من آية : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ...........) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-08-2016, 06:51 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ...........)

من آية : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ...........)
تَعَدُّدُ **ادر التشريع يفضي إلى نوع اضطراب في الأمر ، فضلا أنه يصيب العبد بالاضطراب ، كما في قوله تعالى : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك من مثل التنزيل المضروب فالمحسوس يُقَرِّبُ المعنى المعقول ، فضربه الله ، جل وعلا ، وذلك ماض في الدلالة اللفظية ، ولا يخلو من مضي بالنظر في العلم الأول ، علم الأزل ، الذي يَسْتَغْرِقُ الكون والشرع جميعا ، وذلك ماض بل هو من الأزل فلا أول قبله ، وذلك من أولية الإطلاق في وصف الكمال الثابت لرب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فيدخل في عموم : (هُوَ الْأَوَّلُ) ، فهو الأول بالذات والاسم والوصف والفعل ، وقد حد على جهة القصر بتعريف الجزأين ، وهو قصر حقيقي بالنظر في معنى الأولية المطلقة فلا يشارك فيها أحدٌ رَبَّ البرية ، جل وعلا ، فدلالة "أل" في "الأول" دلالة استغراق معنوي يدخل في حده جميع وجوه الأولية على جهة الكمال المطلق الذي تَظْهَرُ آثاره في القول الحادث ، إن في قول التكوين أو في قول التشريع ، وفي الفعل الذي يُنَاطُ بالمشيئة ، فذلك وصف الفعل الذي قَدُمَ نوعه قِدَمَ الذات القدسية ، وتجددت آحاده فيحدث ، جل وعلا ، منها ما شاء كيف شاء متى شاء فَتَرِدُ النجوم تَتْرَى إن من القول أو من الفعل فذلك تأويل الشَّأْنِ في قول الرب جل وعلا : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، ولا يكون الشأن المخلوق إلا بقول حادث هو أمر تكوين نافذ ، فذلك يدخل في حد القول ، والقول من العلم ، من وجه ، وهو ، من وجه آخر ، مما تنقسم آحاده في الخارج فهو على أنحاء ، فثم كلام التكوين ، وثم كلام التشريع ، وكلام التكوين منه كلام جمال بالخلق والرزق والتدبير ، ومنه ، في المقابل ، كلام جلال بالإفناء والإهلاك ، فبه يكون الأخذ الشديد من الرب المجيد ، تبارك وتعالى ، فـ : (كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، فذلك أخذ مخصوص ، وهو ، أيضا ، من الفعل الذي يناط بالمشيئة ، وقد أضيف إلى اسم الرب ، جل وعلا ، وذلك ما يحسن في فعل الأخذ فهو من آثار الوصف الكامل ، وصف الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، فالربوبية ، أيضا ، مما تنقسم موارده ولها نسبة وثيقة إلى قسمة الكلام ، فإن ربوبية الجلال تأويلها كلم الإفناء والإهلاك والعذاب ، وربوبية الجمال في المقابل تأويلها كلم الإيجاد والإعداد والإمداد والرزق والتدبير .... إلخ ، فانقسمت الربوبية إلى جلال وجمال ، وانقسمت ، من وجه آخر ، إلى ربوبية تكوين وربوبية تشريع ، وكلاهما يكون بالقول ، فَحَسُنَ أن يسند فعل الأخذ إلى اسم الرب ، جل وعلا ، في قوله تعالى : (أَخْذُ رَبِّكَ) ، فذلك فعل الربوبية تدبيرا للكون على وجه تظهر فيه آثار الحكمة أن يوضع كل شيء في الموضع الذي يلائمه ، فيوضع الجلال في موضعه ، فوصف الإهلاك لمن كفر وجحد ، ووصف الإنجاء في المقابل لمن آمن وامتثل ، فاطرد الحكم وانعكس ، من هذا الوجه ، وذلك ، أيضا ، مما تنقسم موارده فإن الحكمة تنقسم فمنها حكمة التكوين ، فَوَضَعَ كل خلق في المحل الذي يلائمه وَيَسَّرَ له ، جل وعلا ، ما لأجله خلق ، وصوره وركب أعضاءه وأركانه على وجه تظهر فيه آثار الحكمة ، فكان التركيب عَلَى أحسن صورة ، فخلق ، جل وعلا ، تقديرا في الأزل ، ثم خلق في الشهادة خلق الإيجاد على وجه يواطئ الخلق الأول ، كما أن الشرع المحدث في كلم الخبر والحكم هو تأويل الخلق الأول ، بالنظر في معنى التقدير ، فالتقدير ، أيضا ، مما تنقسم موارده في الخارج ، فتقدير التكوين في الغيب وتأويله ما يكون من خلق الإيجاد في الشهادة ، وتقدير الشرع بما أخبر من الصدق وما حكم من العدل ، فالعدل مئنة من التقدير أن يقدر الشيء على وجه يحصل به الكمال فلا زيادة ولا نقص ، فلا غلو ولا جفاء ، وإنما العدل ، كما تقدم مرارا ، وسط بين الجفاء نقصا ، والغلو زيادة ، فكان تقدير الشرع عدلا وصدقا ، وكان تقدير الكون على وجه اكتملت به صورة الظاهر أعضاء وأركانا فهي تَتَنَاسَبُ على وجه استوت به الخلقة ويسرت أن تتحرك حركة العدل طلبا للغاية التي من أجلها خلقت فلا تجد زيادة ولا نقصا ، فإن الأعضاء إذا زادت في الحركة حصل الاضطراب وإذا نقصت حصل الكسل والخمول وهو مئنة من مرض في النفس أو في البدن ، فَقَدْ تضعف الهمة أن تضرب الروح باليأس والقنوط فيقعد صاحبها أن يفعل أو يؤثر فقد عجز بما حصل من نوائب الدهر ، فلا يقعد ويخمد مثل الهم والحزن فهو السبب في حصول العجز والكسل ، ولذلك جاء الدعاء استعاذة منه ، فـ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ" ، فالعطف يجري مجرى عطف التلازم بين السبب وهو الهم والحزن ، والمسبَّب وهو العجز والكسل ، والاستعاذة ، من وجه آخر ، من فِعْلِ العبادة الباطن إِرَادَةَ مَيْلٍ وَرُكُونٍ إلى الرب المعبود ، جل وعلا ، أن يعصم الإنسان من الوسواس ، فإن وسواس الشيطان سبب في حصول الهم والحزن الذي يقعد البدن ، فإذا اعتلت الروح ضعف البدن ومرض على وجه لطيف به يظهر الخلق الدقيق الذي أحكمه الرب ، جل وعلا ، فهو القدير في الإيجاد ، الحكيم في الإعداد والإمداد على وجه يظهر فيه كمال الوصف ، فالخلق قد أحكم وانشعبت علائقه فهي بين الباطن والظاهر ، بين الروح والجسد على وجه لطيف ، وإن كان الظاهر أن الجسد هو الذي يلتذ ويألم ، فما يجده من لذة الأكل والشرب أو ألم الضرب والقتل ! ، تنطبع آثاره في الروح الحية ا***اسة المتحركة بالإرادة ، فتتألم الروح تبعا ، وهي ، مع ذلك ، لا تنفك تظهر آثارها في الظاهر ، فإنها إن سعدت وَانْتَشَتْ ذَهَلَتْ عن حاجة البدن فلا تكاد تدرك جوعا من عطش ، وقل مثله حالَ الحزن ، فتذهل ، وقد يحصل لها حال الفرح من شهوة المطعم والمشرب ما به تلتذ فتقبل على الطعام إقبال الصحيح على وجه يحصل به الفرقان المبين بين المريض والصحيح ، فذلك ، من وجه ، كمال في حق المخلوق ، فإن من يأكل صحة خير ممن لا يأكل مرضا ، فثم من المرض ما يفسد المزاج وثم ما يحرم صاحبه الطعام إلا أصنافا معدودة تقدم على هيئات ساذجة فهي تخلو من جودة الصنعة التي تضر المريض ، فلا ملح يستصلح ولا توابل تحفز الطاعم أن يطعم فهي مما لا يدخل في صناعة الطعام دخولا رئيسا ، وإنما يضاف منها ما يحصل به العدل في الطعم ، فذلك ، أيضا ، من صور العدل ، فإن نَزْعَ الملحِ من الطعام يفسده أو يصد الآكل عنه فلا يصنع على هيئة يلتذ بها الآكل فغايته أن يقيم الأود ، كمن يأكل ولا يحس لذة الطعام لفساد في اللسان يطرأ ، فكل المطعوم عنده يستوي فلا يجد له طعما إلا طعم الماء أن فسد الطعم ، وهو من الحواس الرئيسة ، وفيها ، أيضا ، يظهر معنى العدل ، فإن حصل الخلل فسد الطعم فلا يشعر بطعم شيء ، وذلك ما يحصل بالإفراط في مـأكول أو مشروب يُتْلِفُ حاسة الذوق كالماء إذا اشتد حره ، وثم عوارض تفسد الذوق ، كما تذكر بعض الأبحاث الطبية ، كمرض البرد الطارئ ، أو العلاج بالإشعاع أو بمواد كيميائية يحصل بها خلل في الجسد ، أو تناول بعض الأدوية التي يجد الطاعم لها مرارة فضلا أنها تُؤَثِّرُ بِتَرَاكُمِهَا ، فلا يحصل فساد الذوق من أول جرعة ، فذلك مرض يجعل الطاعم لا يلتذ بمطعوم ولا بمشروب ، فـ :
وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ *** يَجِد مُرًّا بِهِ الماءَ الزُلالا .
فإذا غاب العدل فسد الذوق المحسوس ، وقل مثله إذا غاب العدل في النظر ففساد في الذوق المعقول فلا يكون ثم تَرَاكُبٌ في الأفكار على وجه صحيح تكمل به صورة الاستدلال ، فيفسد ذوق الناظر وأعظمه فساد العقد فهو ، إن تدبر الناظر ، فساد عظيم في العقل يفضي إلى فساد في الذوق وا*** ، وإن كان لصاحبه من التأنق في الملبس والمطعم والمشرب ما يجعلك تظن ، بادي الرأي ، أنه صاحب ذوق رفيع ، وحقيقة الأمر أن من ضل عن معنى التوحيد فلا حظ له من الذوق حقا ، وإن حصل له من ذوق الطعم والشرب والنكاح ما يكافئ فيه الحيوان الأعجم ، وتأمل ما يصيب الضال عن التوحيد والتشريع كيف يختل معنى العدل في حياته ، وكيف يفسد فعله فتجد الإفراط في شهوات ا*** فرارا من الهم والحزن ، فذلك ، مسلك آخر يسلكه البشر ، فثم من يفرح فيذهل فلا يأكل ولا يشرب ، وثم من يفرح فيأكل كثيرا ، سواء أكان الفرح بالحق ، كما يشرع من التوسع من المباح في الأعياد المشروعة ، أم الفرح بعرض من الدنيا زائل فما بذلك يكون الفرح الناصح ، وإنما يكون : (بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ، فيكون الفرح بالفضل الذي عم إذ أضيف إلى اسم الله ، جل وعلا ، فضلا أنه مئنة من التعظيم ، فعظم المضاف من عظم المضاف إليه ، ولا يخلو من دلالة تحتمل فَثَمَّ فضل التكوين فينصرف ذلك إلى حاجة البدن وا*** الظاهر من المطعوم والمشروب ...... إلخ ، وثم فضل أعظم ، وهو فضل التشريع فينصرف ذلك إلى حاجة الروح وا*** الباطن ، وهو ، كما تقدم ، الفضل الأعظم إذ به يصح الباطن بالعقد الناصح ، ويصح الظاهر بالشرع من القول والعمل ، فتستقيم الروح على سنن الحق ، وذلك ما تظهر آثاره في قوة البدن ، طردا وعكسا ، على وجه تظهر به ، أيضا ، الحكمة العظمى في الخلق إذ امتزجت الروح بالبدن على وجه لا يكون الفصل فيه إلا بقضاء الموت ، أن يفسد محل البدن فلا يطيق احتمال الروح ، فهي لطيفة لا تحل إلا في محل صالح ناصح فإذا فسد محل البدن بما يمازجه من أخلاط فليس إلا خروج الروح بإذن باريها ، جل وعلا ، وقد تخرج فجأة ، وذلك مما يكثر آخر الزمان إذ تفسد الحال فيظهر النقص في الأبدان فَرْعًا عن النقص في الأديان فذلك من شؤم الهجر لمنهاج الحق من الوحي المنزل إذ بقدر ما يفارق الناظر منه إن في عقد أو في شرع أو في حكم أو في سياسة يكون الفساد في الظاهر في البدن ، ضعفا ومرضا ، فإن هجر الدين يضيق الصدر ويحرجه فتجد النفس من الألم المعقول ما لا تصلحه أسباب ا***ن من المطعم والمشرب والمنكح .... إلخ من اللذات المحسوسة ، فغايتها أن تسكن الألم بما يكون من سكرة الشهوة التي لا تنفك تزول فيعقبها ألم الفكرة أَنْ عَدَلَ صاحبها عن منهاج الشرعة ، فلا يكون العيش الهانئ ، كما تقدم مرارا ، إلا بانتهاج الوحي الحاكم ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فمفهوم الكلام أن العيش الهانئ يحصل بالذكر ، فذلك من الفضل الذي يفرح به المؤمن ، فهو فضل التشريع ، كما أن المنة ، من وجه آخر ، تعظم بفضل التكوين ، فالإضافة تحتمل الوجهين لا سيما على قول من يجوز العموم في دلالة المشترك ، فتحتمل إضافة الوصف إلى الموصوف فهو فضل الله ، جل وعلا ، العظيم ، في كلم التوحيد وحكم التشريع ، وتحتمل إضافة المخلوق إلى الخالق ، فذلك فضله ، جل وعلا ، في أمر الكون ، من الأكل والشرب والزوج والولد ..... إلخ ، فكل أولئك من النعم المحسوسة التي تعظم بها المنة الربانية على وجه يستوجب فرحا آخر أعظم ، بنعمة التأله بما أنزل ، جل وعلا ، من الخبر الصادق والحكم العادل ، فذلك أعظم الفضل ، فكلا الفضلين عظيم ، ولكن فضل التشريع أعظم ، وإن كان كلاهما من كلم الرب ، جل وعلا ، كما تقدم ، فمنه كلم التكوين وبه يكون الفضل بالخلق ، ومنه كلم التشريع ومنه ما تقدم من ضرب المثل في محل الشاهد في قول الرب الخالق جل وعلا : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فإن ضرب المثل من الأخبار الصادقة ولا يخلو من قياس ناصح ، فالمثال قياس لصورة معقولة على أخرى محسوسة بها يكون بيان جلي ، وذلك من فضل الرب العلي ، تبارك وتعالى ، فخص الفرح بالفضل حقا ، فضل الشرع ، ودلالة الباء في (بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) مئنة من السببية ، فسبب الفرح المعتبر ، ما يكون من الشرع المنزل الذي وردت نجومه تَتْرَى ، فأرسلت الأنبياء ، عليهم السلام ، تَتْرَى ، فـ : (أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فذلك موضع تعظم فيه المنة ولا يخلو من آثار القدرة النافذة والحكمة البالغة في إقامة الحجة بما نَزَلَ من آي النبوة ، والحكمة ، كما تقدم ، منها حكمة التشريع في الأمر والنهي ، فجاء الأمر استجلابا لل**لحة ، وجاء النهي استدفاعا للمفسدة ، على وجه يواطئ مقاصد النقل الصحيح الذي لا يخالف ، أبدا ، العقل الصريح ، فقد جاء الشرع يحصل أكبر قدر من ال**الح ويدفع أكبر قدر من المفاسد ، ويراجح بينها حال التعارض وتعذر الجمع ، إن في تحصيل ال**الح ، فتحصل العظمى ولو بتفويت الصغرى ، أو في دفع المفاسد فتدفع العظمى ولو باحتمال الصغرى ، أو في تعارض ال**الح والمفاسد فيقدم منهما ما هو أولى بالتقديم ويؤخر في المقابل ما هو أولى بالتأخير فقد ترجح ال**لحة فتقدم على المفسدة ، فتحتمل المفسدة لأجلها فهي أعظم وأنفع ، وقد ترجح المفسدة فتدفع ، فدفع المفسدة يقدم على جلب ال**لحة إن كانت المفسدة أعظم ، فلا يطلق القول بذلك ، فقد يقدم جلب ال**لحة إن كانت أعظم من المفسدة التي تصاحبها ، وذلك فقه دقيق بل هو من أعظم الفقه في الدين وبه بعث اللهُ ، جل وعلا ، المرسلين ، عليهم السلام ، فأرسلهم ، كما يقول بعض المحققين ، لا ليميز الناس الخيرَ من الشر فذلك يظهر لكل أحد ، إلا من جحد أو سفسط ، وإنما أرسلهم ، تبارك وتعالى ، حسما لمادة التنازع حال التعارض بين ال**الح والمفاسد ، فذلك ، كما تقدم ، أعظم الفقه ، فأرسلهم ليميز الناس خير الخيرين فيقدم ولو بتفويت الخير الأدنى ، وأرسلهم ليميز الناس ، في المقابل ، شر الشرين فيستدفع ولو باحتمال الشر الأدنى ، فكل أولئك من عظم الرسالة التي جاءت ، كما تقدم ، بالأمثلة المضروبة فهي من خبر الصدق في الإثبات والنفي ، وجاءت بالأحكام المسنونة فهي من إنشاء العدل في الأمر والنهي ، فعظمت المنة بالوحي المنزل ، على وجه حسن فيه إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين في "أرسلنا" ، ولا تخلو من دلالة القدرة فلا يرسل إلا الله ، جل وعلا ، إِنْ رُسُلَ الكون إيجادا وإفناء ، أو رُسُلَ الشرع إثباتا ونفيا في الأخبار ، وأمرا ونهيا في الأحكام ، وقل مثله في إضافة الرسل إلى ضمير الفاعلين في "رسلنا" ، فذلك ، أيضا ، يجري مجرى العموم ، من وجه ، فكل الرسل ، عليهم السلام ، من عند الرب ، جل وعلا ، فالإضافة إلى الضمير وهو من المعارف يفيد اللفظ تعريفا في النحو ، وعموما في المعنى ، كما قرر أهل اللسان والمعاني والأصول ، وهو ، من وجه ، آخر ، من إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، فكان إرسالهم تترى يعقب بعضهم بعضا على وجه عظمت به المنة فذلك ، كما تقدم ، أعظم الفضل ، فـ : (بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ، وإن احتمل العموم فضل التكوين إلا أن فضل التشريع ورحمته أعظم ، فالرحمة ، أيضا ، مما يحتمل بالنظر في دلالة الإضافة إلى الضمير ومرجعه ما تقدم من اسم الله ، جل وعلا ، فحسن إضماره لتقدم الذكر ، فذلك جار على الأصل أن يتقدم مرجع الضمير لفظا ورتبة ، فإضافة الرحمة ، أيضا ، تحتمل ، رحمة التشريع ، وهي رحمة غير مخلوقة فتدخل في حد الكلم الشرعي الحاكم ، كما تقدم ، ومنه ضرب المثل الناصح في قوله تعالى : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، ورحمة التشريع منها الإثبات والنفي في الخبر ، والأمر والنهي في الإنشاء ، ورحمة التشريع ، من وجه آخر ، قد تنصرف إلى رحمة مخلوقة بالنظر في العين ، وهي عين الرسول الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، فالرحمة على تأويل اسم الفاعل "راحم" ، فيكون نصبه على الحالية ويكون ذلك من استعارة ال**در للدلالة على اسم الفاعل ، مئنة من توكيد المعنى ، فال**در مئنة من ثُبُوتِ في المعنى فضلا عن دلالة التنكير فهي مئنة من التعظيم ، فتلك رحمة عظيمة بل هي الرحمة العظمى ، وذلك من مجاز التعلق الاشتقاقي عند من يجوز المجاز في الشرع واللسان ، وقد يقال إن الرحمة قد نصبت أنها مفعول لأجله ، فلأجل الرحمة بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذه الرحمة لا تكون إلا بالوحي الخاتم ، وهو ، كما تقدم ، من كلم الرب ، جل وعلا ، وكلمه من وصفه فآل الأمر إلى إضافة الوحي إلى الرب ، جل وعلا ، إضافة الوصف إلى الموصوف ، فهو ، جل وعلا ، الذي تكلم به كلاما تَتْرَى ، فنزلت نجومه واحد بعد آخر ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) ، فالكلام مما علم من الأزل وسطر في اللوح فذلك العلم الثاني ، علم الكتابة ، ثم أحدث ، جل وعلا ، من آحاد هذا التنزيل كلاما على وجه يليق بجلاله أناطه بالمشيئة النافذة فتكلم منه بما شاء ضربا للأمثال وتقريرا للأحكام ، فالنوع قديم ، إن كلم التكوين أو كلم التشريع ، والآحاد حادثة بما شاء ، جل وعلا ، من الخلق والرزق والتدبير ، والحكم والتشريع ، فثم خبر صادق منه المثل الناصح ، وثم حكم عادل به يستقيم الباطن عقدا ، والظاهر ، قولا وعملا ، فلا تكمل الجوارح الظاهرة ، إلا بتقدير الكون الذي خلقها على أحسن صورة ، ولا تكمل ، أيضا ، إلا بِتَقْدِيرِ الشرع الناصح ، وهو ، عند التدبر والنظر ، أولى بالاعتبار إذ به صلاح الحال والمآل ، فبه تكون السعادة حقا ، وبه يستعيذ الناظر من الهم والحزن ، فالاستعاذة بالله ، جل وعلا ، من الهم والحزن ، تكون بالاستعاذة بشرعه فهو مناط السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فيخلص القلب من الهم والحزن ، ويخلص البدن من لوازمهما من الضعف والكسل ، فهو ينهض إذ انتعشت الروح فانتعش البدن فهو في حال صحيحة فإن طعم فصحة لا تخمة أو طلبا لشهوة تسكر العقل لئلا يجد ألم الفكرة ، فيستمتع بلذات البدن على وجه صحيح يواطئ ما لأجله خلق الرب ، جل وعلا ، من الشهوات المركبة في الأبدان ، والأسباب الجالبة لها على حد الاعتدال لا الإفراط الذي يورث النفس كثافةً والطبع بلادةً ، ولا التفريط الذي يورث البدن ضعفا في رهبانية ابتدعت أنكرها الشرع المنزل فذلك من التعدي في التحليل والتحريم وذلك من أخص أوصاف الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فجاء الإنكار والإبطال في الاستفهام في قوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ، فتكون سعادة الإنسان وفرحه برحمة الله ، جل وعلا ، التي عطفت على الفضل ، فعمت الرحمة العظمى ، رحمة التشريع ، وإن احتمل اللفظ رحمة التكوين إن في الأولى بما يكون من الرزق الحلال الطيب أو في الآخرة مما يكون من رحمة الجنة دار النعيم التام المؤبد فلا نقص ولا زوال ، وإنما كمال وديمومة بإبقاء الله ، جل وعلا ، لها ، فلا تنفك تفتقر إليه فهو الآخر بالذات والاسم والوصف والفعل ، فكل ما خلد فلا يفنى فإنما استمد أبديته من آخرية الرب ، جل وعلا ، المطلقة ، فهو الآخر فلا يفنى ولا يبيد أبدا ، وأهل الجنة في خلود النعيم ، وأهل النار في خلود العذاب ، وذلك ، أيضا ، من تأويل العدل في الحكم ، أن كان لكلِّ دار من الأهل ما يواطئ ما أعدت له ، فأعدت دار النعيم لمن أطاع ، ودار العذاب لمن عصى فاطرد الحكم ، كما تقدم ، وانعكس ، فذلك قياس الحكمة الصريحة ، إن في الشرع أو في الكون ، إن في الحال في دار الابتلاء ، أو في المآل في دار الجزاء ، فاحتمل اللفظ رحمة التشريع ، من وجه ، ورحمة التكوين ، من وجه آخر ، لا سيما على قول من يجوز دلالة العموم في المشترك فما قيل في الفضل يقال في الرحمة ، فذلك مناط الفرح المشروع ، لا الفرح بمأكول أو مشروب أو منكوح ! ، وإن كان الفرح بهذه النعم مما لا يذم مطلقا ، بل يمدح إن لم يخرج عن الحد المشروع ، ويمدح إن أدى العبد شكره فصارت نعمة التكوين ذريعة إلى الشكر بامتثال حكم التشريع ، ويمدح ، من وجه آخر ، إن استعان به صاحبه أن يمتثل أمر الشرع فصار ذريعة إلى امتثال الأمر والنهي ، فكان نعمة في الأولى والآخرة ، فالغنى ، كما تقدم مرارا ، لا يذم مطلقا ، بل يمدح إن حصلت به الكفاية التي تحفظ ماء الوجه ، وحصل به من الاستعانة على إقامة أمر الدين ما لأجله أنزل ، جل وعلا ، الأسباب فَمَا أَنْزَلَ المال إلا لِتُقَامَ الصلاة وَتُؤْتَى الزكاة ، وذلك يجري مجرى التمثيل لعام وهو إقامة حكم الشرع ، فلأجله أنزل ، جل وعلا ، ما أنزل من أسباب الكون التي يستعين بها المكلف أن يقيم أمر بدنه فلا يقوم المكلفُ بأمر الدين إلا ببدن صحيح قد سلم من الآفة ، جوعا وعطشا وشبقا ومرضا ، فلا بد أن يستوفي حاجته الضرورية ليتفرغ لأداء مناسكه الشرعية التي تعم جميع أحواله ما بطن من العقد ، وما ظهر من الشرع ، ما خص وما عم ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مناط النزاع الرئيس بين الوحي والوضع ، فالوحي قد جاء يبيح أسباب البدن بل ويذم من غلا في هجرها فحفظ البدن من مقاصد الشرع الرئيسة ، وجاء ، مع ذلك بغاية عظمى تغفلها المناهج الوضعية الدنيا ، فجاء بغاية العبادة أن يستعين المكلف بهذه الأسباب الدنيوية لإقامة الشرعة الحكمية على وجه يعم جميع حركات الاختيار ، ما خص الفرد وعم الجماعة من أمور الحكم والسياسة ، فتصير الدنيا للدين خادمة فهي له تابعة ولأجله عاملة فلا يسعى مكلف في تحصيل سبب من أسبابها إلا وعينه في الشرع تنظر وللآخرة تَتَشَوَّفُ ، وأما المناهج الدنيا فقد جعلت أسباب ا*** في نفسها غاية فلأجلها تتصارع وتتقاتل ويتآمر بعضها على بعض حفظا ل**الحها السيادية العليا ، وهي **الح بداهة ، نفعية محضة في إطار منظومة قيم تعلي من شأن ا*** ، فتجعل الغايةَ العظمى حاجةَ البدن من المطعم والمشرب والمنكح ، وما فضل وزاد مما يغيب به العقل لَذَّةً بشهوة مفرطة تجاوز الحد المشروع بل والمعقول فقد تفنن أصحابه في ابتداع طرائق لتحصيل اللذة يأنف منها الحيوان البهيم فضلا عن الإنسان الذي كرم بالعقل وامتاز بالتكليف فأبى إلا أن ينحط إلى دركة الحيوان البهيم لا سيما في ظل فرضيات متوهمة جعلت أصله آخر الأمر ! ، قردا أو خلية بدائية في مستنقع قذر فليس **طفى مكرما كما توهم بل هو حيوان كسائر الحيوان فلا ينتصر إلا لشهوات بطنه وفرجه فلأجلها يقيم الدنيا ولا يقعدها وينشب الحروب ولا يحسن يُوقِفُهَا حتى تأتي على الأخضر واليابس تحصيلا لشهواته واستبقاء لنفوذه وإن شئت الدقة فقل طغيانه لا سيما في الأ**ار التي يستدرها ! ، فينتهب خيراتها من خام يدخل **انعه ليخرج مادة لا روح فيها ، وهي ، مع ذلك ، قد صارت هي الغاية فالنفس لا تقيم وزنا إلا لما يخرج من ال**نع من حاجات البدن وآلات بها يستمتع أو هكذا يتوهم ! ، فهو يحقق بها لذة ا*** شهوة ، ولذة النفس الطاغية التي تروم السيطرة فالجاه والرياسة يحملها أن تقهر غيرها فتجد لذتها النفسية أن تسترق غيرها طوعا أو كرها ، صراحة أو ضمنا ، فلا يقر لها قرار إلا أن تعلن سيادتها المطلقة على الكون ، سمائه وأرضه ، فهي السيد الذي يحكم بلا منازع ، وهي الرب الذي يضع الشرائع ، فطاعتها واجبة وإن حصل بها من الشرك ما يفسد الحال كما في المثل المضروب في الآية ، فـ : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فجاء الفعل "ضرب" ماضيا بالنظر في العلم الأول ، وإن أحدث ، جل وعلا ، منه ما شاء كيف شاء متى شاء ، كما تقدم ، على وجه حصلت به الحكمة *** تكن المشيئة عبثا ، وإنما نزل النجم القرآني في موضعه تثبيتا أو نفيا لشبهة أو بيانا لمجمل ، أو جوابا عن سؤال في موضع لا يجوز فيه تأخير البيان ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما قرر أهل الشأن ، فجاء الإطناب بالمثل ثم البدل : (رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ) ، فهو المقصود بالحكم أصالة ، فقد وطأ بلفظ المثل المنكَّر ، وهو مئنة من الإطلاق ، إذ ورد في سياق الإثبات ، ولا يخلو من دلالة تعظيم فهو مثال عظيم قد جرى على وزان القياس الصريح ، إذ يقضي بانتفاء التماثل إذ اختلف الوصف فشتان : (رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) ، فأطنب بالوصف فهو مناط الفائدة ، وقدم ما حقه التأخير في : (فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) ، مئنة من الحصر والتوكيد ، فكيف يستوي من فيه شركاء فكلٌّ يأمر وينهى ، ومن سلم لمالكه فال**در "سلما" على تأويل "سالم" ، وذلك آكد في تقرير المعنى بنيابة ال**در ، وهو مئنة من الثبوت ، بِنِيَابَتِهِ عن الوصف المشبه الذي حُدَّ في اللفظ حَدَّ اسم الفاعل ، فاضطربت حال الأول أن تَعَدَّدُ سادته وملاكه ، فإذا أمر أحدهم نهى الآخر على وجه يحصل فيه التعارض ويتعذر فيه الجمع فلا بد لكي تستقيم الحال أن يحصل التمانع في هذا الباب ، فلا يكون إلا آمر واحد إذ لا خالق إلا الرب الواحد ، جل وعلا ، فقياس العقل الناصح أن يكون التمانع في التشريع إذ لا يشرع إلا هو إذ لا يخلق ويدبر إلا هو ، فلا يستوي من فيه شركاء ومن هو سلم لرجل فذلك الشطر الثاني ، فجاء ضرب المثل بالمختلفين في الوصف ، وذلك يقضي في قياس العقل الصريح أن يُخَالَفَ بَيْنَهُمَا في الحكم ، فـ : (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) ، فذلك إما أن يحمل على استفهام الإنكار والإبطال ، أو يجري مجرى النفي على تقدير : لا يستويان مثلا ، فيكون ذلك من الإنشاء الذي استعير دلالة على الخبر وإنما أورد مورد الاستفهام استنطاقا للخصم بالحجة ، ولا يخلو ضرب المثل وهو خبر ، لا يخلو من دلالة إنشاء بالنهي ألا تشركوا بالله ، جل وعلا ، فيحصل لكم من الاضطراب ما يحصل لعبد تعدد مُلَّاكُهُ ، فذلك مثل ناصح ، وهو مما يستحق إفراد الرب ، جل وعلا ، بالحمد التام فتلك دلالة "أل" في "الحمد" فهي تستغرق وجوه المحامد جميعا في الباطن ، وفي الظاهر ، وما يستوجبه ذلك من لازم الشكر الذي يقضي بإفراد الرب ، جل وعلا ، بالتوحيد والتشريع ، فيكون إفراده بالتأله الباطن تصورا ، والتأله الظاهر حكما ، على وجه يستغرق جميع محال التكليف ، وذلك ، كما تقدم ، مناط الفرح المعتبر بالفضل والرحمة في الوحي ، فما أعظم ما تفضل به ، جل وعلا ، من الرسالة ، وما أعظم ما رحم به الخلق من وسائط الحق من الملَك النازل والرسول الشاهد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ، فجاءت الإشارة في : (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) باسم البعيد على ما تواتر في اللسان من الإشارة إلى ما انقضى مطلقا ، ولو قريبا ، بإشارة البعيد ، فانقضاؤه يجعله بعيدا بالنظر في مطلق المضي ، وهي ، من وجه آخر ، مئنة من التعظيم ، فأي شيء أعظم من فضل الله ، جل وعلا ، ورحمته ؟! ، ودلالة اسم التفضيل "خير" دلالة التفضيل منزوع الدلالة فلا خير فيما يجمعون إن لم يكن الجمع على وفاق الشرع ، فالجمع قد يحمد إذا أدى صاحبه الزكاة واستعان به على إقامة الشرع الخاص والعام فكانت الثروات نصرة للديانات لا تحصيلا للشهوات وحربا على الحق وأهله إذ يسلبهم شهوة الجمع المطلق ، جمع الأموال وجمع الشهوات ، جمع اللذات وجمع أسبابها على وجه ، كما تقدم ، انحط فيه الإنسان إلى دركة الحيوان البهيم ، بل وإلى دركة أسفل ، فضلال بني آدم لا منتهى له إن فارقوا الوحي وعطلوا الشرع ، فقد يحمد الجمع الذي حد على جهة المضارعة صلة لموصول في "يجمعون" ، فهو مئنة من العموم وذلك آكد في تقرير المعنى ، فالوحي خير من كل ما يجمعون ، وقد حذف عائد الصلة في قوله تعالى : (مِمَّا يَجْمَعُونَ) ، حذف إيجازا ، فتقدير الكلام : هو خير مما يجمعونه ، وحد الفعل "يجمعون" حد المضارعة مئنة من استحضار لصورة تتجدد فلا زال الناس في غفلة يجمعون من أسباب الشهوة ما تعظم به ال**يبة أن يفسد الدين وتفسد الأخلاق وتجور السياسات إذ استبدلت قيم الوضع المادي بقيم الوحي الشرعي فصار التنازع على الأسباب المحسوسة سمة الجامعين للدنيا فهي جيفة تتصارع عليها الكلاب وتعف عنها الأسود ، وأسند الفعل "يجمعون" إلى ضمير الفاعلين عموما استغرق بدلالة التغليب فيعم الجامعات للأسباب بل ذلك في النساء أعظم بما جبلن عليه من حب الزينة مع ضعف في العقل أن يدرك غايات الشرع فالزينة تحجب العقول عنها فلا تنظر إلا في المآل لا سيما عقول النساء ، فهن أشد دخولا في هذا العموم من الرجال ، وذلك بالنظر في المجموع لا الجميع فكم من نساء رجحن على أمم من الرجال فأدركن من خسة المجموع الزائل ما زَهَّدَهُنَّ في المتاع العاجل فانصرفن إلى الوحي تحصيلا لأسبابه وامتثالا لأحكامه فَبَلَغْنَ فيه ما بَلَغْنَ من درجة الخير والفضل فلا يقتصر ذلك على *** دون آخر ، أو لون دون آخر ، فـ : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، وقد يجري التفضيل مجرى التفضيل حقا فلا يخلو ما يجمعون من خير سواء أكان عاجلا خدع صاحبه فإنه يجد فيه منفعة ولو عاجلة أو متوهمة بما يحصل له من لذة ونشوة ! ، أم نافعا استعان به ، كما تقدم ، أن يقيم أحكام الوحي ، فهو يأخذ منه حاجة البدن لئلا يذهل العقل ويضعف البدن فلا يطيق التكليف فقد يأثم إن لم يأخذ من أسباب الدنيا الكفايةَ ، فكان الاستعمال المحمود استعمال أسباب الكون لإقامة أحكام الشرع .

فاستحق ، جل وعلا ، الحمد أن ضرب المثل الذي يبين ، فهو يفقه الناظر المتدبر ، فجاء الحمد المستغرق لأجناس المحامد جميعا لله ، جل وعلا ، فدلالة اللام في "لله" مئنة من الاختصاص والاستحقاق فلا يستحق الحمد المطلق إلا الله ، جل وعلا ، وهو حمد يستغرق الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ولازمه امتثال الشرع كله ، خبرا يصدق ، وشرعا يُحَكَّمُ ، ومن ثم جاء الإضراب في قوله تعالى : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، جاء الإضراب فيه انتقالا من قياس صريح يقضي بالتفريق بين المختلفين على وجه يستوجب الإنكار على من سوى بينهما ، وانتقالا من حَمْدٍ له ، جل وعلا ، أن سَلِمَ العقل مما وقع فيه القوم من فساد القياس ، فـ : (أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، ودلالة الكثرة قد تنصرف إلى العموم بالنظر في *** الكفار فلا يعلمون جميعا ، والعلم المنفي هو العلم النافع لا العلم الأول الذي ركز في الجبلة ، فهو الذي يحصل به التكليف بدرك المعاني ، بادي الرأي ، فذلك علم أنيطت به الحجة ، فلو كان هو المنفي ما توجه إليهم اللوم إذ لم يعلموا والجهل من الأعذار التي يسقط بها التكليف .

فلا يعلمون العلم النافع ، لا مطلق العلم ، فهو حاصل لهم على وجه تقوم به الحجة وتستبين المحجة ، وقد أطلق الفعل "يعلمون" ، فَعَمَّ ، أو يكون العموم مستفادا من تَسَلُّطِ النَّفْيِ على ال**در الكامن في الفعل ، وذلك آكد في الذم ، أو هو من تَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ غير العالم إمعانا في الذم والنكاية فمن كان له علم ولم ينتفع به فهو كالجاهل ، بل إن الجاهل ابتداء خير منه فقد انتفى في حقه التكليف أن زال مناطه وهو العلم كما قرر أهل الشأن ، فلا تكليف بمجهول وإنما يكون التكليف بمعلوم مقدور معدوم ، فلا تكليف بما لا يعلم سواء أكان من الغيب المطلق أم لم يَعْلَمِ المكلفُ حده وهيئته المخصوصة في الشرع كمن كلف بالصلاة ولم يحصل له بيان للحقيقة الشرعية الأخص ، حقيقة الصلاة بأقوالها وأفعالها وأوقاتها وشرائطها وفرائضها وواجباتها القولية والعملية .... إلخ ، ولا تكليف بما لا يطاق كتكليف من بترت ساقاه أن يصلي قائما ، ولا تكليف بموجود قد أتى به المكلف فلا يكلف أن يحصل ما قد حصله وفرغ منه فذلك من تحصيل الحاصل وهو مما يخالف البدائه ويوقع صاحبه في حرج الوسواس أن يتكلف من الفعل ما قد أتى به على وجه صحيح مجزئ .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:01 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant