من نصوص الاعتبار - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-15-2015, 10:51 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من نصوص الاعتبار

من نصوص الاعتبار
مما تقرر في أصول الاعتقاد أن الحجة إنما تقوم بعلوم ظاهرة يسيرة المأخذ فهي مما تجده النفس ضرورة ، فالاعتبار فيها يحصل لكل ناظر بلا أدنى كلفة أو مشقة ، فلا تقوم حجة عامة بمسالك دقيقة من النظر لا يدركها إلا آحاد الأذكياء ، فالحجة يستوي فيها جميع الناس ، وإن حصل تفاوت في التدبر فذلك محله ما زاد من الفروع وما استنبط من لطائف هي تأويل الأمر بالنظر والاعتبار ، في نحو قوله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، والاعتبار من الافتعال ، وهو مئنة من طلب الشيء وتكلفه ، ففيه حض على طلب العبرة بقياس النظير على نظيره ، والأمر مئنة من الإيجاب ما لم ترد قرينة صارفة ، وهو في هذا الموضع يحتمل كلا الوجهين ، فالسياق يجعله إيجابا ملزما بالنظر في مآل الظالمين الذين جحدوا الرسالة وسعوا في قتل صاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك أمر يعم بالقياس العقلي الصريح كل من سعى في حرب الدين وأهله وسعى في قتل الموحدين وإيذائهم فلا ينال أذاه إلا من جهر بالحق ، فمآل من سبق عبرة لمن عقل إذ التساوي في الفعل والوصف ينتج تساويا في الحكم والمآل ، وليس ثم ما يمنع من حمله على الندب إذ ثَمَّ من مواضع الاعتبار اللطيف ما ليس واجبا على كل أحد لتفاوت المدارك في النظر والاستدلال ، فثم من دقائق المعاني وغوامض الفروع ما يحصل للناظر بالاعتبار ، وهو ، بداهة ، ليس واجبا على كل أحد ، إذ ليس من الأصول التي لا تحصل نجاة إلا بدركها ، بل هو زيادة نفل وإن وجب في أحوال ولو على جهة الكفاية في حق آحاد من المجتهدين فذلك من حفظ الدين الذي تكفل به الرب ، جل وعلا ، إذ صنع رجالا واصطفاهم ليحملوا علوم هذه الشريعة سواء أكانت غايات أم آلات ، فيكون الأمر بالاعتبار على هذا الوجه جاريا مجرى الاشتراك إذ صح حمله على أكثر من معنى : الإيجاب والندب ، أو هو جار مجرى الاشتراك المعنوي إذ ثم قدر مشترك بينهما وهو ترجح جانب الفعل على الترك ، وإن كان في الإيجاب على سبيل الإلزام ، وفي الندب على سبيل الاختيار ، فذلك القدر الفارق ، فَبَيْنَهُمَا قدر مشترك وهو : مشروعية الفعل بل وطلبه على سبيل الرجحان ، وَبَيْنَهُمَا قدر فارق وهو القدر الزائد في الإيجاب فثم طلب وإلزام ، خلاف الندب فهو طلب واختيار .

ومادة : "عَبَرَ" : مئنة من تجاوز طرف إلى آخر ، كما ذكر صاحب "اللسان" رحمه الله ، فـ : "يُقَالُ : فُلَانٌ فِي ذَلِكَ العِبر أَي فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ . وعَبَرْت النهرَ وَالطَّرِيقَ أَعْبُره عَبْراً وعُبوراً إِذا قَطَعْتَهُ مِنْ هَذَا العِبْر إِلى ذَلِكَ العِبر" ، فاستعير هذا المعنى المحسوس للمعنى المعقول ، إذ المعتبر حال الرؤيا ينتقل من طرف المثال المضروب في الرؤيا إلى طرف الحقيقة التي تدل عليها في الخارج ، فالرؤيا : (إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ) ، وتأويل يوسف عليه السلام : (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) ، فهو اعْتِبَارُ المحسوس في الخارج بالمثل المضروب في الذهن ، فتأول رؤياهم تفسيرا ، وتأول القوم أمره بالزراعة والحصد والحفظ والاقتصاد في الأكل ، وهو ما كان بعد ذلك بإذن الرب العليم القدير ، تبارك وتعالى ، فَانْتَقَل من المثل المعقول إلى الحدث المحسوس الذي وقع تأويله في الخارج كما أخبر يوسف عليه السلام فذلك في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، قطع ، فرؤى الأنبياء حق ، وفي حق غيرهم اجتهاد كحال أبي بكر ، رضي الله عنه ، فـ : "أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا" ، فهم يجتهدون في القياس وذلك مورد اجتهاد يحتمل الإصابة والخطأ في حق غير الأنبياء عليهم السلام ، وأما الأنبياء فإخبارهم بالغيب أو الشرع وبيانهم له بالنص أو القياس أو الاجتهاد بيان معصوم لأن الوحي لا يقرهم على خلاف الأولى فضلا أن يقرهم على باطل فذلك يمتنع من باب أولى وإلا بطلت الحجة الرسالية إذ جاز الخطأ على الرسل عليهم السلام في البلاغ أو البيان ! ، وبيان الوحي يسعف النبي في موارد السؤال والاجتهاد ، وذلك وقت حاجة ، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة كما قرر أهل الأصول ولذلك كان سكوت الوحي المجرد بَيَانًا إذ السكوت في موضع الْبَيَانِ : بَيَانٌ ، فـ : "عَبَرَ الرُؤيا يَعْبُرُها عَبْراً وعِبارةً وعبَّرها: فسَّرها وأَخبر بما يؤول إِليه أَمرُها. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ" ، وهو معنى يتعدى إلى جميع صور الاعتبار بمضاهاة النظير بنظيره فذلك قياس العقل الصريح فنظير الحق حق ونظير الباطل باطل ، فـ : "الْعَابِرُ : الَّذِي يَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ فيَعْبُره أَي يَعْتَبِرُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ حَتَّى يَقَعَ فهمُه عَلَيْهِ" ، ففي الأحكام يتجاوز المعتبر من طرف الأصل إلى طرف الفرع لعلة جامعة ، هي المعبر الذي يسلكه العقل ، فإن كان المعنى حاصلا في الفرع حصولا يزيد عن الفرع فذلك قياس الأولى الذي يصح الاعتبار به في الإلهيات ، وَذَلِكَ مَوْرِدٌ يصح فيه إعمال النظر ، إذ يحصل به معنى صحيح نافع ، يوافق ما جاء به الوحي من إثبات الكمال المطلق لِلرَّبِّ المهيمن ، تبارك وتعالى ، فـ : (لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فَخَضَعَ العقل لسلطان الوحي ، وجاء بنظر صحيح واعتبار نافع يؤيد ما أخبر به الوحي ، وإن كان المعنى حاصلا في الفرع حصوله في الأصل فذلك القياس المساوي ، وإن كان حاصلا فيه دون الأصل فذلك القياس الأدنى ، وَفِي كلها يَعْبُرُ العقل من طرف إلى آخر على وجه يَسْتَوْعِبُ ما يحدث من نوازل ، فالقياس أصل من أصول الشريعة ، ورافد من روافدها فهو يمدها بمدد نافع من المعاني الصحيحة التي يصلح بها الحال والمآل ، وفيها معنى زائد لا تجده في الشرائع المحدثة ، وهو معنى التعبد ، فامتثالها دين ، والدين غذاء القلب ، وأما امتثال الشرائع المحدثة ، فلا يزيد أن يكون قانونا ينظم أمور الدنيا ويرتبها فلا التفات فيه لمعنى التعبد ، فلا يحصل به من نفع الباطن ما يحصل بامتثال أمر الشرع ، فخبر الوحي ، نصا أو اعتبارا ، يحصل به النفع الباطن عبادة ، والنفع الظاهر تَرْتِيبًا وإدارة لأمور الدنيا ، فالشريعة لا تحض على خراب العالم ! ، بما أحدث المتزهدة من رسوم الرياضة التي صارت عطالة وبطالة هجر أصحابها الأمر بالسير في الأرض اعتبارا ، فذلك ، أيضا ، من الاعتبار الصحيح إذ يحصل معنى نافع بقياس الطرد والعكس ، فمن نظر في مآل الظالمين اعتبر ، فَإِنَّ من وَافَقَهُم في الوصف وَافَقَهُم في الحكم ، فَنَالَه ما نالهم من العذاب ، فذلك الاعتبار حال الطرد ، ومن خالفهم حصل له الضد ، فذلك الاعتبار حال العكس ، فاطرد القياس وانعكس ، وذلك أمر يجري في الأخبار والأحكام ، فـ : (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، فالنظر في الآية : نظر التدبر ، لقرينة الحال : "كيف" ، والنظر في الأحوال المعقولة يكون بالاعتبار والتفكر ، ولا إشكال في حمله على نظر البصر ، أيضا ، إذ هو مبدأ التفكر ، فإن بصر العين أول ما يجد الناظر ، ثم يسلك الجنان مسالك النظر والتدبر في المعنى الذي يحصل في القلب فهو أَثَرُ ا*** الظاهر ، على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين الظاهر والباطن ، فالظاهر مبدأ والباطن آخر ، فما يحصل في الخارج يسلك طريقا من النظر ، من نظر العين بصرا إلى نظر القلب بصيرة ، فيجتهد العقل أن يستنبط معنى يصح به الاعتبار طردا وعكسا ، فإذا كان النص في عاقبة أمة كفرت ، كان المعنى الذي يحصل به الاعتبار هو الكفر ، وكان الحكم هو الأخذ ، فـ : (كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ) ، فدلالة التشبيه يحصل بها الحد على جهة التمثيل فما ذكر من آحاد الأخذ لقوم نوح وهود وصالح وشعيب وفرعون وآله ، هو حد بالمثال لأخذ ذي الجلال ، تبارك وتعالى ، للقرى و : (هِيَ ظَالِمَةٌ) ، والحال مقيدة ، وهي ، عند التدبر والنظر ، مناط الحكم ، وهو مما ينصرف إلى الظلم الأكبر لقرينة السياق الأخص ، إذ الأخبار : أخبار أمم كفرت برسالات ربها ، جل وعلا ، فحصل لها من الأخذ الشديد ما يعتبر به العاقل ألا يقع في الكفر ، ولا يتبع أمر الظالم كما اتبع آل فرعون أمره السفيه فلا رشاد فيه ولا صلاح في أولى أو آخرة ، فمن عَقَلَ أخذ على يد الظالم إن استطاع ، أو جانبه واعتزله إن عجز لئلا يشركه في الإثم ، فعجبا لمن ظاهروا الظالم فأبوا إلا أن يتحملوا معه كفلا من أديان عطلت ، ودماء سفكت ، وحرمات انتهكت ! ، وما ذلك بمنقص من وزره شيئا ، فينصرف الظلم إلى الظلم الأكبر لقرينة السياق الأخص ، كما تقدم ، وقرينة الاصطلاح الشرعي الأعم ، إذ الأصل في ألفاظ الأسماء والأحكام أن تحمل على المعنى الأكبر ما لم ترد قرينة توجب حملها على المعنى الأصغر ، فينصرف الكفر والظلم والفسق ..... إلخ على المعنى الأكبر حتى ترد فرينة تصرفه إلى المعنى الأصغر ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" ، فذلك ظلم أصغر ، إذ غصب الأرض لا ينقض أصل الدين وإن نقض كماله الواجب فصاحبه أهلٌ للوعيد ، وإن مؤقتا ، فالوعيد في الحديث مئنة أن الفعل كبيرة ، فذلك من أمارات الكبيرة كما حدها أهل الشأن ، وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحت المشيئة إن ماتوا على التوحيد في الجملة ، فلا يكفرون باقتراف الكبيرة إلا إن كانت في نفسها تنقض أصل الإيمان كالشرك الأكبر والسحر الذي يكفر صاحبه ، أو فَعَلَهَا على جهة الاستحلال فذلك ناقض بنفسه سواء أكان الفعل صغيرة أم كبيرة ، بعد حصول الحجة الرسالية فقد يستحل فعلا وهو لا يعلم أنه حرام ، أو يتأول تأولا فاسدا يرفع الحكم وإن لم يرفع الإثم ، بل وربما رفع الإثم في الآخرة وإن لم يرفع الحد في الدنيا لئلا يتخذ التأويل ذريعة لإبطال أحكام الشريعة ، كما في واقعة قدامة بن مظعون ، رضي الله عنه ، إذ شرب الخمر هو وأصحابه مُتَأَوِّلِينَ قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، فهذه قرينة أعم توجب حمل النص على المعنى الأكبر ما لم ترد القرينة الصارفة إلى المعنى الأصغر ، وزد عليه قرينة من خارج ، وهي حديث ابن مسعود رضي الله عنه : "لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام: 82] إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ {لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" ، وهو نص في محل النزاع ، فالكتاب العزيز يؤول بعضه بعضا تأويلا صحيحا يحصل به *** آخر من أجناس الاعتبار وهو جمع أدلة الباب لِتَكْمُلَ صورة الاستدلال ، فأبانت الحال : "وَهِيَ ظَالِمَةٌ" ، عن علة الأخذ ، وأبانت القرينة السياقية عن الظلم المراد في هذا الموضع ، وهو الظلم الأكبر ، ولقائل أن يقول بأن الطرد والعكس يصح في جميع موارد الظلم ، إذ هو كسائر الكليات المطلقة في الذهن ، فيعم جميع أجناس الظلم ، فيحصل من العقاب والأخذ حال الطرد بقدره ، فأخذ الظالم ظلما أكبر أشد من أخذ الظالم ظلما أصغر ، والظلم في نفسه يتفاوت ، وإن اتحد في ال*** الأعلى ، فظلم الكافر على أنحاء فليس ظلم الكافر الحربي الذي يجهر بعداوة الدين وأهله ويسعى في استئصالهم بالفعل أو التحريض ، ليس كظلم الكافر المعاهد أو المستأمن أو الذمي فأولئك لهم من العهود ما يستوجب الحفظ إلا أن ينقضوها بالطعن في الدين فذلك يوجب لأصحاب السلطان والشوكة ، من أهل الولاية العامة ، أن يقتلوهم بعد الاستتابة إن كانوا آحادا ، على تفصيل في ذلك ، أو يقاتلوهم إن كانوا جماعة ذات شوكة ، فذلك تأويل الأمر بالقتال في قوله تعالى : (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) ، وقل مثله في ظلم الظالم ظلما أصغر ، فمن ظلم أمة فهو أشد جرما ممن ظلم جماعة دونها ، ومن ظلم جماعة فهو أشد جرما ممن ظلم واحدا ، ومن ظلم ذا رحم فهو أشد جرما ممن ظلم بَعِيدًا ، إذ جنايته جنايتان : الظلم وقطيعة الرحم ، وهو ما يوجب الإنكار على الظالم أيا كان ظلمه أكبر أو أصغر فشؤم ظلمه يعم الأرض كلها ، فتقع العقوبة العامة ويبعث الناس على نواياهم ، فإن عجز الناظر أن ينكر ، كما هي الحال في ممالك الاستبداد التي ذاعت في هذه الأعصار ، فلا أقل من البراءة بالقلب لئلا يشركه في الإثم ولو بالسكوت إقرارا ، فضلا عن التحريض بالقول وإظهار الشماتة بأهل الحق والسعي في إيذائهم وإطلاع الظالم على عوراتهم ، تجسسا وتحسسا ، يَزْعُمُ صاحبه أنه يحفظ البلاد والعباد من شَرِّ المفسدين ، وتلك أخلاق دَنِيئَةٌ تَزْدَهِرُ في أعصار الاستبداد ، كما ترى في هذا الزمان ، وكثير ممن خذل بسوء طَوِيَّتِهِ فلو علم الله جل وعلا فيه خيرا لأسمعه سمع التدبر والانتفاع ، كثير يسعى في مداهنة الظالم أن يصطنع عنده يدا ، ولو زورا وبهتانا ، فَيَسْعَى بالوشاية في حق بريء على وجه يطلق يد الظالم فيزيد الفساد والشر في الأرض ، وهو ما يؤذن بالعقاب الذي لا يسلم منه أحد ! ، صالحا كان أو طالحا ، فأدنى معذرة إلى الرب ، جل وعلا ، تقي صاحبها **ارع السوء أن ينكر ما استطاع ولو بجنانه على وجه لا تعظم به المفسدة فلا يعطي الظالم ذريعة أن يزيد ويطغى ، فإن كان الظلم واقعا لا محالة بما كسبت الأيدي فذلك تأويل القضاء الكوني أن سلط الظالم بما جنى المظلوم ، فلو استقام على الطريقة ما اجترأ الظالم أن يظلم ويسفك ، فإن كان واقعا لا محالة بتعطيل الشرع فلا أقل من دفع ما يمكن دفعه حتى يأذن الرب ، جل وعلا ، برفعه ، ولكل حظ من ذلك قدر ما يطيق ، فذلك من رحمة الله ، جل وعلا ، أن لم يكلف محالا أو عسيرا فيه من المشقة الزائدة غَيْرِ المعتادةِ ما يوقع المكلف في الحرج ، ولكل نازلة فقه ، ولكل حادثة حديث ، فذلك ، أيضا ، مورد تتفاوت فيه الأنظار في الإنكار والدفع ، فلا يدفع شر باستجلاب شر أعظم ، فذلك خلاف الاعتبار الصحيح الذي يقضي برفع الخبث أو تخفيفه ، وذلك أمر تجد آثاره في أحكام الشريعة جميعا ، ففي باب الطهارة يتوضأ الجنب قبل أن ينام فوضوءه يخفف الحدث ولا يرفعه ، فيحصل بعض الخير إن لم يحصل كله ، وقل مثله في دفع بعض الشر إن لم يدفع كله ، وبعض الشر أهون من بعض ، فلا عاقل يرفع شرا بشر أعظم ، أو يطلب خيرا أصغر بَتَفْوِيتِ خير أعظم .
فأفادت العلة وهي الظلم في مواضع كثيرة تَزِيدُ على النص الذي ورد في نوع بعينه وهو الظلم الأكبر ، فذلك من القياس الصحيح ولو على جهة الاشتراك في المعنى الأعم ، فالظلم معنى يعم جميع صور الظلم التي يوضع فيها الشيء في غير محله ، فَتُوضَع العبادة في غير موضعها في الظلم الأكبر ، إذ يصرف الظالم من أجناسها ما لا يصرف إلا لله ، جل وعلا ، سواء أكان ذلك من الصور المحسوسة كالسجود أم من الصور المعقولة كتعطيل حكمه ومضاهاته بحكم غيره ، فضلا عن ازدرائه والطعن فيه وتقديم غيره عليه وحمل الناس عليه قسرا وكل أولئك يكون تحت اسم الإصلاح وحقيقة مسماه أنه عين الإفساد للأديان والأبدان ! ، وما ذلك إلا فرع عن الاعتبار الفاسد الذي يضاد الاعتبار الصحيح ، ولكل من خرج عن الشرع في علم أو عمل ، لكلٍّ منهم حظ من هذا الاعتبار الفاسد فما عبد غير الله ، جل وعلا ، إلا بالأهواء والأقيسة الفاسدة ، وما عطل الشرع إلا باعتبار فاسد التمس من وجوه ال**لحة المتوهمة ما عارض به النص الشرعي الذي تحصل به ال**لحة المعتبرة فعارض الأعلى بالأدنى ، وهو مع ذلك يزعم النظر الصحيح والاعتبار السديد ، فكيف يستقيم له هذا الزعم وهو ينقض بدائه العقل الصريح الذي يقضي بَتَقْدِيم الأعلى على الأدنى ؟! ، فاتسع المناط على وجه يستغرق جميع صور الظلم فحصل الاعتبار بالمنصوص من الظلم الأكبر ، فيحذر الناظر أن يقع فيه لئلا يناله الشر طردا وهو شر يعم الدارين فشؤمه عاجل في حصول الفساد ونزع البركة ، وآجل في عذاب لا انقطاع له ، بل ويسعى الناظر في تحرير التوحيد لِيَنَالَه الخير عكسا ، في الأولى والآخرة أيضا ، فالحكم يطرد وينعكس في الدارين ، وذلك اعتبار صحيح ، انتقل فيه الذهن من طرف أول إلى طرف ثان بقرينة صحيحة ، فذلك من التأويل الصحيح إذ العلة صحيحة سالمة من المعارضة والنقض ، بل دلائل الشرع الصحيح تشهد لها في مواضع كثيرة ، فـ : (أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) ، و : (لَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) ، فمن آمن انتفع كما انتفع قوم يونس ، ومن لم يؤمن لم ينتفع كما انتفعوا ، وحصل الاعتبار بالظلم الأكبر فيما دونه من الظلم الأصغر ، فإن ال*** الكلي المطلق في الذهن يستغرق جميع الآحاد الجزئية في الخارج ، ف*** الظلم تحته نوعان : أكبر وأصغر ، وتحت كل نوع من الآحاد ما لا يحصى ، والاعتبار يحصل في جميعها كل بقدره فلكل ظالم من شؤم الظلم في الأولى والوعيد في الآخرة ، لكل ظالم من ذلك ما يكافئ ظلمه ، فثم اعتبار في الجزاء وصفا وقدرا ، فيجري ذلك مجرى الاشتراك المعنوي في الذهن ، في الحكم والجزاء ، وإن حصل التباين فيها في الخارج ، فهي متواطئة من جهة المعنى ، متباينة من جهة الحقيقة والجزاء في الخارج ، وإن جمعها وصف الذم وحكم الإثم ووعيد الرب جل وعلا ، سواء أكان مؤبدا في الظلم الأكبر أم مؤقتا في الظلم الأصغر مع احتمال ارتفاعه إذا كان ثم موانع صحيحة تمنع نفاذ الوعيد في حق عصاة الموحدين ، لا من نقض أصل دينه وإن شهد بالوحدانية لفظا فلسان حاله قد نقضه نقضا ! ، فالإيمان لا ينقض بالجحود الباطن كما قال من قصر حده على التصديق بالقلب واللسان ، فضلا أن لا يشترط النطق فهو شرط زائد كما ذهب إليه بعض أهل الكلام ممن خالفوا أهل السنة في باب الأسماء والأحكام ، وإنما ينقض الإيمان بنواقض أخرى من القول والعمل وإن لم يحكم على القائل أو الفاعل عينا إلا بعد إقامة الحجة الرسالية وانتفاء الموانع الشرعية ولا سلطان في ذلك حكما ونفاذا إلا لأصحاب الولايات العامة من قضاة الشرع وسلاطين العدل وكلاهما منتف في زماننا فلا شرع يحكم ولا عدل ينفذ ! ، فأية **يبة عظمى نالت هذه الأمة بعد زوال رسم الخلافة الجامعة بل وعدها جرما يستوجب العقوبة ، وتعطيل حكمها وغمد سيفها فحرمت الأرض من بركة الرسالة إذ قمع أتباعها ونفوا من الأرض ؟! .
وكذلك الشأن في مادة النظر في آية الاعتبار الأولى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، فهو وإن انصرف بقرينة الحال : "كيف" ، التي تقدمت على : "كان" وجوبا إذ الاستفهام مما له الصدارة مطلقا كما قرر أهل الشأن من النحاة ، فإن انصرف بهذه القرينة إلى نظر الاعتبار الباطن إلا أنه يعم نظر البصر الظاهر فهو مبدأ التفكر ، كما تقدم ، فلا تحصل الصورة الباطنة قبل انطباع الصورة الظاهرة في العين ثم سريانها إلى القلب ليتعقلها ويقيس غيرها عليها ، قياس أولى أو قياس تمثيل كما هي الحال في موارد الأحكام العملية ، كقياس المخدر على المسكر ، وقياس الأرز على البر في حكم الربا ، فاعتبر الناظر في الفرع وفيه تحققت العلة من الكيل والطعم ، أو الكيل والادخار ، وقياس التمثيل : الأدنى والمساوي والأعلى ، فمنها ما يصح الاعتبار به في الإلهيات ، وهو القياس الأعلى أو قياس الأولى ، وجميعها يصح في الأحكام ، كمسكر حادث قوة الإسكار فيه تزيد على قوة الإسكار في المسكر المعهود زمن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيثبت التحريم فيه بقياس الأولى ، أو يكافئه فيثبت التحريم بالقياس المساوي ، أو هو دونه فيثبت التحريم بقياس الأدنى فضلا عن دلالة النص الصحيح الصريح الذي يقطع الاحتمال أن يكون الأدنى مما عفي عنه ! ، فـ : ""قليلُ ما أسكر كثيرُه حرام ، وكثيرُ ما أسكر قليلُه حرام" ، فهو ، من وجه آخر ، يجري مجرى سد الذريعة إلى الأعلى بتحريم الأدنى ، وقياس الشمول وهو القياس المنطقي الذي يتألف من مقدمات ونتائج وهو مما ينهجه العقل في طور التكوين الأول ، إذ يسمع الصوت الدال على معنى فتصح له قاعدة كلية في المحسوسات ، ففي الكلام ، على سبيل المثال ، يقال : كل من يتكلم فإنما يتكلم بِلِسَانٍ إذ لم يشاهد إلا ذلك في الخارج فمحل جريانه بداهة المحسوسات فلا يجري في الغيب لتبنى عليه لوازم فاسدة في الإلهيات صارت حجة للمتأولة أن يتأولوا الصفات بما التزموه من لوازم فاسدة هي ، عند التدبر والنظر ، من نتاج الاعتبار الفاسد ، فالاعتبار الصحيح ينتج علما صحيحا ، والاعتبار الفاسد ينتج ضده من العلم الفاسد ، فذلك ، أيضا ، مما يطرد وينعكس ، فاتسعت دائرة النظر في الآية ، وإن انصرفت ابتداء إلى نظر الجنان الباطن فهي تعم نظر البصر ، وبهما جميعا يحصل العلم النافع ولازمه في الشرع والعقل وا*** : عمل صالح هو تأويل صحيح لما يقوم بالقلب من تصور صحيح وإرادة صالحة يسعى صاحبها في الخير ، وذلك من توفيق الرب ، جل وعلا ، أن تصح الأحوال جميعا ، نظرا وإرادة في الباطن ، وقولا وعملا في الظاهر ، ولا يكون ذلك إلا باستمداد السداد من الرب العليم الحكيم ، جل وعلا ، فـ : "اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" ، واستمداد العون من الرب القوي القدير عز وجل : "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" .

يتبع إن شاء الله .
??????? ??????: من نصوص الاعتبار || ??????: rss || ??????: اسم منتداك

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:16 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant