rss
09-15-2016, 08:11 AM
من معاني العبادة
مما حصل به القدر الفارق بين الرب الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق المربوب ، ما كان من غنى الأول فلا يفتقر إلى سبب ، وفقر الْخَلْقِ الذي يحملهم على الجحود والكفر بالحق إن خالف أهوائهم واستلب ما استلب من حظوظهم ، فإن أكثر الناس لا يؤمنون وإن يروا كل آية إذ غلب التقليد للرءوس وتعاظمت حظوظ النفوس فأبت أن تنقاد لحكم المعبود ، جل وعلا ، فلا يكون شرك إلا وفيه حظ من التقليد والتعصب واطأ شهوة في النفس فحصل العارض المركب من شبهة التقليد وشهوة النفس ، فـ : (مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، وأغلب الرءوس لا حظ لهم في ظهور الحق إذ يسلبهم ما اكتسبوا من المغانم والمطاعم ، فَلَهُمْ من حظوة السلطان وجاه الرياسة وَتَرَفِ الثروة ما به يَتَبَجَّحُونَ ، وهو أمر لا يُفَرِّطُ فِيهِ صَاحِبُهُ فحد السيف دونه ! ، فإن من اعتاد الترف لا يكاد يفارقه إلا إذا فارقت روحه بدنه ، فَلَا يُطِيقُ أصحاب الحظوظ بما جبلت عليه النفوس من الشح ، لا يطيقون مفارقة ما اعتادوا من الحظوة والنعمة إذ لم يكن لهم حظ من امتثال الأمر أن : "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" ، على كلام في إسناد الأثر ولفظه ، فَيُرْوَى عن عمر ، رضي الله عنه ، بألفاظ منها : "اخشَوشِنوا وَتمعْددوا، وانزوا على الخيل نزوًا، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة" ، على إسناد فيه نظر ، أيضا ، فذلك من الأمر الذي حُدَّ حَدَّ الإطناب في المبنى مئنة من إطناب آخر يضاهيه في المعنى ، ولا تخلو الصيغة من معنى التكلف إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، فيتكلف الناظر معنى الخشونة ، إذ هي مظنة التصبر وَالْمِرَانِ على التحمل ، فإذا فارقت النعمة لم تجزع النفس لفواتها ولم تحرص عليها حرص الشح والأثرة وذلك ما يواطئ فطرة التكوين الأولى إذ جبلت النفس على الفقر ، فحاجتها إلى الأسباب لا تنقطع فلا يزال تَفْتَقِرُ إلى سبب يحفظ الحياة ، ولو نفسا يَتَرَدَّدُ في الصدر ، فَإِذْ كَانَتْ النَّفْسُ تَفْتَقِرُ إلى الأسباب فإنها لا بد تَتَنَازَعُهَا بل وَتَسْتَجِيزُ لأجلها من القتل والسفك ما تستجيز ! ، لا سيما إن غابت قيم الوحي وسادت قيم الوضع فوحدها قيم الوحي هي التي تحسم هذه المادة فتهذب الشهوة على وجه يحقق مقاصد الشرعة ولا يجافي قانون الفطرة *** يكن الوحي لِيُمِيتَ في النفس حظها من الأسباب فإنها لا قيام لها إلا بقدر من الأسباب يحفظ المهج أن تمرض وتهلك ويحفظ النوع أن يَفْنَى وَيَبِيدَ ، وَإِنَّمَا كان الوحي لِيُرْشِدَ الإنسان إلى طريق مشروعة بِهَا يشبع الغريزة على وجه يوافق أحكام الشريعة ويحقق مقاصدها ، كما تقدم ، فالشريعة ، كما يقول بعض أهل العلم ، أحكام وحكم ، فثم أحكام منها ما لا يعقل معناه ، ومنها ما يعقل فمناط التعليل فيه يَنْضَبِطُ إذ أنيط الحكم بسبب أو شرط ظاهر ، فَثَمَّ سبب يدرك با*** الظاهر ، وهو يصلح مناط سبب ولا يصلح مناط علة ، فإن السبب منه ما يعقل معناه ، ومنه ما لا يعقل ، فَزَوَالُ الشمس سبب في إيجاب الظهر ، وهو مما يدرك با*** ، ولكن وجه التأثير فيه لا يظهر فلا يصلح مناط تعليل ، فلا يظهر وجه التأثير فضلا أنه مما لا يتعدى إلى غيره ليصلح مناط قياس ، وثم سبب آخر يُؤَثِّرُ في حصول المسبَّب على وجه يَسْتَبِينُ لِلنَّاظِرِ فهو يدرك با*** الظاهر ، ووجه التَّأْثِيرِ فيه يظهر كالسفر والمرض فهو مما يجيز الترخص فطرا في رمضان ، وَقَصْرًا للصلاة في السفر ، وَجَمْعًا لَهَا في الحضر في حق المريض ، وذلك مما لا يَتَعَدَّى إلى غيره ، إلا في مواضع ، فثم من توسع في رخصة الجمع في الحضر فَقَاسَ على المريض أصحاب الحوائج ، وهذا قول الحنابلة رحمهم الله فهم أوسع المذاهب في هذا الباب ، فالمعنى عندهم يتعدى إلى غيره ، وثم نوع ثالث من الأسباب ، يظهر في ا*** ، ويؤثر في المحل ، وَيَتَعَدَّى إلى غيره فهو مناط القياس ، والسبب ، من وجه آخر ، منه الخفي كحصول النطفة في الرحم فذلك أمر يخفى إذ لا يطلع عليه أحد لمكان الستر حال الوقاع ، فأقيم لفظ الإيجاب والقبول الظاهر نيابة عن السبب الخفي وهو حصول النطفة ، أقيم نيابة عنه في إثبات النسب ، ومن السبب ما هو ظاهر ، كما تقدم ، فثم أحكام أنيطت بِعِلَلٍ ، وثم أحكام أنيطت بأسباب ، فالأحكام تدور مع عِلَلِهَا وأسبابها وجودا وعدما ، وثم حِكَمٌ منها ما يظهر ومنها ما يخفى فلا يدركه العقل وإن وجد آثاره في الخارج ، فإن إيجاب الظهر أربعا ، أَمْرُ توقيف في أحكام التعبد فلا يُعَلَّلُ ، وإن كان له عِلَّةٌ فِي نَفْسِ الأمر قد حُجِبَ عِلْمُهَا عن العقل ، فَلَهُ حكمة إذ التَّأَلُّهُ تَأْوِيلٌ صحيح صريح لفطرة التوحيد الناصعة فتجد النفس من آثارها خيرا يعظم وصلاحا في الحال والمآل فسعادة وانشراح وفوز ونجاة ، وإن لم يعلم عَيْنُ السببِ ، فذلك من الابتلاء أن يُسَلِّمَ العقل لِمَا جَاءَ بِهِ الَوْحَيُ على وجه لا يُلْجِئُهُ أن يُصَدِّقَ بِمُحَالٍ ، كما هي الحال في مقالات حادثة في الملل والنحل والمذاهب ، فَلَا يَخْلُ أَمْرُهَا ، إن تَدَبَّرَ الناظر ، من تَنَاقُضٍ ، وإن اجتهد مَنِ اجتهد مِنْ أربابها أن يحرر معانيها ، وإن لم يجد العقل العلة الأخص في موضع كإيجاب الظهر أربعا ، فإنه يجد الحكمة الأعم فلا تخلو العبادة من استصلاح النفس فهي غذاء نافع به تعمر الأركان والجوارح بالطاعة فلأجلها خلقت ، وإذا حصلت الغاية صلحت الآلة أن انتفع بها صاحبها فيما خلقت له ، فذلك من الحكمة التي يسلم بها كافة العقلاء ، فإن استعمال الشيء فِيمَا خُلِقَ لَهُ هو عين الحكمة التي تقضي أن يوضع الشيء في محله الذي يلائمه ، فإذا استعملت الجارحة في الطاعة حَصَلَ لَهَا من بَرَكَةِ التَّأَلُّهِ ما يَنْفَعُ فَهِيَ تَقْوَى وَتَصِحُّ فَإِنَّ للطاعة بَرَكَةً تظهر آثارها في الظاهر والباطن ، فالباطن يطمئن ، والظاهر يَقْوَى وَيَصِحُّ ، فضلا عن مقصد التشريع الرئيس أن يحقق الناسُ الغايةَ من الخلق فيعبدوا الرب ، جل وعلا ، عبادة الاختيار معرفةً لا تقتصر على صورة علمية مجردة من الخضوع والانقياد فذلك معنى آخر ذكره بعض أهل الشأن ، فما خلقهم ، جل وعلا ، إلا ليخضعوا له وَيَتَذَلَّلُوا ، وذلك أمر يَزِيدُ على محض التصديق ، فَثَمَّ زيادة في حركة القلب أن يُسَلِّمَ وَيَنْقَادَ وَيُذْعِنَ وَيُقِرَّ ، فذلك وإن دخل في حد التصديق إلا أنه قدر زائد على العلم المحض ، فالتصديق *** أعم تندرج فيه آحاد ، فَثَمَّ تصديق العلم المجرد وهو ما يكافئ مطلق المعرفة فتحصل صورة العلم في القلب مجردة من الإذعان والإقرار وهو القدر الزائد ، كما تقدم ، فلا تجزئ هذه المعرفة فهي دون التصديق فلا تجزئ في حصول إيمان ينفع خلافا لمن غلا في مقال الإرجاء فالتزم لأجل ذلك القول بإيمان إبليس إذ عَرَفَ الله ، جل وعلا ، وإن أبى واستكبر ! ، وثم تصديق يقترن بحركة تزيد لا تخرج عن حد التصور ، فَثَمَّ تصور الانقياد والطاعة فهو قدر زائد به يَتَلَقَّى القلبُ الخبرَ بالقبول إذ حصل له من دلائل الصدق والعدل ما يستحسنه كل عقل ، إلا إن فسد قياسه فاستحسن ما أجمع العقلاء على قبحه من الشرك والكفر فلا يخلوان من جحود ظاهر لنعمة المنعِم ، وذلك ما يَسْتَقْبِحُهُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ ومروءة فضلا أن يكون من أصحاب الديانة ، فالشرك صرفُ العبادة لمن لا يستحق ، وذلك ما يخالف الحكمة أن يوضع الشيء في موضعه ، فإذا عبد الإنسان من ليس له عليه نعمة ، وأبى أن يَنْقَادَ ويذعن لأمر من له عليه نعمة ، فَقَدْ بَلَغَ من الجحود ما بَلَغَ ، فالحكمة انتفت ، والمروءة قد عدمت ، فصاحب المروءة يعرف لذي الفضل فضله ، وإن أسدى إليه من المعروف ما صَغُرَ ، فكيف بمن له أعظم معروف ؟! ، إذ قَدَّرَ وخلق وأوجد وصور على أكمل هَيْئَةٍ ، وثم تصديق ثالث ، وهو تصديق اللسان أن ينطق بِمَا قام بالقلب من صورة العلم ، فمنطق اللسان يترجم عن منطق الجنان ، وثم تصديق رابع ، وهو تصديق أخص ، فالجوارح تصدق ما قام بالقلب من صورة العلم ، فَثَمَّ وعد ووعيد يحمل على الفعل والكف ، وثم أمر ونهي وتصديقه أن يؤمن الفاعل بصحة النص في نفس الأمر ، ولا يجزئ ذلك ، بداهة ، حتى يقيم الدليل الشاهد من فعل الظاهر فيمتثل الأمر بفعل المأمور ، ويمتثل النهي باجتناب المحظور ، فَغَايَةُ الخلق أن يُعْبَدَ الرب ، جل وعلا ، عبودية الانقياد والاختيار فذلك قدر يزيد على عبودية الاضطرار ، وإن دخلت في عموم المعنى ، فإن العابد المختار عبد منقاد بالاضطرار ، فهو عابد إذا امتثل الأمر الشرعي ، وهو ، من وجه آخر ، معبَّدٌ مُذَلَّلٌ بالأمر الكوني ، وعبادة الاختيار هي مناط التكليف إذ هي مناط الاختيار ، ولا يتصور ابتلاء بداهة إلا وثم اختيار أن يصدق أو يكذب ، أن يفعل أو يَتْرُكَ ، ولا يخرج هذا الاختيار ، من وجه آخر ، من خضوع وانقياد لأمر التكوين الأعم الذي يستغرق المؤمن الطائع والكافر المارق ، فَثَمَّ عموم وخصوص مطلق ، فكل عابد مختار فهو عبد بالاضطرار يخضع لأمر التكوين النافذ فما كان ليختار بإرادة تؤثر فهي مناط تكليف بالأمر والنهي ، ما كان ليختار بهذه الإرادة إلا وَثَمَّ إرادةُ تكوين تَسْبِقُهَا ، فَبِهَا خلق الرب ، جل وعلا ، إرادة المكلَّف ، وبها خلق فيه طاقة الفعل ، وبها هيأ له أسبابه ، وبها أجرى الأسباب أن تحصل بها المسبَّبَاتُ ، وبها نَفَى الموانع ، وبها خلق الأعيان الفاعلة ، والأحوال الحاصلة فهي المفعولات الكائنة في الخارج بمشيئة الرب الخالق ، جل وعلا ، فكل أولئك يدخل في عموم الخلق في قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فهو خالق الأعيان والأحوال والأسباب وهو خالق القوى في الأسباب أن تؤثر بإذن الرب المهيمن ، جل وعلا ، سواء أكان التأثير اضطرارا كتأثير النار أن تحرق فلا إرادة لها لتختار أن تحرق أو لا تحرق ، وإنما تحرق اضطرارا فهي فاعل بالطبع لا فاعل بإرادة تؤثر ، فالأسباب تُؤَثِّرُ بإذن الخالق ، جل وعلا ، سواء أكان التأثير اضطرارا ، كما تقدم ، أم كان التأثير اختيارا ، كفعل الإنسان حال التكليف والاختيار ، فَثَمَّ حركات في البدن تجري مجرى الاضطرار ، كحركة الأحشاء والقلب ، وهي التي اصطلح في علم وظائف الأعضاء أنها حركات لا إرادية فلا يتحكم فيها الإنسان بإرادته ، وإنما تحصل رغما وَثَمَّ أخرى تجري مجرى الاختيار منها ما يجري مجرى الطبع والجبلة كالأكل والشرب .... إلخ ، ومنها ما يجري مجرى التكليف وهو مناط الابتلاء بالأمر والنهي ، وهو محل الشاهد في الآية ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فتلك عبادة الاختيار الأخص ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، عموم وخصوص مطلق ، فإن كل عابد بالشرع عبد بالكون ، ولا عكس ، فالكافر قد خرج عن أمر التشريع ولكنه لم يخرج بذلك أن يكون عبدا منقادا بقدر التكوين ، فما أطاع طائع ولا عصى عاص إلا بإذن الله ، جل وعلا ، إِذْنَ التكوين النافذ ، فمن شاء ، جل وعلا ، امتن عليه أن يطيع فضلا على وجه تظهر به آثار القدرة النافذة والحكمة البالغة ، فقد هَيَأَّ ، جل وعلا ، المحل وَخَلَقَهُ أن يواطئ أسباب الخير إن في الخبر أو في الحكم ، فَأَلْهَمَهُ التَّقْوَى أن يُصَدِّقَ الخبر وَيَمْتَثِلَ الحكم ، وَهَيَّأَ لَهُ ، أيضا ، أسباب الخير ، فَهَيَّأَ المحلَّ على حال من الخير تظهر ، والحكمة تقضي أن يُهَيِّئَ له من أسباب الخير ما يلائمه ، فثم فضل أول في مطلق الإيجاد ، فهو خير من العدم ، وإن كان المحل ناقصا فذلك شر في المقدور المفعول في الخارج لا في قدر الرب ، جل وعلا ، النافذ ، فَفِعْلُهُ كله خير إذ الشر ليس إليه فعلا ، وإن وقع في الكون بقدره النافذ ، فَهُوَ له ، جل وعلا ، خلقا ، وذلك أيضا يدخل في عموم الخلق في قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فاقتضى الأدب ألا يسند الشر إلى الله ، جل وعلا ، إسنادا مباشرا كإسناد الخير فيسند أنه مخلوق كائن ، لا أنه فعل بذات ربنا ، جل وعلا ، قائم ، فَفِعْلُهُ ، جل وعلا ، كله خير وإن خَلْقَ الشر إذ به يكون من الخير ما يعظم على وجه تظهر فيه آثار الحكمة أن يُتَحَمَّلَ الأدنى من الشر العارض تحصيلا للأعلى من الخير الآجل ، فظهرت الحكمة طردا وعكسا ، أن خلق مَحلَّ الخير وهيأ له من أسباب الخير ما يلائمه ، وخلق محل الشر وهيأ له من أسباب الشر ما يلائمه ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه يعظم به الثَّنَاءُ على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، قدرة نافذة وحكمة بالغة ، وثم فضل ثان في حق المؤمن ، وهو إيجاد محل الخير ، وثم فضل ثالث ، وهو إيجاد أسباب الخير التي تلائم محله ، وثم فضل رابع أن يخلق ، جل وعلا ، في الجنان إرادة الخير مباشرة لأسبابه ، وثم فضل خامس أن يخلق ، جل وعلا ، في الجوارح قوة وطاقة بها تباشر أسباب الخير ، وثم فضل سادس أن يخلق ذات الفعل ، فلا يستقل العبد بإيجاد أو إعدام وإن كان له إرادة تُؤَثِّرُ في الْفِعْلِ أو في التَّرْكِ ، فَهِيَ تَجْرِي مجرى المرجِّح من خارج في محل جائز ، فالفعل ابتداء يجوز في حق العبد المكلَّف ، فيحتمل الوقوع ، ويحتمل عدمه ، احتمالا يَتَسَاوَى طرفاه فلا بد من سبب من خارج يرجح أحد وجهي الجائز ، وهو إرادة العبد أن يفعل فيرجح جانب الإثبات ، أو يَتْرُكَ فيرجح جانب النفي ، ولا يخرج هذا السبب ، وهو مخلوق ، لا يخرج بداهة عن قدر التكوين النافذ فهو ، أيضا ، يدخل في عموم الخلق في قول الرب جل وعلا : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فجاء التعليل في لام "ليعبدون" في قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، خلافا لأهل الجبر ومن نفى الحكمة والتعليل ، فكل لامِ تعليلٍ في التَّنْزِيلِ فَهِيَ عِنْدَهُ لام العاقبة ، كما في قوله تعالى : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ، وذلك ما رده بعض المحققين ، إذ لام العاقبة لا تكون إلا في حق جاهل بالمآل ، *** يكن فرعون ، بداهة ، يعلم أن التقاطه موسى عليه السلام سبب في حَزَنٍ يحصل له في مآل أمره فَلَوْ علم ذلك ما التقطه ، ولام العاقبة ، من وجه آخر ، لا تكون إلا في حق العاجز كقولك : لدوا للموت ، وقول القائل :
فللموت تغذو الوالدات سخالها ******* كما لخراب الدور تبنى المساكن .
فلا يَقْدِرُ أحد بداهة أن يدفع قدر الموت أو الخراب ، والجهل والعجز من النَّقْصِ الذي تَنَزَّهَ عَنْهُ الرب جل وعلا .
فاللام في "ليعبدون" ، مناط تعليل بالنظر في العبادة الأخص وهي عبادة التصديق والامتثال اختيارا على وَجْهٍ بِهِ يحصل الابتلاء إذ يطيق المكلَّف الفعل أو الترك وإن لم يخرج عن السبب الأول ، فإن إرادته المخلوقة إرادة مؤثرة ، كما تقدم ، بِهَا يكون الترجيح فيرجح جانب الفعل تارة ، وجانب الترك أخرى ، ولكن هذا السبب الباطن لا يستقل بالتأثير فلا بد من جملة أسباب تعضده كصحة الآلة وطاقة الفعل ، ولا بد من انتفاء جملة موانع تحول دون وقوعه ، وذلك أمر يعم أحكام الكون وأحكام الشرع ، أفعال الجبلة وأفعال الشرعة ، فلا بد لكل منها أن تُسْتَوْفَى شرائِطُه وَتَنْتَفِي موانِعُه ، فإن حكم الصلاة واجب ولا بد له من جملة أسباب تُسْتَوْفَى منها ما يقدر عليه المكلف كالوضوء وستر العورة وطهارة البدن والثوب والبقعة ، فلا تسقط إلا بالعجز ، كأن يُمْنَعَ المكلف ماء الوضوء فَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الماء عدو صائل أو وحش كاسر ، أو يُمْنَعَ السترة التي تستر عورته ، أو يُحْبَسَ في مكان نجس فيجتهد أن يختار البقعة الأخف نجاسة ويصلي على هيئة بها يحقق الشرط ما أمكن وإن سقط لأجله بعض الأركان كالسجود فيومئ به ، والجلوس فلا يجلس جلسة التشهد وإنما يجلس على أعقابه دون أن يمس بجسده البقعة النجسة ، فإذا تعارض شرط كطهارة الثوب والبدن فإنه يتنجس لا محالة إن باشر محلا نجسا ، إذا تعارض شرط كطهارة الثوب والبدن مع ركن كالسجود والقعود للتشهد الأخير ، أو تعارض الشرط مع واجب كالقعود للتشهد الأول ، قدم الشرط إذ يستصحب زمنَ العبادة كلها خلافا للركن فإنه يسقط فور أدائه ، وما يستصحب زمن العبادة كله أولى بالاعتبار مما يسقط فور أدائه ، فمن الشرائط ما يطيق المكلف ، كما تقدم ، ومنها ما لا يطيق كدخول الوقت فلا يطيقه المكلَّف ولا يجب عليه إذ لا تكليف إلا بمقدور ، والمكلَّف ، بداهة ، لا يطيق أن يحرك الشمس لِتَزُولَ فتجب الظهر ، أو تَغْرُبَ فتجب المغرب ! ، فذلك شرط إيجاب وشرط صحة معا ، فلا تجب الصلاة إلا بدخول الوقت ، ولا تصح قبله أو بعده ، فلا تصح إلا فيه سواء أكان الوقت مضيقا أم موسعا ، فلا تصح صلاة الظهر قبل زوال الشمس إلا على قول ضعيف مهجور يُرْوَى عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، على كلام في إسناده ، ولا تصح صلاة الظهر بعد صيرورة ظل كل شيء مثله فذلك وقت العصر ، على خلاف في مذهب الحنفية ، رحمهم الله ، وقل مثله في البلوغ فإنه مما لا يطيق المكلف ، فذلك شرط إيجاب فلا تجب الصلاة إلا على بالغ إلا على قول في مذهب أحمد ، رحمه الله ، أوجب فيه الصلاة على مَنْ مَيَّزَ وَبَلَغَ عشرا وإن لم يَبْلُغِ الحلم ، ودليله الخبر المشهور أن : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، وَالضَّرْبُ عِقَابٌ ولا يكون عقاب إلا على تَرْكِ واجب ، وأجيب أن ذلك ضرب الاستصلاح لا العقاب ، فلا يجب على الصغير المميِّزِ أن يصلي وإن وجب تأديبه ليعتاد التكليف فلا يفجأه حال البلوغ ولم يعتده فيقع في التفريط الذي به يأثم ، فلا يكون ذلك إلا بالتأديب أن يعتاد الفعل فلا يثقل عليه ، وقد يقال ، من هذا الوجه ، إن الإيجاب ينظر فيه أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فإذا لم يتم إيجاب العبادة بعد البلوغ إلا بتأديب قبلها فالتأديب واجب فيكون الفعل واجبا قبل البلوغ ، ولو تَأْدِيبًا ، وقد يجاب إن ذلك إيجاب التأديب لا إيجاب الفعل ، فالتأديب يجب على ولي الصبي ، والفعل لا يجب على الصبي ، فيكون الأمر في حق الأولياء أن : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، يكون أمر إيجاب بالاستصلاح ، ويكون امتثال الأولاد امتثال الندب لا الإيجاب ، فَلَمَّا يكلفوا بعد ، وإنما يستصلح الطفل بالأمر والنهي تأديبا ، كما تقدم ، فالبلوغ ، وهو محل شاهد ، تقدم ، البلوغ شرط إيجاب لا صحة ، فالصلاة تصح من الطفل المميِّز ندبا لا إيجابا ، فَيُثَابُ عليها من هذا الوجه ، وأما حصول العقل على وجه يميز به الفاعل ، فذلك شرط صحة في الصلاة مطلقا فلا تصح ممن لا عقل له لانتفاء القصد المخصوص الذي لا يحصل إلا بمطلق العقل ، ولو عقل التمييز الأول ، ولا بد مع ذلك من انتفاء موانع ، كالحيض ، فهو مانع حتى يحصل الطهر ، فذلك مانع في الشرع ، إذ وضع الشارع ، جل وعلا ، حصول الحيض مانعا من الصلاة ، وثم مانع آخر في ا*** كَزَوَالِ العقل ، فلا تجب الصلاة على النائم إذ غاب عقله ، فإيجاب الإلزام يَنْتَفِي في حقه ، وإن لم يَنْتَفِ إيجاب الإعلام ، فخطاب التكليف لا يَرْتَفِعُ من هذا الوجه ، ولذلك وجب على من كان بجواره أن يوقظه إذا دخل وقت الصلاة .
وكل أولئك حال اختيار العبد بإرادته المؤثرة ، كل أولئك من الأسباب والشروط والموانع يأرز إلى سبب يَتَقَدَّمُ كُلَّ سبب وهو إرادة التكوين النافذة فهي السبب الأول الذي يحصل به الترجيح في الجائزات ، فالإرادة هي مُوجِبُ الفعلِ والتَّرْكِ ، الإيجادِ والإعدامِ ، فإن الرب ، جل وعلا ، موجِب بكلماته الكونية النافذة ، فهو موجب بالاختيار إرادة نافذة ، فليس موجبا بالذات المجردة من الوصف كما زعم من زعم من الفلاسفة ، فحصل التعليل في لام "ليعبدون" ، على نحو يَتَوَجَّهُ به التكليف ، ولا يخرج به المكلف عن قدر التكوين ، فإن قَوْلَهُ وَفِعْلَهُ لا يخرج عن إرادة الرب ، جل وعلا ، ومشيئته النافذة ، فهو الذي خلق المحال وأوجدها وهو الذي أعدها أن تقبل آثار الأسباب على وجه تظهر به آثار القدرة والحكمة ، وهو الذي أمدها بالأسباب التي تؤثر بما ركز فيها من قوة التأثير ، ولا تخرج ، مع ذلك ، عن قدر التكوين النافذ ، وهو الذي ألهم الإنسان أسباب التقوى فضلا ، وألهمه ، في المقابل ، أسباب الفجور عدلا ، *** يُرِدِ الله ، جل وعلا ، الفجور بقدر التشريع الحاكم وإن شاءه بقدر التكوين النافذ ، على وجه يواطئ صريح الحكمة أن يمد كل محل بما يلائمه من الأسباب .
فما خلق البشر إلا لعبادة الاختيار تصديقا وانقيادا وذلا وخضوعا في الباطن فذلك منشأ الفعل في القلب إرادةً بها يكون الفعل والترك ، وحبا يحمل على الفعل ، وبغضا يحمل على الترك ، وتوكلا واستعانة فلا يكون القول والفعل إلا بمعونة تَزِيدُ هي من مدد التكوين ، وقولا وعملا في الظاهر ، فذانك شطران آخران ، فالعبادة فعل الباطن بالتصديق ، وفعل الظاهر في القول الناطق والعمل الشاهد فهو يصدق ما قام بالقلب من التصور والإرادة ، صحت أو فسدت ، فـ : "الفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" ، فصدقت الجارحة أو كذبت ما تَتَمَنَّى النفس وَتَشْتَهِي .
ولا يخلو المعنى أن يدل على عبادة التكوين فيكون المعنى ، كما يذكر بعض المحققين ، وما خلقتهم إلا لِيَسْتَسْلِمُوا لمشيئتي وقدرتي فيكونوا معبدين مذللين كي يجري عليهم حكمي ومشيئتي فلا يخرجوا عن قضائي وقدري ، فذلك معنى يصح ، ولكن الاقتصار عليه يفتح الباب لمقال الجبر أن يحتج من يحتج بالمشيئة على إبطال أحكام الشريعة ، كما وقع من غلاة الحبرية من الإباحية الذين عطلوا الشرائع واحتجوا على ذلك بموافقة الأمر الكوني ، فلا يحصل ذلك على وجه صريح إلا أن يوافق صحيح التنزيل ، فيواطئ الفعل قدر التشريع وهو في كل حال لا يخرج عن قدر التكوين فيجتمع في حق الفاعل أنه العابد المختار العبد المنقاد ، فاستجمع الوصفين إذ وافق القدرين ، قدر التشريع الحاكم وقدر التكوين النافذ وتلك أكمل حال يرجوها المكلف .
فجاء النَّفْيُ بـ : "ما" والاستثناء بـ : "إلا" في قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وهو أقوى أساليب القصر ، وذلك ما يجري مجرى القصر الحقيقي إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده بالنظر في حال المكلَّف من الجن والإنس ، وهم محل التكليف ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، ما يضعف قول من قال إن هذا العموم قد خص على تقدير : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدني منهم من عبدني ، ومن أبى فما خُلِقَ لذلك ! ، فهو قول يجوز لأهل الفجور والكفران أن يحتجوا به في إبطال التكليف إذ لم يخلقوا للعبادة كأصحاب الطاعة ، وإنما خلقوا للفجور فما أَذْنَبُوا إذ تأولوا ما خُلِقُوا لأجله ! ، وذلك ، كما تقدم ، قول الغلاة من أهل الجبر على وجه يتذرع به الإباحية أن ينقضوا أحكام الشريعة العملية فيقارفوا المحرم في الشرع احتجاجا بالمقدور في الكون ! ، والصحيح أنهم خُلِقُوا للفجور بقدر التكوين ، وليس بمحل تكليف في الشرع فلا يكلف أحد بقدر الكون إذ هو فعل الرب ، جل وعلا ، فلا يطيقه العبد ، ولا تكليفَ بما لا يقدر عليه الفاعل ، فضلا أنه لا يعلمه ابتداء فهو مما غاب عنه فكيف يحتج بما لا يعلم ؟! ، فيزعم تخرصا وظنا أنه خلق للفجور فما أدراه لعله خلق للطاعة والإيمان ولو كان مبدء أمره الفجور والعصيان .
ولو قيل بذلك فلا وجه لحصر العبادة في الجن والإنس ، فإن الملائكة أيضا عبدت الرب ، جل وعلا ، عبادة شرع بذكر وركوع وسجود وطواف بالبيت المعمور ..... إلخ ، ولكنها عبودية اضطرار لا اختيار فَلَوْ خص العموم على الوجه المتقدم فقيل إن العبادة لم تقع إلا ممن أراد الله ، جل وعلا ، أن تَقَعَ منه ، فلا وجه لقصر ذلك على الجن والإنس بل الملائكة تدخل في هذا العموم ، كما ذكر بعض المحققين ، فالقصر في حق المكلفين ، من الجن والإنس ، قصر حقيقي إذ تلك الغاية من خلقهم بالنظر في معنى العبادة الأعم الذي يَسْتَغْرِقُ جميع حركات الاختيار ، ما بطن وما ظهر ، فهو يستغرق المباح فلا يخلو من قصد فيكون مرادا لغيره من هذا الوجه ، فحركات الخلق الاختيارية لا تَبْلُغُ حد الكمال إلا أن تسلك جادة الوحي ، وَإِنْ في أُمُورِ العادة والجبلة ، فضلا عن أمور يظهر فيها معنى التكليف فمعنى التعبد والتنسك فيها أظهر ، كأمور العقد الباطن والشرع الظاهر ، والسياسة والحرب ، وسائر ما نَزَلَ لأجله الوحي أن يصلحه ويقوم ما اعوج منه ، إن في باطن الأمر أو ظاهره ، خَاصِّهِ أو عَامِّهِ ، فذلك معنى العبادة الأعم الذي يستغرق ، كما تقدم ، كل ما يحب الرب ، جل وعلا ، وَيَرْضَى من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، الخاصة والعامة ، على وجه يتأول به المكلَّف شطري المعنى ، كمال الحب رغبا يحمل على الفعل ، وكمال الذل رهبا يحمل على الترك ، وذلك ما حسن معه إطلاق الفعل آخر الآية "لِيَعْبُدُونِ" ، فالإطلاق مظنة عموم يَسْتَغْرِقُ جميع أجناس العبادة ، كما تقدم ، وهو ما حصل فيه النِّزَاعُ بين الوحي والوضع فَنَازَعَ الوضعُ الوحيَ موارد من الطاعة بما أحدث من الشرائع الباطلة والسياسات الجائرة التي تأرز إلى افتقار الواضع جبلة فهو ، كما تقدم مرارا ، متهم بالافتقار إلى الأسباب ، ولذلك جاء الأمر أن : "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" ، على كلام في الإسناد واللفظ ، كما تقدم ، فَأَمَرَ أن : "اخشوشنوا" ثم عقب بالفاء على جهة الفور ولا تخلو من دلالة السَّبَبِيَّةِ إذ دخلت على الناسخ المؤكد بعد إنشاء ، فأفادت التعليل ، من هذا الوجه ، إذ ثم سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، وما علة ذلك ؟! ، فجاء الجواب : لأن النعم لا تدوم ، وثم "أل" تُبَيِّنُ ال*** المستغرق لآحاد المعرَّف إذ دخلت على لفظ "النعم" ، ولا تخلو من دلالة العهد فهي نعم البدن التي يفتقر إليها الإنسان فَتَحْمِلُهُ على البغي والطغيان ، فيضع من الشرائع والأحكام ما يحفظها وإن خالف لأجل ذلك ما خالف من أحكام الشرعة بل وبدائه العقل وا*** والفطرة ! ، فلا يصلح مَنْ تلك حاله أن يضع الشرع فلا يضعه إلا حَكَمٌ من خارج لا يُتَهَّمُ فهو الغني الذي لا يفتقر إلى السبب ، بل كل ما تقدم من الأسباب إليه يفتقر ، خلقا وَتَسْيِيرًا ، فضلا أن الواضع من البشر جاهل لا يدرك المآل لا في الأولى ولا في الآخرة ، إلا خرصا أو ظنا مجملا لا يُبَيِّنُهُ إلا الوحي المحكم الذي جاء بالتفصيل الصحيح على وجه يواطئ دلالة العقل الصريح ، فلا يستقل العقل بدرك التفصيل في الأحكام ، وإن أدرك ا***ن والقبح جملة بما ركز فيه من صحيح الفطرة فَلَمَّا تَزَلْ تَفْتَقِرُ إلى بيان الوحي المفصل ، فضلا أنه يُقَوِّمُ ما اعوج منها إذا حادت عن جادة التوحيد والتشريع ، فالعبادة لا تكون إلا بأمر ونهي ، وذلك تأويل الطاعة امتثالا للأمر والنهي ، وهو من آكد ما يقيم به العبدُ الشاهدَ الصادق من نفسه على عبودية الباطن والظاهر ، ولذلك جاء في تأويل الآية في أقوال : ما خلقتهما إلا لآمرهم وأنهاهم ، على وجه أطلق فيه الأمر والنهي ، فَعَمَّ جميع موارد التكليف من أفعال الاختيار فهي التي يتوجه فيها الأمر والنهي فلا يتوجه إلى فعل اضطرار لا يطيقه العبد إذ التكليف بالمحال مما امتنع بِنَصِّ الشرع الرحيم ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فَيَعُمُّ جميع الأوامر والنواهي إن في العقائد فثم أمر أن يصدق القلب بأخبار الغيب في الإلهيات والسمعيات والنبوات ، وأن يمتثل لازم ذلك من إفراد الرب ، جل وعلا ، بجميع أجناس التأله وأولها وآكدها التوحيد ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، فهو قطب رحاها الذي شرعت تحقيقا له في الخارج وصيانة له من الناقض الباطن والظاهر ، وثم نهي أن يعطل الأخبار أو يتأولها على وجه يخرج بها عن مراد الشرع ، وَثَمَّ ، في المقابل ، أمر ونهي في التكليف الظاهر ، في القول والعمل ، فَثَمَّ ما أَمَرَ به من حَسَنِ الأقوال وآكدها ، أيضا ، النطق بشهادة التوحيد فَهِيَ دليل الصدق في الخارج على ما يقوم من معنى التوحيد بالباطن ، وثم ما نَهَى عنه من قَبِيحِ الأقوال وآكدها النطق بالشرك أو الكفر الناقض لأصل الدين كَسَبِّ رب العالمين ، جل وعلا ، أو القدح في عرض النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو الاستهزاء بالآي المنزَّل ، أو إنكار ما قد علم من الدين ضرورة فلا يعذر القائل بجهل وإن عذر بالإكراه أن ينطق بالكفر إذا أكره عليه .
وَثَمَّ ما أَمَرَ به من فعل الظاهر ، ما خص وما عم ، فَثَمَّ أَمْرٌ في العبادة صلاة وزكاة ، وَثَمَّ أَمْرٌ في الشرع والمعاملة ، وَثَمَّ أَمْرٌ في السياسة والمحاربة ، وثم ما نهى عنه من فعل الظاهر وآكده ما يكون سببا في الشرك أو الكفر الناقض لأصل الدين ، كالسجود لغير رب العالمين ، جل وعلا ، أو الحكم بغير ما أنزل من الشرع المحكم ، أو موالاة أعدائه من اليهود والنصارى وسائر أعداء الديانة ، فعم الأمر والنهي ، كما عمت العبادة ، عم جميع موارد التكليف اختيارا سواء أكان بالخبر وتكليفه التصديق ، أم بالإنشاء أمرا ونهيا فالتكليف أن يُمْتَثَلَ الوحي في الباطن والظاهر على وجه استغرق جميع محال التكليف وأحواله فكان ذلك ، كما تقدم ، قَاضًّا لمضجع الوضع المحدث أن لم يجد فسحة بها يحكم ويطغى بما يهوى أو يَجِدُ ، فجاء الوحي يبطل سلطان الهوى والذوق ، ويهدر كل ما يَعْتَبِرُ أرباب الحظوظ في أمور السياسة والحكم فيعتبرون ما حقه الإلغاء من سياسات النفع والانتهاز ، وَيُلْغُونَ ما حقه الاعتبار من شرائع القصد والاعتدال أن لم يحصل بها ما راموا من حظوظ النفس وشهواتها فجعلوا المتشابه محكما ، وجعلوا الوحي المحكم محل نظر فلا يقبل أو يرد إلا أن يعرض على معيار الهوى والذوق ! ، فصار الهوى والذوق إلهين اثنين يعبدان من دون الله ، جل وعلا ، وإن أظهر العابد من شهادة التوحيد النطق ، والتزم جملة من أحكام الجوارح وحاله في أمور الشريعة والسياسة والحرب تُكَذِّبُهُ ، فأقام في الظاهر دليلا ينقض دعواه نقضا ! ، إذ حاله في الشرع والحكم والقتال على جادة الهوى ولو اضطرت صاحبها أن يقترف من ناقض الدين ما يقترف فَلَوْ كانت ال**لحة المتوهمة في تعطيل الشريعة فلا يجد غضاضة في ذلك ، وإن كانت ال**لحة المتوهمة في موالاة الكفار ونصرتهم على أهل الإيمان فلا يجد غضاضة وإن تأول لأجل ذلك ما تأول أنه يحكم بالعدل ويحارب قوى الشر ! ، فدعوى الإيمان دعوى مركبة من أجزاء منها الباطن ومنها الظاهر فلا بد من استيفاء أجزائها جميعا ، ولا بد من انتفاء الناقض إن في الباطن أو في الظاهر ، فكما أن دعوى الإيمان دعوى ذات شعب وأجزاء منها الباطن ومنها الظاهر ، فكذلك حقيقة الكفر ، فهي ، أيضا ، مما ينشعب ، فثم شعب تنقض أصل الدين الجامع وثم أخرى تنقض كمال الدين الواجب ، فلا بد من السلامة من نواقض الكمال لتحصل الحقيقة الكاملة المنجية ، فذلك الحد الأقصى ، ولا بد من السلامة من شعب الكفران الناقضِ لأصل الدين ليحصل مطلق الحقيقة الإيمانية في الخارج ، فذلك الحد الأدنى ، وإن لم يحصل الكمال بفوات بعض الأجزاء التي لا يَنْقُضُ فواتها أصل الدين أو حصول بعض الشعب الناقضة لكمال الدين دون أصله .
فحقيقة الإيمان منها الباطن ومنها الظاهر ، وحقيقة الكفران ، في المقابل ، منها الباطن ومنها الظاهر فلا بد أن تحصل الحقيقة الإيمانية المركبة ولا بد أن تسلم من نواقضها بَاطِنًا وَظَاهِرًا .
وثم عموم تغليب بالنظر في دلالة الواو في "ليعبدون" ، فهي واو الجمع المذكر ، والتكليف بداهة قد عم جميع المكلفين ، إنسا وجانا ذكرانا وإناثا .
وثم عموم آخر يستفاد من إطلاق الخلق صدر الآية فهو يعم خلق التقدير وخلق الإيجاد ، فالحكمة قَدَّرَتْ في الغيب أولا ، والقدرة أوجدت في الشهادة ثانيا على وجه حصل به التأويل الصحيح في عالم الشهادة لِمَا قَدَّرَ الخالق ، جل وعلا ، في الأزل بعلم أول يؤثر في إيجاد المخلوقات فهو علم التقدير ، فكان الخلق بعلم التقدير وكان الابتلاء بالتكليف بما اقْتَضَى علم التشريع خبرا يصدق وحكما يمتثل ، وإذا نظرت في القصر ، من وجه آخر ، وجدت أنه قصر إضافي بالنظر في فعل الرب ، جل وعلا ، فكان خلقهم ليعبدوه فهذه غاية ، وكان خلقهم لتظهر آثار كماله ، جل وعلا ، في الكون ، فهذه غاية أخرى ، فتظهر آثار كماله ، جل وعلا ، في أفعاله ، فإن أفعاله في الخلق هي تأويل كماله في الوصف ، فَفِعْلُهُ يصدر عن كماله الأول المطلق ، خلافا لفعل المخلوق فهو الذي يبلغ به الكمال الذي يليق بحاله فهو مبدأ أمره جاهل لا يعلم ، فـ : (اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) ، فيكتسب ما يكتسب من العلم شيئا فشيئا حتى يحصل له وصف الكمال ، وقل مثله في جميع الأفعال فهو يجرب ويخطئ ويستفيد وَيَتَعَلَّمُ ولا يليق ذلك بداهة في حق الرب المهيمن ، جل وعلا ، الذي خلق ودبر بوصف الجمال ووصف الجلال ، فيكون التدافع بين الأضداد على وجه يثبت به معنى الربوبية فَبِهَا تُخْلَقُ الأضداد وَتَتَدَافَعُ .
فدلالة الآية تنصرف إلى الخبر المحض بالنظر في عبادة التكوين ، فإن خضوع الجن والإنس وسائر الخلق له ، جل وعلا ، أمر ظاهر ، فيكون ذكر الجن والإنس من باب التمثيل بخاص لعام وهو جميع الكائنات ، ما عَقل وما عجم ، ما حَيَّ وما مات ، ما تحرك وما سكن ، فكلها خاضعة لأمر التكوين النافذ ، فأعيانها وأحوالها تدخل في عموم الشيء الْمُكَوَّنِ في قول الرب المهيمن : (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .
ودلالة الآية ، من وجه آخر ، تنصرف إلى الإنشاء بالنظر في عبادة التشريع ، فتقدير الكلام : اعبدوا الله ، جل وعلا ، فما خَلَقَكُمْ إلا لأجل ذلك ، وهو وجه يقصر الأمر على الجن والإنس إذ هما *** التكليف بالاختيار وإن كان ثم عاقل غيرهم يعبد الله ، جل وعلا ، وهو قبيل الملائكة إلا أن عبادتهم ، كما تقدم ، عبادة اضطرار لا اختيار فيها ، فـ : (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، وكلا الوجهين صحيح فيصح حمل الآية على الخبر بالنظر في معنى التكوين ، ويصح حملها على الإنشاء بالنظر في معنى التشريع ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مما يجري مجرى العموم في دلالة المشترك إذ دل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وإن كان بينهما من التلازم ما لا يخفى ، فالخبر أول فإذا حصل التصديق كان الإنشاء ثَانِيًا فهو الامتثال ، وفي باب التوحيد ثم تلازم آخر بين خبر الربوبية وإنشاء الألوهية فالأول سبب في حصول الثاني فانفراده ، جل وعلا ، في فعل التكوين ربوبية سبب في إفراده ، جل وعلا ، في فعل التشريع ألوهية .
والله أعلى وأعلم .
مما حصل به القدر الفارق بين الرب الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق المربوب ، ما كان من غنى الأول فلا يفتقر إلى سبب ، وفقر الْخَلْقِ الذي يحملهم على الجحود والكفر بالحق إن خالف أهوائهم واستلب ما استلب من حظوظهم ، فإن أكثر الناس لا يؤمنون وإن يروا كل آية إذ غلب التقليد للرءوس وتعاظمت حظوظ النفوس فأبت أن تنقاد لحكم المعبود ، جل وعلا ، فلا يكون شرك إلا وفيه حظ من التقليد والتعصب واطأ شهوة في النفس فحصل العارض المركب من شبهة التقليد وشهوة النفس ، فـ : (مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، وأغلب الرءوس لا حظ لهم في ظهور الحق إذ يسلبهم ما اكتسبوا من المغانم والمطاعم ، فَلَهُمْ من حظوة السلطان وجاه الرياسة وَتَرَفِ الثروة ما به يَتَبَجَّحُونَ ، وهو أمر لا يُفَرِّطُ فِيهِ صَاحِبُهُ فحد السيف دونه ! ، فإن من اعتاد الترف لا يكاد يفارقه إلا إذا فارقت روحه بدنه ، فَلَا يُطِيقُ أصحاب الحظوظ بما جبلت عليه النفوس من الشح ، لا يطيقون مفارقة ما اعتادوا من الحظوة والنعمة إذ لم يكن لهم حظ من امتثال الأمر أن : "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" ، على كلام في إسناد الأثر ولفظه ، فَيُرْوَى عن عمر ، رضي الله عنه ، بألفاظ منها : "اخشَوشِنوا وَتمعْددوا، وانزوا على الخيل نزوًا، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة" ، على إسناد فيه نظر ، أيضا ، فذلك من الأمر الذي حُدَّ حَدَّ الإطناب في المبنى مئنة من إطناب آخر يضاهيه في المعنى ، ولا تخلو الصيغة من معنى التكلف إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، فيتكلف الناظر معنى الخشونة ، إذ هي مظنة التصبر وَالْمِرَانِ على التحمل ، فإذا فارقت النعمة لم تجزع النفس لفواتها ولم تحرص عليها حرص الشح والأثرة وذلك ما يواطئ فطرة التكوين الأولى إذ جبلت النفس على الفقر ، فحاجتها إلى الأسباب لا تنقطع فلا يزال تَفْتَقِرُ إلى سبب يحفظ الحياة ، ولو نفسا يَتَرَدَّدُ في الصدر ، فَإِذْ كَانَتْ النَّفْسُ تَفْتَقِرُ إلى الأسباب فإنها لا بد تَتَنَازَعُهَا بل وَتَسْتَجِيزُ لأجلها من القتل والسفك ما تستجيز ! ، لا سيما إن غابت قيم الوحي وسادت قيم الوضع فوحدها قيم الوحي هي التي تحسم هذه المادة فتهذب الشهوة على وجه يحقق مقاصد الشرعة ولا يجافي قانون الفطرة *** يكن الوحي لِيُمِيتَ في النفس حظها من الأسباب فإنها لا قيام لها إلا بقدر من الأسباب يحفظ المهج أن تمرض وتهلك ويحفظ النوع أن يَفْنَى وَيَبِيدَ ، وَإِنَّمَا كان الوحي لِيُرْشِدَ الإنسان إلى طريق مشروعة بِهَا يشبع الغريزة على وجه يوافق أحكام الشريعة ويحقق مقاصدها ، كما تقدم ، فالشريعة ، كما يقول بعض أهل العلم ، أحكام وحكم ، فثم أحكام منها ما لا يعقل معناه ، ومنها ما يعقل فمناط التعليل فيه يَنْضَبِطُ إذ أنيط الحكم بسبب أو شرط ظاهر ، فَثَمَّ سبب يدرك با*** الظاهر ، وهو يصلح مناط سبب ولا يصلح مناط علة ، فإن السبب منه ما يعقل معناه ، ومنه ما لا يعقل ، فَزَوَالُ الشمس سبب في إيجاب الظهر ، وهو مما يدرك با*** ، ولكن وجه التأثير فيه لا يظهر فلا يصلح مناط تعليل ، فلا يظهر وجه التأثير فضلا أنه مما لا يتعدى إلى غيره ليصلح مناط قياس ، وثم سبب آخر يُؤَثِّرُ في حصول المسبَّب على وجه يَسْتَبِينُ لِلنَّاظِرِ فهو يدرك با*** الظاهر ، ووجه التَّأْثِيرِ فيه يظهر كالسفر والمرض فهو مما يجيز الترخص فطرا في رمضان ، وَقَصْرًا للصلاة في السفر ، وَجَمْعًا لَهَا في الحضر في حق المريض ، وذلك مما لا يَتَعَدَّى إلى غيره ، إلا في مواضع ، فثم من توسع في رخصة الجمع في الحضر فَقَاسَ على المريض أصحاب الحوائج ، وهذا قول الحنابلة رحمهم الله فهم أوسع المذاهب في هذا الباب ، فالمعنى عندهم يتعدى إلى غيره ، وثم نوع ثالث من الأسباب ، يظهر في ا*** ، ويؤثر في المحل ، وَيَتَعَدَّى إلى غيره فهو مناط القياس ، والسبب ، من وجه آخر ، منه الخفي كحصول النطفة في الرحم فذلك أمر يخفى إذ لا يطلع عليه أحد لمكان الستر حال الوقاع ، فأقيم لفظ الإيجاب والقبول الظاهر نيابة عن السبب الخفي وهو حصول النطفة ، أقيم نيابة عنه في إثبات النسب ، ومن السبب ما هو ظاهر ، كما تقدم ، فثم أحكام أنيطت بِعِلَلٍ ، وثم أحكام أنيطت بأسباب ، فالأحكام تدور مع عِلَلِهَا وأسبابها وجودا وعدما ، وثم حِكَمٌ منها ما يظهر ومنها ما يخفى فلا يدركه العقل وإن وجد آثاره في الخارج ، فإن إيجاب الظهر أربعا ، أَمْرُ توقيف في أحكام التعبد فلا يُعَلَّلُ ، وإن كان له عِلَّةٌ فِي نَفْسِ الأمر قد حُجِبَ عِلْمُهَا عن العقل ، فَلَهُ حكمة إذ التَّأَلُّهُ تَأْوِيلٌ صحيح صريح لفطرة التوحيد الناصعة فتجد النفس من آثارها خيرا يعظم وصلاحا في الحال والمآل فسعادة وانشراح وفوز ونجاة ، وإن لم يعلم عَيْنُ السببِ ، فذلك من الابتلاء أن يُسَلِّمَ العقل لِمَا جَاءَ بِهِ الَوْحَيُ على وجه لا يُلْجِئُهُ أن يُصَدِّقَ بِمُحَالٍ ، كما هي الحال في مقالات حادثة في الملل والنحل والمذاهب ، فَلَا يَخْلُ أَمْرُهَا ، إن تَدَبَّرَ الناظر ، من تَنَاقُضٍ ، وإن اجتهد مَنِ اجتهد مِنْ أربابها أن يحرر معانيها ، وإن لم يجد العقل العلة الأخص في موضع كإيجاب الظهر أربعا ، فإنه يجد الحكمة الأعم فلا تخلو العبادة من استصلاح النفس فهي غذاء نافع به تعمر الأركان والجوارح بالطاعة فلأجلها خلقت ، وإذا حصلت الغاية صلحت الآلة أن انتفع بها صاحبها فيما خلقت له ، فذلك من الحكمة التي يسلم بها كافة العقلاء ، فإن استعمال الشيء فِيمَا خُلِقَ لَهُ هو عين الحكمة التي تقضي أن يوضع الشيء في محله الذي يلائمه ، فإذا استعملت الجارحة في الطاعة حَصَلَ لَهَا من بَرَكَةِ التَّأَلُّهِ ما يَنْفَعُ فَهِيَ تَقْوَى وَتَصِحُّ فَإِنَّ للطاعة بَرَكَةً تظهر آثارها في الظاهر والباطن ، فالباطن يطمئن ، والظاهر يَقْوَى وَيَصِحُّ ، فضلا عن مقصد التشريع الرئيس أن يحقق الناسُ الغايةَ من الخلق فيعبدوا الرب ، جل وعلا ، عبادة الاختيار معرفةً لا تقتصر على صورة علمية مجردة من الخضوع والانقياد فذلك معنى آخر ذكره بعض أهل الشأن ، فما خلقهم ، جل وعلا ، إلا ليخضعوا له وَيَتَذَلَّلُوا ، وذلك أمر يَزِيدُ على محض التصديق ، فَثَمَّ زيادة في حركة القلب أن يُسَلِّمَ وَيَنْقَادَ وَيُذْعِنَ وَيُقِرَّ ، فذلك وإن دخل في حد التصديق إلا أنه قدر زائد على العلم المحض ، فالتصديق *** أعم تندرج فيه آحاد ، فَثَمَّ تصديق العلم المجرد وهو ما يكافئ مطلق المعرفة فتحصل صورة العلم في القلب مجردة من الإذعان والإقرار وهو القدر الزائد ، كما تقدم ، فلا تجزئ هذه المعرفة فهي دون التصديق فلا تجزئ في حصول إيمان ينفع خلافا لمن غلا في مقال الإرجاء فالتزم لأجل ذلك القول بإيمان إبليس إذ عَرَفَ الله ، جل وعلا ، وإن أبى واستكبر ! ، وثم تصديق يقترن بحركة تزيد لا تخرج عن حد التصور ، فَثَمَّ تصور الانقياد والطاعة فهو قدر زائد به يَتَلَقَّى القلبُ الخبرَ بالقبول إذ حصل له من دلائل الصدق والعدل ما يستحسنه كل عقل ، إلا إن فسد قياسه فاستحسن ما أجمع العقلاء على قبحه من الشرك والكفر فلا يخلوان من جحود ظاهر لنعمة المنعِم ، وذلك ما يَسْتَقْبِحُهُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ ومروءة فضلا أن يكون من أصحاب الديانة ، فالشرك صرفُ العبادة لمن لا يستحق ، وذلك ما يخالف الحكمة أن يوضع الشيء في موضعه ، فإذا عبد الإنسان من ليس له عليه نعمة ، وأبى أن يَنْقَادَ ويذعن لأمر من له عليه نعمة ، فَقَدْ بَلَغَ من الجحود ما بَلَغَ ، فالحكمة انتفت ، والمروءة قد عدمت ، فصاحب المروءة يعرف لذي الفضل فضله ، وإن أسدى إليه من المعروف ما صَغُرَ ، فكيف بمن له أعظم معروف ؟! ، إذ قَدَّرَ وخلق وأوجد وصور على أكمل هَيْئَةٍ ، وثم تصديق ثالث ، وهو تصديق اللسان أن ينطق بِمَا قام بالقلب من صورة العلم ، فمنطق اللسان يترجم عن منطق الجنان ، وثم تصديق رابع ، وهو تصديق أخص ، فالجوارح تصدق ما قام بالقلب من صورة العلم ، فَثَمَّ وعد ووعيد يحمل على الفعل والكف ، وثم أمر ونهي وتصديقه أن يؤمن الفاعل بصحة النص في نفس الأمر ، ولا يجزئ ذلك ، بداهة ، حتى يقيم الدليل الشاهد من فعل الظاهر فيمتثل الأمر بفعل المأمور ، ويمتثل النهي باجتناب المحظور ، فَغَايَةُ الخلق أن يُعْبَدَ الرب ، جل وعلا ، عبودية الانقياد والاختيار فذلك قدر يزيد على عبودية الاضطرار ، وإن دخلت في عموم المعنى ، فإن العابد المختار عبد منقاد بالاضطرار ، فهو عابد إذا امتثل الأمر الشرعي ، وهو ، من وجه آخر ، معبَّدٌ مُذَلَّلٌ بالأمر الكوني ، وعبادة الاختيار هي مناط التكليف إذ هي مناط الاختيار ، ولا يتصور ابتلاء بداهة إلا وثم اختيار أن يصدق أو يكذب ، أن يفعل أو يَتْرُكَ ، ولا يخرج هذا الاختيار ، من وجه آخر ، من خضوع وانقياد لأمر التكوين الأعم الذي يستغرق المؤمن الطائع والكافر المارق ، فَثَمَّ عموم وخصوص مطلق ، فكل عابد مختار فهو عبد بالاضطرار يخضع لأمر التكوين النافذ فما كان ليختار بإرادة تؤثر فهي مناط تكليف بالأمر والنهي ، ما كان ليختار بهذه الإرادة إلا وَثَمَّ إرادةُ تكوين تَسْبِقُهَا ، فَبِهَا خلق الرب ، جل وعلا ، إرادة المكلَّف ، وبها خلق فيه طاقة الفعل ، وبها هيأ له أسبابه ، وبها أجرى الأسباب أن تحصل بها المسبَّبَاتُ ، وبها نَفَى الموانع ، وبها خلق الأعيان الفاعلة ، والأحوال الحاصلة فهي المفعولات الكائنة في الخارج بمشيئة الرب الخالق ، جل وعلا ، فكل أولئك يدخل في عموم الخلق في قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فهو خالق الأعيان والأحوال والأسباب وهو خالق القوى في الأسباب أن تؤثر بإذن الرب المهيمن ، جل وعلا ، سواء أكان التأثير اضطرارا كتأثير النار أن تحرق فلا إرادة لها لتختار أن تحرق أو لا تحرق ، وإنما تحرق اضطرارا فهي فاعل بالطبع لا فاعل بإرادة تؤثر ، فالأسباب تُؤَثِّرُ بإذن الخالق ، جل وعلا ، سواء أكان التأثير اضطرارا ، كما تقدم ، أم كان التأثير اختيارا ، كفعل الإنسان حال التكليف والاختيار ، فَثَمَّ حركات في البدن تجري مجرى الاضطرار ، كحركة الأحشاء والقلب ، وهي التي اصطلح في علم وظائف الأعضاء أنها حركات لا إرادية فلا يتحكم فيها الإنسان بإرادته ، وإنما تحصل رغما وَثَمَّ أخرى تجري مجرى الاختيار منها ما يجري مجرى الطبع والجبلة كالأكل والشرب .... إلخ ، ومنها ما يجري مجرى التكليف وهو مناط الابتلاء بالأمر والنهي ، وهو محل الشاهد في الآية ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فتلك عبادة الاختيار الأخص ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، عموم وخصوص مطلق ، فإن كل عابد بالشرع عبد بالكون ، ولا عكس ، فالكافر قد خرج عن أمر التشريع ولكنه لم يخرج بذلك أن يكون عبدا منقادا بقدر التكوين ، فما أطاع طائع ولا عصى عاص إلا بإذن الله ، جل وعلا ، إِذْنَ التكوين النافذ ، فمن شاء ، جل وعلا ، امتن عليه أن يطيع فضلا على وجه تظهر به آثار القدرة النافذة والحكمة البالغة ، فقد هَيَأَّ ، جل وعلا ، المحل وَخَلَقَهُ أن يواطئ أسباب الخير إن في الخبر أو في الحكم ، فَأَلْهَمَهُ التَّقْوَى أن يُصَدِّقَ الخبر وَيَمْتَثِلَ الحكم ، وَهَيَّأَ لَهُ ، أيضا ، أسباب الخير ، فَهَيَّأَ المحلَّ على حال من الخير تظهر ، والحكمة تقضي أن يُهَيِّئَ له من أسباب الخير ما يلائمه ، فثم فضل أول في مطلق الإيجاد ، فهو خير من العدم ، وإن كان المحل ناقصا فذلك شر في المقدور المفعول في الخارج لا في قدر الرب ، جل وعلا ، النافذ ، فَفِعْلُهُ كله خير إذ الشر ليس إليه فعلا ، وإن وقع في الكون بقدره النافذ ، فَهُوَ له ، جل وعلا ، خلقا ، وذلك أيضا يدخل في عموم الخلق في قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فاقتضى الأدب ألا يسند الشر إلى الله ، جل وعلا ، إسنادا مباشرا كإسناد الخير فيسند أنه مخلوق كائن ، لا أنه فعل بذات ربنا ، جل وعلا ، قائم ، فَفِعْلُهُ ، جل وعلا ، كله خير وإن خَلْقَ الشر إذ به يكون من الخير ما يعظم على وجه تظهر فيه آثار الحكمة أن يُتَحَمَّلَ الأدنى من الشر العارض تحصيلا للأعلى من الخير الآجل ، فظهرت الحكمة طردا وعكسا ، أن خلق مَحلَّ الخير وهيأ له من أسباب الخير ما يلائمه ، وخلق محل الشر وهيأ له من أسباب الشر ما يلائمه ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه يعظم به الثَّنَاءُ على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، قدرة نافذة وحكمة بالغة ، وثم فضل ثان في حق المؤمن ، وهو إيجاد محل الخير ، وثم فضل ثالث ، وهو إيجاد أسباب الخير التي تلائم محله ، وثم فضل رابع أن يخلق ، جل وعلا ، في الجنان إرادة الخير مباشرة لأسبابه ، وثم فضل خامس أن يخلق ، جل وعلا ، في الجوارح قوة وطاقة بها تباشر أسباب الخير ، وثم فضل سادس أن يخلق ذات الفعل ، فلا يستقل العبد بإيجاد أو إعدام وإن كان له إرادة تُؤَثِّرُ في الْفِعْلِ أو في التَّرْكِ ، فَهِيَ تَجْرِي مجرى المرجِّح من خارج في محل جائز ، فالفعل ابتداء يجوز في حق العبد المكلَّف ، فيحتمل الوقوع ، ويحتمل عدمه ، احتمالا يَتَسَاوَى طرفاه فلا بد من سبب من خارج يرجح أحد وجهي الجائز ، وهو إرادة العبد أن يفعل فيرجح جانب الإثبات ، أو يَتْرُكَ فيرجح جانب النفي ، ولا يخرج هذا السبب ، وهو مخلوق ، لا يخرج بداهة عن قدر التكوين النافذ فهو ، أيضا ، يدخل في عموم الخلق في قول الرب جل وعلا : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فجاء التعليل في لام "ليعبدون" في قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، خلافا لأهل الجبر ومن نفى الحكمة والتعليل ، فكل لامِ تعليلٍ في التَّنْزِيلِ فَهِيَ عِنْدَهُ لام العاقبة ، كما في قوله تعالى : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ، وذلك ما رده بعض المحققين ، إذ لام العاقبة لا تكون إلا في حق جاهل بالمآل ، *** يكن فرعون ، بداهة ، يعلم أن التقاطه موسى عليه السلام سبب في حَزَنٍ يحصل له في مآل أمره فَلَوْ علم ذلك ما التقطه ، ولام العاقبة ، من وجه آخر ، لا تكون إلا في حق العاجز كقولك : لدوا للموت ، وقول القائل :
فللموت تغذو الوالدات سخالها ******* كما لخراب الدور تبنى المساكن .
فلا يَقْدِرُ أحد بداهة أن يدفع قدر الموت أو الخراب ، والجهل والعجز من النَّقْصِ الذي تَنَزَّهَ عَنْهُ الرب جل وعلا .
فاللام في "ليعبدون" ، مناط تعليل بالنظر في العبادة الأخص وهي عبادة التصديق والامتثال اختيارا على وَجْهٍ بِهِ يحصل الابتلاء إذ يطيق المكلَّف الفعل أو الترك وإن لم يخرج عن السبب الأول ، فإن إرادته المخلوقة إرادة مؤثرة ، كما تقدم ، بِهَا يكون الترجيح فيرجح جانب الفعل تارة ، وجانب الترك أخرى ، ولكن هذا السبب الباطن لا يستقل بالتأثير فلا بد من جملة أسباب تعضده كصحة الآلة وطاقة الفعل ، ولا بد من انتفاء جملة موانع تحول دون وقوعه ، وذلك أمر يعم أحكام الكون وأحكام الشرع ، أفعال الجبلة وأفعال الشرعة ، فلا بد لكل منها أن تُسْتَوْفَى شرائِطُه وَتَنْتَفِي موانِعُه ، فإن حكم الصلاة واجب ولا بد له من جملة أسباب تُسْتَوْفَى منها ما يقدر عليه المكلف كالوضوء وستر العورة وطهارة البدن والثوب والبقعة ، فلا تسقط إلا بالعجز ، كأن يُمْنَعَ المكلف ماء الوضوء فَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الماء عدو صائل أو وحش كاسر ، أو يُمْنَعَ السترة التي تستر عورته ، أو يُحْبَسَ في مكان نجس فيجتهد أن يختار البقعة الأخف نجاسة ويصلي على هيئة بها يحقق الشرط ما أمكن وإن سقط لأجله بعض الأركان كالسجود فيومئ به ، والجلوس فلا يجلس جلسة التشهد وإنما يجلس على أعقابه دون أن يمس بجسده البقعة النجسة ، فإذا تعارض شرط كطهارة الثوب والبدن فإنه يتنجس لا محالة إن باشر محلا نجسا ، إذا تعارض شرط كطهارة الثوب والبدن مع ركن كالسجود والقعود للتشهد الأخير ، أو تعارض الشرط مع واجب كالقعود للتشهد الأول ، قدم الشرط إذ يستصحب زمنَ العبادة كلها خلافا للركن فإنه يسقط فور أدائه ، وما يستصحب زمن العبادة كله أولى بالاعتبار مما يسقط فور أدائه ، فمن الشرائط ما يطيق المكلف ، كما تقدم ، ومنها ما لا يطيق كدخول الوقت فلا يطيقه المكلَّف ولا يجب عليه إذ لا تكليف إلا بمقدور ، والمكلَّف ، بداهة ، لا يطيق أن يحرك الشمس لِتَزُولَ فتجب الظهر ، أو تَغْرُبَ فتجب المغرب ! ، فذلك شرط إيجاب وشرط صحة معا ، فلا تجب الصلاة إلا بدخول الوقت ، ولا تصح قبله أو بعده ، فلا تصح إلا فيه سواء أكان الوقت مضيقا أم موسعا ، فلا تصح صلاة الظهر قبل زوال الشمس إلا على قول ضعيف مهجور يُرْوَى عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، على كلام في إسناده ، ولا تصح صلاة الظهر بعد صيرورة ظل كل شيء مثله فذلك وقت العصر ، على خلاف في مذهب الحنفية ، رحمهم الله ، وقل مثله في البلوغ فإنه مما لا يطيق المكلف ، فذلك شرط إيجاب فلا تجب الصلاة إلا على بالغ إلا على قول في مذهب أحمد ، رحمه الله ، أوجب فيه الصلاة على مَنْ مَيَّزَ وَبَلَغَ عشرا وإن لم يَبْلُغِ الحلم ، ودليله الخبر المشهور أن : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، وَالضَّرْبُ عِقَابٌ ولا يكون عقاب إلا على تَرْكِ واجب ، وأجيب أن ذلك ضرب الاستصلاح لا العقاب ، فلا يجب على الصغير المميِّزِ أن يصلي وإن وجب تأديبه ليعتاد التكليف فلا يفجأه حال البلوغ ولم يعتده فيقع في التفريط الذي به يأثم ، فلا يكون ذلك إلا بالتأديب أن يعتاد الفعل فلا يثقل عليه ، وقد يقال ، من هذا الوجه ، إن الإيجاب ينظر فيه أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فإذا لم يتم إيجاب العبادة بعد البلوغ إلا بتأديب قبلها فالتأديب واجب فيكون الفعل واجبا قبل البلوغ ، ولو تَأْدِيبًا ، وقد يجاب إن ذلك إيجاب التأديب لا إيجاب الفعل ، فالتأديب يجب على ولي الصبي ، والفعل لا يجب على الصبي ، فيكون الأمر في حق الأولياء أن : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، يكون أمر إيجاب بالاستصلاح ، ويكون امتثال الأولاد امتثال الندب لا الإيجاب ، فَلَمَّا يكلفوا بعد ، وإنما يستصلح الطفل بالأمر والنهي تأديبا ، كما تقدم ، فالبلوغ ، وهو محل شاهد ، تقدم ، البلوغ شرط إيجاب لا صحة ، فالصلاة تصح من الطفل المميِّز ندبا لا إيجابا ، فَيُثَابُ عليها من هذا الوجه ، وأما حصول العقل على وجه يميز به الفاعل ، فذلك شرط صحة في الصلاة مطلقا فلا تصح ممن لا عقل له لانتفاء القصد المخصوص الذي لا يحصل إلا بمطلق العقل ، ولو عقل التمييز الأول ، ولا بد مع ذلك من انتفاء موانع ، كالحيض ، فهو مانع حتى يحصل الطهر ، فذلك مانع في الشرع ، إذ وضع الشارع ، جل وعلا ، حصول الحيض مانعا من الصلاة ، وثم مانع آخر في ا*** كَزَوَالِ العقل ، فلا تجب الصلاة على النائم إذ غاب عقله ، فإيجاب الإلزام يَنْتَفِي في حقه ، وإن لم يَنْتَفِ إيجاب الإعلام ، فخطاب التكليف لا يَرْتَفِعُ من هذا الوجه ، ولذلك وجب على من كان بجواره أن يوقظه إذا دخل وقت الصلاة .
وكل أولئك حال اختيار العبد بإرادته المؤثرة ، كل أولئك من الأسباب والشروط والموانع يأرز إلى سبب يَتَقَدَّمُ كُلَّ سبب وهو إرادة التكوين النافذة فهي السبب الأول الذي يحصل به الترجيح في الجائزات ، فالإرادة هي مُوجِبُ الفعلِ والتَّرْكِ ، الإيجادِ والإعدامِ ، فإن الرب ، جل وعلا ، موجِب بكلماته الكونية النافذة ، فهو موجب بالاختيار إرادة نافذة ، فليس موجبا بالذات المجردة من الوصف كما زعم من زعم من الفلاسفة ، فحصل التعليل في لام "ليعبدون" ، على نحو يَتَوَجَّهُ به التكليف ، ولا يخرج به المكلف عن قدر التكوين ، فإن قَوْلَهُ وَفِعْلَهُ لا يخرج عن إرادة الرب ، جل وعلا ، ومشيئته النافذة ، فهو الذي خلق المحال وأوجدها وهو الذي أعدها أن تقبل آثار الأسباب على وجه تظهر به آثار القدرة والحكمة ، وهو الذي أمدها بالأسباب التي تؤثر بما ركز فيها من قوة التأثير ، ولا تخرج ، مع ذلك ، عن قدر التكوين النافذ ، وهو الذي ألهم الإنسان أسباب التقوى فضلا ، وألهمه ، في المقابل ، أسباب الفجور عدلا ، *** يُرِدِ الله ، جل وعلا ، الفجور بقدر التشريع الحاكم وإن شاءه بقدر التكوين النافذ ، على وجه يواطئ صريح الحكمة أن يمد كل محل بما يلائمه من الأسباب .
فما خلق البشر إلا لعبادة الاختيار تصديقا وانقيادا وذلا وخضوعا في الباطن فذلك منشأ الفعل في القلب إرادةً بها يكون الفعل والترك ، وحبا يحمل على الفعل ، وبغضا يحمل على الترك ، وتوكلا واستعانة فلا يكون القول والفعل إلا بمعونة تَزِيدُ هي من مدد التكوين ، وقولا وعملا في الظاهر ، فذانك شطران آخران ، فالعبادة فعل الباطن بالتصديق ، وفعل الظاهر في القول الناطق والعمل الشاهد فهو يصدق ما قام بالقلب من التصور والإرادة ، صحت أو فسدت ، فـ : "الفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" ، فصدقت الجارحة أو كذبت ما تَتَمَنَّى النفس وَتَشْتَهِي .
ولا يخلو المعنى أن يدل على عبادة التكوين فيكون المعنى ، كما يذكر بعض المحققين ، وما خلقتهم إلا لِيَسْتَسْلِمُوا لمشيئتي وقدرتي فيكونوا معبدين مذللين كي يجري عليهم حكمي ومشيئتي فلا يخرجوا عن قضائي وقدري ، فذلك معنى يصح ، ولكن الاقتصار عليه يفتح الباب لمقال الجبر أن يحتج من يحتج بالمشيئة على إبطال أحكام الشريعة ، كما وقع من غلاة الحبرية من الإباحية الذين عطلوا الشرائع واحتجوا على ذلك بموافقة الأمر الكوني ، فلا يحصل ذلك على وجه صريح إلا أن يوافق صحيح التنزيل ، فيواطئ الفعل قدر التشريع وهو في كل حال لا يخرج عن قدر التكوين فيجتمع في حق الفاعل أنه العابد المختار العبد المنقاد ، فاستجمع الوصفين إذ وافق القدرين ، قدر التشريع الحاكم وقدر التكوين النافذ وتلك أكمل حال يرجوها المكلف .
فجاء النَّفْيُ بـ : "ما" والاستثناء بـ : "إلا" في قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وهو أقوى أساليب القصر ، وذلك ما يجري مجرى القصر الحقيقي إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده بالنظر في حال المكلَّف من الجن والإنس ، وهم محل التكليف ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، ما يضعف قول من قال إن هذا العموم قد خص على تقدير : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدني منهم من عبدني ، ومن أبى فما خُلِقَ لذلك ! ، فهو قول يجوز لأهل الفجور والكفران أن يحتجوا به في إبطال التكليف إذ لم يخلقوا للعبادة كأصحاب الطاعة ، وإنما خلقوا للفجور فما أَذْنَبُوا إذ تأولوا ما خُلِقُوا لأجله ! ، وذلك ، كما تقدم ، قول الغلاة من أهل الجبر على وجه يتذرع به الإباحية أن ينقضوا أحكام الشريعة العملية فيقارفوا المحرم في الشرع احتجاجا بالمقدور في الكون ! ، والصحيح أنهم خُلِقُوا للفجور بقدر التكوين ، وليس بمحل تكليف في الشرع فلا يكلف أحد بقدر الكون إذ هو فعل الرب ، جل وعلا ، فلا يطيقه العبد ، ولا تكليفَ بما لا يقدر عليه الفاعل ، فضلا أنه لا يعلمه ابتداء فهو مما غاب عنه فكيف يحتج بما لا يعلم ؟! ، فيزعم تخرصا وظنا أنه خلق للفجور فما أدراه لعله خلق للطاعة والإيمان ولو كان مبدء أمره الفجور والعصيان .
ولو قيل بذلك فلا وجه لحصر العبادة في الجن والإنس ، فإن الملائكة أيضا عبدت الرب ، جل وعلا ، عبادة شرع بذكر وركوع وسجود وطواف بالبيت المعمور ..... إلخ ، ولكنها عبودية اضطرار لا اختيار فَلَوْ خص العموم على الوجه المتقدم فقيل إن العبادة لم تقع إلا ممن أراد الله ، جل وعلا ، أن تَقَعَ منه ، فلا وجه لقصر ذلك على الجن والإنس بل الملائكة تدخل في هذا العموم ، كما ذكر بعض المحققين ، فالقصر في حق المكلفين ، من الجن والإنس ، قصر حقيقي إذ تلك الغاية من خلقهم بالنظر في معنى العبادة الأعم الذي يَسْتَغْرِقُ جميع حركات الاختيار ، ما بطن وما ظهر ، فهو يستغرق المباح فلا يخلو من قصد فيكون مرادا لغيره من هذا الوجه ، فحركات الخلق الاختيارية لا تَبْلُغُ حد الكمال إلا أن تسلك جادة الوحي ، وَإِنْ في أُمُورِ العادة والجبلة ، فضلا عن أمور يظهر فيها معنى التكليف فمعنى التعبد والتنسك فيها أظهر ، كأمور العقد الباطن والشرع الظاهر ، والسياسة والحرب ، وسائر ما نَزَلَ لأجله الوحي أن يصلحه ويقوم ما اعوج منه ، إن في باطن الأمر أو ظاهره ، خَاصِّهِ أو عَامِّهِ ، فذلك معنى العبادة الأعم الذي يستغرق ، كما تقدم ، كل ما يحب الرب ، جل وعلا ، وَيَرْضَى من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، الخاصة والعامة ، على وجه يتأول به المكلَّف شطري المعنى ، كمال الحب رغبا يحمل على الفعل ، وكمال الذل رهبا يحمل على الترك ، وذلك ما حسن معه إطلاق الفعل آخر الآية "لِيَعْبُدُونِ" ، فالإطلاق مظنة عموم يَسْتَغْرِقُ جميع أجناس العبادة ، كما تقدم ، وهو ما حصل فيه النِّزَاعُ بين الوحي والوضع فَنَازَعَ الوضعُ الوحيَ موارد من الطاعة بما أحدث من الشرائع الباطلة والسياسات الجائرة التي تأرز إلى افتقار الواضع جبلة فهو ، كما تقدم مرارا ، متهم بالافتقار إلى الأسباب ، ولذلك جاء الأمر أن : "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" ، على كلام في الإسناد واللفظ ، كما تقدم ، فَأَمَرَ أن : "اخشوشنوا" ثم عقب بالفاء على جهة الفور ولا تخلو من دلالة السَّبَبِيَّةِ إذ دخلت على الناسخ المؤكد بعد إنشاء ، فأفادت التعليل ، من هذا الوجه ، إذ ثم سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، وما علة ذلك ؟! ، فجاء الجواب : لأن النعم لا تدوم ، وثم "أل" تُبَيِّنُ ال*** المستغرق لآحاد المعرَّف إذ دخلت على لفظ "النعم" ، ولا تخلو من دلالة العهد فهي نعم البدن التي يفتقر إليها الإنسان فَتَحْمِلُهُ على البغي والطغيان ، فيضع من الشرائع والأحكام ما يحفظها وإن خالف لأجل ذلك ما خالف من أحكام الشرعة بل وبدائه العقل وا*** والفطرة ! ، فلا يصلح مَنْ تلك حاله أن يضع الشرع فلا يضعه إلا حَكَمٌ من خارج لا يُتَهَّمُ فهو الغني الذي لا يفتقر إلى السبب ، بل كل ما تقدم من الأسباب إليه يفتقر ، خلقا وَتَسْيِيرًا ، فضلا أن الواضع من البشر جاهل لا يدرك المآل لا في الأولى ولا في الآخرة ، إلا خرصا أو ظنا مجملا لا يُبَيِّنُهُ إلا الوحي المحكم الذي جاء بالتفصيل الصحيح على وجه يواطئ دلالة العقل الصريح ، فلا يستقل العقل بدرك التفصيل في الأحكام ، وإن أدرك ا***ن والقبح جملة بما ركز فيه من صحيح الفطرة فَلَمَّا تَزَلْ تَفْتَقِرُ إلى بيان الوحي المفصل ، فضلا أنه يُقَوِّمُ ما اعوج منها إذا حادت عن جادة التوحيد والتشريع ، فالعبادة لا تكون إلا بأمر ونهي ، وذلك تأويل الطاعة امتثالا للأمر والنهي ، وهو من آكد ما يقيم به العبدُ الشاهدَ الصادق من نفسه على عبودية الباطن والظاهر ، ولذلك جاء في تأويل الآية في أقوال : ما خلقتهما إلا لآمرهم وأنهاهم ، على وجه أطلق فيه الأمر والنهي ، فَعَمَّ جميع موارد التكليف من أفعال الاختيار فهي التي يتوجه فيها الأمر والنهي فلا يتوجه إلى فعل اضطرار لا يطيقه العبد إذ التكليف بالمحال مما امتنع بِنَصِّ الشرع الرحيم ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فَيَعُمُّ جميع الأوامر والنواهي إن في العقائد فثم أمر أن يصدق القلب بأخبار الغيب في الإلهيات والسمعيات والنبوات ، وأن يمتثل لازم ذلك من إفراد الرب ، جل وعلا ، بجميع أجناس التأله وأولها وآكدها التوحيد ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، فهو قطب رحاها الذي شرعت تحقيقا له في الخارج وصيانة له من الناقض الباطن والظاهر ، وثم نهي أن يعطل الأخبار أو يتأولها على وجه يخرج بها عن مراد الشرع ، وَثَمَّ ، في المقابل ، أمر ونهي في التكليف الظاهر ، في القول والعمل ، فَثَمَّ ما أَمَرَ به من حَسَنِ الأقوال وآكدها ، أيضا ، النطق بشهادة التوحيد فَهِيَ دليل الصدق في الخارج على ما يقوم من معنى التوحيد بالباطن ، وثم ما نَهَى عنه من قَبِيحِ الأقوال وآكدها النطق بالشرك أو الكفر الناقض لأصل الدين كَسَبِّ رب العالمين ، جل وعلا ، أو القدح في عرض النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو الاستهزاء بالآي المنزَّل ، أو إنكار ما قد علم من الدين ضرورة فلا يعذر القائل بجهل وإن عذر بالإكراه أن ينطق بالكفر إذا أكره عليه .
وَثَمَّ ما أَمَرَ به من فعل الظاهر ، ما خص وما عم ، فَثَمَّ أَمْرٌ في العبادة صلاة وزكاة ، وَثَمَّ أَمْرٌ في الشرع والمعاملة ، وَثَمَّ أَمْرٌ في السياسة والمحاربة ، وثم ما نهى عنه من فعل الظاهر وآكده ما يكون سببا في الشرك أو الكفر الناقض لأصل الدين ، كالسجود لغير رب العالمين ، جل وعلا ، أو الحكم بغير ما أنزل من الشرع المحكم ، أو موالاة أعدائه من اليهود والنصارى وسائر أعداء الديانة ، فعم الأمر والنهي ، كما عمت العبادة ، عم جميع موارد التكليف اختيارا سواء أكان بالخبر وتكليفه التصديق ، أم بالإنشاء أمرا ونهيا فالتكليف أن يُمْتَثَلَ الوحي في الباطن والظاهر على وجه استغرق جميع محال التكليف وأحواله فكان ذلك ، كما تقدم ، قَاضًّا لمضجع الوضع المحدث أن لم يجد فسحة بها يحكم ويطغى بما يهوى أو يَجِدُ ، فجاء الوحي يبطل سلطان الهوى والذوق ، ويهدر كل ما يَعْتَبِرُ أرباب الحظوظ في أمور السياسة والحكم فيعتبرون ما حقه الإلغاء من سياسات النفع والانتهاز ، وَيُلْغُونَ ما حقه الاعتبار من شرائع القصد والاعتدال أن لم يحصل بها ما راموا من حظوظ النفس وشهواتها فجعلوا المتشابه محكما ، وجعلوا الوحي المحكم محل نظر فلا يقبل أو يرد إلا أن يعرض على معيار الهوى والذوق ! ، فصار الهوى والذوق إلهين اثنين يعبدان من دون الله ، جل وعلا ، وإن أظهر العابد من شهادة التوحيد النطق ، والتزم جملة من أحكام الجوارح وحاله في أمور الشريعة والسياسة والحرب تُكَذِّبُهُ ، فأقام في الظاهر دليلا ينقض دعواه نقضا ! ، إذ حاله في الشرع والحكم والقتال على جادة الهوى ولو اضطرت صاحبها أن يقترف من ناقض الدين ما يقترف فَلَوْ كانت ال**لحة المتوهمة في تعطيل الشريعة فلا يجد غضاضة في ذلك ، وإن كانت ال**لحة المتوهمة في موالاة الكفار ونصرتهم على أهل الإيمان فلا يجد غضاضة وإن تأول لأجل ذلك ما تأول أنه يحكم بالعدل ويحارب قوى الشر ! ، فدعوى الإيمان دعوى مركبة من أجزاء منها الباطن ومنها الظاهر فلا بد من استيفاء أجزائها جميعا ، ولا بد من انتفاء الناقض إن في الباطن أو في الظاهر ، فكما أن دعوى الإيمان دعوى ذات شعب وأجزاء منها الباطن ومنها الظاهر ، فكذلك حقيقة الكفر ، فهي ، أيضا ، مما ينشعب ، فثم شعب تنقض أصل الدين الجامع وثم أخرى تنقض كمال الدين الواجب ، فلا بد من السلامة من نواقض الكمال لتحصل الحقيقة الكاملة المنجية ، فذلك الحد الأقصى ، ولا بد من السلامة من شعب الكفران الناقضِ لأصل الدين ليحصل مطلق الحقيقة الإيمانية في الخارج ، فذلك الحد الأدنى ، وإن لم يحصل الكمال بفوات بعض الأجزاء التي لا يَنْقُضُ فواتها أصل الدين أو حصول بعض الشعب الناقضة لكمال الدين دون أصله .
فحقيقة الإيمان منها الباطن ومنها الظاهر ، وحقيقة الكفران ، في المقابل ، منها الباطن ومنها الظاهر فلا بد أن تحصل الحقيقة الإيمانية المركبة ولا بد أن تسلم من نواقضها بَاطِنًا وَظَاهِرًا .
وثم عموم تغليب بالنظر في دلالة الواو في "ليعبدون" ، فهي واو الجمع المذكر ، والتكليف بداهة قد عم جميع المكلفين ، إنسا وجانا ذكرانا وإناثا .
وثم عموم آخر يستفاد من إطلاق الخلق صدر الآية فهو يعم خلق التقدير وخلق الإيجاد ، فالحكمة قَدَّرَتْ في الغيب أولا ، والقدرة أوجدت في الشهادة ثانيا على وجه حصل به التأويل الصحيح في عالم الشهادة لِمَا قَدَّرَ الخالق ، جل وعلا ، في الأزل بعلم أول يؤثر في إيجاد المخلوقات فهو علم التقدير ، فكان الخلق بعلم التقدير وكان الابتلاء بالتكليف بما اقْتَضَى علم التشريع خبرا يصدق وحكما يمتثل ، وإذا نظرت في القصر ، من وجه آخر ، وجدت أنه قصر إضافي بالنظر في فعل الرب ، جل وعلا ، فكان خلقهم ليعبدوه فهذه غاية ، وكان خلقهم لتظهر آثار كماله ، جل وعلا ، في الكون ، فهذه غاية أخرى ، فتظهر آثار كماله ، جل وعلا ، في أفعاله ، فإن أفعاله في الخلق هي تأويل كماله في الوصف ، فَفِعْلُهُ يصدر عن كماله الأول المطلق ، خلافا لفعل المخلوق فهو الذي يبلغ به الكمال الذي يليق بحاله فهو مبدأ أمره جاهل لا يعلم ، فـ : (اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) ، فيكتسب ما يكتسب من العلم شيئا فشيئا حتى يحصل له وصف الكمال ، وقل مثله في جميع الأفعال فهو يجرب ويخطئ ويستفيد وَيَتَعَلَّمُ ولا يليق ذلك بداهة في حق الرب المهيمن ، جل وعلا ، الذي خلق ودبر بوصف الجمال ووصف الجلال ، فيكون التدافع بين الأضداد على وجه يثبت به معنى الربوبية فَبِهَا تُخْلَقُ الأضداد وَتَتَدَافَعُ .
فدلالة الآية تنصرف إلى الخبر المحض بالنظر في عبادة التكوين ، فإن خضوع الجن والإنس وسائر الخلق له ، جل وعلا ، أمر ظاهر ، فيكون ذكر الجن والإنس من باب التمثيل بخاص لعام وهو جميع الكائنات ، ما عَقل وما عجم ، ما حَيَّ وما مات ، ما تحرك وما سكن ، فكلها خاضعة لأمر التكوين النافذ ، فأعيانها وأحوالها تدخل في عموم الشيء الْمُكَوَّنِ في قول الرب المهيمن : (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .
ودلالة الآية ، من وجه آخر ، تنصرف إلى الإنشاء بالنظر في عبادة التشريع ، فتقدير الكلام : اعبدوا الله ، جل وعلا ، فما خَلَقَكُمْ إلا لأجل ذلك ، وهو وجه يقصر الأمر على الجن والإنس إذ هما *** التكليف بالاختيار وإن كان ثم عاقل غيرهم يعبد الله ، جل وعلا ، وهو قبيل الملائكة إلا أن عبادتهم ، كما تقدم ، عبادة اضطرار لا اختيار فيها ، فـ : (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، وكلا الوجهين صحيح فيصح حمل الآية على الخبر بالنظر في معنى التكوين ، ويصح حملها على الإنشاء بالنظر في معنى التشريع ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مما يجري مجرى العموم في دلالة المشترك إذ دل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وإن كان بينهما من التلازم ما لا يخفى ، فالخبر أول فإذا حصل التصديق كان الإنشاء ثَانِيًا فهو الامتثال ، وفي باب التوحيد ثم تلازم آخر بين خبر الربوبية وإنشاء الألوهية فالأول سبب في حصول الثاني فانفراده ، جل وعلا ، في فعل التكوين ربوبية سبب في إفراده ، جل وعلا ، في فعل التشريع ألوهية .
والله أعلى وأعلم .