بين العالم والسلطان - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-19-2016, 09:25 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي بين العالم والسلطان

بين العالم والسلطان
تصور المآل وتدبر العاقبة مما يحجز العاقل أن يجازف ، فلا ينخدع ، بادي الرأي ، بما يحصل من حسن ولذة في الحال فقد يؤول الأمر إلى شر يؤلم ، وقياس العقل الناصح أن يرجح الناظر بين الحال والمآل ، فَلَا يقتصر على نظر في العاجل دون الآجل .
وكم يخطئ الإنسان وإن رام الحق ، كم يخطئ في الاستدلال إذ حجب العقل بحجاب من شهوة أو هوى ، أو حق فيه دخن ، فَامْتَزَجَا على وجه يدق فيه النظر فالحكم الواحد بلا نظر في أجزاء المركب ، هذا الحكم إن لم يُشْفَعْ بِرُسُوخٍ في العلم ، إن بالشرع أو بحقيقة الأمر ، فلا يجزئ العلم بأحدهما دون الآخر ، فلا بد من علم بالحكم ، ولا بد من تصور للمحل الذي يحكم فيه الناظر ، فلا يحصل الإيمان النافع الذي يغتذي به القلب إلا أن يكون النظر في خبر الوحي فوحده الذي يجيب عن سؤالات تحير أَعْقَلَ الناس لا سيما في هذه الأعصار التي اشتبه فيها الحق بالباطل فامتزجا فلا يكاد أحد يستبين حقا من باطل ، مع أن الفتن والملاحم العظمى لَمَّا تَأْتِ بَعْدُ ، وهي آتية لا محالة تصديقا لما أخبر به الوحي المعصوم ، فكيف إذا عظمت البلوى بالفتن الكبرى لا سيما مع انحسار أهل الحق في ركن ضيق يقتصر على رَدِّ الفعل ، فلا يخلو ، في العادة ، من الزيادة والغلو ، إذ يَفْتَقِرُ إلى النظر الصحيح فإن الفاعل الذي يبدأ هو الذي يفرض قاعدته ، فَيُحْسِنُ يستقرئ ردود الأفعال بما تَوَاتَرَ من طبائع البشر ، فَيَضَعُ لكلِّ حال احتمالا ، ويعد لكل نازلة عدة وعتادا ، ويسوق خصمه إلى حيث أراد ، فإذا حصل الاشتباه ، وغلب الهوى العقلَ أو بَعْضَه ، لا سيما مع وقوع الظلم فإنه من أعظم ما يذهل به العقل فلا يحسن يَنْظُرُ في الأمر إلا نَظَرَ الثأر ، وهو حق أي حق ، فَالْقَصَاصُ مما شُرِعَ فَبِهِ يُشْفَى صدر الْوَلِيُّ وبه يَنْزَجِرُ الظالم الْبَغِيُّ ، ولكنه ، إن رُدَّ إلى آحاد الناس ، فلا يخلو من تعد وتجاوز ، إلا في أحوال مخصوصة يدفع فيها الصائل فيشرع من زجره ما لا يشرع في قصاص يعم ، فذلك أمر تعظم به البلوى إن لم يكن ثَمَّ سلطان قادر له من الطاعة ما شُرِعَ إن كان للوحي معظما ، فلا يطاع من عَطَّلَ الشرع ، وإن تَغَلَّبَ فذلك حكم القهر الذي يصبر فيه المؤمن لا إقرارا بِبَاطِلٍ ولا ذلا واستكانة فهو ينظر بعين الحكمة في باب الإنكار والتغيير ، وذلك مما يتفاوت تبعا لتفاوت الأحوال في الدور والأ**ار ، فإن آنس قوة معتبرة ، ورجحت ال**لحةُ المفسدةَ شرع الإنكار بكل سبيل مقدورة ، فَثَمَّ من يتعجل فلا يعتبر مفسدة تعظم تفضي إلى استباحة حرمات لا يطيق في العادة أن يقتص ممن استباحها ، إذ يضيع الحق وَيَتَفَرَّقُ على وجه لا يطمح الناظر أن يقتص فيه من كل ظالم فإن اقتص من آحاد فقد خفي كثير ، والموعد يوم الدين ، فمن لم يُقْتَصَّ منه بسيف الشرع فَثَمَّ سيف الكون بما يَنَالُ أولئك من عاجل العقوبة في هذه الدار ، وما عند الله ، جل وعلا ، أعظم ، فلا يستطاع الاقتصاص من الظالم في كل حال ، وذلك أمر قد علم باستقراء ما كان من مظالم عظيمة طالت كُلَّ من عَظَّمَ الشريعة ورام إقرارها وإن أخطأ في تصور جملة من مقاصدها وأحكامها ، فَهُوَ الأقرب إلى الحق ، وَمَعَهُ مِنْهُ ما يرجح بِكَثِيرٍ ، ولكن حكمة الرب ، جل وعلا ، أن تمحص مادة الحق فلا ينصر المؤمن إلا بما معه من الحق ، فإن نَقَصَ ودخله حظ النفس من جاه أو رياسة فإن من التأديب أن يسلط الظالمُ اللعينُ ، فإذا جحد المظلوم ذلك وأساء الظن بالرب الخالق ، جل وعلا ، وَزَكَّى نَفْسَهُ فلا يطيق أن يُقِرَّ بالخطأ ، وإن أقر فَجُمْلَةً بلا تفصيل ، وذلك أول الوهن فإن الحق لا يظهر إلا أن يخلص ويمحص من الأهواء وحظوظ النفوس ، وإن كان له من الظهور ما يرجح خصمه ، فلا يحصل الظهور التام إلا أن يكون الحق تاما ، وإن نَقَصَ بعضه ، فَثَمَّ نقص في الحال يضاهيه ، فالقياس يطرد وينعكس ، فَيُنْصَرُ الأقرب إلى الحق ، ولو بعد حين ، فضلا أن يجتهد في إصابة الحق التام فذلك ما يعجل بظهوره على عدوه ، وآية الرب ، جل وعلا ، في التراجح بين الخصوم آية محكمة يرى فيها الناظر من تدبير العليم الحكيم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، ما يطمئن به القلب وترسخ لأجله قَدَمُ الإيمان على جادة الرحمن ، جل وعلا ، فَيُنْصَرُ أهل الحق الخالص وَعْدَ حقٍّ لا يتخلف ، وينصر أهل الحق الراجح وإن نِيلَ منهم بقدر ما حادوا عن جادة الحق فذلك سنن جار لا يداهن أحدا ، وكلما كانت الحيدة أعظم كان نَيْلُ خصومهم منهم أعظم ، وإن قَضَتِ السنة ، من وجه آخر ، أَلَّا يضيع حق بُذِلَ لأجله من الجهد والدم ما لا يجحد ، فتجد من آثار الظهور بعد الإنكسار ، ولو بعد حين ، فَبَعْدَ العسر يسر ، فَثَمَّ ثَمَنٌ يُبْذَلُ ، وإن لتحصيل حق مجمل ، ولو دفعه كافر وهو لخصمه يدافع ، لَنَصَرَهُ الرب الخالق ، جل وعلا ، فيجد آثار ذلك ، ولو بَعْدَ حِينٍ ، فكيف بالمؤمن ؟! ، وإن وقع منه النقص فكان تأديب الرب ، جل وعلا ، بتسليط أهل الباطل ، وقد تشتد الوطأة فيراجع من تواضع وخضع ، يراجع ما كان عليه من قول واعتقاد فَلَعَلَّه خالف في بعض أمره ، فخولف به بقدره ، ولو وافق ما تخلف وعد الحق ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، فذلك مما أُكِّدَ وعم ، فنصر في الأولى ونصر في الآخرة ، ونصر في الحرب ونصر في السياسة ، وظهور تام لمن سلك جادة الوحي فوحدها التي تُفْضِي إلى تَحَقُّقِ الوعد ، وذلك أمر لا يكون بِتَعَجُّلٍ يَتَأَوَّلُ فيه الناظر من مراتب الإنكار ما لم يأت تأويله بعد ، فلا يتأول نص جلال ومواجهة في موضع ضعف فليس إلا الإنكار بالقول وقد يضيق الأمر ! فلا يكون إلا إنكار القلب والسعي في رفع البلاء بما شرع ، جل وعلا ، من الأسباب المقدورة ، فدين الوحي الخاتم دين مَتِينٌ فد أحكمت آيه إن أخبارا أو أحكاما فكان لكل حال ما يلائمها من الأحكام ، فكل محل يواطئه علم وعمل يصلحه وقد تَتَفَاوَتُ المحال فما يصلح محلا قد يفسد آخر ، وما يطيقه مكلف قد لا يطيقه آخر ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، في أصول العقد والشرع التي لا يحصل معنى الإيمان المجزئ إلا بها فَتِلْكَ مما يطيق عامة المكلفين وتلك رحمة أخرى من رب العالمين ، جل وعلا ، أن جعل الأصل مقدورا ، بل لو حصل العجز ، ولو في الفرض ، فَثَمَّ رخصة تجري مجرى الضرورة فهي مما يقدر بقدره ، فمن لم يطق القيام في الصلاة جلس ، وإن أطاق القيام بَعْضًا لزمه القيام في الإحرام وما يطيق من فرض القراءة ، فَيَقُومُ قدر ما يستطيع حتى يجد مشقة ظاهرة غير معتادة تبلغ به حد الحاجة فلا يشترط لاستباحة الرخصة أن تبلغ به المشقةُ حدَّ الضرورة الملجئة ، على تفصيل في ذلك ، وإن لم يطق الركوع المعهود وأطاق بعضه انحى بقدر ما يطيق ، فلا يَتْرُكُ الركوعَ كله وهو يطيق بعضه ، فما لم يدرك من الأمر كله فلا يجوز له أن يترك بعضه وهو يقدر عليه ، وكذلك الشأن في باب الإنكار ، فليس كل أحد يعلم في مواضع الإنكار الدقيق لا سيما إن حصل نوع اشتباه يوجب التفصيل ، فَيَنَالُ كلَّ مخطئ من الإنكار ما يضاهي جرمه ، فلا يستوي بداهة من زاد جرمه ومن نقص ، فالحكمة في التشريع ، كما تقدم ، أن يَنَالَ كل محل من الحكم ما يواطئ أوصافه ، مدحا أو ذما ، كما أن عقاب القدر النافذ يحصل بقدر ما يكون من الجرم الحاصل ، فَتِلْكَ سنة تجري في سائر أجناس العقوبة الشرعية والكونية ، فإن الرب المدبر واحد ، و*** كلامه واحد وإن كان مِنْهُ الكوني النَّافِذُ ، والشرعي الحاكم ، فَكُلٌّ على سنن واحد يجري على وجه يحصل به من الحكمة ما يوجب الثناء على رب العزة ، جل وعلا ، فذلك آكد الواجبات في النقل والعقل ، وإن لم يَبْلُغِ الناسَ من آثار الحمد والمجد شيءٌ ، فكيف وهم في كل ساعة يجدون من آثار الرحمة جمالا ما يقيم الأديان ويحفظ الأبدان فعظمت المنة بالوحي الذي يحسم النزاع في كل موارد الاختلاف ، في العلم الذي تجد آثاره في الباطن ، والعمل الذي تجد آثاره في الخارج مما يعم حركات الفرد الاختيارية وسلوك الجماعة البشرية ، ويجدون ، مع ذلك ، من آثار الجلال عقابا ما يَتَفَاوَتُ ، أيضا ، تَبَعًا لِتَفَاوُتِ الجرم ، فَثَمَّ عذاب الاستئصال جملة ، وثم عذاب التنقص شيئا فشيئا ، وثم أخذ بالسنين ونقص من الثمرات لَعَلَّ النَّاسَ يراجعون ما فارقوا من الوحي ، إن في العلم أو في العمل ، وذلك أعظم ما تُنْفَقُ الأعمار والعصور في تَدَبُّرِهِ ، فحكمة الشرع حكمة بالغة في الخبر والحكم ، على وجه يجزئ الناظر في جميع أحواله ، سواء أظهر الحق *** يشتبه ، أم رجح فخالطه بعض الدخن ، أم مازجه من الباطل ما عظمت به الشبهة ، فضلا أن يرجح الباطل ويكون لصاحبه فِيهِ هوى يحمله على وجوه من التأويل الباطن ، فالحكمة ، كما تقدم ، أن يكون تأول الحق في مواضعه ، فلا يتأول حكم الجلال في حال ضعف فذلك من مكر الخصم واستدراجه أن يتعجل خصمه فيستزله على وجه يسوغ له استئصاله واستباحة بيضته ، ولا يتأول ، في المقابل ، نص جمال في موضع عزة فليس إلا السيف الناصر على وجه لا يفارق صاحبه الشرع الناصح ، فلا يوضع جمال في موضع جلال فذلك يفسد الحال نقصا ، ولا يوضع في المقابل جلال في موضع جمال فذلك يفسد الحال زيادة ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم .
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ******* مضر كوضع السيف في موضع الندى .

وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عامة لا يسع كل مكلف إلا أن يأتي بما وجب عليه منها ، وهو ما استطاع ، فلكلٍّ ولاية خصت أو عمت له فيها من السلطان ما يوجب الأمر والنهي ، وما زاد فهو ينظر بعين الفقه فلا ينكر في موضع يحصل بالإنكار فيه منكر أعظم ، ولا يضع الجلال ، كما تقدم ، في موضع الجمال ، ولا الجمال في موضع الجلال ، ولا يتكلف ما لا يطيق أو تعظم به البلوى وتعم جماعة المؤمنين مع ضعف النكاية أو عدمها في أهل الباطل بل قد يكون ذلك ذريعة يَتَلَقَّفُهَا القوم إن لم يكونوا من مَكَرَ ابتداء فاصطنعها ! ، أن يستبيحوا بها من أهل الحق ما لم يكونوا ليستبيحوه لولا ما كان من نقص في فقه هذا الباب الجليل ، فَلَهُ في رخصة الشرع إن عجز سعة فينكر باللسان من لم يطق الإنكار باليد ، فإن بلغ منه العجز ما بلغ فاستبد الظالم وقهر بآلة قمع وقتل فإنكار القلب واجب لا يسقط إذ لا تسلط لأحد مهما عظم جبروته لا تسلط لأحد على القلوب فغاية الظالم المستبد أن يتسلط على الأبدان بالقتل والأسر وذلك موضع الترخص ، وأما الترخص في إنكار القلب ولو دَارَى في اللفظ الظاهر ، فتأول : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ، فالترخص في إنكار الباطن لا يجوز أبدا بل ولا يتصور إذ لا تسلط لأحد على القلوب كما تقدم .
وكل أولئك مِمَّا لا تحصل السلامة فيه إلا بعلم وعدل وحلم ، فيكون العلم الذي يعصم التصور من خطإ الاستدلال ، ويكون العدل والحلم الذي يعصم الإرادة من الأهواء فقد يعلم الناظر الحق وتفسد إرادته فلا يرزق العدل والحلم وإنما يستخفه الجاهل ويستغويه فلا إرادة تضاهي العلم ، وقد تعظم ال**يبة فلا يكون ثم علم ولا عمل ! ، وإنما تَعَالُمٌ يَبْغِي صاحبه العرض الزائل ، فتعظم ال**يبة أن يُصَدَّرَ من ينتسب إلى العلم مع فساد في إرادته أو نقص ، فيعلم الحق ويداهن رجاء حظ زائل من جاه ورياسة وثروة لا يحصل له منها إلا بقدر ما يداهن ولو بالسكوت عن الحق وقت الحاجة فلا يسعه ذلك إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وغاية الأمر أن يسعه السكوت رخصة فيصير من آحاد الناس فلا يحق لأحد أن يتصدر في أمر لا يفقهه ، فَثَمَّ رخصة تسع الجاهل وأخرى تسع الخائف ، وذلك ، كما تقدم ، من رحمة الرب ، جل وعلا ، وحكمة الشرع ، أن جعل لكل شيء قدرا ، فذلك يدخل في عموم : (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) ، فذلك مما أُكِّدَ إذ دلالة "قد" دلالة التحقيق حال دخلت عَلَى الماضي ، وفعل الجعل يعم جعل التكوين وجعل التشريع ، فذلك أمر يطرد في الخلق والحكم جميعا ، فجعل ، تبارك وتعالى ، لكل شيء مخلوق قدرا معلوما في الهيئة والصورة وما بطن من الأحشاء والأعضاء ، فذلك قدر التكوين ، وجعل لكل حال ما يلائمها من الحكم ، فذلك قدر التشريع ، فثم دلالة عموم إذ "كل" نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فضلا عن دلالة العموم في المشترك ، فمادة الجعل *** مطلق في الذهن تندرج تحته آحاد فَثَمَّ جعل التكوين النافذ ، وَثَمَّ جعل التشريع الحاكم ، فلا يجزئ العلم إن لم يُشْفَعْ بالحلم والعدل الذي به يكون التجرد في الحكم ، فلا يكون البغي والظلم نصرة للظالم وخذلانا للمظلوم ، وإن كان ظالما من وجوه ، إلا أن الظلم الواقع عليه بَيِّنٌ ظاهر لا يحسن بِذِي دين أو مروءة أن يجحده ، أو يستجيز بما وقع فيه من الظلم ، أن ينصر الأظلم ويجد له من التأويل ما به يقتل ويسفك ، فليس ذلك من العدل في القياس فضلا أن يكون من المروءة في الأخلاق ، فضلا أن يكون من القضاء في الأديان فصاحبه قد خالف عن منهاج العقل والنقل والفطرة التي جبلت على أخلاق المروءة والعفة ..... إلخ ، إلا أن يعرض لها من فساد الجبلة أو الهوى والحظ ما يحملها أن تخالف الشرع والعقل وَالْخُلُقَ ، فماذا بَقِيَ لَهَا لِتَعْتَذِرَ به ؟! ، والسكوت بحلم خير من النطق بجهل إن أحسنت الظن فضلا أن يكون ثم هوى قد يظهر وقد يخفى ، قد يعذر صاحبه وقد لا يعذر فالله ، جل وعلا ، أعلم ، بما أبطن ، وإنما يحكم الناظر بما يظهر مع ما يحتف به من قرائن ترجح .

فَخَيْرُ ما يُنْفَقُ فيه العمر الاجتهاد في تحصيل أسباب النجاة من الإيمان والعمل الصالح ، ولا يكون ذلك إلا بالتدبر والنظر في آي الشرع المنزل ، وإن استغرق ذلك ما استغرق من العصر ، فلا يشرف إلا بما يستغرقه من الأقوال والأعمال الشريفة فيكون شاهدا لمن تحرى الحق في القول والعدل في الحكم ، ويكون شاهدا على من ظلم وتعدى ، فهو شاهد صدق قد عظم الرب ، جل وعلا ، شأنه ، فأقسم به صدر سورة العصر .

ومما يزيد الأمر سوءا أن قد عَظُمَ الشر في هذه الأعصار ، فَعُطِّلَ الشرع كله ، إلا أحكاما يسيرة أن وافقت الأهواء فليت من استبقاها كان لها معظما ! ، فَوَدَّ لو تمحى آثار الوحي من الأرض كلها إذ لا يحصل له السلطان التام إلا أن يعطل الوحي في جميع الأحوال ! ، وبئس الملك الذي لا يتم إلا بنقض الشرع ! ، فلا صلاح للأرض إلا أن يرجع عصر النبوة حكما وإن انقضى زمنا فلا يعود بداهة إذ النبوة قد انقطعت بقبض صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأعظم ما يحول دون رجوع هذا العصر الزاهر ما يكون من حكم الظالم الذي يجتهد في حرب الحق وأهله ، فلا يطيق حقا لا جملة ولا تفصيلا ، لا كلا ولا جزءا ، فيكره أهل الحق وإن تفاوتوا وبقدر ما يكون لهم من الحق يكون لهم في قلبه من البغض والكره ، فأقربهم إلى الحق أَبْغَضُهُم إلى قَلْبِهِ ، فذلك ، أيضا ، مما يحصل فيه التفاوت ، فالقياس فيه يطرد وينعكس ، فكلما عظم حظك من الحق كنت إلى أهل الباطل أبغض ومنهم أبعد ، فحصلت لك السلامة التامة التي لا يعدل العاقل بها شيئا ، وإنما تحصل الغفلة لنقص في العلم وضعف في العقل يظن صاحبه في أهل الشر خيرا فضلا أن يكون له حظ عندهم فهو يَرْجُوهُ فتكون ال**يبة أعظم إذ الفتنة بمن ينتسب إلى العلم أعظم ، ولو سكت لكان أحسن له ولمن يسمع ، لئلا يُنْتَقَصَ من قدره وقدر الحق الذي ينتسب إليه ، فسكوته يصون عرضه ويحفظ حرمة العلم الذي ينتسب إليه لئلا تعظم الفتنة فَيُنْسَبَ إلى الدين الرِّضَى بالظلم بل والمنافحة عنه بالتماس الأعذار والتأويلات على وجه لا ينقضي منه العجب فثم من يتأول للظالم ما يجعله إمام هدى ولا يَتَأَوَّلُ للمظلوم ، وإن أخطأ بل وعظم جرمه في مواضع ، لا يتأول له معشار ذلك ! ، فذلك من أعظم ما يصد الناس عن الحق في هذه الأعصار الناقصة الكاسدة ، إذ يرسخ في أذهان البشر أن الدين محامٍ عن الاستبداد شاهد له بالإقرار ، فحسبه إن كان مجتهدا ما قال وفعل ، وحسبه إن كان غير ذلك ما حصل بقوله وعمله من الشر ! ، فلا يجشمن نَفْسَه ما لا يطيق إن كان يملك قوله فهو يتكلم مختارا غير مكره ، فالله ، جل وعلا ، أعلم بِبَوَاطِنِ الأمور .

والشاهد أنه كلما عظم حظك من الحق كنت إلى أهل الباطل أبغض ومنهم أبعد ، فحصلت لك السلامة التامة التي لا يعدل العاقل بها شيئا ، وتلك سلامة لو علمها من يَغْشَى أربابَ السلطان من أهل العلم أو من ينتسب إليه ، وإن مُتَأَوِّلًا أنه يعظ ويذكر ، لو عَلِمَهَا ما اقترف ما اقترف ، فالقياس ، كما تقدم ، يطرد وينعكس ، فكلما عظم حظك من الحق كنت من أهل الباطل أبعد ولقلوبهم أبغض ، وذلك مئنة من كمال الحال أن يبغضك أهل الشر والفساد ، وكلما قل حظك من الحق كنت إليهم أقرب وإن أبغضوك أيضا لما معك من حق ، ولو قليلا ! ، فلا يرضون إلا أن تفارق الحق كله ، فـ : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ، فكذلك أهل الباطل فإنهم لن يرضوا عن أهل الحق إلا أن يتحولوا عنه كله ، وسلامة الحال وظهور الحق يكون بالثبات عليه وإن عظمت المحنة ، كما أثر عن أحمد ، رحمه الله ، إذ سئل عن ظهور الباطل زمن المحنة ، فأجاب بأن الحق ظاهر غالب ، وإن كان الباطل غالبا في الخارج ، فظهور الباطل أن تَنْتَقِلَ قلوبنا عن الحق فَتَرْكَنَ إليه ، فما عصمها الرَّبُّ ، جل وعلا ، من ذلك بِفَضْلِهِ ، فهي أبدا ظاهرة وإن كانت الأبدان مقهورة مأسورة .

وقد يدني صاحب الباطل بعض من ينتسب إلى الحق ، إما غفلة يَتَأَوَّلُ فيها المقرَّب أنه ذو رأي ممكن فهو يصلح قدر ما استطاع وإما طلبا لحظ يخصه ، وحقيقة الأمر أن صاحب الباطل قد استدرجه ليطعن به الأبعدَ منه ممن كان إلى الحق أقرب فلا يغشاه ولا يقبل عطاياه ولا يأمن مكره ولا يستجيز مودته ولو في الكلام إلا مداراة لا تُبْذَلُ فيها الأديان ، وإنما تبذل الدنيا خشية البأس ، وتلك حيلة مشهورة في جميع أ**ار الباطل أن يظهر أهل السلطان من المودة لأهل العلم والدعوة ما به يستدرجونهم بَأَيَادٍ يَصْطَنِعُونَهَا ، فهي تَمْنَعُ صاحب الحق أن ينكر عَلَيْهِمْ ما يقترفون من المظالم حياءً وخشية ! ، فَيَدُ المنة شديدة الوطأة ، والرب ، جل وعلا ، أحق بالحياء والخشية ، وقد كان سفيان الثوري صديقا للرشيد العباسي قبل أن يلي الخلافة ***ا وَلِيَهَا قصع الصلة به *** يَغْشَ مجلسه ولو صديقا يزور ، ولم يكاتبه في خاص أو عام إلا كتابا واحدا يعظه ويزجره فكان عند الرشيد يقرؤه دُبُرَ كل صلاة ويبكي ، فالسلطان في عهد هارون الرشيد ، رحمه الله ، لا يُصَادَقُ ولا يُزَارُ ! ، وهو السلطان الذي يحكم بالشرع ويقيم فريضة الجهاد فيغزو عاما ويحج آخر ، فكيف بالسلطان في هذه الأعصار ؟! ، ومن أمن مكره ودخل عليه فإنه يقع في الفخ إذ يستعمله السلطان الجائر حتى يقضي منه حاجته فيستعين به على الطعن في أهل الحق ومن ثم يأكله فتكون لسان حاله : أكلت يوم أكل الثور الأبيض فهو آخر من يؤكل ! .

ومن سلم من هذه الفتنة فليكثر من السجود شكرا للرب ، جل وعلا ، وَلْيَسْأَلْهُ متضرعا متخشعا ألا يَبْتَلِيَهُ بهذه الفتنة العظمى ، فلا يأمن أحد منها وإن ظن في نفسه الرسوخ والثبات ، فَمَا وُكِلَ أحد إلى نفسه في موضع فتنة إلا خُذِلَ ، دقت أو جلت ، وكم أنكر من أنكر على من لابس الفتنة ***ا اعترضته سقط فيها وهوى ، فمن وقع في الفتنة وإن وجب الإنكار عليه إلا أن عين الرحمة ، في المقابل ، تُشْفِقُ مما هو فيه من ابتلاء ، فخير للإنسان أن يموت خامل الذكر لا يعلم به أحد حتى يَرِدَ على ربه ، جل وعلا ، وليس في عنقه حق عام فيكفيه أن يحاسب عما اقترف في أمره الخاص ، فأمور العامة لا يَتَصَدَّى لها إلا أهل الرسوخ من العلماء الربانيين الذين أحكموا الشرع ألفاظا ومعان ، مقاصد وأحكاما ، وكان لهم من العلم بأحوال العصر وأعرافه ما يجعلهم أهلا أن يفتوا في نوائبه ونوازله .

وهذا أمر يحسن فيه الاقتصاد في النقد فهو يجري مجرى الجرح فيكون ضرورة تقدر بقدرها دون غلو وزيادة ودون إفحاش في العبارة أو فجور في العداوة فلا تكون إلا في الحق بِغَضِّ النظر عن شخص من تخاصم فلعله يكون على الحق وتكون أنت على الباطل وإنما تنكر ما ترى أنه منكر ، وذلك لا يكمل إلا أن تَتَجَرَّدَ النفس من أهوائها فلا يكون لها حظ في النيل من الخصم وإنما تقصد النصح وتروم بَيَانَ الحق مطلقا ، فتجتزئ بالإشارة دون تعيين ما أمكن فذلك باب الأصل فيه الحظر لا سيما في حق من يظن فيه فضل ، ولا يَحْمِلَنَّكَ بغض أحد أن تنكر ما له من سابقة فضل ، فالعدل يقضي أن تُقِرَّ بما عند الخصم من حق وإن غلبت على حاله الباطل فكيف بمن ينتسب إلى الحق فالإقرار بما عنده من الحق أولى .


والله أعلى وأعلم .
??????? ??????: بين العالم والسلطان || ??????: rss || ??????: اسم منتداك

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:30 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant