من دلالات الألفاظ - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-15-2015, 04:03 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من دلالات الألفاظ

من دلالات الألفاظ
مما تقرر في دلالات النصوص ، أن ثم عرفا للشرع في بيان حقائقه سواء أكانت خبرية أم إنشائية ، فهذا العرف الشرعي يكافئ الحقيقة الشرعية المخصوصة ، وهذه الحقيقة الشرعية إما :

أن تكافئ الحقيقة اللغوية المطلقة ، فيكون العرف الشرعي مساويا للعرف اللغوي ، كما في لفظ الصلاة في قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، فقرينة السياق توجب حمل اللفظ على الحقيقة اللغوية ، وهي الدعاء المطلق ، لا الدعاء المخصوص ذو الهيئات المقدرة في القول والفعل كما عرفه أهل الفقه .

وإما أن تكون هذه الحقيقة الشرعية دون الحقيقة اللغوية ، فدلالة اللسان أوسع فِي الْغَالِبِ ، إذ الإطلاق أوسع دلالة من التقييد ، كما في لفظ الصلاة الشرعية المعهودة ، في قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، فهي صلاة مخصوصة تَنْدَرِجُ في الصلاة اللغوية الأعم ، فبينهما عموم وخصوص مطلق ، فكل صلاة شرعية صلاة لغوية ولا عكس ، فيصح أن يطلق على أَيَّةِ صلاة شرعية أنها صلاة لغوية إذ لا تخرج أن تكون دعاء ، ولو قيد بهيئات مخصوصة ، ولا يصح العكس ، فليس أي دعاء مطلق صلاةً في الشرع تجزئ ، وإلا أجزأ الإنسان أن يقف ويرفع يديه ويدعو بأي دعاء فيصح أنه قد أقام الصلاة وبرئت ذمته بذلك ، ولا قائل بذلك إلا من سلك سبل التأويلات الباطنية فخرج عن دائرة النقل والعقل ، وضرب الدلالات بعضها ببعض ، فعارض الدلالة الشرعية بالدلالة اللغوية ، وذلك من أبرز معايب التأويل ، ومن أبرز وجوه الانحراف في هذا المنهاج ، فصاحبه يغفل الدلالة الشرعية في نص شرعي ، ويقتصر على الدلالة اللغوية ، والوحي لم يأت لبيان اللسان ، فهو ثابت مستقر قبله ، وإنما جاء لبيان الوحي باستعمال ألفاظ اللسان العربي فهي آلة البيان والإفهام التي يستعملها العرب ، فإن كان الإلمام بطرائق العرب في البيان أمرا لازما قبل الشروع في تفسير نصوص الوحي ، فإن ذلك لا يعني إغفال دلالات الشرع الأخص ، فدلالة اللسان : دلالة معجمية مطلقة ، لا بد أن تشفع بدلالة السياق ، ولا بد أن يسبق في التصور أنها وردت في نص شرعي فجاءت لبيان الشريعة فالعبرة بالمقصود الشرعي الأخص لا المقصود اللغوي الأعم ، وذلك ما لا يعلم إلا من طريق صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولذلك كان البحث في دلالات أقواله إيجابا وندبا وإباحة وكراهة وتحريما ، ودلالات أفعاله فمنها ما يجري مجرى الجبلة ، ومنها ما يجري مجرى التشريع ، ومنها ما يستفاد منه الإذن المحض في الفعل ومنها ما يزيد فيبلغ حد الندب وهو الأصل كما قرر أهل الأصول والنظر إلا إذا ورد بيانا لمجمل واجب ، ومنها ما يزيد فهو يبلغ حد الإيجاب ، ومنها ما اختص به وحده سواء أكان بالتخفيف كإباحة النكاح بأكثر من أربع ، أم بالتشديد كإيجاب قيام الليل ، والوصال في الصيام ..... إلخ ، ومنها ما خص به واحدا بعينه فلا يعم الحكم غيره ، كما في شهادة خزيمة ، رضي الله عنه ، فهي تعدل شهادتين ، ودلالات تقريره ، فلا يستفاد منه إلا الإذن المحض ، وما زاد من ندب أو إيجاب فإنما يفتقر إلى دليل من خارج ، فلا بد من معرفة هذه الدلالات ، نطقا أو سكوتا في موضع البيان ، فهو بيان ، كما قرر أهل الأصول ، فعلا أو تركا ، إذ قيام الداعي مع انتفاء المانع ، وعدم الفعل مع ذلك ! ، مئنة من عدم مشروعيته ، فالترك الراتب كالفعل الراتب ، كما يقول بعض المحققين ، وذلك أمر أُفْرِدَ بالتصنيف لعظم شأنه في بيان دلالات التشريع .

فإذا عرفت هذه الدلالات زِيدَ في حقيقة اللسان : قيدُ الشرع الذي جاء به صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الذي بلغ اللفظ نقلا ، وأبان عن المعنى عقلا ، فحصلت برسالته الكفاية التعبدية بالألفاظ تلاوة ، والكفاية التشريعية بالمعاني تصديقا وامتثالا .

وقد تكون دلالة الشرع أعم ، كما في اصطلاح الإيمان ، فهو في اصطلاح الشرع يعم العقد الباطن ، والقول الشاهد ، والعمل الظاهر ، كما في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ، وهو الصلاة ، لقرينة السياق وسبب النزول فهو مما أوجب حمل الإيمان الأعم على الصلاة الأخص ، فأطلق الإيمان وأريد أحد أجزاء حقيقته في الخارج وهو الصلاة ، وهي من العمل ، فدلالة الإيمان على العمل : دلالة تضمن ، فالقول بالدلالة المجازية في هذا الموضع أمر فيه تفصيل ، فمن قال بأن إطلاق الإيمان على العمل : مجاز ، وحقيقته التصديق الباطن فقط ، فتكون دلالة الإيمان على العمل : من دلالة اللازم في الخارج ، إذ لازم التصديق الباطن : انقياد الظاهر ، أو من دلالة الثمرة ، إذ العمل ثمرة التصديق ، وتلك دلالات صحيحة ، ولكنها لا تتم إلا أن تضاف إليها دلالة التضمن ، فالعمل ركن من أركان الحقيقة في الخارج ، و***ه الأعم شرط صحة في حصول الإيمان وإن تخلفت آحاد مخصوصة منه ، فينقص الإيمان بقدرها ، ما لم يكن تركها في نفسه ناقضا للأصل ، كقول من قال بكفر تارك الصلاة ، على خلاف هل يكفر من ترك مطلق الترك فهو يصلي تارة ويترك أخرى ، أو يكفر من ترك الترك المطلق فلا يصلي أبدا ، وهو اختيار بعض المحققين في هذا الباب ، إذ يصدق في حق من صلى بعضا وترك بعضا أنه **ل ، وإن ناقصا ، فَيَنْقُصُ من إيمانه بقدر ما ينقص من صلاته ، ما لم يكن الترك استهزاء أو استخفافا فتلك نواقض بنفسها سواء أوقعت في صلاة أم زكاة ..... إلخ من العبادات ، وأما من لم يصل مطلقا ، فهو تاركٌ الترك المطلق ، لا مطلق الترك ، فمطلق الترك يحصل بِتَرْكِ صلاة واحدة ، ولا يخرج الإنسان من دائرة الدين بترك صلاة واحدة ، إذ لم يترك ال*** وإنما ترك آحادا منه ، فالصلاة بالنظر في *** العمل ، فَرْدٌ من أفراده ، ولكنها ليست كسائر الأفراد إذ ثم نص خاص فيها ، فـ : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، وإلا فالقياس أن تجري مجرى بقية الآحاد ، فيقال إن *** العمل مطلقا وهو يستغرق جميع الأعمال ، فيقال : إن هذا ال*** تحصل حقيقته في الخارج ، ولو ناقصة ، بأي فرد من أفراده ، الصلاة أو الزكاة ..... إلخ ، ويكون الوعد بقدر ما يأتي منها ، ويكون الوعيد بقدر ما يدع ، فالقياس في هذا الباب يطرد وينعكس ، فكما أن الإيمان يَزِيدُ بالطاعة وَيَنْقُصُ بالمعصية ، فالوعد بالثواب يَزِيدُ بالفعل ، والوعيد بالعقاب يَزِيدُ بالترك ، فالقياس أن يحصل *** العمل بأي فرد من أفراده ، ولكن بعض هذه الأفراد قد خص بمعنى زائد دل عليه النص الثابت ، فتركه ناقض ، ولو لم يحصل بتركه *** العمل ، كمن يصوم ولا يصلي ، فَقَدْ أَتَى بِجِنْسِ العمل فالصيام منه ، ومع ذلك لا ينفعه ذلك عند من قال بكفر تارك الصلاة ، فاستدل بنحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، فثم كفر محلى بـ : "أل" ، ودلالتها دلالة ال*** المستغرق لآحاده في الخارج فهي تنصرف إلى المعنى الأكبر حتى تَرِدَ قَرِينَةٌ تصرفها إلى المعنى الأدنى ، وهو الكفر الأصغر ، وذلك أصل في جميع موارد الأسماء والأحكام ، كالكفر والنفاق والظلم والفسوق .... إلخ ، وَقُدِّمَ ما حقه التأخير : "بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْر" ، على جهة التشويق إلى المسند إليه وهو ترك الصلاة ، فهو الذي أسند إليه معنى التمايز بين الإيمان والكفر ، والتوحيد والشرك ، ودلالة : "الرجل" : دلالة تغليب ، فالحكم يستغرق جميع المكلفين ، رجالا أو نساء ، فيعم كل بالغ مكلف ، فخرج الصبية من الذكور والإناث ، بقرينة النص ، فـ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ" ، فدلالة : "الصغير" هنا : دلالة تغليب أيضا ، وإلا فالحكم يعم كل صغير من ذكر وأنثى ، فكل من لم يبلغ سن التكليف فهو خارج من حد الوعيد ، إذ خرج من حد التكليف ، وإن صح منه العمل نافلة لحصول التمييز ، فالتمييز شرط صحة في العمل ، وأما البلوغ فشرط إيجاب إلا في بعض الواجبات التي تتعلق بحقوق الناس ، كالزكاة في أحكام التكليف ، وقيم المتلفات في أحكام الوضع .

فدلالة : "الرجل" ، دلالة تغليب ، كما تقدم ، فيجري ذلك مجرى الخاص الذي أريد به العام ، فضلا عن دلالة : "أل" على الاستغراق ال***ي ، فهو يعم كل الرجال ، وذلك ، من وجه آخر ، ما خص بالنقل ، كما تقدم ، فتارك الصلاة من الرجال البالغين مكرها لا يأثم ولا يدخل في حد الوعيد لوجود المانع من نفاذه من الإكراه فهو من عوارض الأهلية المعتبرة ، فضلا عن دلالة العقل الذي دل على انتفاء التكليف عَنْ غَيْرِ العاقل وغير الْبَالِغِ وغير الْيَقِظ ، فيكون ذلك ، أيضا ، من باب العام المخصوص بالعقل ، فعوارض الأهلية ترفع التكليف مؤقتا حتى يزول المانع ، أو العام الذي أريد به الخاص ، وهو المحل الذي خلا من موانع من التكليف من ال***ين : الذكر والأنثى ، *** يرد بـ : "الرجل" : حقيقة الإنسان المطلقة ، على تأويل الرجل بالإنسان ليعم ال***ين ، فقرينة عموم التشريع قد وسعت دائرة الاستدلال باللفظ ، وذلك ، أيضا ، من الأمثلة على اتساع الحقيقة الشرعية عن الحقيقة اللغوية ، فدلالة لفظ : "الرجل" في اللسان : خاصة ب*** الذكر البالغ ، ودلالته في مثل هذا السياق : دلالة المكلف مطلقا ، فيدخل فيه كل ذكر وأنثى بالغين قد استجمعا شرائط التكليف وانتفت في حقهما عوارض الأهلية ، كالجنون والنوم والإكراه ..... إلخ ، وقرينة عموم التشريع ، أصل في هذا الموضع ، ما لم ترد ، أيضا ، قرينة تخص الحكم ب*** بعينه ، كما في حكم الجهاد ، فهو مما اختص به الرجال ، فدلالة التذكير في نصوصه على الأصل فلا تحمل على التغليب ، وقرينة ذلك : قرينة خبر ، وهو قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ" ، ف*** الجهاد ، أيضا ، ينقسم ، فهو ينصرف حال الإطلاق إلى جهاد القتال ، فخصت النساء بجهاد الحج والعمرة فلا قتال فيه ، فدل ذلك على اختصاص الرجال بجهاد القتال ، فتلك دلالة المفهوم ، فعلى النساء جهاد لا قتال فيه ، وعلى الرجال جهاد فيه القتال ، ولا يعني ذلك بداهة انتفاء إيجاب الحج والعمرة في حقهم ، فالحكم قد ورد في سياق جواب *** يرد صلى الله عليه وعلى آله وسلم التخصيص ، وإن خرج الكلام مخرج التخصيص ، بتقديم ما حقه التأخير : "عَلَيْهِنَّ" ، فقرينة الحال تشهد أنه أراد التوكيد على انتفاء القتال في حقهن ، لا اختصاصهن بالحج والعمرة دون الرجال ، وهذا النفي ، أيضا ، مما خص بأحوال يجب فيها القتال على كل مكلف ، بل وكل مميز ! ، كما في دفع الصائل الخاص من لص أو فاتك ، أو الصائل العام كما إذا دهم العدو محلة المسلمين .

ثم جاء المسند إليه : "تَرْكَ الصَّلَاةِ" في خبر الصلاة المتقدم ، جاء مؤخرا في اللفظ ، كما تقدم ، فهو مناط الحكم ، وهو مما يشهد أن الحكم لا يثبت إلا في حق التارك : الترك المطلق ، إذ دلالة الإضافة مئنة من العموم ، فضلا عن دلالة التعريف بـ : "أل" في : "الصلاة" فهي مئنة من العموم ، *** يقل : ترك صلاة ، فلو نُكِّرَ اللفظ لكان نكرة في سياق الإثبات فهي تفيد الإطلاق الذي يحصل في الخارج بحصول فرد من أفراد الحقيقة ، فيناط الحكم بترك صلاة واحدة ، ولكن النص جاء عاما ، فأناط الحكم بترك *** الصلاة مطلقا ، فلا يصدق في حقه أنه **ل ، ولو ناقصا ، فلا يصلي ولو صلاة واحدة يثبت لها وجود شرعي معتبر ، فلا يجزئ الوجود ا***ي كمن يصلي بلا نية ، أو بلا وضوء ..... إلخ ، فهذه صلاة في ا*** بأداء حركات الخفض والرفع ، وكلمات التسبيح والذكر ، وليست بصلاة مجزئة إجزاء شرعيا معتبرا لا في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة ، إذ انتفى أحد أركانها كالنية ، أو أحد شرائطها كالوضوء ، ودلالة : "أل" من وجه آخر : دلالة عهد فهي تنصرف إلى الصلاة المفروضة ، فلا يكفر تارك النافلة ، بداهة ، إلا إذا اقترن ذلك باستهزاء أو استخفاف بالشريعة فذلك ناقض بعينه ، ولا يسوغ القول بكفر من ترك صلاة واحدة إلا بحمل : "أل" على ال***ية المبينة للماهية دون استغراق آحادها في الخارج ، فيصدق أن من ترك صلاة واحدة قد تَرَكَ ماهية الصلاة في الخارج في وقت بعينه ، فصحت إناطة الحكم به من هذا الوجه ، وهو وجه بعيد ، إذ يخالف الأصل في اللسان ، وهو حمل : "أل" على الاستغراق الحقيقي إلا أن يرد دليل يخرجها إلى الاستغراق المعنوي : استغراق الأوصاف ، أو ال***ية المبينة للماهية ، أو العهد المخصوص .

والشاهد أن من قال بأن دلالة الإيمان على العمل : دلالة مجاز ، فلا يدخل في حده مطلقا ، فقوله باطل ، وهو من مفاسد إطلاق القول بالمجاز في نصوص الشريعة وقد تذرع به أصحاب مقال الإرجاء في القديم والحديث ، إذ قصروا دلالة الإيمان على التصديق الباطن ، أو العقد المعرفي الساذج الذي حصل لإبليس ! وكثير من الكفار الأصليين والمنافقين ، فليسوا بمؤمنين بداهة ، إلا على مذهب الغلاة من أهل الإرجاء الذين التزموا القول بإيمان إبليس طردا لأصلهم الفاسد أن الإيمان هو المعرفة المحضة ، وأما من جاء بعدهم فقد خفت حدة الغلو في مقاله ، فزاد في حد الإيمان فهو عنده التصديق بالقلب ، وهذا قول أبي منصور الماتريدي ، رحمه الله ، إذ جعل النطق شرطا زائدا ، فليس واجبا ! ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، في تاريخ الدول والأمم ، ما ظهر أثره في الخارج ، لا سيما بعد أن اقترن الإرجاء بالتصوف في مناهج المتأخرين ، فكان ذلك مِمَّا انحرف بالسياسة في الأعصار المتأخرة إذ خرج العمل من حقيقة الإيمان ، والسياسة تدخل في حد العمل ، *** يعد المناط موافقة الشرع ، وإنما انقلب الأمر فصارت السياسة نفعية انتهازية فمناطها ال**لحة العاجلة ولو بمخالفة الشريعة النازلة ! ، فالدين شيء والسياسة شيء آخر ، فليس الدين إلا عقدا ساذجا في القلب لا أثر له في الخارج ، فهو يضاهي العقد الكاثوليكي أو العقد الْبُرُوتستانتي الأشد إرجاء إن صح القول ! ، فتجد تلك المفارقة الغريبة في سلوك البروتستانت فثم تدين ظاهر في خطاب البروتستانت السياسي ، ولو إطارا عاما دون خوض في التفاصيل فهو يدخل في تحديد العقيدة السياسية والقتالية لأمة البروتستانت وهو يدخل في صياغة منظومة القيم الحضارية التي يروم البروتستانت فرضها على بقية الأمم ، فحضارتهم هي المعيار الذي تقاس به التصورات والسياسات التي جعلت اللذة بمفهومها الأعم غاية ، وجعلت القوة المسلحة الوسيلة المثلى لِلتَّبْشِيرِ الإلزامي ! بأفكارها ، ومع ذلك فهي لا تنفك ترمي مخالفها بالتعصب والتطرف وإقصاء الآخر فإما أن يؤمن وإما أن يقتل ! ، وهي التي تقتل المخالف إذا خرج عن منظومة القيم التي ارتضتها دينا تنهج أحكامه ، ولو وضعا في السياسة والحكم ، *** يعد الدين ، كما تقدم ، إلا عقدا ساذجا في صورة فجة من صور الإرجاء يتلاءم مع الخلفية الثقافية للعقل الأوروبي الذي يقف موقف عداء تاريخي للدين فهو يعتبره القيد الذي بذل من الدماء ما بذل إرادة كسره ، والثورة الفرنسية ، كأول ثورة علمانية لادينية ، على ذلك خير شاهد فقد كانت البروتستانتية قنطرة جازها العقل الأوروبي إلى فضاء العلمانية اللادينية ، وإن احتفظ بالدين اسما بلا مسمى ! ، فلا يمكنه أن يخالف بدائه الفطرة التي لا يمكن أن تستقيم إلا أن تَتَدَيَّنَ ، ولو بدين باطل ! ، ولو بعقد فكري ساذج ، يصوغ القيم العامة دون خوض في التفاصيل الخاصة ، فاجتمع الدين واللادين في إهاب واحد ! ، على وجه لا تناقض فيه ولا تعارض ! ، إذ انحرف مفهوم الدين فصار فكرة لا أكثر ! ، وصارت الحياة في مقابل الدين ، فهي قسيمة له لا خاضعة لأحكامه ، فالدين ، عند أهل اللسان ، مئنة من الطاعة والخلق ، وذلك أمر يعم جميع حركات الباطن والظاهر الاختيارية التي يؤديها صاحبها طوعا فهو يَتَدَيَّنُ بها ويتعبد ، فذلك الإرجاء الذي ابتلي به العقل المسلم ، لا سيما في الأعصار المتأخرة ، والخلافة العثمانية على ذلك خير شاهد فقد اجتمع في إهابها من المثالب ما لا ينكر ، وإن كان لها من المآثر ما لا ينكر أيضا ، فاجتمع فيها من مبدإ أمرها : الإرجاء فكانت على مذهب أبي منصور الماتريدي رحمه الله ، والتصوف في أدواره المتأخرة التي غلب عليها الانحراف ، فضلا عن التعصب والجمود الفقهي على مذهب الإمام أبي حنيفة ، رحمه الله ، فكان كل أولئك مما مهد الطريق للعلمانية أن تدهم ديار الإسلام ، ولو على المدى الطويل ، فهان قدر الدين في النفوس إذ ليس إلا تصورا باطنا فيحصل الإيمان بمجرد التصديق ! ، فصارت الشريعة قدرا زائدا ، وإن عظمتها الخلافة وأجرت أحكامها ، في الجملة ، لا سيما في أدوار القوة والفتوة ، ولكن هذا الانحراف في التصور قد هون أمر الشريعة ، ففرق بين من يعظم الشرائع فهو يجعلها جزءا رئيسا من إيمانه ، ومن يعظمها ويمتثل أحكامها ولكنه لا يجعلها مناط تمايز بين أهل الإيمان وأهل الكفران ، فذلك منطوق قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، ومفهومه في المقابل ، فالحكم يطرد وينعكس ، وقد أنيط بالعلة وجودا وعدما ، فقلمت أظفار الشريعة بالإرجاء إذ صار الإيمان عقد الباطن فلا سلطان له على الظاهر سواء أخص المكلف في شعائره أم عم الجماعة في شرائعها وسياساتها ..... إلخ ! ، فضلا عن الانحراف في الفقه جمودا وتعصبا فقد أعطى الذريعة لخصوم الشريعة أن ينبزوها بالتقصير ثم ينبذوها ويستبدلوا بها أحكام البشر ! .

وثم من زاد فأدخل النطق في حد الإيمان ، وذلك المشهور من مقال الإرجاء ، فالإيمان اعتقاد وقول فقط ! ، وثم من اعتبر العمل ، فأثبت الوعد والوعيد فدائرة الخلاف بينه وبين أهل السنة أضيق ، وذلك خلاف مرجئة الفقهاء كحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة رحمهما الله ، بل قد عده بعض المحققين خلافا في اللفظ ، فمناط الأمر أن يناط الوعيد بالترك ، ولكن إخراج العمل من حقيقة الإيمان في حد ذاته ، ذريعة إلى التهوين من الوعيد على الترك ، وهو ما يقحم صاحبه في الإرجاء المحض ، ولو على المدى الطويل ، وذلك ، كما تقدم ، من مفاسد إطلاق القول بالمجاز في نصوص الشريعة ، بل إن النصوص قرائن تشهد للمخالف أن جعل *** العمل شرطا في صحة الإيمان ، وجعل العمل جزءا من أجزاء الحقيقة الإيمانية في الخارج ، فهي تزيد بزيادته وتنقص بنقصانه ، ما لم يكن ذلك ، كما تقدم ، في عمل ورد النص أن تركه ناقض من نواقض الإيمان ، كما هي الحال في الصلاة ، على التفصيل المتقدم ، فبالنظر في ال*** : ترك *** الصلاة ينقض أصل الإيمان عملا بعموم : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، وبالنظر في الآحاد : ترك بعض الصلوات على وجه لا يصدق في حق التارك أنه تارك للصلاة مطلقا ، ولا يصدق في حقه أنه مستهزئ أو مستخف ، ذلك الترك ينقص من الإيمان بقدره ، فصاحبه قد أتى ب*** الصلاة فحصل له مطلق الإيمان ، بالتصديق والقول و*** العمل الظاهر ، فإذا ارتقى الإنسان في معارج الإيمان فإنه يبلغ حد الإيمان الواجب ، فقد أتى بما يجب عليه من العمل ، فإذا زَادَ فِي النَّفْلِ فَقَدْ أَتَى بالإيمان المستحب ، وبقدر ما يترك أو يفتر يكون النقصان ، وبقدر ما يفعل أو ينشط تكون الزيادة فالحكم يطرد وينعكس في ا*** على وجه لا ينكره إلا جاحد أو مسفسط فكل يجد في نفسه من حقيقة الإيمان ما يطعم حلاوته إن التزم الطاعة ، وكل يجد ضده من نقصان حقيقة الإيمان في القلب إن وقع في معصية ، فذلك شؤم المعصية إذ لها شؤم باطن لا تنفك آثاره تظهر في الخارج سوادا في الوجه وضعفا في البدن وبغضا في قلوب الخلق .

فَقَرَائِنُ النص تشهد أن العمل جزء من حقيقة الإيمان في الخارج ، كما تقدم في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ، وكما في حد الإيمان في حديث وفد عبد القيس : "آمُرُكُمْ : بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ ، قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ" ، فحده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجملة من أعمال الظاهر ، بل لو قيل إن حقيقة الإيمان تكافئ حقيقة التصديق في اللسان لصح ذلك من وجه ، فالتصديق ، عند التدبر والنظر ، لا يقتصر على تصور القلب ، بل يَتَعَدَّاهُ إلى معنى يزيد من الإقرار والإذعان الباطن وما يحصل منه من عمل القلب وهو أعظم أركان الإيمان فلا يتصور إيمان بلا عمل في القلب ، يحب ويبغض ، يرجو ويخاف ، يتوكل ويستعين ويستغيث ..... إلخ ، وما يحصل من تصديق اللسان بالقول والذكر ، وما يحصل من تصديق الجوارح ، فعملها تصديق لما يقوم بالقلب من تصور وإرادة ، فـ : "النَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" .

فحقيقة الإيمان على قول أهل السنة : أوسع دائرة من حقيقة الإيمان في اللسان ، لو سُلِّمَ أنه يكافئ التصديق المحض ! فهو تصديق يقترن بالإقرار والإذعان ولازم ذلك كما تقدم الانقياد الباطن والظاهر ، فلو سلم أن حد الإيمان في اللسان : التصديق المحض ، فحقيقة الإيمان في الشرع أعم ، إذ يعم العقد والقول والعمل ، وذلك مِمَّا يظهر خطورة التأويل الذي يقتصر الناظر فيه على حقائق اللسان دون النظر في حقائق الشريعة ، فالوحي ، قد نزل ، كما تقدم ، بلسان العرب ، ولكنه لم ينزل ليبين حقائق اللسان ، وإنما نزل ليبين حقائق الشرع ، فهو ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الحقائق العرفية ، فثم حقائق عرفية في الصنائع المعقولة والمحسوسة ، وعلم الشريعة من جملة الصنائع العقلية إذ يجتهد العقل في درك دلالات الألفاظ في نصوص الأدلة ، إفرادا وتركيبا ، وتلك صناعة عقلية فَلَهَا عرف يخصها كسائر الصناعات العقلية ، فهي صناعة شرعية فوجب أن يرد الأمر فيها إلى العرف الشرعي الأخص لا العرف اللغوي الأعم .

وأما لو قيل بأن دلالة الإيمان ، في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ، من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء ، فالعمل جزء من حقيقة الإيمان في الخارج ، فذلك معنى صحيح ، سواء أسمي مجازا مرسلا علاقته الكلية ، أم لم يسم مجازا ، فالقول بأن المجاز هنا : مجاز مرسل علاقته الكلية إذ أطلق الكل وهو الإيمان ، وأراد الجزء ، فالصلاة جزء من الإيمان فهي داخله في حده في الخارج إذ هي من آحاد العمل ، هذا القول صحيح ، وأما القول بأن ذلك من دلالة اللزوم ، فالعمل لازم الإيمان وليس بداخل في حقيقته ، وإن توعد تاركه ، أو هو ثمرة من ثماره والثمرة تباين الأصل وإن كانت خارجة منه ، فذلك قول فيه إجمال فهو صحيح في نفسه ولكنه إن لم يشفع بالتصريح أن العمل جزء من الحقيقة في الخارج فذلك مقال الإرجاء الذي فارق أصحابه أهل السنة .

والله أعلى وأعلم .
??????? ??????: من دلالات الألفاظ || ??????: rss || ??????: اسم منتداك

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:06 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant