![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
من آية : (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ .....)
مما اشتهر في كلام أهل الشأن بيانُ القدر الفارق بين التنزيل الخاتم والتوراة ، فالتنزيل الخاتم قد اجتمع له ***ا النزول : الإنزال جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وذلك الإنزال في ليلة القدر ، وهو القول المشهور من ثلاثة أقوال ، كما حكى السيوطي رحمه الله في "الإتقان" وهو مما حكى القرطبي رحمه الله الإجماع عليه ، فاجتمع له *** الإنزال جملة واحدة ، و*** التنزيل نجوما متفرقة لحكم كثيرة من رد شبهة ، فـ : (لَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) ، فثم نفي تسلط على ال**در الكامن في الفعل ، فضلا عن تسلطه على النكرة : "مثل" ، فكل ذلك مئنة من عموم ، وذلك آكد في تقرير المنة بِرَدِّ الشبهة ، وزد عليه دلالة القصر بالنفي والإثبات ، فهو أقوى أساليب القصر ، كما قرر أهل الشأن ، وحسن أن يسند الفعل : "جِئْنَاكَ" إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، فذلك موضع امتنان عظيم برد الشبهة وإبطال الفرية ، فضلا عن دلالة الإطناب بـ : "الحق" ، فدلالة التحلية بـ : "أل" مئنة من استغراق معنوي فهو الحق العظيم الذي استجمع أوصاف الصحة ، وزيد فيه البيان : (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) ، فهو حق في اللفظ قد فسر بأحسن المعاني وأجودها بما يواطئ لسان التنزيل الخاتم الذي استغرق أجناس الفصاحة والبلاغة ، فَنُزِّلَ نجوما متفرقة لحكم منها ، ما تقدم من رد الشبهة ، أو تثبيتِ فؤادٍ ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) ، فقالوا في سياق التحدي فتلك دلالة الحض التي استفيدت من دخول "لولا" على الفعل ، فجاء الجواب ، فتنزيلا كذلك التنزيل المتفرق لنثبت به فؤادك ، فجاء النص على العلة باللام ، فذلك من النص الصريح وإن كانت دلالته ظنية راجحة لا قطعية حاسمة ، فإن اللام ، كما قرر أهل الشأن ، مما وقع الاشتراك في دلالته ، فثم لام التعليل ، وهي محل الشاهد ، ولام الأمر ، ولام العاقبة ، ولام الملكية ، ولام الاختصاص ، ولام الاستحقاق ، ولام التبليغ ، ولام التقوية ..... إلخ ، فحصل الاشتراك بينها في وجه الصناعة لفظا ، ووجه البيان معنى ، فحصل الاشتراك في الوجهين ، وذلك من الإجمال الذي يفتقر إلى بيان فلا بد من قرينة ترشح معنى ، والسياق ، كما تقدم ، أصل في هذا الباب ، فجاء النص على العلة وهي التثبيت وأردف بلازمها من الترتيل وهو مئنة من التنزيل نجوما وأكد بال**در : (تَرْتِيلًا) إمعانا في تقرير المعنى ، وأما التوراة ، محل الشاهد ، فَقَدْ نَزَلَت جملة واحدة في الألواح ، فعظمت المنة أن كتبها ، جل وعلا ، بيده ، فـ : (كَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) ، فذلك ، أيضا ، مما تَعْظُمُ بِهِ الْمِنَّةُ ، فحسن أن يسند إلى ضمير الفاعلين ، ودلالة "الألواح" ، دلالة عهد فهي ألواح مخصوصة كتبت فيها الشريعة التوراتية التي أنزلها ، جل وعلا ، إِنْزَالَ الجملة ، كما تقدم ، فَفِيهَا الموعظة والتفصيل ، وذلك ، أيضا ، مما تعظم به المنة ، فـ : (كَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، فَثَمَّ دلالة تَعَدٍّ وَتَبْلِيغٍ فإن الكتابة تضاهي القول ، فاللام في : (لَهُ) لام تبليغ على هذا الوجه ، ولا تخلو من دلالة اختصاص ، وتلك أعظم المنن من ذي الجلال والعِظم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وذلك إنما يصح بالنظر في خطاب المواجهة إذ يتوجه القول بخطاب النبوة أول ما يتوجه إلى الرسول المبلِّغِ ، وإن كانت دلالته عامة بالنظر في عموم التكليف ، فإن الوحي يَلْزَمُ الأمة جميعا ، وإن توجه الخطاب به ابتداء إلى صاحب الرسالة ، عليه السلام ، فهو الذي يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ ، وهو ، من وجه آخر ، يدخل في عامة من يكلف ، فيجب عليه منها ما يجب على العموم ، وإن اختص بأمور ، إلا أن الأصل في التشريع العموم إلا إذا قام دليل على الاختصاص ، إن بنوع ، كاختصاص الرجال بأحكام والنساء بأخرى ، أو بفرد ، كاختصاص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجملة من الأحكام إن في مورد التخفيف ، كما في قوله تعالى : (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فنكاح الهبة مما اختص به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن لم يستمتع بهذه الرخصة ، وكما في اختصاصه أن نفله قاعدا كنفله قائما في الأجر خلافا لغيره فنفله قاعدا بلا عذر على النصف في الأجر من نفله قائما ، أو بالزيادة كإيجاب قيام الليل عليه دون بقية الأمة ، على القول إنه مما لم ينسخ في حقه وإن نسخ في حق العموم رحمة بالتخفيف من الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فـ : (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) ، أو اختصاصه بالوصال في الصوم ، وإن على جهة الندب ، فكل أولئك خلاف الأصل الذي يَعُمُّ جميع المكلفين بالنظر في اسْتِغْرَاقِ الوحي بأخباره وأحكامه جميع محال التكليف الباطن والظاهر ، بالعقد والشرع ، فذلك مِمَّا يتوجه الخطاب به إلى *** بني آدم ، كلهم ، إلا ما ورد الدليل بخلافه فهو استثناء وخروج عن الأصل فلا يصار إليه إلا بدليل ، إذ ثم دعوى تخالف الأصل الذي يستصحب ، مبدأ الأمر ، فالأصل هو عموم التشريع إلا إذا ورد الدليل المخصِّص الذي يقصر الحكم على *** أو فَرْدٍ بِعَيْنِهِ ، فتلك دعوى تخالف الأصل ، والدعوى لا تقبل إلا بدليل ، وإلا كان التحكم في الإثبات والنفي ، فلا تصلح الدعوى في نفسها دليلا ، بل هي مما يفتقر إلى الدليل ، فلا بد من دليل من خارج يرجح طرف الإثبات أو النفي ، وإلا فالدعوى يجزئ في ردها دعوى تكافئها ، فحصلت المنة بالوحي ، بما كتب في ألواحه ، فثم ما كتب في كتاب المقادير ، فهو تأويل العلم الأول ، سواء أكان المكتوبُ كونيا أم شرعيا ، وثم ما كتب في الألواح ، فتلك منة اختص ، جل وعلا ، بها الكليم ، عليه السلام ، وفي الخبر : "يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ" ، فذلك مِمَّا يُثْنِي به البشر على الكليم ، عليه السلام ، يوم الحشر أن يكون ذريعة إلى التوسل والاستشفاع إلى الرب ، جل وعلا ، أن يَبْدَأَ ا***اب ، وثم ما كتب في الألواح والأكتاف والصحائف من الوحي الخاتم ، فقد جمع مسطورا فيها ، مفرق السور والآيات ، *** يجمع في **حف واحد ، ليواطئ حفظ السطور حفظَ الصدور ، لم يجمع إلا بعد يوم اليمامة إذ استحر القتل في القراء فاقتضت الحكمة أن يجمع في **حف واحد ، وإن حصل التواتر بالحفظ ، فهو الأصل في النقل ، فهذه أمة وصفها في الأخبار المتقدمة أن : "أناجيلهم في صدورهم" ، ومن ثم جمع على حرف واحد ، حرف قريش ، فَبِهِ نَزَلَ ، وإن في الجملة فثم بعض الألفاظ بحرف غيره ، فحصل التواتر الذي تقوم به الحجة ، فالعبرة بالنقل المتواتر ، ولو لحرف واحد ، فضلا أن بقية الأحرف مما نَزَلَ ، مبدأ الأمر ، رخصة ، ***ا ارتفعت الحاجة حسن أن تُرْفَعَ الرخصة إذ صارت بعد ذلك ذريعة إلى الفرقة ، كما في أَثَرِ حذيفة ، رضي الله عنه ، وقد كان يغازي الناس في أرمينية وأذربيجان ، فـ : "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى" ، فتلك كتابة في ألواح ، ولكنها ، بداهة ، ليست كألواح الكليم ، عليه السلام ، الذي نزلت من السماء ، فدلالة العهد في ألواح التوراة تنصرف إلى ألواح مخصوصة امتن بها ، جل وعلا ، على موسى ، عليه السلام ، أن أَنْزَلَ فيها الشرعة المكتوبة ، فَوَاطَأَ ما كُتِبَ فِيهَا ما علمه الرب ، جل وعلا ، أزلا ، وما سطره بعد ذلك في كتاب المقادير قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، فكتبت الموعظة ، وقيدت بالحال : "من كل شيء" ، فذلك ابتداء ، كما يقول بعض المعربين ، ذلك نعت على تقدير : موعظة من كل شيء ، ***ا تقدم على المنعوت أعرب حالا ، وذلك مئنة من عموم تعظم به المنة ، وإن خص ، من وجه آخر ، أنه ما تصلح به أمة يهود ، فليس كل شيء فيها إذ قد زِيدَ عليها ما جاء به الإنجيل من الموعظة ، وما نسخ من بعض أحكامها ، وزاد التنزيل الخاتم في الأخبار تفصيلا ، وفي الأحكام نسخا ، فشريعته ، كما تقدم ، هي المهيمنة ، وإن كانت أصول الدين العلمية والعملية واحدة فهي من المحكم الذي لا ينسخ ، فخص العموم ، من هذا الوجه ، فعموم : (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، قد خص بنحو قوله تعالى : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، وإن اتحد الدين ، واتحدت الأصول العامة ، الخبرية والإنشائية ، إلا أن ثم اختصاصا تقضي به الحكمة أن يشرع لأمة ما لا يشرع لأخرى ، فحسن أن يقيد كل شيء في هذا الموضع ، فلكلِّ أمة منه ما يلائمها ، فيجري ذلك مجرى التخصيص با*** في نحو قوله تعالى : (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) ، فذلك مما خص بالمساكن ، فـ : (أَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُم) ، فيكون تأويل العام صدر الآية : تدمر كل شيء أمرت بتدميره ، أو تدمر كل شيء مما تقدر على تدميره *** تقدر على المساكن أن شاء ، جل وعلا ، بقاءها آية تحصل بها العظة ويصح بها الاعتبار طردا وعكسا . فكتبت الموعظة التي قيدت بالحال : (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، فقد كانت ، كما تقدم ، وصفا ثم تقدمت على النكرة : (مَوْعِظَةً) ، فساغ من هذا الوجه أن تَأْتِيَ الحال من النكرة ، إذ تأتي الحال من النكرة إذا كانت الحال وصفا ثم تقدمت في اللفظ ، كما في البيت المشهور الذي يضرب به المثل في كلام أهل الشأن : لميّةَ موحشا طللُ ******* يلوح كأنّه خِللُ فأصل الكلام : لمية طلل موحش ، ومن ثم تقدم الوصف فنصب وأعرب حالا . كما أن الحال تَأْتِي من النكرة إذا خصت بالوصف ، كما في بيت آخر مشهور في كتب النحاة : نَجَّيْتَ يَا رَبِّ نُوحاً وَاسْتَجَبْتَ لَهُ ******* فِي فُلُكٍ مَاخِرٍ فِي الْيَمِّ مَشْحُونَا ***ا وصفت النكرة : "فلك" بالوصف : "ماخر" ساغ أن يجيء منها الحال : "مشحونا" . أو الإضافة ، كما في قوله تعالى : (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) ، فأضيفت "كُلُّ" وهي نكرة في اللفظ إلى نكرة مثلها : "أمر" ، فخصت بالإضافة فساغ مجيء الحال منها في الآية التالية : (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) . وقد تأتي الحال من النكرة إن دلت على عموم ، كما في الآية السابقة ، فإن لفظ "كل" نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فذلك في نفسه مسوغ لمجيء الحال من النكرة ، فضلا عن إضافتها التي استفادت منها التخصيص فاجتمع لها مسوغان لمجيء الحال منها ، وكأن تقع في سياق استفهام ، فالنكرة في سياق الاستفهام مئنة من العموم ، كما في قول الشاعر : يَا صَاحِ هَلْ حُمَّ عَيْشٌ بَاقِياً فَتَرَى ******* لِنَفْسِكَ الْعُذْرَ فِي إِبْعَادِهَا الأَمَلاَ فجاءت الحال "باقيا" من النكرة : "عيش" إذ وقعت في سياق استفهام إنكار وإبطال ، فأفادت العموم من هذا الوجه ، فساغ مجيء الحال منها . ومن ثم جاءت المنة الزائدة بالتفصيل ، فـ : (تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) وهو يَنْصَرِفُ ، بادي الرأي ، إلى أحكام التشريع ، ودلالة اللام إما أن تحمل على التعلق بـ : "تفصيلا" ، فهي تجري مجرى الإطناب في المبنى زيادةَ بَيَانٍ للمعنى ، وإما أن تحمل أنها لام تقوية إذ عمل ال**در فيما بعدها ، وال**در مما يضعف عن العمل ، وإن صح أن يتعدى بنفسه في مواضع ، كما في قوله تعالى : (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) ، فثم خصوص أردف بالعموم ، فخص الربا بالذكر لفحش الجرم وَعِظَمِهِ ، واحترز بإيراد التحريم : (وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) ، إبطالا لشبهة التحليل ، ومحله في اللفظ حال تقيد ، فهو محرم عليهم وعلى جميع الأمم فتلك من الأحكام التي تواطأت عليها جميع الشرائع ، ثم عم ، فالذم يتوجه إلى جميع أجناس الأكل الباطل للأموال والحقوق ، وخص الأكل بالذكر ، فإما أن يجري مجرى الاستعارة ، فالحقوق لا تُؤْكَلُ أكل الطعام المحسوس ، فاستعير المحسوس للمعقول ، وإما أن يكون ذلك من باب التغليب إذ الأموال في العادة مما ينفق في الأكل والشرب ، فهما قوام البدن قبل أن تطلب النفس حظوظا زائدة من المتاع ! ، والشاهد أن ال**در مما يتعدى بنفسه ، كما في هذا الموضع ، وقد يتعدى بواسطة اللام فهي مما يقوي عمله ، كما في قوله تعالى : (تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، فجاء الامتنان على كلا الوجهين ، بتفصيل الشرائع ، وهو ، أيضا ، مما يحمل على الخاص فذلك تفصيل الشرائع التي تلائم بني إسرائيل ، وبعد الخبر وفيه المنة بالشرعة ، جاء العطف بالإنشاء أمرا ، فدلالة الفاء لا تخلو من سَبَبِيَّةٍ ، إذ نزول الوحي في الألواح المكتوبة يستوجب الالتزام بما فيها من شرائع مسطورة ، ولا تخلو من دلالة فور ، وذلك مما يستأنس به من يرجح دلالة الفور في الأمر ، فـ : (فَخُذْهَا) ، وقد يقال إن ثم شرطا محذوفا على تقدير : إن كان الأمر كذلك من كتابتنا التوراة لك فخذها بقوة ، وذلك مما يزيد في المعنى بالإطناب في المبنى ، وقد يجاب عن ذلك أن لا حاجة إلى هذا التقدير فالكلام ابتداء يستقيم والأصل في الكلام ، كما قرر أهل الشأن ، عدم التقدير ، فجاء الإنشاء بالأمر "خذها" وهو ينصرف إلى الإيجاب ، بادي الرأي ، ولا صارف عنه بالنظر في جملة التكليف لا آحاده ، فجملة التكليف مما يجب الأخذ به ، تصديقا بالخبر ، وامتثالا للحكم ، وأما آحاده فمنها ما يندب فلا يجب الأخذ به بالنظر في آحاده ، وإن توجه اللوم إلى تارك ال*** العام من المندوب أو المباح ، فذلك ذريعة إلى خرق سياج الواجب ، وهو ، من وجه آخر ، ذريعة إلى اختلال الأمر بِتَرْكِ *** المباح الذي لا قيام للبدن ولا صلاح للدنيا إلا بأخذه أخذ التوسط والفضيلة ، فلا يميل الآخذ إلى رذيلة التفريط بالنقص أو الترك ، ولا يميل ، في المقابل ، إلى رذيلة الإفراط بالزيادة غير المعتادة إلا في أحوال تُشْرَعُ فِيهَا الاسْتِزَادَةُ من الفضول توسعة على النفس والأهل والولد في الأعياد ، فهي أيام أكل وشرب وبعال على وجه لا يفضي إلى خرق ناموس الشريعة بالتفريط في واجب أو اقتراف محرم ، فتوجه الأمر بالأخذ العام على جهة الإيجاب دون نظر في الآحاد ، فهي ، كما تقدم ، مما يختلف فيه الحكم ، فثم أجناس تحت الأخذ ، فقسمة التكليف تدور على خمسة أوجه : الواجب والمندوب ، واحتمال الفعل فيهما أرجح ، إما على جهة الإلزام في الواجب ، وإما على جهة الرجحان في المندوب ، والمحرم والمكروه ، واحتمال الترك فيهما أرجح ، إما على جهة الإلزام في المحرم ، وإما على جهة الرجحان في المكروه ، مع التسليم أن *** المندوب مما يؤمر بأخذه ، فهو يكمل *** الواجب ، وأن *** المكروه في المقابل مما يؤمر بتركه ، فتركه يكمل مقصد الشرع في ترك المحرم ، فهو الترك اللازم ، كما أن *** المحرم في نفسه مما تَتَبَايَنُ أنواعه ، فَثَمَّ محرم لذاته فمقصد الشرع النهي عن عينه ، وَثَمَّ محرم لغيره فمقصد الشرع النهي عنه ، من وجه ، وأن يتخذ ذريعة إلى محرم لذاته من وجه آخر . فجاء فعل الأخذ على حد الإيجاب ، وتوجه بالنظر في خطاب المواجهة إلى الكليم ، عليه السلام ، وأمته له تبع ، كما تقدم من قرينة عموم التشريع التي توجب حمل خطاب الشرع على العموم إلا أن ترد قرينة تخصيص ، وقيد الأمر بالحال : (بِقُوَّةٍ) ، فهو يكشف عن صفة الأخذ ، فذلك أخذ العزائم لا الرخص ، والباء مئنة من الملابسة ، فضلا عن تنكير ال**در ، فقد يحمل في هذا الموضع ، والله أعلم ، على التعظيم ، وتلك قوة في الروح ، ولا تخلو دلالة اللفظ من قوة البدن أن يجد في الطلب ، ولو تدبرت ذلك ، لوجدته فَرْعًا على قوة في الروح فهي الأصل ، ولولا الروح ما تحرك ركن من أركان البدن ، ولولا الهمة ما نهض أحد أن يفعل شيئا ولو أن يسقي نفسه شربة ماء ، وتأمل حال النفس إذا ضعفت كيف يقعد البدن فلا ينهض بأدنى تبعاته فتناول شيء بيده أثقل عليه من حملان جبل ! ، ولذلك عَرَفَ من عَرَفَ من المحققين ربه ، جل وعلا ، بانفساخ الهمة فلا تأخذ الأمر بقوة ، وإن دق وسهل ، فإنك تعجب من حال النفس لو تدبرته ، فتارة تعظم الهمة فلو أمر صاحبها أن ينقل جبلا لنقله وما اشتكى البدن فالروح تقهره وتحمله أن يفعل ما تَرُومُ ، شاء أو أبى ، فلذة الروح تُنْسِي العاقل آلام البدن ، وكلما عظم المطلوب قل المساعد ، من وجه ، فوصف ذي الهمة أنه : وَحيدٌ مِنَ الخُلاّنِ في كلّ بَلْدَةٍ ******* إذا عَظُمَ المَطلُوبُ قَلّ المُساعِدُ . وتعبت الأبدان ، من وجه آخر ، فـ : إذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً ******* تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ . ولا ينبئك مثل خبير بأحوال النفوس كأبي الطيب وقد كانت له همة تناطح السحاب ، مع قلة دين لا تخفى ! ، وقل مثله في أمثال أبي مسلم الخراساني ، مقدم بني العباس ، ذلك السفاح الهمام ! ، الذي أراق من الدماء ما أراق ، فهمة رجل كانت سببا في إسقاط ملك وإقامة آخر بإذن الرب القدير الحاكم ، جل وعلا ، وقل مثله في أمثال أبي عبد الله الشيعي ، صاحب الهمة العظيمة في الباطل ! ، وقد تحمل وحده تبعة إقامة ملك العبيدية في المغرب ، فنهض بالأمر وحده ، وقتل بعد ذلك وحده ! ، كما قتل أبو مسلم ، وفي الحالين كان القاتل واحد ! ، وهو من استعملهم أن يوطئوا له الأمر ويثبتوا له أركان الملك ، وما كان أولئك ليستعملوا رجالا لا همة لهم ، فقد استعملوا رجالا لهم من قوة الروح ، وإن في الباطل ، ما تسقط لأجله الممالك ! ، فأخذوا الأمر بقوة فهو جد ليس باللعب ، وذلك من جلد الفاجر الذي يقابله الثقة بالضعف فلا يأخذ أمر الحق بقوة ، وهو ما اشتكى منه الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، ومن تأمل كلام منظري الصهيونية ورجالاتها الأوائل ونظر في تأويله في الخارج في عمل دَءُوبٍ مُتَّصِلٍ استغرق ساعات اليوم وأيام العمر ، فما سقط من مجد يهود بالحرب والدم فلا يقام إلا بالحرب والدم ، وحدود القوم تقف حيث يقف جنودها آخذين بأسباب السيف فلا تفاوض ولا تنازل عن المبادئ ! ، وكيانهم المغصوب ليس إلا نواة لمشروع أكبر ، فلا يجوز اختزال النظرية العامة في هذا التطبيق الجزئي في بقعة بعينها ، فهو أنموذج أممي يروم به القوم السيطرة على العالم كله ، وأية همة في السلطان أعظم من ذلك ؟! ، وقد شفعوا القول بالفعل ، مع كونهم أرذل الخلق ، ولكن سنة الرب ، جل وعلا ، في الكون لا تجامل أحدا ، وإن كان على الحق أو انتسب إليه ، فإن لم يأخذ بأسباب القوة ، وأخذ بها خصمه ، فالدولة لمن اجتهد ، كما أن الملك العادل باق منصور ، ولو إلى حين ، ولو قام بأمره آثم كفور ، والملك الظالم في مقابله مخذول مقهور وإن كان صاحبه مسلما في الجملة ، فذلك قانون محكم يطرد في أمور الكون وأحكام الشرع : (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) . فجاء التقييد بالحال : (بِقُوَّةٍ) ، وجاء الأمر إلى القوم ، وذلك يجري مجرى الإطناب بالنص ، وإلا فهم داخلون في الأمر الأول بالنظر في عموم الخطاب في الشرع ، كما تقدم ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى الإطناب بخاص بعد عام ، فـ : (أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) ، وثم إيجاز بحذف الشرط المقدر ، فحذف وجزم الفعل ، على تقدير : إن تأمرهم يأخذوا بأحسنها ، وكأن نفس الأمر هو الباعث يقينا على أخذ لا يتخلف ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، كما قيل في نحو قوله تعالى : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ، فكأنهم لكمال الامتثال يغضون فيكون مجرد ورود الأمر سببا قاطعا في حصول الغض ، فتقدير الكلام : إن تقل لهم غضوا يغضوا بلا توقف . أو هو من الجزم في جواب الطلب وذلك ، أيضا ، آكد في الحض على امتثال الأمر ، وَقُيِّدَ الأخذ بالأحسن ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، إما أن يحمل على نَزْعِ دلالة التفضيل ، فتقدير الكلام : يأخذوا بِحَسَنِهَا ، فكلها حسن ، وإن تفاوت ، فثم خبر أحسن من خبر بالنظر في مدلوله لا بالنظر في دليله ، فجميعه إن صحت النسبة كلام رب العزة ، جل وعلا ، فلا يتفاضل من هذا الوجه فالمتكلم به واحد ، وإن تفاضل بالنظر في الموضوع إن في الخبر أو في الإنشاء ، فليس خبر عن الله ، جل وعلا ، كخبر عن فرعون وهامان ! ، وإن كان كلاهما مما تكلم به ، جل وعلا ، وأنزله وحيا ، وليس الأمر بالصلاة كالأمر بغيرها فهي أعظم الأركان ، وإن كان الجميع مما نَزَلَ وحيا يتلى . أو هو ، كما يقول بعض المحققين ، مما يجري مجرى الترجيح في الاستدلال حال الاحتمال ، فإذا احتمل اللفظ حَسُنَ أن يحمل على الوجه الأرجح بالنظر في قرائن السياق والحال ، فاللفظ ، بادي الرأي ، يحمل على الظاهر إلا أن ترد قرينة توجب صرفه بالتأويل إلى المعنى المرجوح غير المتبادر ودلالات النصوص مما عني به أهل الشأن على وجه فاق الوصف ، وهو ، من وجه آخر ، مئنة من إعجاز ظاهر في لسان التنزيل الخاتم . ومن ثم ختم على طريقة الالتفات ، كما يقول بعض المحققين ، فـ : (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) ، فتوجه الخطاب إلى الأمة الخاتمة في سياق الاعتبار الذي يقضي ، كما يقول أهل الشأن ، بالطرد والعكس ، فيظهر في هذا الوجه قياس الاعتبار ، فمن وافقهم في الوصف الذي اشتق منه الوصف المشبه : "الفاسقين" ، ولا يخلو الأمر بالنظر في دلالة "أل" إذ اتصلت باسم مشتق ، لا يخلو من دلالة تعليل ، إذ تحمل "أل" على هذا الوجه ، تحمل على الوصل ، فيناط الحكم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة وهو الفسق ، فمناط القياس في الطرد موافقة لهم هو الفسق ، وهو يوجب الصيرورة إلى مآلهم ، ولو المآلَ العام بالخسران ، دون المآلِ الخاص بالنظر في عين العقوبة التي نزلت بهم وبقيت دورهم شاهدة عليها ، وَبَقِيَتْ أخبارهم مادة اعتبار لمن اعتبر ، ومناط القياس في العكس أن من خالفهم نجا مما حاق بهم من العذاب ، فاطرد القياس وانعكس وذلك مما تعظم به العبرة والعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد يستحضر لا لاهٍ يسمع الألفاظ والحروف ولا يفقه المعاني والحدود . وثم قراءة أشبعت فيها الواو في : (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) ، وهي قراءة ا***ن البصري ، رحمه الله ، وقد خرجها ابن جني في "المحتسب" ، وهو كتاب في القراءات الشاذة ، خرجها تخريجا لطيفا أن جعل ذلك من الإشباع تقريرا للمعنى بزيادة في المعنى وذلك ما يحسن في مورد إغلاظ ووعيد ، فحملت الزيادة في المبنى على أخرى تضاهيها في المعنى وذلك تخريج لطيف لوجوه القراءات ، وإن كانت القراءة شاذة ، كما في هذا الموضع ، فلا تخلو من دلالة صحيحة في اللسان على القول الراجح في كلام النحاة أن القراءة الشاذة مما يحتج به في النحو وإن لم تثبت بداهة قرآنا فلا تخلو أن تكون مما تُكِلِّمَ به زمن الاحتجاج ومحل البحث في هذه الحال هو النحو لا إثباتها قرآنا أو استنباط أحكام شرعية من لفظها فذلك لا يجوز ، بداهة ، إذ لم يصح الدليل ابتداء فكيف يصح المدلول المستنبط منه وهو فرع عليه ، فصحة الأصل شرط يسبق صحة الفرع . والله أعلى وأعلم . ??????? ??????: من آية : (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ .....) || ??????: rss || ??????: اسم منتداك
|
|
|