![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
مما تقرر في المنقول والمعقول معا أن المخلوق هو الذي يفتقر إلى الخالق ، فهو يَفْتَقِرُ إليه إذ يقدره في الأزل ، وإذ يخلقه في الشهادة ، بالقدرة والحكمة ، وهو يفتقر إليه أن يدبر أمره بعد خلقه ، فَيُيَسِّرُ له من الأسباب ما يكلؤه ، فـ : (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) ، فذلك من القول في سياق التبليغ بإقامة الحجة ، وذلك استفهام يُفِيدُ النفي فمعنى الإنكار والإبطال فيه ظاهر فضلا عن إلجاء في الجدال أن يستنطق الخصم بالحجة فيشهد بنفسه على نفسه لا سيما وغالب البشر ، من آمن ومن كفر ، بما لهم من العقل المركوز في الفطرة قد أقروا أن لهذا الكون ربا يخلق ويدبر ، فـ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) ، فجاء الجواب يعين الفاعل ، على جهة التوكيد بالقسم المقدر ، والذي دلت عليه اللام الموطئة في "لئن" ، وثم توكيد آخر بلام الجواب ونون التوكيد المثقلة التي تدخل على المضارع في جواب القسم ، ودلالة المضارعة ، أيضا ، مئنة من ديمومة واستمرار ، وذلك آكد في تسجيل الاعتراف الذي يبطل شركهم في الإلهية إذ أقروا بالربوبية ، فضلا عن دلالة الشرط والتلازم العقلي فيه بين الفعل والجواب ، ذلك التلازم أمر يظهر ، وهو آكد في تقرير المعنى ، فثم ارتباط وثيق في اللفظ أن تجاورا ، وآخر في المعنى أن تلازما ، فأقروا بريوبية الخلق ، وجاءت الآية تقيم الحجة بربوبية التدبير ، فـ : (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) ، واسم الاستفهام "من" مئنة من عموم فالنفي في الجواب يتسلط على جميع الأفراد في الخارج إلا الرب الخالق الرازق ، جل وعلا ، فوحده من يكلؤ العباد ، وحسن أن يورد الفعل على حد المضارعة "يكلؤكم" ، فذلك مما قدم نوعه وحدثت آحاده ولا تزال إلى أن يرث الله ، جل وعلا ، الأرض ومن عليها ، بل إنك لو تدبرت لوجدت الدار الآخرة لا يستقيم أمرها إلا أن يحدث ، جل وعلا ، من آحاد فعله تدبيرا لشأنها ، فيحدث من آحاد التنعيم فضلا ، وآحاد التعذيب عدلا ، فتلك دار لا تفنى فلا ينقضي أمدها ، فلا يزال ربها ، جل وعلا ، يكلؤها بما اتصف به أبدا من وصف الكمال ، جلالا وجمالا ، ودلالة الباء في "بالليل" ، مئنة من الظرفية ، وقد عطف على جهة الطباق بالإيجاب بين الليل والنهار ، على وجه استغرق شطرى القسمة الزمانية ، فَلَيْلٌ وَنَهَارٌ هما ظرفا الإيجاد والتدبير ، فاستغرقهما السياق وذلك آكد في تقرير الحجة ، وقدم الليل فهو الأصل ، كما في قوله تعالى : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) . وجاء الفعل أمرا ، فـ : "قل" ، وذلك من قول النَّبِيِّ في سياق التبليغ ، من وجه ، وفي سياق التحدي ، من وجه آخر ، استنطاقا للخصم بالحجة ، كما تقدم ، وهو يعم كل قائل في سياق الجدال للكافر ، فخطاب المواجهة يخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والمعنى يَعُمُّ كل مجادل عن الشرع فتلك قرينة العموم في البلاغ والبيان ، وإن خص منه صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحظ الأوفر ، إذ هو فيه الأول ، فثم قدر منه لا يشاركه فيه أحد ، وهو التلقي عن الوحي والبلاغ الواجب الذي يعم جميع المكلفين على جهة الإيجاب الملزم إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما قرر أهل الأصول ، وهو ما يجب في حق العالم ما لا يجب في حق الجاهل ، فلكلٍّ من التكليف ما يلائم حاله ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، من حكمة الرب ، جل وعلا ، أن أناط بكل محل من التكليف ما يلائم حاله ، فإذ كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأعلم بالحق ، والأفصح في النطق ، والأصدق في النصح ، فيجب عليه ما لا يجب على غيره من آحاد المبلغين ، وإن اشتركوا في أصل المعنى وهو مطلق البلاغ ، فذلك *** عام تندرج تحته آحاد ، فثم بلاغ الأنبياء ، عليهم السلام ، وهو الأكمل ، وثم بلاغ العلماء ، وثم بلاغ العامة ، فـ : "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً" ، وإن عم الأمر العالم وعامة الناس إلا أن التقييد بآية واحدة ينصرف إلى كل من علم من الدين شيئا ، ولو يسيرا ، فينصرف الذهن أنه من عامة المكلفين ، فعم السياق العالم والعامة كل بقدر ما يعلم ، فلا يسع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يسع العالم من أمته ، ولا يسع العالم ما يسع عامة المكلفين ، فكلما زاد العلم زاد التكليف فتلك أمانة الوحي التي لا يطيق حملانها إلا ذوو الفضل والمروءة ، فضلا عن كمال الديانة ، فلا تطيق حملانها النفوس الصغيرة التي اشترت العاجل بالآجل ، فاشترت الدنيا بالدين ، كما وقع من أحبار السوء الذين داهنوا سلاطين الجور طمعا في دنياهم ، وجاء المقول استفهام إنكار وإبطال ، وحسن في سياق التدبير إيراد اسم الرحمن ، فإن الرحمة العامة تستغرق جميع الكائنات ، ما عقل وما عجم ، وتستغرق جميع المكلفين ، الذكور والإناث ، الإنس والجان ، الموجود والمعدوم ، فدلالة الضمير في "يكلؤكم" ، وإن خص بالنظر في خطاب المواجهة ، من توجه إليهم الخطاب ، إلا أنه يعم بدلالة المعنى ، فمعنى الجمع فيه يستغرق من توجه إليه الخطاب ومن غاب ، ما كان مشهودا من قَبِيلِ الإنس وما كان مغيبا من قَبِيلِ الجان ، ودلالة "من" مئنة من البدل ، كما في قوله تعالى : (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ) ، ، أي : بدلها ، فكذلك الشأن في هذه الآية ، فمن يكلؤكم بدل الرحمن ، جل وعلا ، فلا أحد ، فذلك تقرير الربوبية ، وذلك معنى ينصرف إلى دلالة الجمال عناية ، وثم من جعل ذلك على تضمين الفعل معنى النصرة والحفظ ، فـ : من ينصركم ويحفظكم من الرحمن ، فتكون دلالة "من" دلالة ابتداء للغاية ، ويكون المعنى ، من هذا الوجه ، مئنة من الجلال ، فمن ينصركم منه إن أنزل بأسه وعذابه بكم ، وكلا الوجهين يصح على وجه يحصل فيه العموم في دلالة المشترك ، فـ : "من" على هذا التأويل مئنة من ابتداء للغاية ، على وجه الجلال ، ومئنة من البدلية على وجه الجمال ، والمعنى يختلف على كل تأويل بل وينقلب ، فمعنى الجلال ، من وجه ، ويرشحه ما تقدم مما حاق بالمستهزئين في الآية التي تقدمت هذه الآية : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ، ومعنى الجمال ، من آخر ، فيجري ذلك ، عند التدبر والنظر ، مجرى الأضداد فاللفظ الوحد قد دل على المعنى وضده ، الجلال من وجه ، وضده من الجمال من وجه آخر . ومن ثم جاء الإضراب انتقالا بالإنكار عليهم إذ أعرضوا عن تكليف الألوهية : (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) ، فحصل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة فذلك مما يعظم به النكير إذ عطلوا حق الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فإن أقروا بالربوبية فلازم ذلك في النقل والعقل أن ينقادوا لتكليف الألوهية فَيُقْبِلُوا على الذكر وَيَقْبَلُوه ، لا أن يعرضوا عنه وَيَرُدُّوهُ ، فحد المضرَب إليه على حد الاسمية ، وذلك آكد في تسجيل الجناية ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير "عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ" مئنة من الحصر والتوكيد ، وهو ، أيضا ، مما تعظم به الجناية ، ودلالة الذكر إذ أضيفت إلى الرب ، جل وعلا ، تحتمل ، فهي تحتمل إضافة الفعل إلى المفعول بالنظر في فعل العبد إذ يذكر الرب ، جل وعلا ، وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما يعم ، فلا يستغرق الذكر المتبادر إلى الذهن ، ذكر اللسان ، وإنما يعم جميع أجناس الذكر ، المنطوق والمفهوم ، المعقول والمحسوس ، فَثَمَّ ذكرُ الجنان تصورا وإرادة ، وذكر الأركان نطقا بالقول وشهادة بالعمل ، فهو الذي يصدق دعوى اللسان ، وهو تأويل ما يقوم بالجنان من التصور ، فالحكم في الخارج يصدق التصور في الجنان ، فيشهد له بالصدق إن وافقه ، ويشهد له بالكذب إن خالفه ، فالقياس يطرد وينعكس ، وذلك ذكر يعم ، من وجه آخر ، جميع محال التكليف وجميع أحواله ، ما خص وما عم ، ويعم جميع طرائق الدين والخضوع ، في المعقول والمحسوس ، في أمر الشريعة حكما ، وفي أمر السياسة نهجا ، فَلَا يخالف في أية حال ، وذلك مفهوم الذكر الأعم الذي يواطئ مفهوم الدين الأعم ، الذي يستغرق جميع أجناس الخضوع والانقياد ، وهو أمر ينشأ في الباطن ثم لا تلبث آثاره أن تظهر في الخارج ، فيكون انقياد الظاهر فرعا على انقياد الباطن ، من وجه ، ويكون تصديقا له ، من وجه آخر ، بما يستوفي أركان الحقيقة الإيمانية المركبة من باطن التصديق والإرادة ، وظاهر القول والعمل ، وحسن أن يورد اسم الرب ، فذلك ما يواطئ صدرَ الكلام إذ يكلؤهم بوصف ربوبيته خلقا وتدبيرا ، اختراعا وعناية بوصف الجمال والحكمة ، فضلا عن جلال القدرة أن يخلق ويوجد على ما قضى في الأزل ، فينتظم أمر الأبدان إذ يكلؤها الرحمن ، عز وجل ، بقدره الكوني ، وينتظم في المقابل أمر الأديان إذ يكلؤها الرحمن ، تبارك وتعالى ، بقدره الشرعي ، والإضافة ، من وجه آخر ، تحتمل إضافة الفعل إلى الفاعل ، وهو ذكر الرب الشارع ، جل وعلا ، وفحواه هو كلامه الذي أَنْزَلَهُ على قلوب رسله ، عليهم السلام ، فَثَمَّ الأخبار الصادقة والأحكام العادلة ، وثم ما خص الفرد من عقد الجنان وشرائع الأركان ، وثم ما عم من سياسات الحكم في السلم والحرب ، فذكره ، من هذا الوجه ، وصف فعل بالنظر في آحاده التي نَزَلَتْ تَتْرَى لِتَسْتَغْرِقَ جميع النوازل بِاللَّفْظِ أو بِالْمَعْنَى ، فهم عن هذا الذكر معرضون ، ودلالة اسم الفاعل "معرضون" دلالة المضارع ، الرباعي "أعرض" ، وإن كان أضعف منه في العمل ، وقد أطلق الوصف فاستغرق جميع أجناس الإعراض ، وهو المعنى الذي اشتق منه الاسم ، فإعراض عن السمع ، وإن سمعوا فإعراض عن الاستماع والتدبر ، وإن فقهوا المعنى فإعراض عن العمل ، ولذلك كان من أجناس الكفر : كفر الإعراض عن دين الله ، جل وعلا ، لا يتعلمه ولا يعمل به فهو معرِض عنه ناكل ، ولحكمه مبغض كاره إذ يفوت عليه جملة من الحظوظ فأنى ينفعه تصديق باطن ، وهو قد تلبس بهذا الوصف الناقص ؟! ، وهذا المعنى مما يتفاوت في الخارج ، فثم إعراض ينقض أصل الدين ، كالإعراض عن النظر في حجته لمن ليس من أهله مع بذلها ويسر تناولها ، فهو يبغض كل ما يحول بينه وبين استيفاء حظوظه العاجلة ، فيخشى الدخول طوعا في ربقة التكليف ، فهواه قد صار إلها ينازع الوحي منصب التشريع ، فيدخل من هذا الوجه في عموم الإنكار في قول الرب جل وعلا : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، فذلك من الاستفهام الإنكاري ولا يخلو من معنى التعجب ، فانظر في حال من اتخذ إلهه هواه فهو الحاكم الذي يقضي بما يحفظ له حظوظه ويستجلب له من لذاته وشهواته ما يسكن فُؤَادًا فاسد التصور يظن سلامته في عين المهلكة من الشهوة المفرطة ، لا سيما شهوة الجاه والرياسة ، فهي ، كما تقدم مرارا ، من أعظم ما صد الناس عن اتباع الحق ، فكلما عظمت الحظوظ الدنيوية قعدت النفس أن تنهض بالواجبات الدينية لا سيما إن تعارضت مع الحظوظ فكثير من النفوس تخذل بالعدل فتقدم الحظ على الشرع ، ومن سدد وهدي بالفضل فإنه ينظر في حقائق الأشياء ، فلا يخدعه الظاهر أن يتدبر مآله في هذه الدار ، فـ : (إِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) ، فذلك من جعل التكوين النافذ الذي حسن أن يورد مورد الجمع مئنة من التعظيم في سياق جلال بالإفناء ، فضلا عن دلالة التوكيد بالناسخ ، واللام المؤكدة في "لجاعلون" ، فقد كانت لام ابتداء ثم زحلقت فأخرت لئلا يجتمع صدر الكلام لفظان لهما نفس الدلالة فيكون ذلك إطناب بلا طائل فهو يمل السامع فضلا أنه يثقل النطق ، وثم ، أيضا ، دلالة عموم في الموصول "ما" فهي مئنة من الشمول الذي يستغرق كل ما على الأرض ، فذلك مما يفطن له العاقل المسدد فلا ينخدع به ، بادي الرأي ، بل هو ساع أن يتدبر مآل هذه الزينة في هذه الدار ، وأن يتدبر ما بعد هذه الدار : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، فثم طباق استغرق شطري القسمة ، مذكورا ومحذوفا دل عليه المذكور المتقدم على تقدير : يومئذ تبدل الأرض غير الأرض والسماوات كذلك ، فذلك من الإيجاز في تقدير المحذوف ، إذ يخالف الأصل ، فالأصل عدم الحذف وعدم التقدير ، فإن تفاوت التقدير بين زائد وآخر ناقص فهو أوجز على وجه لا يخل بالدلالة على المعنى ، فالأنقص هو الأوجب في التقدير ، كما ذكر بعض المحققين ، فتغيرت الحال ، فأرض غير الأرض ، وسماء غير السماء ، فثم دار أخرى لها من الأحكام ما يخالف أحكام هذه الدار ، وذلك مقتضى الحكمة أن يكون لكل محل من الأحكام ما يلائم أوصافه ، فهي أرض قد استوت فَبَرَزَ الخلق فيها وظهر ، فَبَرَزُوا ، وذلك عموم لا مخصص له ، وحسن الثناء بأوصاف الجلال فذلك مما يلائم موقف ا***اب والجزاء ، فـ : (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) ، فذلك من تنوين العوض عن جملة دل عليها السياق المتقدم ، فَيَوْمَ إذ يقع ما تقدم من وقائع الواقعة تعرضون ، وقد حذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فَيَعْرِضُهُمُ الرَّبُّ ، جل وعلا ، عليه فهم يعرضون على ربهم ، جل وعلا ، فثم عرض ا***اب جملة ، فهو ا***اب اليسير ، وثم عرض التفصيل ، فـ : "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ" ، فذلك في نفسه عذاب إذ يوقف العامل على جميع ما عمل فيكون اللوم والتوبيخ على ما اقترف من التقصير ، فضلا أن ذلك لا يكون إلا في حق من قضى ، جل وعلا ، بالعدل أن يعذب ، سواء أكان عذابه العذاب المؤبد ، فهو الكافر ، أم كان العذاب المؤقت ، فهو صاحب الكبائر التي لا تنقض أصل الدين وإن نقضت كماله الواجب ، وَانْتَفَى في حق صاحبها أي مانع من موانع نفاذ الوعيد فوجب في حقه العذاب ، من هذا الوجه ، وإن كان عذابه ابتداء من الجائز فهو تحت المشيئة ، وكل جائز في العقل فإنه يَفْتَقِرُ إلى مرجح في الخارج ، يُثْبِتُ أو يَنْفِي ، فقد يرجح طرف العفو بالفضل فيكون ثم مانع من موانع نفاذ الوعيد ، وقد يرجح ، في المقابل ، طرف الأخذ بالعدل فلا يكون ثم مانع من موانع نفاذ الوعيد ، فيكون العذاب المؤقت ، وسياق الخبر ، لو تدبر الناظر ، يستغرق كلا الوجهين ، فثم نقاش الكافر وهو أشد وعذابه مؤبد ، وثم نقاش صاحب الكبيرة إن لم يشأ الله ، جل وعلا ، له نجاة بمانع من موانع نفاذ الوعيد فجرى فيه حكم العدل ، وهو نقاش أخف من نقاش الكافر ، وكذا عذابه فهو أخف ، فذلك العذاب المؤقت الذي به يحصل التطهير إذ معه أصل التوحيد الذي شابه من الشرك ما كدره فاقتضى العدل واستوجبت الحكمة ما يطهره فيذهب عنه الكدر وينفي عنه الخبث فإذا طهر بكير العذاب خرج إلى الجنان فلا عذاب بعد ذلك ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو من فضل وإن كان ظاهره الجلال بالأخذ بالعذاب ، فالعذاب في حق الموحد رحمة أن يطهره مما لحقه من خبث العصيان ، وهو ، بداهة ، مما لا يطيق أحد ، فلا يجترئ على العصيان إلا من سفه نفسه ، فهو يذلها أن يتعرض لبلاء لا يطاق ، فالأولى بالعاقل أن يجتنب أسباب العذاب ، مؤبدا كان أو مؤقتا ، فالدفع أولى من الرفع ، والوقاية خير من العلاج ، كما يقول أهل الشأن ، فعموم الشرط ، من هذا الوجه ، يستغرق كلا الوجهين ، مع اختلاف الحقائق في الخارج فالعذاب المؤبد يغاير في الحقيقة العذاب المؤقت ، وإن اشتركا في ال*** العام وهو معنى العذاب الذي أطلق في الذهن ، فإن نُظِرَ في هذا ال*** العام ، فالأمر يجري مجرى الاشتراك المعنوي ، وإن نُظِرَ في الحقائق في الخارج ، فالأمر يجري مجرى الاشتراك اللفظي ، فالحقائق تختلف في الخارج ، وعلى كلا الوجهين فإن ذلك مما يستأنس به من يجوز عموم المشترك في الدلالة ، وقد حذف الفاعل في الشطرين للعلم به ، بداهة ، فهو الرب ، جل وعلا ، الذي يحاسب ويجزي بالفضل إن عفا ، والعدل إن أخذ ، فلا ظلم ، فـ : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ) ، وفعل التعذيب ، من وجه آخر ، قد يصح إسناده إلى الملائكة ، لا أنهم من يستقل بالفعل من كل وجه ، ولكن ذلك يجري مجرى إسناد المسبَّبِ إلى السبب على وجه لا يخرج عن إرادة التكوين العامة ، فَيُشْبِهُ ، من وجه ، نسبة الإنبات إلى المطر ، فهي تصح بالنظر في معنى السبب فذلك من سنن الكون النافذ ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يخرج عن قدر الرب الخالق ، جل وعلا ، فهو الذي خلق السبب ، وهو الماء ، وهو الذي خلق المحل وهو البذر ، وهو الذي أودع فيه الجنين ، وهو الذي أودع في السبب ما يبث مادة الحياة في جنين البذر الميت ، فيدخل ، من هذا الوجه في عموم : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) ، كما أن البذر الميت يخرج بعد ذلك من الشجر الحي ، ومثله ما يكون من خلق الأجساد الحية من النطف الميتة ، وخروج النطف بعد ذلك من بين الصلب والترائب ، فالسنة الربانية في الخلق واحدة ، وجميع الأسباب فيها ترجع آخرَ أمرها إلى السبب الأول وهو كلم التكوين النافذ أَثَرُ الوصف الفاعل في الخلق والرزق والتدبير ..... إلخ من أفعال الربوبية . وفي سياق آخر : "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ" ، فإن الهلاك مما أجمل إذ يحتمل الفناء ويحتمل العذاب ، فجاء سياق الخبر الأول يخصصه إذ قصر اللفظ على الإهلاك بالعذاب لا الفناء ، فلا فناء في الدار الآخرة ، إن في دار العذاب المحض ، نار الكفار المؤبدة ، أو دار النعيم المحض ، دار المتقين في الجنة ، وإنما يكون الفناء لنار العصاة من أهل الكبائر من الموحدين لمن شاء ، جل وعلا ، أن يعذبه بقدر ما اقترف فإذا خرجوا جميعا فنت هذه النار إذ لا يسكنها أحد خلافا لنار الكفار والمشركين فهي نار مؤبدة ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى الترجيح بين وجهين يحتملهما اللفظ بظاهره فذلك من الجائز الذي يفتقر إلى مرجح من خارج ، فجاء السياق الآخر ليرجح معنى العذاب على معنى الفناء ، فثم إجمال في دلالة المشترك لا يزيله إلا قرينة لفظ سواء أكان في نفس السياق أم في سياق آخر ، أو دلالة عقل في المواضع التي يصح فيها استعمال القرينة العقلية ، فخرجت أخبار الغيب إذ العقل لا يستقل بدرك حقائقها في الخارج ، وإن أدرك معانيها المطلقة في الذهن فلا يجري فيها القياس على مشهود ، فهو قياس مع الفارق ، فالعقل لا عمل له في موضع كهذا إلا أن يتدبر معاني الألفاظ بما ركز فيه من قوة النظر الصريح الذي يأرز إلى منطق صحيح : منطقِ العربية التي ورد بها التنزيل . فحذف الفاعل في : (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) ، فالعارض هو الرب الخالق القادر ، جل وعلا ، وثم تقييد بحال : (لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) ، وبها يكون الاحتراز من الخفاء أو الجهل ، فالرب ، جل وعلا ، يعلم كل ما كان من الخلق ، فضلا أنه مما سُطِرَ في كتب الحفظة فهي الشاهدة ، فـ : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فيشهد الكتاب الأول بما سطر فيه من المقادير ، ويشهد كتاب الحفظة ، فنسبته إلى الرب ، جل وعلا ، نسبة التشريف والتعظيم ، فضلا أنه يرجع آخر أمره إلى ربه ، جل وعلا ، فجاءت الحال : (لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) ، وثم عموم استغرق إذ النكرة "خافية" في سياق النفي مئنة من العموم ، وقد قدم الجار والمجرور "منكم" فكان وصفَ النكرة فصار بالتقديم حالا ، كما يقول بعض المعربين ، وذلك أصل يطرد في اللسان فضلا عن دلالة في المعنى تطرد في مثل هذه المواضع ، إذ تقديم ما حقه التأخير ، مئنة من الحصر والتوكيد ، فحق الوصف أن يتأخر عن الموصوف ***ا تقدم أعرب حالا ، ولما تقدم حَصَرَ المعنى وَأَكَّدَهُ . ومن ثم جاء الإطناب على جهة التفصيل بـ : "أما" ، ولا تخلو من دلالة الشرط ، فاستغرق التفصيل أجزاء القسمة في الخارج ، فـ : (أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) ، فحسابه يسير كما ورد في موضع آخر ، فـ : (أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) ، فذلك ا***اب اليسير الذي خص عموم الخبر : "مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ" ، فذلك معنى يعم فهو يستغرق جميع أنواع ا***اب ، فجاء الخبر أن : "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ" ، جاء يخص ذلك ، فهو نوع من ا***اب يكون فيه التفصيل والتدقيق ، خلاف للعرض اليسير إجمالا بلا تفصيل في الوقائع ، واليمين مئنة من الزيادة والبركة ، فذلك شطر ، وأما الشطر الآخر والذي ورد على حد المقابلة بالنظر في السياق المركب ، وعلى حد الطباق إيجابا بالنظر في الألفاظ المفردة ، وأما الشطر الآخر فهو : (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) ، فالشمال ، في المقابل ، مئنة من النقص والشؤم لا جرم لم يشرع استعمالها في أمور الدنيا إلا في الأفعال الناقصة والمواضع المفضولة لا الفاضلة . فجاء الاستفهام في قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) تعجبا من تلك الحال ، حال من اتخذ الهوى إلها يعبد ، وإن لم يصرح بذلك ، فتلك ألوهية الطاعة أن يستجيب لداعي الشبهة والشهوة لا سيما إن وافقت له حظا من جاه أو رياسة فَتَتَعَاضَدُ الشبهة والشهوة معا ! ، فيعظم الفساد بنقص في قوة العلم تصورا ، وقوة العمل حكما ، وقد عم الإنكار فتلك دلالة الموصول ، فعم من أطاعه على وجه ينقض أصل الدين ، ومن أطاعه على وجه ينقض كمال الدين الواجب ، كما أن الإعراض ، وهو محل الشاهد ، منه ، كما تقدم ، إعراض ينقض أصل الدين ، فثم آخر يقابله في القسمة فهو ينقض كمال الدين الواجب ، أيضا ، فتلك دلالة عموم على جهة الاشتراك في لفظ واحد تَتَعَدَّدَ حقائقه في الخارج وإن كان ثم معنى واحد أطلق في الذهن ، فآحاده في الخارج تختلف ، ومن ثم عطف بما يجري مجرى التلازم بين المسبَّب والسبب ، فسبب العدول عن الحق واتخاذ الهوى إلها يطاع فهو يحكم ويشرع ، سواء أكان عقل الفرد أم عقل الجماعة إذا حادت عن جادة الرسالة ، سبب هذا العدول ما يكون من حكم العدل أن أضله الله ، جل وعلا ، على علم ، فقيد بالحال : (عَلَى عِلْمٍ) ، وهو مما يحتمل أن الله ، جل وعلا ، قد علم أزلا فساد المحل فقضى عليه بالضلال عدلا ، أو أن الله ، جل وعلا ، قد أعلمه بالحجة ، فأعرض عنها ، فيدخل ، من هذا الوجه ، في عموم : (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) ، ومن ثم أطنب في بيان السبب فكان الضلال أن حجبت موارد ا*** والإدراك وإن صحت الآلات على وجه تحصل به حجة البيان والإرشاد ، فـ : (خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَة) ، فذلك من الختم والجعل الكوني ، وقد أطلق فعل الختم فعم ، من هذا الوجه ، ونكرت الغشاوة فهي عظيمة ، فدلالة التنكير في هذا السياق دلالة تعظيم ، فضلا عن دلالة التوكيد بتقديم ما حقه التأخير وهو المحل الذي جعلت عليه الغشاوة ، فتخلف سبب الهداية الأخص ، هداية الإلهام والتوفيق ، فـ : (مَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ) ، فذلك استفهام ضمن معنى النفي ، وقد ورد الجواب في سياق آخر في التنزيل الخاتم ، فـ : (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) ، وذلك مقتضى العدل فما ظلمهم الرب ، جل وعلا ، كما تقدم ، فقد علم المحل الصالح فيسر له أسباب الصلاح ، وعلم ، في المقابل ، المحل الفاسد ، فيسر له أسباب الفساد ، فكلاهما يدخل في عموم : "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ، فَيَجْرِي الجواب في نحو قوله تعالى : (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ، يجري ، من وجه ، مجرى بيان التَّنْزِيلِ بمثله ، فما سئل عنه في موضع أجيب عنه في آخر ، ومن ثم جاء الاستفهام إنكارا وتوبيخا : (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، وهو ما يحسن معه تقدير محذوف يزيد في الدلالة كأن يقال : أغفلتم فلا تتذكرون ؟! ، وهو ما يجري على الأصل أن يتصدر العاطف فلا يتقدم عليه شيء ولو همزة الاستفهام التي خصت في قول آخر بجملة من الأحكام إذ هي أم الباب فجاز لها ما لا يجوز لبقية الأدوات من التقدم على العاطف فلها الصدارة مطلقا ولو على العاطف خلافا لبقية الأدوات فلها الصدارة مطلقا إلا على العاطف ، كما في قوله تعالى : (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) ، و : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ، فتقدمت الفاء العاطفة على اسمي الاستفهام "أين" و "هل" في هذين الموضعين . وقبل الآية ، محل الشاهد ، آية : (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) ، قبلها جاء تقرير آخر لسنة من سنن الكون النافذة ، فـ : (لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ، فذلك مما اطرد فحسن توكيده باللام ، سواء أكانت لام الابتداء على القول إنها مما يدخل على الجملة الفعلية أم كانت لام جواب دلت على قسم مقدر على تقدير : والله لقد استهزئ ..... إلخ ، وزد عليه دلالة التحقيق إذ دخلت "قد" على الفعل الماضي ، ووردت النكرة "برسل" في سياق الإثبات ، وزيدت "من" توكيدا في : (مِنْ قَبْلِكَ) ، فكان ذلك فعل المكذبين ، فحسن في سياق التقرير للسنة الجارية في العالمين ، سنة الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، حسن العطف بالفاء في قوله تعالى : (فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ، فذلك آكد في تقرير المعنى ، وهو ، من وجه آخر ، آكد في النكاية ، فضلا عن دلالة الوعيد ولا تخلو من دلالة تحذير بطرد السنة وعكسها كسائر الأحكام المعقولة التي أنيطت بمعان مفهومة يدركها العقل ، فالحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ، فحكم العذاب الذي دل عليه الخبر : (فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ، قد أنيط بفعلهم إذ استهزءوا ، وقد حذف الفاعل في : (اسْتُهْزِئَ) ، تحقيرا لشأنه وإهمالا له ، فضلا عن عظم الجرم فهو مناط الذم لا أعيان الفاعلين ، ولا يخلو ذلك من دلالة المشاكلة في الجزاء أن كان من *** العمل فتلك دلالة الجناس بين : (اسْتُهْزِئَ) ، و : (يَسْتَهْزِئُونَ) ، فأنيط الحكم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة : (سَخِرُوا مِنْهُمْ) ، وذلك ، لو تدبرت ، يجري مجرى المقابلة في الجزاء بما يواطئ الفعل في أصل المعنى المطلق في الذهن دون آحاده في الخارج ، فيجري مجرى : (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) ، فكانت المشاكلة في أصل المعنى ، وكان التباين في الخارج ، إذ شتان وصف الرب ، جل وعلا ، وصف العدل والحكمة أن جَزَى الساخر من *** عمله ، فشتان هذا الوصف ، ووصف من سخر فقد ظلم على وجه ينقض أصل الدين ، فالاستهزاء بالشرع يخرج الإنسان من حد الإيمان إلى حد الكفر ، فـ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) . ودلالة "حاق" وفيها معنى الإحاطة والتأثير ، كما في بعض المعاجم ، هذه الدلالة آكد في النكاية وهو ما يحسن في مواضع الوعيد التي لا تخلو ، كما تقدم مرارا ، من دلالة تحذير بإجراء القياس الصريح طردا وعكسا ، فمن وافقهم حاق به ما حاق بهم ولو بالنظر في ال*** العام المطلق من العذاب ، فذلك مقتضى العدل ، ومن خالفهم لم يحق به ما حاق بهم بل نجا وصار من أهل الضد ، من أهل الوعد بالخير بمقتضى الفضل . ودلالة الكينونة الماضية في : (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ، آكد في تسجيل الجناية فقد كان ذلك وصفهم الدائم ، *** يكن عرضا أو سهوا ، وإنما قصدا وعمدا فاستحقوا الوعيد من هذا الوجه ، فذلك آكد في تقرير المعنى من قولك في غير التنزيل : فحاق بهم ما استهزءوا به . وبعد الآية ، محل الشاهد ، جاء الإطناب بما يقرر المعنى ويزيده توكيدا : (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) ، فجاء إضراب آخر : (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا) ، فتلك "أم" المنقطعة ودلالتها دلالة الإضراب بـ : "بل" ، فمن يكلؤهم بدل الرحمن ، ألهم آلهة : تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ، وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى النفي والإبطال ، فحسن الاستئناف بما يدل على عجزهم ، فـ : (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) ، فاستوفى السبر والتقسيم أجزاء القسمة فلا ناصر لهم من أنفسهم ولا ناصر لهم من خارج ، وقد حد على جهة التعظيم في "مِنَّا" فذلك آكد في تقرير قدرة الرب ، جل وعلا ، في مقابل عجزهم أن ينصروا أنفسهم ، فكيف ينصرون غيرهم وهم يفتقرون إلى النصير ؟! ، ففاقد الشيء لا يعطيه ، وتلك دلالة إلزام صحيحة في العقل الصريح ، وهو ، كما تقدم ، آكد في تقرير الحجة باستنطاق الخصم باعتراف يضطره إليه الجدال المحكم ضرورة عقلية قاطعة ، فلا يعارض في دلالته إلا جاحد ينكر أو مسفسط يهذي ، وكلاهما ، بداهة ، لا حجة له تصمد لحجة التنزيل المحكمة . والله أعلى وأعلم . ??????? ??????: من آية : (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ...............) || ??????: rss || ??????: اسم منتداك
|
![]() |
|
|