره ، وقد نكر لفظ "خسر" مئنة من التعظيم فضلا عن إطلاقه فهو يعم الخسر في الدين والدنيا ، فيكون الخسر بما يفسد من العقائد وما يعطل من الشرائع ، ودلالة "أل" في "الإنسان" مئنة من العموم المستغرق ، فهي تفيد بيان الماهية ، ابتداء ، ف*** من تصدق فيه الحقيقة الإنسانية في خسر ، وتفيد العموم ، من وجه آخر ، إذ جميع الناس في خسر إن لم يكن لهم من النبوة حظ يعصم في التصور الباطن والحكم الظاهر ، فهي تفيد العموم المستغرق لآحاد ال*** المعرَّف ، وعلامتها ، كما يقول أهل الشأن ، أن يصح استبدال "كل" بِهَا و "كل" ، كما اشتهر في كلام الأصوليين وأهل المعاني ، نص في العموم ، وأن يصح الاستثناء منها ، كما في هذا الموضع ، ف*** الإنسان المستغرق لأفراده في الخارج جميعا ، كله في خسر عظيم : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ، فجاء الاستثناء يخصص ، فالاستثناء ، كما قرر أهل الشأن ، من صور التخصيص المتصل ، فاتصل لفظ الاستثناء بالعام المستثنى منه ، وهو *** الإنسان الذي يستغرق ، كما تقدم ، جميع آحاده ، وقد جاء الاستثناء على حد العموم ، أيضا ، فالموصول "الذين" مئنة من العموم ، وهو موصول يدل بالنظر في أصل الوضع على جماعة الذكور ولا يخلو من عموم بدلالة التغليب ، وَقَرِينَتُهُ ، كما تقدم مرارا ، العموم في التشريع ، ولا يخلو الموصول من دلالة توطئة لما بعده فمناط الفائدة هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة "آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" ، وهو الإيمان ، فيجري ذلك مجرى الإطناب بالمبيِّن بعد المجمل ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده إذ حصل التشويق بالمجمل الذي تشوفت النفس إلى بَيَانِهِ فجاء الْبَيَانُ عقيبه ، فضلا أن الإطناب في المبنى مئنة من إطناب يضاهيه في المعنى ، ومن ثم عطف العمل على الإيمان ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، من عطف الخاص على العام بالنظر في حقيقة الإيمان المركبة من الاعتقاد الباطن والقول الناطق والعمل الشاهد ، وقد يجري مجرى عطف التلازم ، فالعمل الصالح من القول والعمل في الظاهر من لوازم الإيمان الباطن الذي يزيد ، بداهة ، على التصديق المحض فهو مشفوع بالإقرار والإذعان وجملة من أعمال الباطن من الإرادة وما تستوجبه من الميل ، إما إلى الشي حبا ، أو عنه بغضا ، والاستعانة والتوكل ....... إلخ ، ولا يخلو التعاطف ، من وجه آخر ، من عطف ثمرة على ما استثمرت منه ، فالعمل ثمرة الإيمان ، فجميع هذه المعاني صحيحة على وجه يحصل فيه الاشتراك في دلالة التعاطف على وجه يُقْبَلُ فلا تكلف ولا تَزَيُّدَ بل ذلك مما يُثْرِي السياق بِتَوَارُدِ المعاني الصحيحة على مورد واحد . ومن ثم عطف التواصي "وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" وهو مئنة من التفاعل فدلالته دلالة التشارك ولا يكون إلا بين اثنين فأكثر ، فذلك عمل الجماعة بعد عمل الفرد إيمانا وصالح قول وفعل ، فلا بد من التواصي بالحق الذي عم بدلالة "أل" ، فيعم الحق الباطن عقدا ، والحق الظاهر شَرْعًا وَسِيَاسَةً على وجه يوجب الأمر والنهي تأولا لوصف الخيرية في قول رب البرية جل وعلا : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) . فيكون التواصي بالحق ، ولا بد له من صبر عم أيضا بدلالة "أل" ، فهو يعم جميع موراد الصبر ، الصبر على الطاعة فعلا ، والصبر عن المعصية تَرْكًا ، والصبر على ال**يبة كفا للنفس أن تجزع ، فالحق يكمل قوة العلم ، والصبر ، في المقابل ، يكمل قوة العمل ، فالتعاطف بَيْنَهُمَا يجري ، من وجه ، مجرى تعاطف الأجزاء استيفاء لقسمة الإيمان فهي قول لا يكون إلا بالحق وعمل لا يكون إلا بالصبر ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة تلازم ، فالحق مئنة من اكتمال القوة العلمية وأثرها في الخارج ما يكون من اكتمال القوة العملية ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا بالصبر ، فيسلم الإنسان من الدين الفاسد الذي يخالف الحق والدنيا الفاسدة التي لا يصبر عن شهواتها من فُتِنَ ، وَفِتْنَتُهُ ، عند التدبر والنظر ، من نقص العلم أن نظر في الحال من لذة السكرة ، ولم ينظر في المآل من ألم الفكرة وسوء العاقبة ، فلا تحصل إمامة في الدين إلا بَيَقِينٍ مادته الحق وصبر على امتثاله في الباطن والظاهر . وقد تحمل "أل" في "الإنسان" ، من وجه آخر ، على عهد مخصوص ، فهي تدل على الكافر دون المؤمن فيكون الاستثناء منقطعا على تقديره بـ : "لكن" ، فالكافر في خسر لكن المؤمن مِنْ وَصْفِهِ في الدنيا سالم وَمِنْ عاقبته في الآخرة ناج ، فيكون ذلك من قبل دلالة العهد في قوله تعالى : (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) ، فهو الإنسان الكافر مع أن السياق يحتمل دلالة ال*** المستغرق بالنظر في أصل الجبلة ، فجبلة الإنسان الجحود إلا من رحم الرب المعبود ، جل وعلا ، من فئة اصطفاها زكت بنفسها بأخبار النبوة وأحكامها فسلمت من هذا الوصف الذميم . والله أعلى وأعلم . |
![]() |
|
|