rss
11-02-2012, 03:42 AM
مثقف الضرورة وديموقراطية الخراب
بقلم/ البدوي الأخير (https://twitter.com/TheLastBedouin)
إنَّهم كانوا يُستدعون لا ليقولوا بل ليعززوا سياسة الحكومة ، وليطلقوا الدعاية ضد الأعداء الرسميين ، وليحجبوا الحقيقة باسم الشرف الوطني – جوليان بندا
وصلني خبر مقالة الكاتب تركي الدخيل المعنون ” ديموقراطيات الخراب (http://www.turkid.net/?p=5248) ” ، فبحثت عنه في الإنترنت فوجدت بالصدفة عنواناً قريباً منه لمقالة كُتبت في جريدة تشرين السورية الناطقة باسم النظام السوري الأسدي ، يُحذَّر فيها كاتبها من أن هناك محاولات أمريكية لإعادة تشكيل الواقع العربي بالتحالف مع القوى الرجعية الأصولية كالإخوان المسلمين !
مقالة تركي لم تكن تختلف كثيراً رغم أن كلاً من الكاتبين يكتب من وجهة نظر مختلفة ، فالسوري ينطلق من كون بلده عضواً في محور الممانعة في حين تعتبر السعودية في محور الاعتدال . رغم هذا فكلا الكاتبين يتفقان على التحذير من التحالف الأمريكي الإخواني من خلال لهجة تحذيرية مستهلكة وباهتة .
ثار الشعب في تونس وليبيا فقال المخلوع زين العابدين والمقبور القذافي إنها مؤامرة أمريكية . وثار الشعب ال**ري فقال حسني إنها صفقة أمريكية إخوانية . وثار اليمنيون فقال علي عبدالله صالح إنها مؤامرة خارجية . وثار السوريون فقال الأسد إنها المؤامرة الأمريكية . ولم يقل أحد من هؤلاء الحقيقة : إنَّه الفساد الذي راكموه وراكمه مرتزقتهم وأفراد أسرهم طوال عقود طويلة . كانت التنمية لديهم تنمية لجيوبهم وكروشهم وشركاتهم ، وفتات قليل من أجل التنمية الديكورية الدعائية .
نعود لمقالة تركي الدخيل :
المقالة في رأيي لا تستحق كل هذا التشنج . هي وجهة نظر أحد رعايا القبيلة لا أحد مواطني الدولة . فالدول التي لا تقوم على مؤسسات قوية فاعلة ومؤثرة تتحول بالضرورة إلى قبيلة ” ذات طابع اجتماعي ” كما وصف تركي أنظمة الحكم الخليجية . وما قرأناه كان مدحاً في سياسة القبيلة ، ومن المحمود قبائلياً أن يمدح عضو القبيلة قبيلته ويفتخر بها . وقديماً قال الشاعر : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ***في النائبات على ما قال برهاناً .
لسوء حظ تركي نحن في زمن الفيسبوك وتويتر اللذين تسببا بشكل مؤثر في إسقاط حكومات وإستبدالها بأخرى . وهو زمن مختلف لا يمكن فيه تمرير الاتهامات في النائبات دون برهان .
لذا سآتي على بعض ما قاله تركي فأنقله ثم أرد عليه :
يقول تركي : ” إذا أخذنا الديمقراطية على سبيل المثال فإنها وسيلة لتحقيق الاستقرار والتنمية والثراء الاجتماعي *، بينما يتعامل معها على أنها غاية الغايات ” .
أقول : يريد أن يقول تركي أننا حصلنا على الاستقرار والتنمية والثراء الاجتماعي من دون هذه ” الوسيلة ” المسماة الديموقراطية . يبدو واضحاً أن معنى ” الاستقرار ” و” التنمية ” مشوهان جداً في ذهن تركي ، دع عنك **طلح ” الثراء الاجتماعي ” الذي يقصد به تركي الرفاه الاقتصادي كما يبدو من ذكره لمستويات دخل الفرد عقب ذلك ، وهو استخدام مضحك ، *** يسبق أن استُخِدم **طلح الثراء الاجتماعي في موقع الرفاه الاقتصادي !
الاستقرار في مفهوم تركي ، كما يبدو لي ، هو الأمن . وينسى تركي أن الأمن هو عنصر واحد فقط في منظومة الاستقرار التي تضم عناصر أخرى يأتي على رأسها : المشاركة الشعبية ، المحاسبة وملاحقة الفساد ، الناتج المحلي ، الطبقية ، والبطالة وغيرها …
الأمن لوحده أمر يمكن تحقيقه بالقبضة الأمنية المجردة . لكنه أمن هش سرعان ما يختفي مع أول هبَّة ثورة ، والربيع العربي يكشف كيف اختفت في ساعات قليلة القبضة الأمنية الضامنة لأنظمة غاية في القسوة والضبط والجبروت كما في تونس وليبيا وسوريا .
نأتي للتنمية . من الواضح جداً أن تركي يهرف بما لا يعرف . فهو يدندن حول **طلح التنمية دون أن يُعرِّفه لنا . فقط ذكر لنا ما يمكننا أن نستنتج أنَّه قد يكون تفسيره ل**طلح التنمية ، يقول : ” حين نأتي إلى التنمية ومستوياتها في العالم العربي سنجد أن الدول التي اتخذت التنمية مساراً مثل دول الخليج هي أغنى الدول وأكثرها استقراراً ” . أقول : إذاً التنمية هي الغنى والاستقرار في عرف تركي !
الاستقرار تكلمنا عنه وذكرنا أنَّه ليس الأمن . أما الغنى أو الثراء الذي يتكلم عنه تركي فهو نتيجة للنفط لا أقل ولا أكثر . من دون النفط ومداخيله العالية ? وليس التنمية التي لا وجود لها على الإطلاق سوى في بلد أو اثنين وبشكل ضعيف وهش قائم على اليد العاملة الخارجية ? لم يكن لدول الخليج وأنظمتها أن تعيش ” آمنة “.
أين هي التنمية ومستويات البطالة قد بلغت أرقاماً عالية ؟
أين هي التنمية وفي بلد تركي الدخيل 20% من الشباب لا يجدون عملاً يسمح لهم ببناء أسرهم والعيش بكرامة في البلد الأكبر لتصدير النفط ، في حين يبلغ عدد العمالة الخارجية 5~8 مليون عامل !
دع عنك دول الخليج الأخرى التي يفوق عدد العمالة الخارجية في بعضها اليد العاملة المحلية .
عن أي تنمية يتكلم تركي وأجهزة التخطيط الاستراتيجية لم تستوعب بعد أن عشرات الألوف من خريجي الجامعات السعودية لن يجدوا وظائف كافية في الخمس سنوات القادمة ؟
التنمية يا تركي ليست الميزانية التي يشكل النفط ومنذ زمن المؤسس عصبها الوحيد ، الذي إن وجد العالم **دراً آخراً للوقود أقل كلفة منه توقدناه ناراً في بيوتنا ونحن نأكل تمرنا ونشرب لبننا ، وتوسدناها كما يقول البدو !
التنمية تكون بتنويع **ادر الدخل . الأمر الذي يفرض على السوق جلب الاستثمارات الخارجية التي يجب أن يتم نقل تقنياتها وتوطين صناعاتها . كل هذا مع فرض توظيف الشباب السعودي في المجالات المهمة ومراقبة حصول ذلك ، وليس توظيفهم كسائقين أو مُخلصين جمارك أو قاعدين في بيوتهم من أجل نسب السعودة فقط !
التنمية يا سيد تركي – إن لم تكن تدري – تتم من خلال الاهتمام بالمورد البشري ، *الإنسان ، وليس المنتج النفطي ، وليس من خلال حفلات الكوكتيل والساين بوك والاستجمام في ستاربكس .
التنمية تتم بملاحقة الفساد من خلال أجهزة شعبية قوية . التنمية تتم برعاية جيش وطني قوي يحمي بيضة الأمة وليس بالدعم الخارجي الذي يبحث عندنا عن **الحه و**الحه فقط . كل هذا لا يمكن تحقيقه من دون ديموقراطية حقيقية تبني دولة المؤسسات .
لنذهب إلى جزئية أخرى . يستشهد تركي على سوء الديموقراطية بالحكومات العربية الديكتاتورية التي تدعي الديموقراطية كما يقول ، والتي يتجاهل تركي أنَّها تتساقط الآن واحدة بعد الأخرى أمام مرأى الجميع.
ولا أفهم لماذا يعيد ويزيد تركي بمقارنة دول الخليج بالحكومات العربية الديكتاتورية السابقة ؟ يبدو أنَّه المثال الوحيد الأكثر سوءاً من دول الخليج . وهو مثال يقوم الربيع العربي الآن بتصحيحه . وقريباً جداً سيكون على تركي أن يبحث عن أمثلة أخرى .
يقول في مكان آخر : ” إن الدول الخليجية وصلت إلى التنمية من خلال أنظمة ذات طابع اجتماعي **تعتمد على البيعة والمجالس المشرعة لمن يريد أن يشتكي أو يختصم أو يقترح. لم يمر على الخليج حاكم واحد طغى وسفك الدماء، بينما الدول العربية الأخرى عانت من طغاة جاؤوا **بأصوات الشعب كما يقولون ” .
أقول : ما زال تركي يريد منَّا أن نُصدِّق أن نظام زين العابدين وحسني ومعمر وعلي عبدالله صالح وبشار هي أنظمة ديموقراطية ؟! صدق من قال : الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره . ومن لم يعرف الديموقراطية في حياته فلن يستطيع أن يفهمها سوى من زاوية **الحه الخاصة . ثم من قال أن المطالبين بالديموقراطية يريدون إسقاط هذه الحكومات القائمة ؟ وقديماً قيل : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه . إنَّ الناشطين يا سيد تركي يعون جيداً ويدركون أن هذه الحكومات هي الضمانة الرئيسة للوحدة والسلم الأهلي ، ولكن من خلال عقد اجتماعي جديد يسمح بالمشاركة الشعبية .
يقول : ” يلتقي الأصوليون مع الولايات المتحدة في نظرتها للمنطقة من ناحية الإصرار على الديمقراطية بوصفها الحل الاجتماعي والسياسي ” .
أقول : يعلم تركي قبل أي أحد آخر أن أمريكا هي الحليف الأكبر لدول الخليج . وأمريكا كما يعرف الجميع ، *باستثناء العميان والسذج والأخويا ، دعمت وما تزال تدعم أنظمة حكم ديكتاتورية في جميع أنحاء العالم ما دامت تحقق ال**الح العليا الأمريكية ، فبلاش هقص وبيع للماء في حارة السقايين .
يقول : ” لم تستوعب أن الأنظمة في الخليج هي أيضاً لها بصمتها الخاصة، ليست استبدادية لكنها ليست ديمقراطية، وإنما تنموية ” .
أقول : تركي يُقارن بين شيئين لا يمكن لمثقف أن يقارن بينهما : الديموقراطية والتنموية ! بالله وين صارت هذي ؟!
يستشهد تركي بما قاله كارل غيرشمان : ?الديمقراطية تعتبر نظاماً غير ملائم للدول خارج كتلة الدول الصناعية الغربية *?.
أقول : طيب يا أبا عبدالله غفر الله لك ، فماذا عن ديموقراطية ماليزيا وسنغافورة ؟ بل ماذا عن ديموقراطية تركيا التي تحقق نسب نمو هائلة ؟
يقول تركي : ” *للديمقراطية تربتها ووقتها ” وقال قبلها : ” يتحمس بعض الناشطين في الخليج بالدعوة إلى الديمقراطية من دون أن يأخذ بالاعتبار الشروط الثقافية *التي لابد أن تتوافر عليها ” .
أقول : هذا هو لب المقالة . لماذا الديموقراطية الآن ، وهي قد تأتي بإخوانيين *، الفزَّاعة العربية الجديدة بعد اضمحلال فزَّاعة القاعدة ؟ تركي لا يعي أنَّ الناشطين التوانسة وال**ريين والليبيين واليمنيين والسوريين كانوا يبحثون عن الديموقراطية غير المفصلة على المقاس ، ومرحباً بعدها بمن يأتي به الشعب من خلال صناديق الانتخاب ، سواءً أكان إسلامياً كما في تونس و**ر ، أو ليبرالياً كما حصل في ليبيا مؤخراً .
ليفسِّر لنا تركي الدخيل كيف تدعم حكومات الخليج الديموقراطية اللبنانية ؟ بل وكيف تدعم ثورة الشعب السوري في سبيل الحرية والكرامة و” الديموقراطية ” ؟!
تركي يكرر ما قاله ويقوله مثقفو الحكومات ، ولعلي أذكِّر هنا بأنَّ ما قاله تركي عن عدم جاهزيتنا للديموقراطية هو ذات ما قاله ويقوله دائماً مدير قناة العربية عبدالرحمن الراشد وأغلب مثقفي جرائدنا الرسمية الحكوميين ، ” الشبيحة ” باللفظة الإعلامية السورية .
الشغَّالات والسوَّاقين في بيوتنا لديهم ديموقراطية حقيقية في بلدانهم ، ولم يقل لهم أحد أنَّكم غير جاهزين للديموقراطية . بينما يصبحنا ويمسينا تركي ومن على شاكلته بتعييرنا بعدم جاهزيتنا للمشاركة الشعبية ، رغم أنَّنا شاركنا في انتخابات بلدية وأثبتنا أننا بشر يمكن أن نتطور وأن نصبح حضاريين مثلنا مثل أي شعوب أخرى كالهند وبنغلاديش وإندونيسيا وسيرلانكا !
فقط العميان والسذج والأخويا هم الذين لا يدركون أن الديموقراطية عملية تراكمية يتم فيها التصحيح والتقويم من خلال المزيد من الممارسة العملية .
ولنسأل تركي وعبدالرحمن الراشد والشبيحة الآخرين : حددوا لنا الزمان والمكان المناسبين لقبولنا في نادي الديموقراطية ، لكن دون أن ترجعوا لاستشارة ولي الأمر في تحديد التوقيت إذا سمحتم ؟!
لا ألوم تركي ، فهو نتاج ضرورة وحاجة أحسن استغلالها بذكاء فهو كاتب ومُقدِّم برامج وصاحب دار نشر ” مدعومة بقوة ” . فدور المثقف الشعبي مهم جداً لأنظمة الحكم خصوصاً حين يكون المثقفون القادرون على النضال في غياهب السجون أو تحت الحصار الإعلامي .
تركي ومن على شاكلته من الخليجيين هم مثقفو ضرورة *، يملكون قدراً ضئيلاً من الثقافة لكنه يكفي كي يتم استخدامهم للعب دور الذراع الثقافية للسلطة تحشيداً وتحريضاً وتشويهاً .
يقول جوليان بندا في خيانة المثقفين : ” إنَّهم كانوا يُستدعون لا ليقولوا بل ليعززوا سياسة الحكومة ، وليطلقوا الدعاية ضد الأعداء الرسميين ، وليحجبوا الحقيقة باسم الشرف الوطني ” …
<h2> مواضيع ذات علاقة:
</h2>
لا توجد تدوينات مشابهة.
http://feeds.feedburner.com/~r/som1/zkVn/~4/qcF03PWx7Yg
بقلم/ البدوي الأخير (https://twitter.com/TheLastBedouin)
إنَّهم كانوا يُستدعون لا ليقولوا بل ليعززوا سياسة الحكومة ، وليطلقوا الدعاية ضد الأعداء الرسميين ، وليحجبوا الحقيقة باسم الشرف الوطني – جوليان بندا
وصلني خبر مقالة الكاتب تركي الدخيل المعنون ” ديموقراطيات الخراب (http://www.turkid.net/?p=5248) ” ، فبحثت عنه في الإنترنت فوجدت بالصدفة عنواناً قريباً منه لمقالة كُتبت في جريدة تشرين السورية الناطقة باسم النظام السوري الأسدي ، يُحذَّر فيها كاتبها من أن هناك محاولات أمريكية لإعادة تشكيل الواقع العربي بالتحالف مع القوى الرجعية الأصولية كالإخوان المسلمين !
مقالة تركي لم تكن تختلف كثيراً رغم أن كلاً من الكاتبين يكتب من وجهة نظر مختلفة ، فالسوري ينطلق من كون بلده عضواً في محور الممانعة في حين تعتبر السعودية في محور الاعتدال . رغم هذا فكلا الكاتبين يتفقان على التحذير من التحالف الأمريكي الإخواني من خلال لهجة تحذيرية مستهلكة وباهتة .
ثار الشعب في تونس وليبيا فقال المخلوع زين العابدين والمقبور القذافي إنها مؤامرة أمريكية . وثار الشعب ال**ري فقال حسني إنها صفقة أمريكية إخوانية . وثار اليمنيون فقال علي عبدالله صالح إنها مؤامرة خارجية . وثار السوريون فقال الأسد إنها المؤامرة الأمريكية . ولم يقل أحد من هؤلاء الحقيقة : إنَّه الفساد الذي راكموه وراكمه مرتزقتهم وأفراد أسرهم طوال عقود طويلة . كانت التنمية لديهم تنمية لجيوبهم وكروشهم وشركاتهم ، وفتات قليل من أجل التنمية الديكورية الدعائية .
نعود لمقالة تركي الدخيل :
المقالة في رأيي لا تستحق كل هذا التشنج . هي وجهة نظر أحد رعايا القبيلة لا أحد مواطني الدولة . فالدول التي لا تقوم على مؤسسات قوية فاعلة ومؤثرة تتحول بالضرورة إلى قبيلة ” ذات طابع اجتماعي ” كما وصف تركي أنظمة الحكم الخليجية . وما قرأناه كان مدحاً في سياسة القبيلة ، ومن المحمود قبائلياً أن يمدح عضو القبيلة قبيلته ويفتخر بها . وقديماً قال الشاعر : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ***في النائبات على ما قال برهاناً .
لسوء حظ تركي نحن في زمن الفيسبوك وتويتر اللذين تسببا بشكل مؤثر في إسقاط حكومات وإستبدالها بأخرى . وهو زمن مختلف لا يمكن فيه تمرير الاتهامات في النائبات دون برهان .
لذا سآتي على بعض ما قاله تركي فأنقله ثم أرد عليه :
يقول تركي : ” إذا أخذنا الديمقراطية على سبيل المثال فإنها وسيلة لتحقيق الاستقرار والتنمية والثراء الاجتماعي *، بينما يتعامل معها على أنها غاية الغايات ” .
أقول : يريد أن يقول تركي أننا حصلنا على الاستقرار والتنمية والثراء الاجتماعي من دون هذه ” الوسيلة ” المسماة الديموقراطية . يبدو واضحاً أن معنى ” الاستقرار ” و” التنمية ” مشوهان جداً في ذهن تركي ، دع عنك **طلح ” الثراء الاجتماعي ” الذي يقصد به تركي الرفاه الاقتصادي كما يبدو من ذكره لمستويات دخل الفرد عقب ذلك ، وهو استخدام مضحك ، *** يسبق أن استُخِدم **طلح الثراء الاجتماعي في موقع الرفاه الاقتصادي !
الاستقرار في مفهوم تركي ، كما يبدو لي ، هو الأمن . وينسى تركي أن الأمن هو عنصر واحد فقط في منظومة الاستقرار التي تضم عناصر أخرى يأتي على رأسها : المشاركة الشعبية ، المحاسبة وملاحقة الفساد ، الناتج المحلي ، الطبقية ، والبطالة وغيرها …
الأمن لوحده أمر يمكن تحقيقه بالقبضة الأمنية المجردة . لكنه أمن هش سرعان ما يختفي مع أول هبَّة ثورة ، والربيع العربي يكشف كيف اختفت في ساعات قليلة القبضة الأمنية الضامنة لأنظمة غاية في القسوة والضبط والجبروت كما في تونس وليبيا وسوريا .
نأتي للتنمية . من الواضح جداً أن تركي يهرف بما لا يعرف . فهو يدندن حول **طلح التنمية دون أن يُعرِّفه لنا . فقط ذكر لنا ما يمكننا أن نستنتج أنَّه قد يكون تفسيره ل**طلح التنمية ، يقول : ” حين نأتي إلى التنمية ومستوياتها في العالم العربي سنجد أن الدول التي اتخذت التنمية مساراً مثل دول الخليج هي أغنى الدول وأكثرها استقراراً ” . أقول : إذاً التنمية هي الغنى والاستقرار في عرف تركي !
الاستقرار تكلمنا عنه وذكرنا أنَّه ليس الأمن . أما الغنى أو الثراء الذي يتكلم عنه تركي فهو نتيجة للنفط لا أقل ولا أكثر . من دون النفط ومداخيله العالية ? وليس التنمية التي لا وجود لها على الإطلاق سوى في بلد أو اثنين وبشكل ضعيف وهش قائم على اليد العاملة الخارجية ? لم يكن لدول الخليج وأنظمتها أن تعيش ” آمنة “.
أين هي التنمية ومستويات البطالة قد بلغت أرقاماً عالية ؟
أين هي التنمية وفي بلد تركي الدخيل 20% من الشباب لا يجدون عملاً يسمح لهم ببناء أسرهم والعيش بكرامة في البلد الأكبر لتصدير النفط ، في حين يبلغ عدد العمالة الخارجية 5~8 مليون عامل !
دع عنك دول الخليج الأخرى التي يفوق عدد العمالة الخارجية في بعضها اليد العاملة المحلية .
عن أي تنمية يتكلم تركي وأجهزة التخطيط الاستراتيجية لم تستوعب بعد أن عشرات الألوف من خريجي الجامعات السعودية لن يجدوا وظائف كافية في الخمس سنوات القادمة ؟
التنمية يا تركي ليست الميزانية التي يشكل النفط ومنذ زمن المؤسس عصبها الوحيد ، الذي إن وجد العالم **دراً آخراً للوقود أقل كلفة منه توقدناه ناراً في بيوتنا ونحن نأكل تمرنا ونشرب لبننا ، وتوسدناها كما يقول البدو !
التنمية تكون بتنويع **ادر الدخل . الأمر الذي يفرض على السوق جلب الاستثمارات الخارجية التي يجب أن يتم نقل تقنياتها وتوطين صناعاتها . كل هذا مع فرض توظيف الشباب السعودي في المجالات المهمة ومراقبة حصول ذلك ، وليس توظيفهم كسائقين أو مُخلصين جمارك أو قاعدين في بيوتهم من أجل نسب السعودة فقط !
التنمية يا سيد تركي – إن لم تكن تدري – تتم من خلال الاهتمام بالمورد البشري ، *الإنسان ، وليس المنتج النفطي ، وليس من خلال حفلات الكوكتيل والساين بوك والاستجمام في ستاربكس .
التنمية تتم بملاحقة الفساد من خلال أجهزة شعبية قوية . التنمية تتم برعاية جيش وطني قوي يحمي بيضة الأمة وليس بالدعم الخارجي الذي يبحث عندنا عن **الحه و**الحه فقط . كل هذا لا يمكن تحقيقه من دون ديموقراطية حقيقية تبني دولة المؤسسات .
لنذهب إلى جزئية أخرى . يستشهد تركي على سوء الديموقراطية بالحكومات العربية الديكتاتورية التي تدعي الديموقراطية كما يقول ، والتي يتجاهل تركي أنَّها تتساقط الآن واحدة بعد الأخرى أمام مرأى الجميع.
ولا أفهم لماذا يعيد ويزيد تركي بمقارنة دول الخليج بالحكومات العربية الديكتاتورية السابقة ؟ يبدو أنَّه المثال الوحيد الأكثر سوءاً من دول الخليج . وهو مثال يقوم الربيع العربي الآن بتصحيحه . وقريباً جداً سيكون على تركي أن يبحث عن أمثلة أخرى .
يقول في مكان آخر : ” إن الدول الخليجية وصلت إلى التنمية من خلال أنظمة ذات طابع اجتماعي **تعتمد على البيعة والمجالس المشرعة لمن يريد أن يشتكي أو يختصم أو يقترح. لم يمر على الخليج حاكم واحد طغى وسفك الدماء، بينما الدول العربية الأخرى عانت من طغاة جاؤوا **بأصوات الشعب كما يقولون ” .
أقول : ما زال تركي يريد منَّا أن نُصدِّق أن نظام زين العابدين وحسني ومعمر وعلي عبدالله صالح وبشار هي أنظمة ديموقراطية ؟! صدق من قال : الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره . ومن لم يعرف الديموقراطية في حياته فلن يستطيع أن يفهمها سوى من زاوية **الحه الخاصة . ثم من قال أن المطالبين بالديموقراطية يريدون إسقاط هذه الحكومات القائمة ؟ وقديماً قيل : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه . إنَّ الناشطين يا سيد تركي يعون جيداً ويدركون أن هذه الحكومات هي الضمانة الرئيسة للوحدة والسلم الأهلي ، ولكن من خلال عقد اجتماعي جديد يسمح بالمشاركة الشعبية .
يقول : ” يلتقي الأصوليون مع الولايات المتحدة في نظرتها للمنطقة من ناحية الإصرار على الديمقراطية بوصفها الحل الاجتماعي والسياسي ” .
أقول : يعلم تركي قبل أي أحد آخر أن أمريكا هي الحليف الأكبر لدول الخليج . وأمريكا كما يعرف الجميع ، *باستثناء العميان والسذج والأخويا ، دعمت وما تزال تدعم أنظمة حكم ديكتاتورية في جميع أنحاء العالم ما دامت تحقق ال**الح العليا الأمريكية ، فبلاش هقص وبيع للماء في حارة السقايين .
يقول : ” لم تستوعب أن الأنظمة في الخليج هي أيضاً لها بصمتها الخاصة، ليست استبدادية لكنها ليست ديمقراطية، وإنما تنموية ” .
أقول : تركي يُقارن بين شيئين لا يمكن لمثقف أن يقارن بينهما : الديموقراطية والتنموية ! بالله وين صارت هذي ؟!
يستشهد تركي بما قاله كارل غيرشمان : ?الديمقراطية تعتبر نظاماً غير ملائم للدول خارج كتلة الدول الصناعية الغربية *?.
أقول : طيب يا أبا عبدالله غفر الله لك ، فماذا عن ديموقراطية ماليزيا وسنغافورة ؟ بل ماذا عن ديموقراطية تركيا التي تحقق نسب نمو هائلة ؟
يقول تركي : ” *للديمقراطية تربتها ووقتها ” وقال قبلها : ” يتحمس بعض الناشطين في الخليج بالدعوة إلى الديمقراطية من دون أن يأخذ بالاعتبار الشروط الثقافية *التي لابد أن تتوافر عليها ” .
أقول : هذا هو لب المقالة . لماذا الديموقراطية الآن ، وهي قد تأتي بإخوانيين *، الفزَّاعة العربية الجديدة بعد اضمحلال فزَّاعة القاعدة ؟ تركي لا يعي أنَّ الناشطين التوانسة وال**ريين والليبيين واليمنيين والسوريين كانوا يبحثون عن الديموقراطية غير المفصلة على المقاس ، ومرحباً بعدها بمن يأتي به الشعب من خلال صناديق الانتخاب ، سواءً أكان إسلامياً كما في تونس و**ر ، أو ليبرالياً كما حصل في ليبيا مؤخراً .
ليفسِّر لنا تركي الدخيل كيف تدعم حكومات الخليج الديموقراطية اللبنانية ؟ بل وكيف تدعم ثورة الشعب السوري في سبيل الحرية والكرامة و” الديموقراطية ” ؟!
تركي يكرر ما قاله ويقوله مثقفو الحكومات ، ولعلي أذكِّر هنا بأنَّ ما قاله تركي عن عدم جاهزيتنا للديموقراطية هو ذات ما قاله ويقوله دائماً مدير قناة العربية عبدالرحمن الراشد وأغلب مثقفي جرائدنا الرسمية الحكوميين ، ” الشبيحة ” باللفظة الإعلامية السورية .
الشغَّالات والسوَّاقين في بيوتنا لديهم ديموقراطية حقيقية في بلدانهم ، ولم يقل لهم أحد أنَّكم غير جاهزين للديموقراطية . بينما يصبحنا ويمسينا تركي ومن على شاكلته بتعييرنا بعدم جاهزيتنا للمشاركة الشعبية ، رغم أنَّنا شاركنا في انتخابات بلدية وأثبتنا أننا بشر يمكن أن نتطور وأن نصبح حضاريين مثلنا مثل أي شعوب أخرى كالهند وبنغلاديش وإندونيسيا وسيرلانكا !
فقط العميان والسذج والأخويا هم الذين لا يدركون أن الديموقراطية عملية تراكمية يتم فيها التصحيح والتقويم من خلال المزيد من الممارسة العملية .
ولنسأل تركي وعبدالرحمن الراشد والشبيحة الآخرين : حددوا لنا الزمان والمكان المناسبين لقبولنا في نادي الديموقراطية ، لكن دون أن ترجعوا لاستشارة ولي الأمر في تحديد التوقيت إذا سمحتم ؟!
لا ألوم تركي ، فهو نتاج ضرورة وحاجة أحسن استغلالها بذكاء فهو كاتب ومُقدِّم برامج وصاحب دار نشر ” مدعومة بقوة ” . فدور المثقف الشعبي مهم جداً لأنظمة الحكم خصوصاً حين يكون المثقفون القادرون على النضال في غياهب السجون أو تحت الحصار الإعلامي .
تركي ومن على شاكلته من الخليجيين هم مثقفو ضرورة *، يملكون قدراً ضئيلاً من الثقافة لكنه يكفي كي يتم استخدامهم للعب دور الذراع الثقافية للسلطة تحشيداً وتحريضاً وتشويهاً .
يقول جوليان بندا في خيانة المثقفين : ” إنَّهم كانوا يُستدعون لا ليقولوا بل ليعززوا سياسة الحكومة ، وليطلقوا الدعاية ضد الأعداء الرسميين ، وليحجبوا الحقيقة باسم الشرف الوطني ” …
<h2> مواضيع ذات علاقة:
</h2>
لا توجد تدوينات مشابهة.
http://feeds.feedburner.com/~r/som1/zkVn/~4/qcF03PWx7Yg