من آية : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ .................) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-10-2016, 07:02 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ .................)

من آية : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ .................)
مما قررته النبوات على وجه اليقين الجازم إن في نقل اللفظ أو فقه المعنى ، أن الرب ، جل وعلا ، يعلم بالعلم الأول أمر الكون وأمر الشرع ، وقد سطره في الكتاب المبين ، كتاب التقدير المحفوظ فلا يُبَدَّلُ ما فيه ولا يَتَغَيَّرُ ، فذلك علم ثان مسطور يواطئ العلم القائم بالذات القدسية على وجه استغرق جميع المعلومات الكونية والشرعية ، ومن ثم كان علم ثالث أن سمع الملَك الخطابَ من الرب ، جل وعلا ، إن خطاب التكوين أو خطاب التشريع فحمله روح القدس ، عليه السلام ، وَأَبْلَغَهُ الملَكَ الذي يدبر أمر الكون بإذن الرب ، جل وعلا ، فجبريل عليه السلام ، واسطة في التكوين كما هو واسطة في التشريع ، فهو الواسطة بَيْنَ الحق ، تبارك وتعالى ، والملَك الذي يتأول الأمر بإنفاذه على وجه يواطئ ما قدر ، جل وعلا ، في الأزل بالعلم الأول ، علم التقدير ، فهو مما يؤثر ، فليس علم إحصاء للمعلوم بل يَزِيدُ التَّقْدِيرَ على جهة العموم ، فهو يستغرق الكلي والجزئي ، فيعم جميع حركات الكون من بدء الخلق إلى تدبيره بكلمات كون تَتْرَى ، إرسالها من *** الإرسال لكلمات الوحي ، فهي ، أيضا ، مما أرسل تَتْرَى ، فكلاهما من العلم الذي يقوم بالذات قيام الوصف بالموصوف ، وذلك بالنظر في نوعه علم قديم قدم الذات ، وبالنظر في آحاده في الخارج ، علم حادث يناط بالمشيئة على وجه يظهر فيه تأويل الحكمة أن يُنَزِّلَ ، جل وعلا ، من رزق التكوين ورزق التشريع بقدر ، فـ : (لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) ، فَيُنَزِّلُ رزق الكون شيئا فشيئا على وجه يصلح أمر الأبدان فلا تكون الزيادة ولا النقص ولا يحصل الطغيان الذي يحصل منه ما يحصل إذا زاد الرزق ولم يكن ثم ما يشفعه من الدين والمروءة ، فإن زيادة الرزق من عرض الدنيا مع حرمانٍ من رزق الدين الذي يعصم لا يكون منه إلا ما يَرَى الناظر في الأعصار التي خَفَتَ فِيهَا ضوء النبوة بل كاد ينطفئ فليس إلا الآثار الباهتة التي تقام بها الحجة ، *** يعد ثم من الدين ما يعصم ، ولا من المروءة ما يحجز ، فضاقت الأرزاق أن ساءت الظنون فكلٌّ يخشى الفقر فلا مُعِينَ ، والمرض فلا مُغِيثَ فليس ثم من التكافل ما يبث في النفس الطمأنينة ، وإذا ساءت الظنون في أمر الأرزاق ولم يكن ثم ما يعصم من حكم الأديان التي تهذب النفوس وَتُلْجِمُ الشهوات ، فلا تجد في الأرض إلا الفساد بما يكون من تَنَازُعِ الناس طلبا للحظوظ العاجلة ، حظوظ الأبدان التي لا يشبع أصحابها فَكُلَّمَا حصلوا مِنْهَا قدرا كان لهم حظ في غيره فلا يكاد الأمر يُحْسَمُ ، إذ ليس ثم من الحق ما يَعْصِمُ ، وتأمل أمما ليس لها حظ من الوحي كيف يكون التنازع على الدنيا وإن اتسعت الأرزاق وفاضت فقد جبلت النفوس على الشح وإن حصلت لها الكفاية ، فجبلت على الطغيان الذي يروم الزيادة ، فلا يَقْتَصِرُ على ما يجزئ بل يَرُومُ ما يزيد وإن أطغى وَأَلْهَى صاحبه فَلَمْ يَعُدْ له هَمٌّ إلا ما يصلح بدنه من شهوات البطن والفرج فهو يروم لذة عاجلة منتهى أمرها ما يحصل في البدن من فضلة وما يخرج منها حال الشهوة من مستقذر تأنف منه النفوس ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، عقوبة عاجلة لمن اشتغل بالأدنى من شهوة البدن عن الأعلى من أمر الدين ، فأمر الدين أخطر ، وإن كانت المشقة فِيهِ أعظم ، فهو عظيم الشأن لا تطيقه إلا نفس كبيرة جاوزت حد القول إلى العمل ، فضلا أنها فارقت شهواتها إلا ما تصلح به الحال ويعتدل به المزاج بلا إفراط ولا تفريط ، فكان التوسط والقصد في أمر الأبدان وأمر الأديان ، فلا يحصل من الزيادة ما يفسد الحال ، فإن نُزُولَ الشرع بقدرٍ مئنة من حكمة أخرى أعظم ، فلو نَزَلَ الشرع جملة لثقل على النفوس ، فـ : "لَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}" ، فكان الأولى بالتقديم هو المقدم ، فلا أعظم من أمر التوحيد ، فكان التوحيد أولا الذي يصحح التصور ، وهو المحل الأول الذي يسبق كل حكم ، فلا يصلح قول ولا عمل إلا أن يصلح العقد الأول ، فذلك ما يواطئ الفطرة الأولى فهي مما نَزَلَ من السماء ، أيضا ، بالنظر في كلمة تكوين أُمِرَ بها الملَك فهو ينفخ الروح في البدن ، والروح مادة حياة للبدن ، ومادة خير إذ جبلت على التوحيد المجمل فذلك رزق نزل من السماء بَثَّ في الجسد الحياةَ ، وإن كان ثم حياة النبت بلا روح قبل النفخ فلا ينفك شيء في هذا الكون أن يفتقر إلى الرب الخالق ، جل وعلا ، فهو الذي يخلق من العدم ، وهو الذي يجري أسباب الحياة والنماء فمنها أسباب الظاهر ، أسباب الأعيان والأجساد في الخارج ، فَثَمَّ سَبَبُ النَّبْتِ فَيَكُونُ نَمَاءُ الشيء بلا روح حيوانية ، وَثَمَّ سبب آخر يحصل به النماء بحس أعلى ، فتلك حياة الروح التي تُبَثُّ في البدن ، فالحياة الحيوانية أعلى من الحياة النباتية ، والحياة الحيوانية ، من وجه آخر دون حياة الروح العليا التي تَحْصُلُ بأسباب الدين وَتَكْمُلُ ، فتحصل ابتداء برزق التوحيد ، أصل الدين الأول ، وهو أعظم رزق يَنْزِلُ ، ثُمَّ تزيد بما يكون من رزق يَنْزِلُ شيئا فشيئا من الأخبار ، فَثَمَّ مجملُ توحيدٍ في القلب ، بما ركز من الفطرة الأولى ، فذلك من العلم الضروري ، وهو ، من وجه آخر ، مجمل يفتقر إلى بيان زائد فيكون نُزُولُ التوحيد بأمر التكوين حال نزول الأمر بالنفخ ، فالروح قد جبلت على التوحيد المجمل ، ويكون ثَمَّ نزول ثان بأمر التشريع ، فينزل من رزق الوحي من توحيد الرب ، جل وعلا ، في الوصف والعبادة ، يَنْزِلُ منه خبر صحيح يُفَصِّلُ ما أجمل من فطرة الدين الأولى ، فينزل خبر صحيح يواطئ المجمل الصريح من الفطرة ، يَنْزِلُ بأخبار صحيحة من الغيب ، فثم الغيب الأعظم ، ذات الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، ووصفه ، فذلك أول ضروري يحصل في القلب بما ركز في الروح من حاجة وافتقار إلى رب يسأله العبد أن يرزقه ، وهو ، مع ذلك ، لا ينفك يفتقر إلى السؤال نفسه ! ، فهو عبادة بها يغتذي الروح اللطيف ، فلا بد من مسئول إليه يلجأ ويتضرع ولا يحصل الكمال إلا أن يخضع لأمره ونهيه ، فهو يعبده ضرورة بما يحصل في الباطن من خضوع اضطرار ، ومعه خضوع ثان لطيف ، خضوع الاختيار الذي تطمئن به النفس ، فيواطئ خضوع الجنان خضوع الأركان والأعضاء ، فإن الأركان تفتقر إلى قدر التكوين الذي يُنَزِّلُ من رزق الأبدان ما يصلح آلات ا*** التي تغتذي بأجرام كثيفة من المطعومات وال******* ، فهي تلتذ بها لذة ا*** الدنيا ، وهي تهضمها فَيَحْصُلُ من ناتج التمثيل ما تَنْتَعِشُ به الأركان وتصح فالغذاء المهضوم يصل إلى الخلايا والأنسجة التي منها تَتَأَلَّفُ الأركان ، والجنان ، من وجه آخر ، يفتقر إلى قدر التشريع فَيَنْزِلُ من الخبر ما يبين ما أجمل من فطرة التوحيد ، فقد نَزَلَ الوحي بأسماء الرب ، جل وعلا ، وصفاته وأفعاله وما كان من بدء الأمر وخلق العرش والماء ، وخلق القلم ليكتب الأقدار .... إلخ من الغيوب المفصلة التي لا يمكن لفطرة التوحيد الأولى أن تفصح عنها ، فإن فطرة التوحيد الأولى أَثَرٌ مجمل لميثاق أول ، فلا بد من آخر يصدقه ، ويبين ما أجمل منه فكان رزق التوحيد الذي نزل شيئا فشيئا ، فَنَزَلَ بِقَدَرٍ إذ العقول كالأبدان لا تصلح إلا أن يأتيها ما كتب لها من الرزق شيئا فشيئا فَلَوْ نزل جملة لَثَقُلَ على النفس وما حصل الفقه والفهم ، وما أطاقت النفوس هذا المعلوم الجليل فهو قول ثقيل يفتقر إلى تهيئة المحل بأجناس من التدبر والطاعة ، فتكون تهيئة المحل بما بطن من نية وإرادة للخير وطلب للحق فصاحبه يعقد العزم ويجزم أن لو جاءه الخبر الصحيح لآمن وصدق ، فيصدق بما تواتر من التنزيل والخبر ، ويصدق بآحاد صحيحة فيها من وصف رب الخليقة ، جل وعلا ، ما تصح به الطريقة العلمية الباطنة ، ولا تنفك آثارها تظهر في الخارج ، إذ الحكم فرع عن التصور ، فإذا حصل تصور صحيح بما نَزَلَ من رزق الخبر حصل الحكم بأفعال الخير التي جاء بها الشرع أمرا ونهيا ، إثباتا ونفيا ، لا سيما في الإلهيات ، فهي أعظم ما نزل من السماء من *** الرزق الأعم الذي يستغرق الكون والشرع ، كما تقدم ، فالشرع أعظم ، وهو في نفسه يتفاوت ، فثم خبر وإنشاء ، والخبر ، أيضا ، مما يتفاضل ، فليس الخبر عن اسم الرب ، جل وعلا ، ووصفه وفعله ، كالخبر عن آحاد من ذلك تختص بالمخلوق ، فَشَتَّانَ الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ! ، فكان أعظم الخبر ما كان عن أعظم موجود يخبر عنه فهو الأول أزلا ، الآخر أبدا ، بكمال في الذات والاسم والوصف والفعل مطلق لا يحتمل النقص من وجه ، ولا يعرض له من الآفات ما يَعْرِضُ للمخلوق ، فمهما طالت سلامته فهو أبدا فَانٍ هالك ، وإن ظن أنه باق خالد لا سيما حال القوة والمنعة ، فمن يمنع إنسانا أن يلقى حتفه ولو في برج مشيد وحصن محصن ؟! ، فيحصل من الاستدراج في هذا الباب ما تعظم به العبرة فلا ينقضي العجب من حال أقوام بلغوا ما بلغوا من المجد ، سواء أكان بحق أم بباطل ، وحصل لهم من سلطان الجاه والقوة ما يعظم ، فَتَحْتَ أيديهم من أسباب الدنيا ما كثر حتى أطغى وألهى ، فضلا أنه قد خُتِمَ على القلب الذي أصابه من بغض الحق شيء يعظم ، فإن الحق يستلبه ذلك الجاه ، والحق ، مع ذلك ، شريف لطيف ، لا يقر في محل قذر وضيع ، وذلك محل من طغى وبغى ، فسفك وضرب وانتهك من حرمات الدين والدنيا ما لا يحصل إلا من أصحاب النفوس الدنيا التي انحطت إلى دركة تسفل في أحيان كثيرة عن دركة الحيوان الأعجم ، فضلال بني آدم إذا أعرضوا عن الوحي المنزَّل ضَلَالٌ لا مُنْتَهَى له ، وإن حصل لهم من أسباب العلم ما تَوَهَّمُوا أنه يصلح ، فمهما كان من علم الدنيا فهو كَلَا علم ، إن لم ينفع صاحبه في دار ا***اب والجزاء ، فلا يصلح النفس ويهذبها إلا علم الوحي ، فهو يصلح المحل ابتداء برزق شريف منزل تواترت نجومه وتراخت فحصل من الاغتذاء بها ما ينفع ، إذ النفس لا تطيق الحق كله جملة فما أتى جملة ذَهَبَ جملة ، كما أُثِرَ عن بعض السلف ، وذلك أمر يَنْفَعُ الناظر في تحصيل علوم الشريعة ، بل وتحصيل أي علم ، فلا بد أن يعالجه الناظر شيئا فشيئا ، ليل نهار ، على وجه يحصل فيه من الزيادة ما ينفع ، فالكلام إذا كثر أنسى بعضه بعضا ، فلا يحصل كمال النفع إلا بِتَرَاكُمٍ في المعلوم لا يحصل بداهة دفعة واحدة فذلك يخالف سنن الخلق ، فكان من الحكمة في رزق الأديان ، أن نزل الوحي نجوما تواتر فثم من الفائدة ما يعظم ، وهو ما نص عليه الوحي المنزل ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) ، فإن النفس لا تثبت على حال ، وَإِنَّمَا تَتَنَاوَبُ عَلَيْهَا الأغيار ، فَتَفْتَقِرُ إلى التَّثْبِيتِ في مواضع يَشْتَدُّ فيها طعن الخصوم .
فحال النفس تَتَفَاوَتُ مِنْ ضيق إلى سعة ، ومن جهل أول إذ خُلِقَ الإنسان لا يعلم ولا يفقه بالفعل ، وإن حصل له ذلك بالقوة بما ركز فيه من ضرورة العقل والفؤاد والسمع والبصر ، فخلق لا يعلم ولا يفقه ، ثم حصل له العلم شيئا فشيئا بما ركز فيه من آلات الإدراك الباطن وا*** الظاهر ، فـ : (اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فذلك مما تقرر باسمية الجملة ، فقد ابتدئ الكلام باسم الله ، جل وعلا ، فحصل من اسمية الجملة وتكرار الإسناد إذ الفاعل قد ورد فَاعِلَ مَعْنًى أول هو اسم الله ، جل وعلا ، الأعظم ، فهو المخرِج للناس من ضيق الأرحام إلى فضاء الدنيا ، فحد على جهة الابتداء في اللفظ ، وحقه التقديم في المعنى ، أيضا ، فهو ، تبارك وتعالى ، الأول بالذات والوصف أزلا ، فَفَارَقَ المخلوق من هذا الوجه ، إذ خُلِقَ ناقصا ثم حصل له الكمال شَيْئًا فَشَيْئًا ، وهو ، مع ذلك ، كمال مقيد إن في العلم ، محل الشاهد ، أو في غَيْرِهِ ، فإن ما يجهل الإنسان أكثر مما يعلم وإن بلغ من العلم ما بلغ ، فـ : (مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ، فذلك قصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، وهو مما يحمل على الحقيقة ، وقد حذف الفاعل في "أُوتِيتُمْ" ، إذ قد علم ، بداهة ، فالرب ، جل وعلا ، يؤتي العلم من يشاء ، وينزعه ممن يشاء ، فمثله في ذلك كمثل الْمُلْكِ ، فـ : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فعموم المعنى يستغرق فالرب ، جل وعلا ، عالم العلم كله ، الكوني والشرعي ، الخبري والإنشائي ، فيؤتيه من يشاء فضلا ويحجبه عمن شاء عدلا ، فذلك مقتضى الحكمة فإن المحال تَتَغَايَرُ على وجه يوجب التغاير في الحكم إعطاء أو منعا ، وقد يكون إيتاء العلم فضلا فذلك معنى يثبت بالنظر في الأصل ، فكل علم ينفع تكون منحته خيرا يظهر ، بادي الرأي ، وقد يكون نقمة كسائر الأسباب التي يمتن بها ، جل وعلا ، على الناس ، فثم من ينتفع بها أن تكون ذخيرة في الدار الآخرة فضلا أنه ينتفع بها في هذه الدار سواء أكان علم الأديان الذي تغتذي به الأرواح ، أم علم الأبدان الذي به تصح وتغتذي ، فيحصل كمال الحال باطنا ، برزق الشرع ، وظاهرا ، برزق الكون ، فالمنة تستغرق جميع المحال ، ما بطن وما ظهر ، ما لطف من الروح وَكَثُفَ من البدن ، فثم علم يضر ابتداء ، كعلم السحر ، وثم آخر ينفع ، وعموم "العلم" في الآية إذ دخلت "أل" فأفادت بيان ماهية للمدخول ، وعموما يستغرق جميع آحاد المعلوم ، هذا العموم يستغرق كلا النوعين ، ما نفع وما ضر ، وإن انصرف الذهن ، بادي الرأي ، إلى العلم النافع ، فما أُوتِيَ الناس من العلم كله ، وإن ضارا لا ينفع ، هو علم قليل ، فلا يفقهون في الشر كبير فقه وإن ظهر أن لهم ما لهم من عظيم المكر ! ، فأين هذا من مكر العدل ، مكر الرب ، جل وعلا ، الذي يعلم السر وأخفى فقد اطلع على الأمر كله ، باطنه وظاهره ، وأغرى الظالم في أحيان أن يستبد بل ويلتذ بالقتل والهتك ، ويجعله مادة التفاخر والتنافس ! ، فصحح له الآلة ويسر له السبب ، وما علم المخذول أن ذلك ذريعة صحيحة بها يكون تأويل الحكمة الصريحة أن يوضع سبب الشر في المحل الخبيث الذي لا يقبل أسباب الحق إلا أن يمتن الرب ، جل وعلا ، عليه بهداية ، مع أن الناظر في حال تلك المحال يَرَى من حالها وجها آخر لسنة الاستدراج أن يُمْلِيَ ، جل وعلا ، للظالم فإذا أخذه لم يفلته ، وسنة الطبع والختم على القلب ففطرته الأولى كسائر الخلق ، فطرة جبلت على التوحيد والعدل ثم عرض لها الطارئ من المبدِّل الذي ينقض ما صح من أحكامها الضرورية فيكون الشرك وهو أعظم الظلم ، ويكون القتل والهتك والسلب ..... إلخ ، وهي آحاد تندرج في ال*** الأعم ، *** الظلم المطلق ، وكثيرا ما اقترنا فإن من فسد عقده فهان عليه أمر الدين ، فسب ومرق ، فلا يعجب الناظر أن يستحل القتل والهتك ، فمن استخف بالأديان استحل ما استحل من الأديان وكلما عظم استخفافه بالدين كان سفكه وهتكه أعظم ففساد قوة العمل في الخارج فرع على فساد قوة العلم في الباطن ، فَقَدْ جهر بالعداوة بما جعل على البصر من غشاوة بأمر التكوين النافذ فهي مما نشأ من أسباب جاه ورياسة سعى في تحصيلها وهي السبب في هلاكه إذ جعلت على البصر غشاوة تحجبه عن الحق الذي صار يبغضه وإن علم أنه الحق وصدق بذلك فما ينفعه التصديق إن لم يشفع بالعمل فهو شاهد الصدق في الخارج ، ولا تحصل دعوى إيمان صحيحة إلا *** منه يجزئ مع انتفاء الناقض الباطن والظاهر وذلك ما لم يسلم منه من أَبْغَضَ الحق وأهله فهو يبغضهم أن كانوا على الحق ، فلا يبغضهم لسبب تغيظ بل صار الأمر عقدا استحال معه الأمر مدافعة لا تحتمل شطرا ثالثا فصار التدافع تدافع وجود ، فلا يتجاوران وإن تهادنا فسرعان ما يصطرعان تأويلا لوجوه من الحكمة الربانية تلطف وبها يحصل الثناء التام على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فَثَمَّ استدراج وَطَبْعٌ على القلب ، وثم ابتلاء لمن كان على الحق المحض أو كان إليه أقرب ، وبقدر ما يقارب من الحق يحصل له من الابتلاء ما يمحص به الذنب ويشتد به العود ليظهر الحق آخر الأمر ، فذلك تأويل الوعد الصادق : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، وذلك وحده ما يشفي صدر المؤمن ، أن يحصل القصاص من الظالم الذي ازدرى الأديان وأفنى الأبدان ، واستباح من الحرمات ما يعف عنه الحيوان الأعجم ، فما كان العقل في حال كتلك إلا نقمة فزواله مع تلك الحال الفاسدة ، زواله خير من ثبوته ، فالمجنون على أدنى أحواله قد رفع عنه قلم التكليف فلا يعلم العلم الذي يجزئ في حصول الحجة على وجه يوجب التكليف عقدا وشرعا ، وما كان العلم في تلك الحال إلا نقمة ، فاتباع الجهل كان أحزم لو فقه هذا المخذول الذي يظن أن له من أسباب القوة والمنعة ما يحوطه ! ، فذلك ، كما تقدم ، من عظم المكر وعدله أن مَدَّ له ، جل وعلا ، من أسباب الدنيا ما كان سببا أن يُمَدَّ له من العذاب في الآخرة مدا ! ، فكل علم لا يَنْفَعُ صاحبه في الآخرة فهو كَلَا علم ، وصاحبه يوم ا***اب والجزاء من ح** : (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) ، وإن حصل له في الأولى ما تقام به الحجة من علم الأديان ، وما يحصل به عاجل متاع من علم الأبدان ، وهو ، مع ذلك قليل ، فما يجهل الإنسان أكثر مما يعلم ، وإن امتن عليه ، جل وعلا ، أن أخرجه ، كما تقدم ، من ضيق الرحم ، فـ : (اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فحصل التقرير باسمية الجملة وتكرار الإسناد ، فإن الفاعل قد استتر في العامل "أخرجكم" على حد الجواز ، وهو يرجع إلى الفاعل المعنوي الذي صدر به الكلام ، وقد عمت المنة بِقَرِينَةِ الجمع في حد الضمير ، فهو ضمير من خوطب آنذاك ، وعموم المعنى يعم كل مخاطَب من بني الإنسان ، سواء أكان ذكرا أم أنثى ، مؤمنا أم كافرا ، شاهدا أم غائبا ، موجودا زمن الخطاب أم معدوما لم يخلق بعد ، فخرجوا من البطون في حال : (لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) ، فذلك من التقييد بالحال ، فقد تَرِدُ الحال جملة ، وقد حد الفعل مضارعا بالنظر في دلالة الحال ، حال الولادة ، وإن كان ثم من انقضى منه زمن الخطاب بالنظر في حال الموجود ، وثم منه في المقابل ما لم يحصل بعد فليس حالا بالنظر في حال المعدوم المستقبل ، وقد تسلط النَّفْيُ على ال**در الذي اشتق منه الفعل "تعلمون" فأفاد العموم من هذا الوجه ، فضلا عن تسلط النفي على النكرة "شيئا" ، فذلك ، أيضا ، من صيغ العموم كما قرر أهل الأصول ، فَانْتَفَى العلم ، أي علم ، وذلك بالنظر في العلم بالفعل لا العلم بالقوة ، فقد ركزت آلة العلم ما بطن منها من الفؤاد ، وما ظهر من آلات السمع والبصر ، فعظمت المنة الربانية بجعل التكوين في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) ، فضلا عن دلالة اللام فهي مئنة اختصاص تعظم به المنة ، أيضا ، والجعل في هذا السياق يحمل على الخلق ، كما في قول الرب جل وعلا : (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ، فجعل السمع والبصر والفؤاد ، وتلك مِنَنٌ عظمى من الرب الأعلى ، جل وعلا ، يحسن أن تُتْبَعَ بلازمها من الشكر : (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، على حد التعليل بالنظر في دلالة "لعل" إذ استعيرت في هذا الموضع لمعنى التعليل ، فضلا عن المضارعة في حد الفعل "تشكرون" ، فذلك تكليف يتجدد مع كل نعمة تحصل ، إن باطنة أو ظاهرة ، إن رزق دين يصلح الجنان ، أو رزق بدن يحفظ البنيان ، فجاء التعليل جوابا لسؤال قد قدر في ذهن المخاطب ، *** كانت تلك الآلات ؟ ، فجاء التعليل : لتشكروا الرب ، جل وعلا ، وشكره يكون باستعمالها فيما سن من الشرع فلا يخرج صاحبها بها عن منهاج الشرع إن في جليل أو في دقيق ، فلا يسمع إلا خيرا ، ولا يبصر إلا حِلًّا ، ولا يحصل في قلبه من المعنى إلا ما شرف من التوحيد وما يستوجبه من عبوديات القلب وإرادات الخير وما يظهر من تأويلها في الخارج من القول والعمل الناصح تحقيقا لحقيقة الإيمان الكاملة التي تتألف ، كما تقدم مرارا ، من أجزاء ثلاثة ، فعقد القلب وقول اللسان وعمل الأركان ، فيجري ذلك مجرى التلازم الوثيق بين العلة والمعلول ، فحسن الفصل فلا وصل بعاطف ، وجرى تلازم آخر أخص ، وهو التلازم بين الربوبية جعلا ، والألوهية شكرا ، وبذلك يحصل النفع في باب التوحيد إذ استغرق صاحبه توحيد الربوبية وما يستوجبه من توحيد أسماء وصفات فما أفعال الربوبية إلا آثارها ، وذلك ما يستوجب إفراده ، جل وعلا ، بكمال التأله الباطن والظاهر ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا بما أنزل من الوحي على لسان الملَك الذي نَزَلَ برزق التشريع على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما نَزَلَ برزق التكوين ، فبلغ الروحُ القدسُ ، عليه السلام ، بَلَغَّ الملَك الذي يدبر الأمر بإذن ربه ، جل وعلا ، أن ينفخ الأرواح ويثير الرياح ويجري السحاب وينزل المطر لتحيى الأرض بإذن خالقها جل وعلا .

وكل أولئك ، السمع والبصر والفؤاد ، من وسائل الإدراك والعلم الباطن والظاهر ، الذي يحصل ، كما تقدم ، شيئا فشيئا ، فينزل منه ، جل وعلا ، بقدر ، كما ينزل من رزق الأبدان ، لئلا يحصل الطغيان ، ولو تدبرت الأمر ، لوجدت أن العلم ، أيضا ، قد يكون في أحوال سببا للطغيان إن لم يشفع بالإيمان ، ولو كان علم الأديان ، فكم من أحبار سوء رزقوا ما رزقوا من معلوم الشريعة ، خبرا وحكما ، فجحدوه طمعا في موائد الملوك فَلَمْ يَنَلْهُمْ إلا عرض زائل ولم يَنَلْهُمْ مع ذلك إلا الفتات الساقط فَلَيْتَهُم باعوا بثمن جزل ، وإنما صفقة البخس ، فلا دنيا حصلوا وإن ظنوا أن لهم منها حظا في جاه ورياسة باسم الدين لا يقل الطغيان فيه عن الطغيان في أمور الحكم والسياسة بل الفتنة به قد تكون أعظم ، إذ يشرف في وجدان الناس ما لا يشرفُ أمرُ الحكم والسياسة ، فقد يكون العلم بالوحي سببا في الطغيان فليت صاحبه ما حصل منه شيئا ، وقد يكون ذكيا نابها يجمع منه ما يجمع فيحصل له منه زيادة عظيمة ، وذلك أمر يحمد بالنظر في الأصل فما أُمِرِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسأل الزيادة إلا من العلم ، فـ : (قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) ، فهو أشرف مطلوب ، ولكنه ، من وجه آخر ، مما يخص بالعلم النافع ، فقد استعاذ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من علم لا ينفع يكون حجة على صاحبه فليته ما علم ، فاتباع الجهل ، كما تقدم ، في حق أمثاله هو عين الحزم على ما فيه من النقص ! ، فحصل بجمع العلم والاستكثار منه مع فوات النية الصالحة فكان الاستعجال في أمر لا تحصل الفائدة المعتبرة فيه إلا أن يؤخذ منه بقدر كما نَزَلَ هو ، أيضا ، بقدر ، فهو يدخل في عموم المعنى في قوله تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) ، فيؤخذ منه بقدر ينفع مع تجديد العهد والنية أن يكون ذلك خالصا لرب البرية ، جل وعلا ، ويؤخذ منه ما يطيق العقل فلا يحمل ما لا يحتمل فذلك قد يكون له فتنة إن لم يفقه ، فـ : "مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً" ، وقد يكون ذريعة إلى الملل والسآمة فيفضي به إلى الانقطاع فذلك ، أيضا ، من كيد الشيطان ومكره إذ الغلو مما يرضاه ففضيلة العدل والتوسط تفوت من أخذته الحمية فأطنب في أمر جاوز فيه حد العدل فزاد حتى جَهِدَ وأعياه السير ، فـ : "إنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ وَلا تُبَغِّضْ إلى نَفْسِكَ عِبَادَةَ رَبِّكَ فَإنَّ المُنْبَتَّ ? يعني المُفْرِط ? لا ظَهراً أبْقَى وَلا أرْضاً قَطَعَ" ، فالأمر يعم رزق الدنيا ، ورزق الدين ، فَلَوْ بسطه ، جل وعلا ، لكان البغي في الأرض وفساد الحال ألا تطيق النفوسُ الوحيَ جملة فتفارقه جملة فيحصل البغي في الأرض من هذا الوجه ، فلا يحصل ، عند التدبر والنظر ، إلا بالمخالفة عن أمر الوحي ، وكلما عظمت المخالفة عنه عظم البغي والفساد كما حصل في الأعصار المتأخرة التي غابت فيها شمس النبوة إلا ضوءا يخفت ، ودرست آثارها ، إلا آثارا تبهت تقام بها ، كما تقدم ، حجة الرسالة المحفوظة .


فجاء الخبر على جهة الامتناع لامتناع ، في قوله تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) ، فامتنع البسط بلا قدر يحكم فامتنع البغي وإن حصل منه ما حصل في مواضع فتلك سنة أخرى تقارن هذه السنة إذ البغي ، من وجه آخر ، ذريعة إلى حصول التدافع فلا يريد الرب ، جل وعلا ، البغي شرعا ، وإن أراده كَوْنًا فَبِهِ تحصل **لحة ترجح مفسدته ، فلولا أن تسلط أهل الباطل على أهل الحق ما ظهر الحق ونصع وما حصل من *** العبودية ما يرضاه رب البرية ، جل وعلا ، من مدافعة أهل الباطل بالحجة والبرهان في ساحة الجدال ، وبالسيف والسنان في ساحة الجلاد على وجه لا يخرج فيه المكلف عن أمر العدل والإحسان إلا مع الظالم فيشرع الزجر مع تحري العدل في كل حال فهو واجب أبدا فذلك من المحكم لذاته الذي دل على حسنه الوحي والعقل معا فلا يتصور بداهة أن ينسخ إلا على منهاج السفسطة التي تنكر بدائه الحق من الوحي الناصح والعقل النابه .

ومن ثم جاء الاستدراك على وجه يجري مجرى طباق السلب إيجابا ونفيا ، فـ : (لَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) ، فينزل بقدر ما يشاء ، والتنزيل مئنة من تكرار التنزل فتلك دلالة التضعيف في الفعل "ينزِّل" ، فهو مئنة من تكرار يلائم سياق الآية ، فليس نزولا واحدا وإنما تَنَزُّلٌ متعدد ، فتلك مشيئة نافذة تقترن بحكمة بالغة ، فحسن أن يختم السياق بوصف الخبير البصير مئنة من كمال العلم والحكمة ، وقد حد على جهة الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال في الاتصال بين المعلول المتقدم والعلة المتأخرة ، فذلك يجري مجرى الجواب لسؤال يقدره الذهن إذ ما علة ما تقدم من إِنْزَالِ الرزق بقدر ؟ ، فجاء الجواب : (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) ، وذلك مما أكد بالناسخ واسمية الجملة فضلا عن تقديم ما حقه التأخير "بعباده" ، والثناء بحد الوصف على جهة فعيل في : (خَبِيرٌ بَصِيرٌ) ، ودلالتها اسم الفاعل فلا تدل على المبالغة إلا على هذا التأويل ، كما ذكر صاحب "الكتاب" رحمه الله ، وقد قيد الوصفان في هذا الموضع ، وأطلقا في آخر في نحو قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ، وقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) فلا تعارض فذلك يجري مجرى التمثيل لعام بذكر فرد من أفراده ، وهو العلم بالعباد ، فلا يخصصه كما قرر أهل الشأن ، وثم عموم ، من وجه آخر ، إذ استغرق الفعل كل العباد ، فتلك دلالة الإضافة إلى الضمير في "بعباده" ، فهي تفيد التعريف في اللفظ وتفيد العموم في المعنى ، فضلا عن عموم ثان استغرق العباد باطنا وظاهرا فيعلم الخفي اللطيف في الأفئدة ، ويعلم الظاهر من القول والعمل ، ويعلم سنن الأبدان الخفية في الخلايا والأنسجة ، ويعلم صور البدن الظاهرة التي تغايرت واختلفت ، بل وحصل فيها من التضاد ما يشهد لمعنى لطيف في الربوبية فلازمها خلق الأضداد على وجه يظهر فيه كمال القدرة النافذة ، ويظهر في تدافع الأضداد ، أيضا ، من الحكمة البالغة ما يوجب الثناء على رب الأرض والسماء جل وعلا .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:44 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant