من آية : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ ..........) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-09-2016, 09:04 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ ..........)

من آية : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ ..........)
مما تقرر في وصف هذه الشريعة الخاتمة : أنها شريعة كاملة قد استغرقت جميع موارد الخبر والحكم ، فأبانت عن الأصول والفروع ، إما بالمنطوق الصحيح أو المفهوم الصريح في المسائل التي يصح فيها إعمال العقل من موارد الحكم المعلل ، فليس ثم مستدرَك على هذه الشريعة فَقَدْ كَفَتْ وَشَفَتْ ، فلا يجد من يجد حاجة إلى غيرها إلا لنقصٍ في علمه بها ، فما احتاج من احتاج في العقائد والأحكام والسياسات والأخلاق ، ما احتاج إلى المحدَث الباطل إلا لِنَقْصٍ في زاده من الحق النازل ، فإن النفس قد جبلت على الإثبات في العقد ، والفعل في الشرع ، فإن قل زادها من أحكام الرسالة العملية في باب الشرع الظاهر فهي تأخذ حظها من الشرائع المحدثة التي اقترحتها العقول الحائرة فلا بد لها من شرع يحتكم إليه وطرائق يساس بها الناس فإما حكم الشرع وسياسته وإما حكم الوضع وسياسته ولا يستويان مثلا ، فذلك قياس العقل الصريح الذي يزعم القوم انتحاله ، فضلا أن يقدم الحادث على النازل ، فإن التسوية بينهما تخالف صريح القياس فكيف بتقديم المفضول الموضوع على الفاضل النازل ، فالتسوية بين شرع محدث وشرع منزل مما ينقض أصل الإيمان فكيف بتقديم المفضول على الفاضل فهو ينقض أصل الإيمان من باب أولى ، وإن قَلَّ زَادُهَا ، من وجه آخر ، من أخبار الرسالة العلمية في باب العقد الباطن ، فهي تأخذ حظها من المحدثات العلمية كسائر المقالات التي حدثت بعد انقضاء عصر الرسالة ، فضلا عن مذاهب في الفكر تناقض أصل الدين إذ تدعو إلى تقديم العقل ك**در لا يَتَجَاوَزُ النفس التي طغت إذ فرحت بما عندها من العلم ، فلا ترضى في الشرائع والأخلاق والسياسات بأي **در من خارج يتجاوز ما ترى بالعقل أو تجد بالذوق ، فهي تَتَأَلَّهُ الهوى ، فتدخل من هذا الباب في عموم الإنكار في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، فثم إنكار وتوبيخ ، صدر بالهمزة فهي نص في الباب ، وهي أداة الاستفهام الرئيسة ، وثم مقدر معطوف يزيد في دلالة المذكور على إجراء الأمر على الأصل أن يأتي العاطف في محله ، وقد قدرها بعض المحققين بقوله : أنظرت فرأيت من حال أولئك ما يستوجب الإنكار إذ صار الهوى لهم إلها يعبد إذ صار إلها يشرع وإلها يطاع ، والتشريع من جهة الإله والطاعة من جهة المتأله ، كلاهما مما يدخل في حد التوحيد ، توحيد الألوهية ، فتوحيد له ، جل وعلا ، أن يصير الوحي النازل من عنده هو ، وحده ، **در التشريع فليس **در التشريع الرئيس ، وغيره يزاحمه ولو في حكم واحد ! ، فضلا أن يكون من **ادر التشريع فيؤخر ويقدم غيره ويصير الرجوع إليه نافلة من القول بعد فريضة الوضع المحدث ، فلا يكمل الأمر ، إن رام الناظر سعادة في الأولى بذيوع العدل الكامل ، ونجاة في الآخرة بصحة عقد وسلامة قلب من قادح الشرك ، لا يكمل إلا أن يصير الوحي ، وحده ، هو **در التشريع الوحيد ، فقد كفى المؤنة ، كما تقدم ، في كل شأن ، فمن وحده ، جل وعلا ، في الذات والاسم والوصف ، ووحده ، تبارك وتعالى ، في الفعل تكوينا بكلمات التقدير إيجادا وإعداما ، لزمه في القياس الصريح أن يوحده في الحكم تشريعا بكلمات الأمر والنهي فيما خص وعم ، فيصدق خبره ويمتثل حكمه ، إن في شعيرة ظاهرة أو شريعة حاكمة أو سياسة أو رياضة ...... إلخ ، فيؤمن بالكتاب الشرعي كله ، فلا يفرق بين آيه فيجعلها عضين فهو يقبل ما وافق هواه الذي صار الإله المعبود ، كما تقدم ، وَيَرُدُّ ما خالف الهوى ، فصار هو الحكم ! ، فيأثم مطلقا ، وافق الحق أو خالفه ، إذ لم يتقصد موافقة الحق وإنما وقع له عرضا ، كما أثر عن عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، فلا بد من تحرير هذا التوحيد إن في التصور العلمي أو الحكم العملي ، سواء أبطن من إرادة وحب وبغض وتوكل ورجاء ...... إلخ ، أم ظهر من شعيرة وشريعة وسياسة ورياضة ، فذلك من آكد مظاهر التأله ، وهو تأويل حد الإيمان في طريقة أهل السنة الكاملة إذ الإيمان عندهم : العقد الباطن ، والقول الناطق ، والعمل الشاهد ، ومنه ما بطن ومنه ما ظهر ، كما تقدم ، فلا يحصل معنى الإيمان المجزئ إلا بحصول حقيقة العمل ال**دق ، وإن فاتت بعض آحاده ، على تفصيل في ذلك ، والعمل هو تأويل الشريعة أن تمتثل في العقد قولا والشرع عملا ، كما تقدم ، فيصير الله ، جل وعلا ، الذي أنزلها هو الإله المعبود وحده فلا معبود بحق إلا هو ، ويكفر بما سواه من آلهة إن في ا*** كالأصنام أو في الذهن كالأهواء ، فتوجه الإنكار إلى من لم يحقق ذلك ، بتحرير معنى التوحيد ، إذ وقع في القادح من شرك الهوى أن قدم العقل والذوق على النقل .

والرؤية في الآية : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) ، تحتمل رؤية البصر ، وهي ما يتبادر إلى الذهن ، فضلا أن دلالة القياس ترشحه إذ تعدى الفعل إلى مفعول واحد : "مَنِ اتخذ إلهه هواه" ، ومحط الفائدة ما اشتقت منه الصلة وهو اتخاذ الهوى إلها يعبد ، فكان إجمال الوصل الذي جاء على الأصل فهو مما حُدَّ حَدَّ العاقل إذ لا يتصور تكليف بالشرع إلا لعاقل ، فالعقل ، كما يقول أهل الأصول ، هو مناط التكليف ، فثم عقل يصحح الفعل وهو عقل التمييز إذ لا يُتَصَوَّرُ قصد وإرادة ممن لا عقل له يدرك الحقائق ولو إدراكا جزئيا ، وثم آخر يوجب الفعل وهو عقل التكليف الذي يثبت بالبلوغ فهو مظنة اكتمال العقل فوضع علامة غالبة على إيجاب التكليف الملزم فلا يضر أن تخلفت الحكمة في آحاد بلغوا ولم يحصل لهم من العقل ما تصح إناطة التكليف به ، فذلك استثناء نادر لا يقدح في الأصل الغالب .

والشاهد أن الرؤية إذ تعدت إلى مفعول واحد فهي تنصرف إلى رؤية البصر ، وإن احتملت معنى الرؤية العلمية ، إذ نظر البصر مفتاح الفؤاد فهو مبدأ نظر البصيرة ، فأول الفكرة نظرة ، صحت أو فسدت ، فالنظر مدرك في ا*** يحصل به العلم بالصورة التي تطبع في القلب ، بقياس التمثيل ، فإذا رآها مرة أخرى استحضر الصورة المطبوعة في الفؤاد ، وقاس عليها ما يرى بالعين ، فأدرك منها علما صحيحا يحصل بقياس في المشهودات التي تدرك با*** ، وثم قياس الشمول إذ يدرك كيفا لا في معين ، فهو كيف مطلق يجري مجرى ال*** ، فإذا سمع صوت امرأة ، فإن الذهن يكيف صورة مطلقة للمتكلم هي صور المرأة ك*** أعم لا امرأة بعينها ، فقياس التمثيل يرشح واحدا في الخارج ، كمن يسمع صوت امرأة من أهله فهو يعلم عين المتكلم ، فَلَيْسَ ثَمَّ في الخارج إلا واحد يتصف بذلك الصوت المعين فالشركة فيه لا تتصور ، وإن كان ثم تشابه فالأصوات قد تتشابه كما أن الصور في الخارج قد تتشابه ، ولكنها لا تتماثل من كل وجه ، فمهما اجتهد إنسان أن يقلد صوت غيره ، فثم قدر فارق ، وإن دق ، وكذلك الشأن في الصورة الظاهرة ، فلا بد من قدر فارق في الصور في الخارج ، وإن كان ثم تشابه ، ف*** الصورة الأعم ، رجلا أو امرأة أو طفلا ..... إلخ ، يحصل في الذهن بقياس الشمول الأعم ، فثم كيف عام في الخارج يصدق في آحاد عدة فيجري مجرى ال*** العام فتحته آحاد حصل فيها جميعا مطلق المعنى الذي يدل عليه اسم ال*** العام وإن اختلفت في قدر آخر من الحقيقة في الخارج فلكلٍّ ما يميزه عن غيره ، وأما قياس التمثيل فهو يصدق في واحد بعينه من آحاد ال*** العام ، فهو أخص من هذا الوجه ، إذ يحصل فيه قدر مشترك مع بقية الآحاد ، وإن حصل قدر فارق ، فثم قدر مشترك في ال*** الأعم ، وثم قدر فارق فلكلٍّ صورة تخصه ، فحصل الاشتراك من وجه ، وحصل الافتراق من وجه آخر ، فَيَجْرِي ذلك مَجْرَى العموم والخصوص المطلق ، فثم دائرة اشتراك تصدق في المشتركين ، وثم دائرة افتراق فلكلِّ واحد منهما حقيقة أخص في الخارج لا تحصل فيها الشركة ، وذلك أصل في جميع الحقائق ، فلا بد من إثبات القدر المشترك ، وهو القدر المعنوي الذي يثبت في الذهن مطلقا ، وهو إما أن يكون أعم فيكون الأمر بين شاهد وغائب لا يدرك العقل منه إلا مطلق الذات والأوصاف التي لا تثبت إلا بالخبر ، فذلك باب غيب محض لا يدرك إلا بدلالة السمع ، فيكون الاشتراك في القدر المعنوي المطلق في الذهن دون الحقيقة في الخارج ، فذلك ما لا يتصور حصول الشركة فيه ، وإن بين شاهدين في الخارج مورد الاشتراك فيهما أعظم ، إذ كلاهما مما يدرك با*** ، ومع ذلك حصل الافتراق في الخارج بالنظر في أعيان الآحاد فهي مما لا يتصور حصول الشركة فيه وإن بلغ التشابه بين الآحاد ما بلغ ، بل وإن كان ثم تماثل في الصورة في التوأم فلا يخرج الأمر أن يكون ثم تعدد ، أيضا ، فالتعدد في الخارج بالنظر في الآحاد ، فذلك وجه الافتراق ، والتماثل في الذهن بالنظر في المعاني ، فذلك وجه الاتفاق .
وذلك الأمر الذي يحصل فيه التباين من وجه ، وهو ما يحصل في الخارج من الحقائق الخاصة ، ويحصل فيه الترادف من وجه آخر ، وهو ما يحصل في الذهن من المعاني العامة ، ذلك الأمر ما اصطلح أن يسمى : دلالة التكافؤ التي تجمع الترادف والتباين معا دون تناقض أو تعارض ، إذ الجهة منفكة ، فجهة الترادف : المعاني المطلقة في الذهن ، وجهة التباين : الحقائق المقيدة في الخارج ، وذلك حتم لازم بين أي مشتركين ، سواء أكان أحدهما غَيْبًا والآخر شهادة ، كما في سائر مسائل الإلهيات والسمعيات ، فإن الاشتراك في المعاني المطلقة في الذهن حتم لازم أن ينجو الإنسان من شؤم التعطيل ، فضلا أنه حتم لازم لإثبات دلالة اللغة على المعاني ، وإلا انقلب اللسان المفهم أصواتا غير مفهومة فليس إلا ألفاظا مسموعة دون أن يكون تحتها معان مفهمة ! ، وذلك يفضي إلى تعطيل في الدلالات كلها لا في دلالات الباب محل النزاع فقط ، وذلك أمر لو استرسل صاحبه فاتبع هواه في التعطيل مطلقا ، لأفضى به إلى سفسطة في الغيبيات بل وسائر العقليات ، فإن الألفاظ لم توضع في اللسان لذاتها فليست إلا أصواتا مجردة ، وإنما اكتسبت الفائدة من دلالتها الوضعية على معان بعينها فهي ، من هذا الوجه ، تجري مجرى الرمز المنطوق الذي يدل على معنى في الذهن معقول ، فإن منطق الظاهر دليل على منطق الباطن ، فالمنطق *** أعم يندرج فيه منطق العقل إذ يتصور المعاني المطلقة ، ومنطق اللسان إذ يترجم هذه المعاني بألفاظ مسموعة هي رموز تقرع الأسماع فيحصل بها درك للمعاني التي ترمز إليها ، فاتباع الهوى في هذا الباب الدقيق يفضي إلى مخالفة المعقول بإبطال دلالات الألفاظ فتصير الأسماء والصفات في باب الغيب من باب المشترك اللفظي الذي لا يحصل فيه أي اشتراك في المعنى المطلق في الذهن فليس إلا دلالة لفظ واحد على حقائق متباينة ليس بَيْنَهَا أي قدر من التشارك اللهم إلا التشارك في الوجود الأعم ، وهو ، لو تدبرت ، مما يلزم من بالغ في التعطيل إرادة التنزيه ، فيلزمه أن ينفي التشارك ولو في مطلق الوجود ! ، فيفضي به ذلك أن يثبت العدم في الغيب فليست له أية حقيقة لئلا يشابه الشاهد ولو في أعم العمومات ، مطلق الوجود المجرد من أي وصف ، مع أن ذلك ، عند التدبر والنظر ، أمر يتصوره الذهن ، فليس له وجود في الخارج ، فالمطلقات سواء أكانت المطلق الأعم وهو الوجود المطلق ، أم المطلق الأخص في الصفات التي أَثْبَتَهَا الخبر كالسمع والبصر فَهِيَ قَدْرٌ زائد على مطلق الوجود ، ولكنها ، أيضا ، مما يجرده الذهن فيحصل فيه إطلاق ينصرف إلى معنى مجرد تحصل فيه الشركة الأخص ، كما تحصل في الوجود ، ولكنها شركة أعم ، فيلزم من أثبت هذا القدر في الوجود أن يثبته في كل وصف ورد في الخبر ، إذ الباب ، كما تقدم ، غيب محض لا يستقل العقل بدركه دون أن يُوقِفَهُ الوحي على نصه ، وإلا كان متبعا لهواه الذي وقع ، ابتداء ، في التمثيل *** يدرك من الوصف إلا ما يجده في الخارج من وصف المخلوق الحادث فرام الفرار من هذا اللازم الفاسد فالتزم ما هو أفسد إذ أمعن في النفي ! ، حتى وقع في التعطيل *** يقتصر في النفي على القدر المشترك في الخارج فَلَوْ توقف على ذلك لكان خيرا ! ، فإن هذا القدر منتف بداهة بين الغيب الذي لا يدرك با*** ، والشهادة التي تدرك با*** ، فَلَوْ اقتصر على ذلك لكفاه ، ولكنه بالغ في النفي فَنَفَى القدر المشترك في الذهن ! ، ولم يخل تعطيله من تمثيل ، بادي الرأي ، إذ قاس الغيب على الشهادة قَيَاسَ تمثيل ، وهو قياس فاسد ، إذ قاس مع الفارق ، فثم فارق بين الغيب والشهادة لا ينفيه إلا من جحد الضروري أو سفسط فهو مريض عقلي ! ـ وهو ، من وجه آخر ، قياس فاسد الاعتبار ، إذ خالف النص الذي قضى بِنَفْيِ المثل ، فـ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، وذلك إنما ينصرف إلى المثل في الخارج وإن حصل الاشتراك في المعاني المطلقة في الذهن ، فجاء الختام يكمل القسمة وَيَنْفِي شبهة التعطيل العام ، فـ : (هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، ولم يخل تعطيله مع ذلك من تمثيل ، في آخر أمره ، إذ شبه الرب ، جل وعلا ، بالمعدومات فلا وصف له إذ أمعن في نفي المعاني *** يبق له ، جل وعلا ، وصف ، فإن أثبت بعضا ، كما أثبت أهل الاعتزال ثلاثة ، وأهل الكلام سبعة ! ، وزاد بعضهم ثامنا وهو صفة التكوين ! ، على تفاوت ، فثم اضطراب لا يخفى أن رد الأمر إلى العقل *** يكن ثم إلا التحكم بإثبات بعض ونفي بعض لا استنادا إلى معيار محكم في النفي والإثبات ، وإنما استند إلى الهوى الذي ذم في الآية ، فما وافق هواه أثبته ، وما خالفه نفاه ، فجعل هواه هو المعيار الحاكم مع ما يلحق الأهواء من اضطراب وتناقض فما يستحسنه عقل فيثبته يستقبحه آخر فينفيه ، وليس ثم معيار فصل ، فهو محكم لا اشتباه فيه ، يقضي بين الخصوم في الخصومات العلمية كما في هذا الموضع ، إذ رُدَّ كلٌّ إلى هواه ، كما تقدم ، فلا يرتفع الخلاف ولا تهدأ الخصومة إلا أن يَرُدَّ كلٌّ ما رأى بالهوى ، إن في العقد ، أو في الشرع ، أو في الحكم والسياسة ، أو في الزهد والرياضة ، أن يَرُدَّ هواه وذوقه في جميع موارد الاستدلال العلمية والعملية إلى الوحي ، فيتخذ إلهه الإله الحق ، رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، الذي خلق وشرع ، الذي دبر أمر الأبدان بقدر التكوين ، وأمر الأديان بقدر التشريع ، *** يخل المعطل من تمثيل بادي الرأي ، أن مثل الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق المحدث ! ، فشبهه بالموجودات في الخارج ، فرام الفرار فأمعن في النفي حتى شبهه بالمعدومات ! ، فجاء أهل الباطن فبالغوا في السفسطة ! ، فنفوا الإثبات ، ونفوا النفي ! ، فقالوا بارتفاع النقيضين ، فلا هو موجود ولا هو معدوم ! ، ولا يخلو ذلك ، عند التدبر والنظر ، من تشبيه أيضا ! ، إذ شَبَّهَ الرب ، جل وعلا ، بالمحالات التي لا وجود لها إلا في الذهن فرضا عقليا محضا لا وجود له في الخارج إن بإثبات أو بِنَفْيٍ ، فهو مما يجري مجرى الفرض تَنَزُّلًا في الجدال مع الخصم لا أكثر ! ، ومن أفرط في المقابل فبالغ في الإثبات ، فإنه يقع في التشبيه من وجه ، ولا يخلو من تعطيل إذ عطل الخالق ، جل وعلا ، عن كماله إذ شبهه بالمخلوق الناقص ، فالتشبيه في هذا الباب يستوجب التعطيل ، والتعطيل ، أيضا ، يستوجب التشبيه ، فجمع كل طرف سوأة الآخر ، عند التدبر والنظر .
فثم اشتراك بين غيب وشهادة ، كما تقدم ، فلا بد من قدر مشترك وهو الحقيقة المطلقة في الذهن ، وثم قدر فارق وهو الحقيقة المقيدة في الخارج ، فمن نفى القدر المشترك وقع في التعطيل ، ومن نفى القدر الفارق وقع في التشبيه الذي بلغ حد الحلول والاتحاد ، فكان هذا الفكر الوافد من ديانات شرقية قديمة ، لا سيما الديانات الفارسية والديانات الهندية ، إذ اشتهر في مقالها الغلو في التجسيد فكان الآكاسرة آلهة تعبد ، وذلك ، لو تدبرت مما يدخل في عموم الآية ، فأي هوى أعظم فسادا من هوى يحمل صاحبه أن يَنْفِيَ بدائه العقل ، وهي القدر الفارق بَيْنَ الرب ، جل وعلا ، والعبد ، فيجعل الكثير المتفرق في الخارج واحدا متحدا في شخص أرضي فهو كائن بشري محدث يَعْتَرِيهِ من نقص الجبلة ، نقص الذات والوصف ما يَعْتَرِيهِ ، فصار فرعون إمام الموحدين ! ، إذ أدرك من حقيقة الوحدة الباطنة ! ما لم يدركه أرباب الشريعة الظاهرة الذين جروا على حكم النص الحرفي فَكَفَّرُوا فرعون ، فذلك من التعدي في الحكم ! ، وذلك من شؤم الجمود على ظاهر النصوص المتبادر دون الغوص في حقائقها الباطنة التي لا يطيقه إلا آحاد المحققين من أهل الطريق الذين مَزَجُوا الرياضة المحدثة بالفلسفة الأرضية التي لَا تَسْتَنِدُ إلى نصوص إلهية فهي نتاج عقل أرضي يستحسن ويستقبح في الإثبات والنفي ، في الإباحة والحظر ، فيحكم بما يروق له وإن خالف الوحي إذ لا حظ له منه ، كما تقدم ، إلا آثارا باهتة تسللت إلى بعض مقالات الفلاسفة الذين وفدوا على الشرق فأخذوا عن فلاسفته بعض مقالات الوحي إذ كان فلاسفة الشرق لا سيما في بلاد الشام ، أرض النبوات ، على قدر من العلم بالوحي ، وإن خرجوا عن منهاجه فلا يجتمع الوحي والفلسفة في إهاب واحد ، وإن اشتركا في جملة من الحقائق التي يشترك فيها جميع العقلاء ، بل إن الفلاسفة الذين اطلعوا على مناهج النبوة قد أقروا أنها أعدل ناموس طرق الأرض ، مع أنهم جعلوا ذلك من باب السياسة بمفهومها الأرضي فمرادها استصلاح العامة لا أكثر ولو اقترفت في سبيل ذلك جريمة الكذب في الأخبار ! ، ترغيبا للنفوس بأوهام اللذة المحسوسة التي لا يدرك العامة غلاظ الأكباد إلا هي ، فلا يدركون إلا ما يدرك با*** الظاهر إذ لا حظ لنفوسهم البليدة من معاني العلم الذي غلا فيه القوم فجعلوا العلم بالحقائق المطلقة هو الغاية ، وصارت العبادة والرياضة وسيلة لا أكثر أن تنال هذه الرتبة وإن لم يكن لصاحبها حظ من ناموس الشرع تصديقا وامتثالا ، فكان امتزاج الفلسفة بالرياضة الصوفية في مقالات كمقال الإشراق الذي جمع الحكمة والتأله الباطل ، لا التأله الصحيح الذي يستوجب توحيد رب العبيد ، جل وعلا ، بتصديق الخبر وامتثال الحكم ، فاستبدل به تأله باطل برياضة محدثة لا أصل لها في الشرع لا في الوسيلة ولا في القصد ، فوسائلها محدثة من جوع وعطش وسهر ولجوء إلى الكهوف والجبال وأماكن الخلوات بلا فقه يعصم صاحبه من وساوس الشياطين ، فلا حظ له من الشرع ، فهو الذي يحسم الوساوس ، وقصدها باطل أن صار النور هو **در الوجود والمعرفة ، وصار الاتصال بهذا النور هو غاية المحقق فلا يحصل الخلاص والسعادة إلا بذلك ! .



فكان الإسراف في هذا الباب ، بالتأويل الذي بلغ بصاحبه حد النقض لأحكام الشريعة بما توهمه القوم من الحقيقة ، وكان الغلو في الإثبات في باب الإلهيات ، وكان الغلو في المحبة التي أفضت بصاحبها إلى دعاوى العشق والفناء ، فالغلو في المحبة أولى خطوات الشيطان في هذه الطريق الوعرة ، فبعده كان الإيغال في الرياضة جوعا وسهرا ، فضلا عن المحدثات في السماع طبلا وزمرا ورقصا ! ، صيره أصحابه من الدين المحمود وإن عارض المتواتر المشهور من تحريم المعازف وذم من استمع إليها فذلك أمر ينقص الدين ويذهب المروءة والحشمة بما يكون من التمايل بالجسد هَزًّا لِلرُّءُوسِ والأكتاف ، وربما الخاصرة والأرداف ! ، فخرج ذلك بالقوم إلى جملة من الخيالات الفاسدة ، كما يقول صاحب "التلبيس" رحمه الله ، وذلك ما يزيد بهجر أسباب المباح ، فيعتزل السالك في مكان مظلم رياضة للنفس وتفريغا للقلب كما يقول صاحب "الإحياء" رحمه الله فتلك حال يشهد صاحبها جلال حضرة الربوبية ويسمع نداء الحق ! ، وقد يكون ذلك هاتف شيطان ! ، لا سيما مع تضافر أسباب الخلل من الجوع والعطش والسهر والانفراد والعزلة بلا علم يعصم ، فكل أولئك يجعل صاحبه فريسة لذئب الوسواس ، وزد عليه ما قرر صاحب الإحياء ، رحمه الله ، من هجر الطيب من المناكح فهو الشاغل عن الأنس بالله جل وعلا ! ، والصبر على تَرْكِ المطعوم والتقوت بما لا يألفه البدن من حشيش الأرض في الفلوات وهو مما قد يمرض البدن بل ويتلفه ! ، فيكون صاحبه متوعدا بما خالف من نهي التنزيل أن : (لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، وتجويز حصول النداء بهاتف حق ، هو من الغيب ، قد يكون ذريعة إلى نقض ظاهر الشريعة بما يظهر لِلْمُهَاتَفِ من بواطن الألفاظ فيهتف به الهاتف أن يخالف عن أمر الوحي فينتهك الحرمات بل ويجعل ذلك مئنة من كمال الولاية ، وليس ذلك ، بداهة ، إلا هاتف شيطان رجيم كالذي عرض للجيلاني ، رحمه الله ، فاستعاذ منه وزجره فانزجر بوارد الشرع المحكم ، فضلا أن ذلك قد يكون ذريعة إلى الغلو في الولاية بتقديمها على النبوة ، أو تجويز لكسب يضاهي كسب النبوة برياضة العزلة والجوع ... إلخ من الرياضات المحدثة التي يزعم أصحابها أنها تخلي المحل من الأعراض فيصير محلا يقبل إشراقات النور ! ، وليس ذلك إلا عرضا من أعراض الجوع ! ، أو وسواسا لبس على من قل علمه ، فادعى ، من وجه آخر ، العشق والهيام ، فكأنهم تخيلوا في الخارج صورة حسنة ذابوا فيها عشقا ، فكان الفناء في الم**** على وجه يحصل فيه الامتزاج بين الذوات حلولا أو اتحادا وما ذلك إلا أثر الجوع الذي يفسد المزاج ! ، فيسهل على إبليس أن يوسوس بما شاء ! ، فيتخيل الجائع صورا في الخارج تكلمه فإما أنها الملائكة تخاطبه بالوحي فَلَيْسَ إلا أمرا يخرج من النفس على طريقة من نفى المرجع المتجاوز من خارج ، فمرجع الوحي من داخل النفس ، قياسا أو ذوقا ، أو الاثنان معا كما هي طريقة أهل الإشراق الذين جمعوا بين الفلسفة والتأله ! ، وإن كان تألههم ، كما تقدم ، بأحوال محدثة لا مستند لها من الشرعة المُنْزَلَةِ ، وإما أنها الإله الذي تبدى للناظر في الخارج صورة يدركها بحسه فهي تأمره وتنهاه ، ولو بما ينسخ الشريعة ، فتلك هي الحقيقة الباطنة التي تقضي على الشريعة الظاهرة ، قضاء المحكم على المتشابه ، فصارت تلك الحقيقة الأرضية ، وهي حقيقة امتزج فيها الرأي الفلسفي بالذوق الصوفي ، صارت تلك الحقيقة الأرضية المحدثة قاضية على الشريعة السماوية ، فليس إلا ظاهرا يحتمل فهو مما يحصل فيه التفاوت ، إن في الامتثال فلا تلزم كل أحد ، وإن في التأويل ، فكل يعطل ما شاء منها باسم الرأي أو الكشف ، وفيها تجد من تناقض المتأولين ما لا يمكن رفعه إلا أن يرد قياسهم المتشابه إلى محكم التنزيل الذي اجتهدوا في إبطاله وإسقاط تكليفه عن المحقِّق الذي بلغ رتبة اليقين ! ، فكان هذا الخلل في العقل والمزاج أَثَرًا من آثار الغلو في الرياضة ، فوقع أولئك في عشق الصورة الجميلة التي تَخَيَّلُوهَا ، أو تبدت لهم في حال نقص إذ ضعف العقل والبدن بقلة الغذاء ففسد المزاج وتلك حال يسهل على إبليس فيها أن يلبس على صاحبها .

والعشق ، من وجه آخر ، من القول الفاسد الذي لا يصح إطلاقه في حق الرب ، جل وعلا ، وإن قصد صاحبه معنى المحبة الصحيحة ، فكيف وهو يروم معنى فاسدا فيه من الغلو في هذا الأمر ما يُتَذَرَّعُ به إلى مقال الحلول والاتحاد ، فقال أبو ا***ين النوري على سبيل المثال الذي ضربه صاحب "التلبيس" رحمه الله ، قال : أعشق الله ويعشقني ، واستدل بالوحي ! ، فذلك من قبيل المحبة في نحو قوله تعالى : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) ! ، وشتان المعنى المشروع والمعنى المحدث ، إذ العشق لا يطلق في اللسان إلا على ما يُنْكَحُ ، فعشق الرجل زوجه إذا نكحها نكاح المباضعة الذي يحصل فيه الاتصال ، وذلك ما التزمه الغلاة من أهل الطريق حتى جعلوا عشق الصورة الجميلة ، ولو محرمة كأجنبية أو غلام أمرد ! ، جعلوا ذلك من تمام الديانة ! ، واستجازوا بذلك أن ينكحوا تلك الصورة النكاح المحرم ، بل والنكاح الفاحش الذي خسفت لأجله قُرَى قوم لوط ! ، فما ذلك عندهم إلا تأويل العشق ، فالصورة الإلهية بوصف جمالها قد حلت أو اتحدت بتلك الصورة الجميلة فصار نكاحها اتصالا بالحقيقة الإلهية عشقا يحمد صاحبه ! ، وذلك ما التزمه صاحب الفصوص ، فجعل الصورة الجميلة محل أوصاف الجمال ، وجعل صورة الجبروت الأرضي المذموم الذي ينازع صاحبه الرب ، جل وعلا ، منصب الألوهية بل ومنصب الربوبية ! ، جعل هذه الصورة محل أوصاف الجلال الإلهية فلا يلام صاحبها كما تقدم من حال فرعون ! ، فليس إلا من جملة المحققين الذين أدركوا الحقيقة فَعَارَضُوا بها الشريعة ، فصح أن يدعي الربوبية والألوهية آمرا ناهيا فلا يرى القوم إلا ما رأى ، فكان شركهم شركا مركبا إذ ارتضوا شرعا محدثا ، فأشركوا في وصف الربوبية فلا يشرع ويدبر بأمر ونهي ، إلا من خلق ورزق ودبر بإيجاد وإعدام ، وأشركوا في الألوهية إذ أشركوه فيما أطاعوه ، فكانت طاعتهم له عبادة ! ، وتلك حال تعم كل من رضي شرعا يخالف الشرع المنزل ، فعلى ما تقدم من مذهب الاتحاد لا يعد فرعون ومن سلك جادته ، لا يعدون مارقين من الدين بل هم من جملة المحققين الذين أدركوا جوهر الحقيقة ! ، كما أدركها إبليس ! ، فَعَارَضَ بها الشريعة الظاهرة إذ أمر بالسجود ، فهو ، وحده ، الذي أدرك الحقيقة التي غفلت عنها الملائكة إذ وقفت على ظاهر الشريعة ، وإن شئت الدقة فقل جمدت على هذا الظاهر ! ، وذلك أمر لو سلم به لفتح باب التأويل الباطن على **راعيه *** يبق من ظاهر الشريعة شيء يسلم لمتأله ، فذلك ، أيضا ، مما يدخل في عموم اتخاذ الهوى إلها يعبد ، أن يصير التأويل الذي لا مستند له لا من نقل ولا عقل ولا لسان ، أن يصير هو **در التشريع في إثبات الحقائق وسن الشرائع ، ولو تدبرت ذلك ، لوجدت أن أرباب الشرائع المحدثة في هذه الأعصار قد وافقوا أولئك في جملة من المقال ، إذ جعلوا الهوى ، أيضا ، مستند التشريع ، فعارضوا بالهوى والذوق المحدث ما أحكم من شرائع التنزيل وسياساته فمرد الأمر إلى تحسين وتقبيح يعم جميع موارد الاختيار ، ما بطن منها من عقد ، وما ظهر منها من شرع وسياسة ورياضة ، ف*** المخالفة واحد وإن تعددت آحاده في الخارج ، فثم غلو في المعنى الأرضي في مقابل جفاء يضاهيه في المعنى السماوي ، فيعارض المنزل بالمحدث ، بل ويتأول لأجله ، وإن تعذر ذلك بطرق دقيقة في اللسان ، كان التأويل الذي لا يستند إلا إلى أوهام الناظر ، وهو ما اصطلح أن يسمى لعبا ! ، واللعب لا حد له فهو يَنَالُ أي نص إذ لم يَعُدْ ثَمَّ مقدس يُنَزَّهُ عن هذه التُّرَّهَاتِ ، فصار التنزيل ، كما يقول بعض أرباب الحداثة التي قطعت علائق المعرفة مع الإرث السالف ، صار التنزيل نصا مفتوحا لما تستبن بعد جميع معانيه فلا زال في جعبة القوم كثير ، وإن خالفوا ما يقتضيه التنزيل ، فليس لاجتهادهم حد ، فالأمر ليس استنباطا لمعان ثانوية زائدة على المعاني الأولية الرئيسة على وجه صحيح يستند إلى قانون محكم من اللسان الذي نزل به الوحي ، على وجه لا يأتي على الأصل بالنقض ، بل صار استنباطا يشبه تأويل أهل الباطن أن صار ذريعة إلى إبطال المشهور المتواتر إن في الأخبار أو في الأحكام ، وصاحبه يتذرع إلى ذلك بالاجتهاد الذي صار اتخاذا للهوى إلها يعبد ، فيدخل ، كما تقدم ، في عموم الآية : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) .

ومن أجل ذلك يتذرع أولئك إلى استحداث ألفاظ لم تَرِدْ في التَّنْزِيلِ ، من قبيل ما تقدم من لفظ : "العشق" ، وإن توسل صاحبه في إثباته أن يحمله على لفظ شرعي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ ، فيحمل العشق المحدث على لفظ المحبة الْمُنْزَلِ ، وذلك خلط وتلبيس في باب الأصل فيه ، كما تقدم مرارا ، التوقيف فلا يثبت فيه اسم أو حكم إلا بنص من الشرع ، فصفات الرب ، جل وعلا ، كما يقول صاحب "التلبيس" رحمه الله ، من المنقول فلا اجتهاد في حدها ، ولو اشتقاقا من الأفعال ، على تفصيل في ذلك فثم من جوز الاشتقاق بضوابط وهو عند التدبر والنظر ، لا ينفك يرجع إلى نص من الوحي ولو فعلا يشتق منه اسما يكافئه في أصل الدلالة وإن غايره في زيادة ، إذ يدل على الذات التي قامت بالفعل أو اتصفت به ، كما قد علم في علم التصريف في مبحث المشتقات ، فليس الاشتقاق في هذا الباب هو الاشتقاق المحظور الذي يلزم منه الحدوث بعد العدم بل هو الاشتقاق اللغوي الذي يرد فيه الاسم إلى المعنى الذي يكافئه ، فأسماؤه ، جل وعلا ، أزلية ، فلها من وصف الأولية ما اتصفت به الذات القدسية التي قامت بها أوصاف الكمال أزلا وأبدا ، إن أوصاف ذات ، أو أوصاف أفعال ، فإن حدث من الأفعال آحاد تتجدد أن أنيطت بالمشيئة النافذة فنوعها قديم أول قد قام بالذات القدسية أزلا ، فلا يصح في هذا الباب إحداث اسم مُبْتَدَعٍ وتأويل الاسم المنزل به على وجه يفضي إلى إثبات معنى باطل ، أو يفضي إلى إجمال يوهم وإن قصد صاحبه المعنى الصحيح ، فغاية ما هناك في مقام الاعتذار عنه إن كان من أهل الفضل أو أهل العذر أن يقال : ما تقصد بإطلاق لفظ كالعشق ؟! ، أتقصد معنى المحبة الصحيح فذلك معنى ثابت ولكن استعمالك لذلك اللفظ المحدث استعمال باطل أن لم يرد في النصوص في باب الأصل فيه ، كما تقدم مرارا ، التوقيف ، فضلا أنه في نفسه يوهم معنى باطلا لا سيما وقد التزمه من التزمه من الغلاة ، فصار استعماله ، ولو في مورد حق ، أمرا يقبح إذ يوهم من لا علم له أن المعنى الباطل معنى صحيح فقد استعمله من أهل الفضل من يشهد له بالرسوخ والتحقيق ! ، وإن قصد من يتكلم باللفظ المجمل معنى باطلا فذلك مما يُرَدُّ من باب أولى ، فاللفظ المحدث في باب التوقيف يُرَدُّ مطلقا ، لا سيما إن كان موهما لمعنى باطل ، فيكون رده من وجهين كما تقدم : أنه محدث لا مستند له من الوحي المنزل ، وأنه مما يوهم معنى باطلا بل قد صار في العرف الحادث مما ينصرف بادي الرأي إلى ذلك المعنى الباطل الذي اشتهر وصار ، كما تقدم ، كالعرف الجاري في كلام أهل الشأن ، وقل مثله في قصص يحكيها صاحب "التلبيس" رحمه الله ، من قبيل ما حكي عن أبي حمزة ، أنه كان إذ سمع شيئا ولو غرابا ينعق قال : لبيك لبيك ! ، فرمي لأجل ذلك بالزندقة فذلك قول الاتحادية ، مع أن الأمر إن استعمل فيه العدل ، وهو حتم لازم وإن مع المخالف ! ، يحتمل في باب الاعتذار ، وإن مرجوحا ، أنه قصد إجابة الداعي إلى الذكر فقد أيقضه ذلك الصوت لينهض إلى ذكر الرب ، جل وعلا ، فهو كالديك الذي نهي عن سبه إذ يوقظ الناس للصلاة ، مع أن القول يحمل من معاني الاتحاد ما لا يخفى ، وقل مثله في اعتذار من اعتذر عن بعض أهل الشام ممن غلا في مسألة الرؤية أنه قصد رؤيةً في الدنيا بالقلوب تضاهي رؤيةً في الآخرة بالعيون ، فذلك ، أيضا ، قد يصح ، وإن احتمل في كلام المتأخرين من أهل الطريق المعنى الباطل فقد ادعوا رؤية الله ، جل وعلا ، إما رؤية معراج كما زعم البسطامي ، أو رؤية صورة أرضية اصطفاها الرب ، جل وعلا ، كما ينقل صاحب "التلبيس" رحمه الله ، فحلت فيها معاني الربوبية ، وزالت عنها معاني البشرية ! ، وتلك معان ظاهرة البطلان فيها من الدعاوى الكاذبة ما لا يخفى ، فإن زعم صاحبها أنها من العشق ، ولو حمله على المعنى الصحيح ، فقال : أنا أعشق الله وهو يعشقني ، بمعني : يحبني ، فمن أين له أن الله ، جل وعلا ، يحبه ، أطلع الغيب ، ودعاوى القوم لا تخلو من جرأة تبلغ حد الوقاحة ، وما ذلك إلا من شؤم العدول عن التَّأَلُّهِ الصحيح للرب ، جل وعلا ، الحميد المجيد بما أَنْزَل على ألسنة رسله ، عليهم السلام ، من صادق الخبر وعادل الحكم ، فعدل عنها من عدل إلى الكذب في الخبر ، والجور في الحكم ، فعارض من عارض محكم التنزيل بمتشابه من الدين المحدث ، راجت فيه مقالات الاتحاد في العقائد ، وذلك ما أطفأ جذوة الحب والبغض في القلب ، *** يعد ثم ما ينكر على أي عابد ، فكل يعبد الله ، جل وعلا ، في الصورة التي نحتها إما في ا*** صنما ، أو في العقل كما أحدث من أحدث من الشرائع الأرضية ما ضاهى به الشرعة السماوية فاتخذ كلٌّ إلها يلائمه ! ، ولم يعد ثم ما يستوجب الإنكار فالحق قد تَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الأهواء والأذواق ، وتلك مقالة اشتهرت في هذه الآونة وهي مما احتفى به أهل الباطل فطاروا بها فرحا وراحوا يروجون لها ليسلم أهل الحق بباطلهم ، وإن لم يسلموا هم في المقابل بالحق ، فهو عند التدبر والنظر ، تقريب من طرف واحد ، يعم التقريب بين الأديان وتلك دعوى أقيمت لها المجامع في هذا العصر وغاية ما اكتسبه الحق منها أن حظي بمقعد يجاور الأديان الأرضية المحدثة كالبوذية والهندوسية ! ، وبين المذاهب كما في عقود مضت تسلل فيها أرباب البدعة إلى بلاد السنة أن خفيت آثارها لا سيما تحت وطأة الاستبداد الذي اقترفته صنائع الاحتلال التي سُلِّمَتْ لها الأرض ، وأطلقت يدها أن تبطش وترهب لا سيما كل من تحدثه نفسه أن يرفع بالحق المنزل رأسا ***ا ضعفت مناعة الجماعة بالاستبداد صار يسيرا على جرثومة البدعة أن تهاجمها وتمرضها ، فغاية هذا التقريب المزعوم بنوعيه ، غايته أن يتحول أهل الحق إلى الباطل ، ولو رضا به ، في إطار ما اصطلح أن يسمى وحدة الأديان ، وليست إلا لازما من لوازم وحدة الأعيان التي نعق بها أهل الاتحاد ، ولن يتحول أهل الباطل في المقابل عن عقدهم وشرعهم قيد أنملة وإن بذلوا من طرف اللسان حلاوة الأخوة الإنسانية والدينية ..... إلخ ، وأفعالهم في الخارج تقتيلا وتشريدا لأهل الحق تشهد بمرارة تذهب حلاوة القول ، فالفعل شاهد الصدق لما وقر في القلب من حب أو بغض ، ***ا اقترن هذا المقال بإرجاء في العقد هون أمر العمل وأقعد صاحبه أن يجاهد أهل الباطل بقلبه ولسانه ويده ، فاستباحوا الأ**ار وقعد أولئك إذ لا يكنون بغضا لأحد ، فالجميع على حق وخير ! ، وجهادهم اعتراض على يد القدرة التي وطأت لهم الأرض أن يحتلوها ، والحرمات أن يدنسوها ، والثروات أن يستلبوها ، وليس ثم من ينكر ممن شهد الحقيقة الكونية وصيرها ذريعة أن يبطل الحقيقة الشرعية التي تقضي ، كما تقدم ، بجهاد أهل الباطل ، فكان فناء الشهود بالغلو في معاني الربوبية ، ذريعة إلى فناء الوجود ، فصار الكل واحدا ! ، ولو تتبعت أصول هذه المقالات لوجدتها ، كما تقدم مرارا ، أصولا أجنبية منقولة من فلسفات أرضية قديمة هي نفس المعدن الذي أخذ عنه شاءول الطرسوسي إذ قال بحلول اللاهوت في الناسوت ، وذلك ما قاله غلاة الشيعة في علي ، رضي الله عنه ، ولا زالت مقالاتهم إلى يَوْمِ الناس هذا تطفح بالغلو ، وإن تأولوا لأجلها ما تَأَوَّلُوا من أعذار هي أقبح من الذنوب التي اقْتَرَفُوهَا ، وهو ما ظهر في مقال أهل الحلول والاتحاد بنوعيه الخاص في معين ، والعام في كل شيء في الخارج وذلك أقبح في النظر ، فالأصول أجنبية ، كما تتبعها بعض الباحثين ، فأبو يزيد البسطامي ذو أصول مجوسية ، وهو من أوائل من تكلم في الفناء والاتحاد في الملة الخاتمة ، وذو النون صاحب الرموز الغامضة كان ذا حظ وافر من ثقافات اليونان كالأفلاطونية المحدثة ونظريات أرسطوا في الإلهيات ، ومعروف الكرخي كان من الصابئة ولهم إرث من الغنوصية ، والحلاج الذي قال بفناء الوجود جمع مساوئ المجوسية الزرادشتية القائلة بالأصلين ، النور والظلمة ، والباطنية الإسماعيلية التي غلت في التأويل الباطن حتى أبطلت الشرائع فضلا عن غلوها في التعطيل في باب الإلهيات حتى خرجت عن حد العقل فشبهت الرب ، جل وعلا ، بالمحالات ، وكل أولئك يجمعهم وصف واحد : الغلو في الرأي والذوق فكلٌّ قد اتخذ الهوى إلها يعبد ، فيقدم حال التعارض مع الشرع ، فالشرع يتبعه إذ يقضي فيه العقل بسيف التأويل فيقطع أوصاله ويفسد دلالاته ، وكل ٌّ يطغى ويستكبر فلا يروم الخضوع للشرع فذلك تقليد ينقص من قدره إذ يجتهد بما أحدث من قياس ورياضة وإن أتى باجتهاده على محكم الشريعة ، وكلٌّ يروم طريقا أخرى غير طريق النبوة ، فهي طريق الظاهر الساذج وهو قد سلك طريق الباطن الكامل طريق المحققين وإن خرجوا عن منهاج النبيين ، عليهم السلام ، على وجه يفضي آخر الأمر إلى نقض أصل الدين ، كما قرر ذلك من صنف في نواقض الإيمان .

فجاء الاستفهام إنكارا وتوبيخا :
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ : فثم عموم في الموصول يعم كل من تقدم ذكره وكل من عارض الوحي بالرأي والذوق ، وثم تشبيه معكوس كما يقول أهل الشأن ، فذلك مما يَزِيدُ في الدلالة في سياق الذم ، فالهوى هو الذي يتخذ إلها لا العكس ، ***ا عكس زيد في تقرير المعنى فقد بلغ به الأمر أن صار الهوى هو الأصل فهو الذي يؤول أمر الإله إليه لا العكس ! .
وثم تقييد بالحال ولا تخلو من دلالة السببية ، فما كان ذلك إلا أن : أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ، فالواو في : (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) ، تحتمل الحال وتحتمل العطف من باب عطف السبب على المسبب فما كان ذلك إلا أن حكم الرب ، جل وعلا ، عليه بالضلال عدلا ولو شاء لهداه فضلا ، فأضله على علم ، إما حالا من الفاعل فأضله ، جل وعلا ، على علم منه بالمحل الذي يقبل آثار الهداية فأمده بأسبابها ، والمحل الذي لا يليق به إلا الضلال فأمده ، أيضا ، بأسبابه ، فكل أولئك مما يدخل في عموم : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) .

أو حالا من المفعول فأضله الله ، جل وعلا ، وهو يعلم الحجة فلا عذر له .

ومن ثم عطف على جهة البيان لكيفية الإضلال أن : خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ : فذلك من الختم الكوني ، والعطف يحتمل ، أيضا ، عطف السبب على المسبَّب ، فالختم وجعل الغشاوة من أسباب الإضلال ، فختم على سمعه وقلبه وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً : فذلك ، أيضا ، من فعل التكوين ، وقد قدم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد وزد عليه دلالة التنكير في "غشاوة" ، فهي غشاوة عظيمة لا ترجى معها هداية ، فجاء الاستفهام إنكاريا يبطل : فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ : فتلك هداية التوفيق والإلهام التي لا تكون إلا لله ، جل وعلا ، فمن شاء منحها إياه فضلا ، ومن شاء منعها عنه عدلا ، ومن ثم جاء الاستفهام : (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، ولا يخلو ، من دلالة الأمر ، على تقدير : تذكروا واعتبروا ، واللفظ قد عم بدلالة التغليب وإن خص جماعة الذكور بأصل الوضع ، ودلالة المضارعة ، كما تقدم ، مما يرشح معنى الديمومة والاستمرار ، فالتذكر يحمد في كل حال ، وهو من الأدلة العامة التي استدل بها من يثبت القياس الصحيح في الشريعة فهو من أجناس التذكر المحمود .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:51 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant