من آية : (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ .....) - مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

ryan

العودة   ryan > مواضيع منقولة من مواقع اخرى2

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-23-2016, 07:07 AM
rss rss غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 721,669
افتراضي من آية : (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ .....)

من آية : (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ .....)
مما قرر أهل الاصطلاح في مبحث العدالة أن شرف الصحبة لا يعدله سِوَاهُ ، فالصحابة ، رضي الله عنهم ، هم ورثة الرسل عليهم السلام ، فهم الذين قاموا بهذا الدين علما وعملا ، وهم طائفة الأرض الطيبة التي قبلت ماء الرسالة وأنبتت كلأ الأصول والفروع ، فحررت الأصول واستنبطت الفروع على وجه يواطئ صحيح المنقول وصريح المعقول ، فجمعوا الصبر ، وهو مئنة من قوة إرادة عملية ، واليقين ، وهو مئنة من قوة تصور علمية ، وجمعوا الأيد وهو القوة ، والبصر ، وهو العلم ، ولا يقوم أمر الدين إلا بكتاب يهدي به تصح قوة البصر والنظر ، وسيف ينصر فهو مادة القوة في التنفيذ والتبليغ ، فيكون بلاغ اللسان جدالا ، ولا يكمل إلا ببلاغ السنان جلادا ، فكان الثناء على العباد الكاملين من الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، فـ : (اذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) ، فجاء الأمر بالتذكر ، وقد توجه الأمر إلى البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والأمر بالتذكر ، عند التدبر والنظر ، يستلزم أمرا آخر بالتذكير ، فَيَذْكُرُ الإنسان في نفسه ما به يعتبر فإذا صلحت حاله ذَكَّرَ غيره فتعدى بالنفع بعد أن حصل له ، ابتداء ، فلا يدعو إلى حق من ليس عليه ، ولا يشغل أحد نفسه بإصلاح غيره وهو في نفسه غير صالح ! ، أو ثَمَّ من تحت ولايته الخاصة من يستوجب الإصلاح ، فلا يقدم البعيد على القريب فذلك خلاف القياس الصريح الذي يقضي بتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير ، والأمر ، كما تقدم ، مرارا ، يعم بالعموم كل مخاطب ، وإن أنيط ابتداء بالمخاطب الأول ، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فجاء الأمر مذكورا في هذا الموضع ، وجاء مقدرا في مواضع أخرى ، كما في قوله تعالى : (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) ، على تقدير : واذكروا إذ تصعدون ولا تَلْوُونَ عَلَى أحد ، فَحَسُنَ في موضع التذكير استحضارُ الصورة بالمضارع "تصعدون" وإن انقضى زمان الفعل ، فجاء الظرف ماضيا ، وجاء الفعل مضارعا ، فدل الأول على زمن الفعل وقوعا ، ودل الثاني على زمنه استحضارا على وجه كملت به الدلالة ، فدلالة الحقيقة ودلالة المجاز ، عند من يجوزه في اللسان والشرع ، ومن ينكر المجاز فإنه يجري ذلك مجرى المطرد المشهور في اللسان بالنظر في تركيب الجمل لا دلالات الألفاظ المفردة في المعجم .

والشاهد أن الأمر بالذكر قد جاء صدر الكلام ، فـ : (اذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) ، وتلك عبودية أخص من العبودية العامة التي يدخل فيها جميع المكلفين ، بل وجميع الأشياء فكلها مما عُبِّدَ لله ، جل وعلا ، بمقتضى الربوبية العامة التي تستغرق جميع ما في الكون من الأعيان والأحوال ، فـ : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ، فذلك من القصر بأقوى أساليب القصر ، النفي والاستثناء ، فدلالة "إِنْ" دلالة النَّفْيِ ، وثم عموم محفوظ في "كل" ، وإن خص بالعقل فلا يدخل فيه بداهة الرب ، جل وعلا ، وقد يقال إن العموم محفوظ بالنظر في دلالة السياق ، فإن قسمة العقل في هذا الباب ثنائية لا تحتمل شطرا ثالثا ، فـ : رب معبود وعبد مخلوق منقاد لأمر التكوين ، فدلالة العبودية في الآية دلالة الاضطرار ، فهي العبودية الكونية التي لا يملك أحد أن يخرج عن أمرها ، لا العبودية الشرعية التي يظهر فيها معنى الاختيار ، فيها قدر زائد على العبودية الكونية الأعم ، فثم عموم وخصوص مطلق من هذا الوجه ، فكل عبد عابد ينقاد لأمر التشريع فهو عبد خاضع لأمر التكوين ، ولا عكس ، فثم من العباد من خرجوا عن أمر الشرع ، بَلْ أَكْثَرُ الناس ، لو تدبر الناظر كذلك ، فـ : (مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، ولكن أحدا ، أي أحد ، مكلفا كان أو غير مكلف ، ناطقا كان أو أعجم ، عَيْنًا كان أو حَالًا ، فالرب ، جل وعلا ، هو الخالق للأعيان والمدبر للأحوال ، فكل أحد ، أي أحد ، لا يطيق ، كما تقدم ، أن يخرج عن أمر التكوين النافذ ، فهذه القسمة الثنائية تجعل العموم محفوظا ، فَلَمْ يدخل الرب ، جل وعلا ، بادي الرأي ، في عموم "مَنْ" ليخرج بِتَخْصِيصٍ بِنَقْلٍ أو عقل ، فـ : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ، ودلالة "مَنْ" ، من هذا الوجه ، دلالة عموم يستغرق ما زَادَ عَلَى دلالة العاقل التي وضع لأجلها اللفظ ، فهي تعم كل شيء في هذا الكون ، عاقلا كان أو غير عاقل ، فتعم بدلالتها دلالة ما وضعت له "مَا" فهي ، في المقابل ، مئنة من عموم يستغرق غير العاقل ، فنابت "مَنْ" عن "مَا" ، فثم دلالة الأصل فهي تعم العاقل ، وثم دلالة النيابة فهي تعم غير العاقل ، فاتسعت دائرة الدلالة على وجه بلغ بها حد المجاز المرسل ، وعلاقته الخصوصية ، إذ أطلق الخاص الذي يقتصر على *** العاقل وأراد العام الذي يستغرق العاقل وغيره ، ومن ينكر وقوع المجاز في اللسان والشرع فإنه ، كما تقدم مرارا ، يرد الأمر إلى معهود اللسان فقد اطرد فيه إطلاق الخاص وإرادة العام ، وثم عموم آخر استغرق الظرف : (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، فدلالة "أل" في "السماوات" و "الأرض" مئنة من عموم يستغرق آحاد ال*** المعرَّفِ ، ومن ثم جاء الاستثناء : (إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ، ومناط الفائدة هو الحال المقيدة "عبدا" ، فهي في تأويل الخضوع ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : إلا آتي الرحمن خاضعا غير مختار ، فهو وإن كان فضلة في اللفظ إلا أنه ، في هذا الموضع ، عمدة في المعنى فهو القيد الذي يبين مراد القائل الرئيس ، فإتيان الخلق يوم الحشر مراد أول فبه يثبت البعث والحشر يوم ا***اب والجزاء ، وإتيانهم خاضعين منقادين مراد ثان ، وهو المراد الرئيس في هذا السياق ، ومن ثم أردف بما يؤكد ، وهو ، من وجه آخر ، يجري مجرى التعليل ، فـ : (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) ، فَثَمَّ تَوْكِيدٌ بِلَامِ ابتداء ، أو لام قسم مقدر دلت عليه اللام الداخلة على جوابه ، فضلا عن دلالة التحقيق فِي "قد" إذ دخلت على الفعل الماضي ، وزيد في تقرير المعنى بالعطف الذي يجري مجرى عطف الترادف ، ولو من وجه ، وزد عليه دلالة التوكيد بال**در "عدا" ، والتعليل يظهر بتقدير سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة إتيانهم جميعا خاضعين منقادين ؟! ، فجاء الجواب : لقد أحصاهم فلا يتخلف منهم أحد وعدهم عدا فلا نقص ولا زيادة ، وثم إطناب بحال أخرى ، فـ : (كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) ، فأطنب بتكرار العموم على التفصيل المتقدم ، وأوجز بضمائر ترجع على ما تقدم من عموم الوصل في "مَنْ" فذلك مرجع الضمير في "كلهم" ، واسم الرحمن ، جل وعلا ، فهو مرجع الضمير في "آتيه" ، وأورد اسم الرحمن ، جل وعلا ، في هذا الموضع ، أورده مورد الإغاظة ، كما يقول صاحب "التحرير والتنوير" ، فإنهم أنكروا اسم الرحمن كما في قوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ) ، فَنَصَّ عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ في موضع يظهر فيه خضوعهم اضطرارا بعد أَبَوُا الخضوعَ والسجود اختيارا ، فكلهم آتيه منفردا ، فكان الجمع في الآية الأولى وهو ما قد يوهم المشاركة التي تخفف من وطأة ا***اب والعذاب ، فحسن التنويه على جهة الاحتراز بالحال الثانية : (فَرْدًا) ، فكلهم آتيه منفردا على تأويل اسم الفرد الجامد باسم مشتق فالحال لا تكون إلا مشتقة إذ دلالتها دلالة الوصف ، وذلك ما ورد التنويه به في مواضع من التنزيل ، فـ : (لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ، فحكى المستقبل حكاية الماضي مئنة من تحقق الوقوع ، فحسن التوكيد هنا ، أيضا ، بِاللَّامِ و "قَدْ" إذ دخلت على الماضي فأفادت التحقيق من هذا الوجه ، وجاء التقييد بالحال أيضا : (فُرَادَى) ، وذلك موضع جلال يحسن فيه إيراد الضمير مجموعا إما مرفوعا في : (خَلَقْنَاكُمْ) و : (خَوَّلْنَاكُمْ) ، وإما منصوبا في : (جِئْتُمُونَا) ، ودلالة الواو مئنة من الجمع الذي تعم دلالته ، فتعم جماعة الرجال أو الذكور بأصل الوضع ، وتعم جماعة النساء أو الإناث بالتغليب ، بل وتعم كل شيء ، بقرينة ما تقدم من عموم الموصول في قوله تعالى : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ، وثم تشبيه للمآل بعثا بالحال خلقا على وجه يظهر فيه معنى الجلال ، أيضا ، فحسن أن يسند إلى ضمير الفاعل المجموع مئنة من التعظيم ، وعطف ما يؤكد معنى الانفراد فَتَرَكُوا ما تفضل به الرب ، جل وعلا ، من النعم وراء الظهور ، وثم استحضار لصورة توبيخ ، فـ : (مَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ) ، وقد جرى السياق على ما تقدم من الإسناد إلى ضمير الفاعلين المجموع إن ظاهرا أو مستترا ، كما في هذا الموضع ، فَاسْتَتَرَ ضمير الفاعل في عامله : (نَرَى) ، استتر إيجابا على تقديره بـ : "نحن" ، وقد أطنب في وصف الشفعاء الذين وقع فيهم الشرك ، أطنب في وصفهم بالموصول : (الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ) ، فكان الإطناب بالموصول المجمل فالصلةِ المبيِّنَةِ ، وهي مناط الفائدة ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، وَزِدْ عليه دلالة توكيد أخرى إذ سدت "أَنَّ" الناسخة وما دخلت عليه مسد مفعولي الزعم الذي يحمل على ما يَتَبَادَرُ إلى الذهن من الزَّعْمِ الكاذب ، ومن ثم فصل فاستأنف على جهة التوبيخ والتبكيت : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) ، فجاء التوكيد ، كما تقدم ، باللام و "قد" ، وقد أسند الفعل إلى الْبَيْنِ ، وقد بُنِيَ على الفتح إذ أضيف إلى مبني ، فاكتسب البناء من ذلك ، فالمضاف يكتسب من المضاف إليه : التعريف إلا في مواضع الإضافة اللفظية كما في قول رب البرية جل وعلا : (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) ، ***ا أضيف الاسم المشتق إلى معموله فهو يمطرهم ، فضميرهم ضمير المفعول في المعنى وإن كان مجرورا في اللفظ ، ***ا أضيف العامل إلى معموله على جهة التخفيف كانت الإضافة من هذا الوجه إضافة لفظ تفيد التخفيف لا أكثر فلا تفيد التعريف وعليه جاز أن توصف النكرة "عارض" بالمضاف إليه المعرف في اللفظ بادي الرأي "ممطرنا" ، فهو نكرة في المعنى على التفصيل المتقدم ، فالإضافة قد تفيد أَثَرًا في اللفظ دون المعنى ، كما في هذا الموضع ، والمضاف يكتسب من المضاف إليه ، أيضا ، البناء ، كما في آية الأنعام على قراءة من نصب "بَيْنَكُم" ، وثم من رَفَعَهَا فجرى على الأصل ، فالفاعل ابتداء مرفوع في اللفظ والمحل ، وقد يُرْفَعُ في المحل دون اللفظ ، فَيُبْنَى على الفتح كما في هذه القراءة ، أو يُبْنَى على الكسر كما في قوله تعالى : (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ) ، فـ : هؤلاءِ : اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل ، أو يُبْنَى على الضم كما في قوله تعالى : (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) ، فالتاء في "قلتُ" : ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع ، أو يُبْنَى على السكون ، كما في بناء الضمير المجموع في نحو قوله تعالى : (قَالُوا سُبْحَانَكَ) ، فحرف المد ساكن وإن كان مضموما أو مكسورا ما قبله ، فكسرته كسرة إتباع لا إعراب أو بِنَاءٍ ، فتقطع الْبَيْنُ فلا عاضد ، وقد حد على جهة الماضوية إمعانا في تقرير المعنى فقد تقطع وانتهى الأمر ، و : (ضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ، والضلال هنا مئنة من الغياب ، كما في قوله تعالى : (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) ، أي : غِبْنَا فِي الأرض إذ انحلت الأجساد ورجعت إلى مَادتهَا الأولى مِنَ التُّرَابِ فاستنكروا بالاستفهام : (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) ، وزيد في التوكيد إذ اسْتَنْكَرُوا وَأَبْطَلُوا بِالنَّظَرِ في ظاهر القول لا الحقيقة في نفس الأمر ، فقد جحدوا ما استيقنوا ، بل وجحدوا ما قد دل عليه الدليل الناصع الناصح من النقل والعقل وا*** والفطرة جميعا ، فإن من أنشأ ابتداء فهو يعيد انتهاء فذلك أيسر عليه ، وذلك قياس أولى ، وهو من آكد موارد الإلزام للمخالف فإنه يقر بالمقدمة وهي الأبعد فيلزمه الإقرار بالنتيجة وهي الأقرب ، فالإعادة أهون من الخلق ، فحسن ، من هذا الوجه ، الإضراب إبطالا لما زعموا : (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) ، وزيد في تقرير المعنى بتقديم متعلق الوصف "كافرون" ، وهو "بلقاء ربهم" ، فتقديم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد ، وهو ، هنا ، يحمل على القصر الإضافي ، إذ كَفَرُوا بالبعث خاصة ، وإن كفروا بغيره عامة ، فقد كفروا بما هو أعظم ، فكفروا بالله ، جل وعلا ، وإن أقروا بوجوده بل وانفراده بالخلق والرزق والتدبير ، فـ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، فقد كفروا إذ أشركوا ، فالشرك يدخل في عموم الكفر ولا عكس ، فَبَيْنَهُمَا ، كما تقدم في مواضع سابقة ، بَيْنَهُمَا ، عموم وخصوص مطلق ، فكل من أشرك فقد كفر ، ولا عكس ، والشاهد أن آية الأنعام قد ختمت بالعطف : (وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ، فغاب عنكم من زعمتم أنهم فيكم شركاء ، فدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر وحسن أن يقدر من ***ه فقد اطرد في التَّنْزِيلِ أن تسد "إن" وما دخلت عليه مسد مفعولي "زعم" ، مع أنها قد تدخل على مفعولين صريحين ، كما يمثل النحاة بالبيت المشهور :
زَعَمَتْنِي شَيْخاً ولَسْتُ بِشَيْخٍ *** إنَّمَا الشَّيْخُ مَنْ يَدِبُّ دَبِيبَا .
وثم عموم دل عليه الموصول في : (مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ، وذلك آكد في تقرير المعنى بقطع الرجاء من كل ما زعموا من الآلهة الباطلة وَزِدْ عليه دلالة الكينونة الماضية وهي مئنة من توكيد ، فكانت الخيبة أعظم إذ كان الزعم آكد وأرسخ ! .

والشاهد أن العباد يبعثون جميعا بالنظر في العد والإحصاء ، ولكنهم ، في المقابل ، يبعثون أفرادا بالنظر في ا***اب والجزاء فلا يَنُوبُ أحد عن أحد ، وهذه ، كما تقدم ، عبادة التكوين الأعم ، خلاف عبادة التشريع الأخص ، عبادة الانقياد والخضوع لله ، جل وعلا ، تصديقا وامتثالا ، فأولئك مناط الأمر بالتذكر في قوله تعالى : (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) ، فتلك عبودية أخص من عبودية التكوين التي تعم المؤمن والكافر ، البر والفاجر ، فالإضافة ، من هذا الوجه ، إضافة التشريف ، فحسن ، من هذا الوجه ، أن يَرِدَ المضاف إليه على حد الضمير المجموع مئنة من التعظيم ، فذلك آكد في التشريف ، وقد أجمل في اللفظ ثم أردف بالبيان على جهة البدل أو عطف البيان ، وقد يحمل النصب على الاختصاص مدحا على تقدير : واذكر عبادنا ، ومن ثم جاء الاستئناف بعامل محذوف على تقدير : أَعْنِي أو أَخُصُّ بالمدح : إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ، وذلك مورد تَمْثِيلٍ لعام ، فلا يقتصر المدح على أولئك الأنبياء ، عليهم السلام ، وَإِنَّمَا يعم غيرهم ، وقد قرئ : (عبدنا) ، فيكون البيان باسم الخليل ، عليه السلام ، وحده ، ومن ثم عطف على جهة الاستئناف لا الاستيفاء لأجزاء القسمة بالنظر في قراءة : (عِبَادَنَا) ، فَفِي قِرَاءَةِ الإفراد ، وهي ، عند التدبر والنظر ، مما يحتمله الرسم ، ومما يوافق العربية في نَحُوِهَا وبقي البحث في الإسناد فهو العمدة في هذا الباب ، في هذه القراءة يقتصر البيان على اسم الخليل ، عليه السلام ، ومن ثم يكون الاستئناف بالعطف ، وَفِي قِرَاءَةِ الجمع : (عِبَادَنَا) يعم البيان جميع الأسماء المذكورة ، فيكون العطف عطف أجزاء لقسمة أجملت ابتداء ثم فصلت بعد ذلك ، وفي كلتا القراءتين يجري العطف مجرى التغاير بالنظر في تعدد الأعيان ، فعين إبراهيم غير إسحاق غير يعقوب ، عليهم السلام جميعا ، ومن ثم أردف بالوصف إطنابا في المدح فوصفهم بالأيد ، وهو مئنة من قوة الإرادة والعمل ، والبصر ، وهو مئنة من قوة التصور والعلم ، ولفظ "أولي" مئنة من الاختصاص وهو آكد في نسبة وصف المدح إليهم ، ولو تدبرت لوجدت إناطة هذا الحكم بالنبوة يعم إذ اتسعت دائرة المدح ، فهي تعم أتباع النبوة فهم أعظم الناس حظا من الأيد والبصر بعد الأنبياء ، عليهم السلام ، فلهم من قوة النظر والعلم ، وصحة العقد الباطن ، ولهم ، أيضا ، من قوة الإرادة والعمل ، وصحة الحكم الظاهر ، فهم أصح الناس باطنا وظاهرا ، وذلك ما لا يدركه المتأخرون فهو فضل يصطفي ، جل وعلا ، به من يشاء ، فكما اصطفى آحادا بالنبوة ، اصطفى لهم أصحابا وأتباعا ، وَمَنْزِلَةُ الصحبة مما لا يدرك فضله ، على قول الجمهور ، وإن جوز بعض أهل العلم ، كابن عبد البر ، رحمه الله ، أن يكون لبعض المتأخرين ممن عظم نصرهم للدين ، أن يكون لهم فضل يزيد على فضل آحاد من الصحابة ، رضي الله عنهم ، لم يثبت لهم إلا شرف الصحبة بمحض اللقاء ، فخرج من تواتر فضله واشتهر وسبق قدمه وعظم من السابقين الأولين فأولئك لا مطمع لمتأخر أن يدرك ما أدركوا إن في العلم أو في العمل ، ففي العلم كانوا أهل البصيرة في الدين ، فكان لهذه الطبقة ، كما يقول بعض المحققين ، كان لها من قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر بالتأويل ، وهو التفسير الصحيح لا تأويل المتأخرين البعيد أو الباطل ، كان لها من هذه القوة العلمية حظ عظيم ففجروا ينابيع النصوص فقها وحكمة بما استنبطوه من أحكام وآداب ولطائف ، فكان لهم من الآلة ما ليس للخلف فقد كانوا أعلم الناس بألفاظ الوحي ، حفظا وفقها ، فهم أهل اللسان ، وكان لهم من قرائن الفهم والاستنباط قدر زائد ، إذ شهدوا التنزيل فأفادهم ، كما يقول بعض المحققين ، أفادهم عقل المعنى فعلموا منه ما لم يعلم المتأخر ، فغايته أن يحيط ببعض ما أحاطوا وكل حق في العلم وخير في العمل فإنما حصل له من اقتفاء آثارهم فهي ، عند التدبر والنظر ، تأويل صحيح صريح لآثار النبوة إن في العلم أو في العمل ، إن في العقد أو في الشرع أو في الحكم أو في السياسة أو في الزهد أو في الرياضة ..... إلخ من موراد الاختيار الخاص والعام ، فاعتمدوا ، كما يقول بعض المحققين ، اعتمدوا طرائق الاستنباط الصريح فلا خيال فلسفي ولا رأي قياسي ولا ذوق صوفي يعارض به ما أحكم من نصوص الوحي ، وإنما تلك متشابهات ترد إلى محكم التنزيل ليحكم فيها بقبول أو رد ، فهم أخلاء الأنبياء ، عليهم السلام ، والمرء على دين خليله ، فكانوا على دين النبوة أخلاقا وأحكاما ، ظاهرا وباطنا ، فكل خلة سِوَاهَا فهي يوم القيامة ، عداوة ، فـ : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) ، وعموم "أل" في "المتقين" ، إما بحمله على العموم المستغرق ل*** المعرَّف ، أو بحمله على الوصل إذ اتصل بمشتق ، هذا العموم يستغرق كل محل قام به وصف التقوى ، ذكرا كان أو أنثى ، فحد اللفظ على جهة الجمع المذكر السالم يحمل على التغليب الذي يعم جميع المتقين ، وَأَوْلَى الناس دخولا في هذا العموم ، الأنبياء عليهم السلام وأصحابهم ، رضي الله عنهم ، والنبوة الخاتمة قد اختصت بقدر زائد فهي أفضل النبوات ، وأصحاب نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل مَنْ صَحِبَ الأنبياء ، عليهم السلام ، فهم خير البشر بعد الأنبياء والرسل ، عليهم السلام ، فرتبة النبوة لا تدرك في الجملة والتفصيل ، فنبي واحد خير من جميع الأصحاب والصديقين والأولياء والشهداء وسائر الصالحين ، ورتبة الصحبة ، أيضا ، مما لا يدرك في الجملة ، وإن أدرك في التفصيل على قول ابن عبد البر ، رحمه الله ، وقد تقدم ، فيدرك في حق آحاد من الصحابة ، رضي الله عنهم ، وإن كان الجمهور أن هذا الفضل مما حفظ في الجملة والتفصيل ، فهو ، أيضا ، اصطفاء محض ، وإن كان دون اصطفاء النبوة ، فـ : "إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَيْرَ قُلُوبِ النَّاسِ , فَاخْتَارَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ وَانْتَخَبَهُ بِعِلْمِهِ , ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَعْدَهُ , فَاخْتَارَ لَهُ أَصْحَابَهُ , فَجَعَلَهُمْ أَنْصَارَ دِينِهِ وَوُزَرَاءَ نَبِيِّهِ" ، فأخبر عنهم ، كما يقول بعض المحققين ، بكمال بر القلوب ، وذلك مئنة من صحة القوة الإرادية ، وكمال عمق العلم ، وذلك مئنة من صحة القوة التصورية ، فـ : "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالا" ، فصح العلم وصحت الحال ، وهو ما ندر في المتأخرين فتجد من اشتغل بالعلم قد قل حظه من الزهد ، وتجد من انصرف إلى رعاية الحال والخاطر قد انصرف عن العلم فيوشك أن يقع في الباطل ، وأما الصحب ، رضي الله عنهم ، فقد جمعوا ا***نيين ، العلم والعمل جميعا ، فكانوا أعلم الناس وكانوا أحرصهم على العمل بما علموا ، فعظم في كلاهم الخير مع وجازة اللفظ وقلة التكلف فيصدر عن أحدهم ، كما يقول بعض المحققين ، يصدر عن أحدهم من الكلمة أو الكلمتين ما يهدي به ، جل وعلا ، أمة كاملة ، ولا عجب فكلامهم قد تَحَمَّلُوهُ عن مشكاة النبوة ، وكلامها أعظم الكلم بَرَكَةً مع وجازة لفظ وبلاغة معنى وإخلاص في النية ، فـ : (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ، فكانوا ، أيضا ، على نهج النبيين ، عليهم السلام ، فقل في كلامهم التكلف ، فقد اشتغلوا بالعمل عن القول ، فكانوا ، كما يقول بعض المحققين ، كانوا أعلم الناس وأقوم الخلق بجهاد الكفار والمنافقين ، بالكتاب الهادي حجة وبرهانا ، والحديد الناصر سيفا وسنانا ، ففتحوا القلوب بالكتاب وفتحوا الأ**ار بالحديد ، فاجتمع لهم الشفع : الكتاب والسيف على وجه حصل به الكمال إذ اجتمع لهم جمال الجدال وجلال الجلاد ، وتلك أكمل حال في العلم والعمل ، فهم أعلم الناس بحديث النبوة وحالها ، وهم أعلم الناس بسلمها وحربها ، بسياستها وحكمها ، وأتباعهم الذين تلقوا عنهم أحكام الدين هم أولى الناس بذلك فهم حملة الإرث الناصح فتحملوا الحروف حفظا والحدود تأويلا وعملا فليس تحملهم تحمل اللفظ بلا عمل ، وليس تحملهم في المقابل إرادة بلا علم ، بل جمعوا قوة العلم والإرادة الباطنة وقوة القول والعمل الظاهرة .

ومن ثم زيد في الإطناب في الثناء في آي ص : (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) ، وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى التعظيم ، بإيراد ضمير الجمع في "أخلصناهم" ، فضلا عن جملة مؤكدات ، بالناسخ المؤكد ، واسمية الجملة قبل دخول الناسخ على الضمير الذي ابتدئ به الكلام ، وتكرار الإسناد ، مبتدأ ظاهرا قبل دخول الناسخ فهو فاعل في المعنى ، وفاعلا صريحا ملفوظا على حد الإضمار المتصل في "أخلصناهم" ، وزد عليه دلالة التعدي بالهمز ، فاختصهم الرب ، جل وعلا ، بهذا الفعل ، فهو من صفات الفعل التي تناط بالمشيئة ، ولا تنفك ، كما تقدم مرارا ، تقترن بوصف الحكمة البالغة ، فذلك من الاصطفاء الذي لا يكون إلا بحكمة ، فَيَضَعُ ، جل وعلا ، مادة الخير والبركة في المحل الصالح الناصح الذي يقبل آثارها ، فذلك مما يدخل في عموم الآية التالية : (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) ، فكان التوكيد ، أيضا ، بالناسخ ، فضلا عن عندية مخصوصة أسندت ، أيضا ، إلى ضمير الجمع تعظيما ، وَزِدْ عليه دلالة اللام في "لمن" فهي مما ورد توكيدا وزحلق فتأخر لئلا يجتمع صدر الكلام مؤكدان فيثقل النطق ، وقل مثله في دلالة "مِنْ" ، فهي مئنة من بيان *** ، فهم من *** ال**طفين ، وذلك آكد في تقرير المعنى من قولك في غير التنزيل : وإنهم عندنا ل**طفون ، ولا تخلو "مِنْ" من دلالة ابتداء للغاية ، وهي الاصطفاء ، ودلالة تبعيض ، فهم بعض ال**طفين ، وذكرهم ، كما تقدم ، يجري مجرى التمثيل لعام فذكر بعض أفراده لا يخصصه ، كما قرر أهل الشأن وزيد في الإطناب مدحا بوصف الأخيار .

فأخلصهم الرب ، جل وعلا ، أن اختصهم بخالصة نكرت تعظيما ، كما يقول بعض المحققين ، ثم جاء البيان على جهة البدل أو عطف البيان ، بـ : (ذِكْرَى الدَّارِ) ، ودلالة "أل" في "الدار" ، مئنة من العهد ، فهي دار مخصوصة وهي الدار الآخرة ، فكان تذكرهم للدار الآخرة مئنة من الاجتهاد في الطاعة والعبادة وتلك أعظم منة يمتن بها رب العزة ، تبارك وتعالى ، على من شاء من خلقه وأولى الناس بها الأنبياء ، عليهم السلام ، ومن سلك جادتهم فهم الأعلم بالله ، جل وعلا ، ومن كان به أعلم كان له أتقى .

والله أعلى وأعلم .

كلمات البحث

العاب ، برامج ، سيارات ، هاكات ، استايلات


رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:23 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant