![]() |
الدين والدولة
الدين والدولة
النِّزَاعَ بَيْنَ مفهوم الدولة الدينية الروحية والدولة السياسية الزمانية نِزَاعٌ مزمن اشتكت منه الأمم التي لم تعرف حكم النبوة فكان الميل الجارف والعداء المستحكم بين الدين والدولة ، فَثَمَّ من مال إلى الكهنوت فجعله الحاكم المهيمن ، وهو ما ألجأ الساسة في أحيان أن يهادنوا سلطان الباباوية مع تربص كلٍّ بالآخر وإن ظهر ، بادي الرأي ، أن ثم تقاسما في النفوذ فلا يخلو من صراع ، ولو مكتوما ، كما يكون بين الأجنحة المتصارعة في أي نظام سياسة وحكم لا يحكم بالحق ، فإنه يحكم الناس بما يحقق **الحه ويحفظ مكاسبه فكان إشكال الدولة الدينية ، دولة رجال الدين الذين احتكروا الحق باسم الله ، جل وعلا ، وإن لم يحكموا بما أنزل الله ، جل وعلا ، من الوحي ، إلا ما وافق أهواءهم فهم كأهل المحدثات والبدع يكتبون ما لهم ولا يكتبون ما عليهم ، وكان في المقابل إشكال الدولة السياسية الزمانية التي تروم الانعتاق من ربقة الكهنوت لتحقق السيادة التامة سواء أكانت دولة ديكتاتورية أم دولة ديمقراطية ، فهي تنزع إلى مرجع آخر في مقابل مرجع الكهنوت فتتخذ العقل الفردي أو العقل الجمعي مرجعا في التصور والحكم فهو ينكر أي مرجع يجاوزه من خارج وهو مرجع الدين الذي يأرز إلى الوحي ، فقد استبد به الكهنة وبدلوا منه ما بدلوا ، فكان تبديل اللفظ في الرسم ، وتبديل المعنى في الذهن ، وكان هذا الاستبداد مادة صراع بين الشعب والدولة بِحِزْبَيْهَا : ح** السياسة وح** الدين ، ومادة صراع بين الح**ين : الديني والسياسي إذ لكلٍّ من ال**الح ما عنه ينافح ، وهذا أنموذج فشا في المركز في عصوره الوسطى إذ خيم الظلام على أجوائه فكان استبداد الكنيسة وتعسفها في مقابل أية حركة عقل نافعة في علوم اللاهوت فهي تَنْقُدُهُ سواء أكان النقد بريئا فهو حركة إصلاحية أم متهما بالعلمانية اللادينية ، مع أن الحركات الإصلاحية البروتستانتية التي غلب عليها العرق الأنجلوساكسوني كانت قنطرة عبرت عليها العلمانية اللادينية فقد أبانت عن عوار عظيم في دين الكنيسة وكتابها المقدس فأعطت العقل فسحة بعد استبداد قَيَّدَ حركته ، فَانْتَقَلَ الشعب من مركزية الكهنوت إلى مرحلة الإصلاح البروتستانْتِيِّ الذي اجترأ فَلَامَسَ بِنَقْدِهِ مواضع محظورة في دين الكنيسة ، سواء أكان ذلك خارجا من رحم نصراني أم كان مدفوعا من أَطْرَافٍ يهودية خفية تحمل حقدا تاريخيا على المرجعية الكاثوليكية ، فقد نجحت عناصر منها أن تَتَسَلَّلَ إلى مراكز التحكم والسيطرة في الكنيسة الكاثوليكية وأن تخترق ثغرات عظيمة في الفكر والسياسة ، ففضحت فساد الكاثوليكية إذ دخلت في جسمها الفاعل دخولَ الجاسوس في صفوف العدو فإنه يَتَحَصَّلُ على معلومات دقيقة تسهل عليه هدم البناء من الداخل ، وتلك طريقة يهودية ماكرة استعملها بولس أو شاءول الطرسوس إذ نجح في ****** الصف النصراني الأول وأدخل فيه ما أدخل من ثقافات أرضية خرجت بِالنَّصْرَانِيَّةِ من عباءة الوحي السماوي ، بل وخرجت به عن جوهر التوحيد فصار دين تَثْلِيثٍ وتشريك ، فكان هذا المكون الْوَثَنِيِّ الحادث مما أفسد دين المسيح النازل ، فَبَدَّلَ من ألفاظه وَحَرَّفَ من معانية ما بدل وحرف ، ثم كانت الهجمة الوثنية الثانية لما اعتنق الرومان النصرانية المبدلة فوجدوا فِيهَا من الغلو في الصور الأرضية ما يواطئ إرثهم الفكري الوثني ، وزادوا فِيهَا مادة وثنية جديدة فَزَادَ الانحراف في الكاثوليكية فهي الانحراف الثاني بعد الانحراف الأول على يد بولس ، ثم كان ****** الكاثوليكية في المرحلة الوسيطة على مشارف عصر النهضة ، فكان الطرح البروتستانتي الإصلاحي الذي استخدم معايير جديدة في نقد النصوص على يد مفكرين عَلْمَانِيِّينَ تأثروا بنقد الفكر الإسلامي للفكر النصراني ، *** يكن لهم من مركزية الرسالة ما للإسلام ، فكانت المركزية في الفكر العلماني هي العقل الذي يأبى الانقياد لأي مرجع يجاوزه من خارج سواء أكان وحيا صحيحا أم محرفا ، فاستعان بآلة نقد صحيحة ليزيف باطل الكاثوليكية ، ولكنه لم يخرج عن نطاق الوضع المحدث ، فإن الكاثوليكية وضع محدث تَوَلَّدَ من عقول الكهنة ورجال الدين الذين احتكروا الكلام باسم السماء ، فَزَادُوا في الوحي ما يواطئ أهواءهم ويحفظ مكاسبهم الأدبية والمادية ، والبروتستانتية لم تَزِدْ أن تبطل الكاثوليكية فنجحت في ذلك ولكنها لم تخرج بالعقل من الاستبداد الأرضي وإن انتقلت به إلى طرح وسيط أحدث زلزالا في الكنيسة فاجترأ العقل أن ينفلت من عقالها ولكنه كعادة من يغلو في رد الفعل لم يحسن استثمار هذا النقد أن يحرر محل النزاع ويهتدي إلى القول الصواب فيرد الأمر إلى الوحي الصحيح الناصح من زيادات البشر ، فخرج من استبداد الكنيسة والسياسة إلى طرح وسيط أُعْطِيَ فيه العقل فسحة أن ينظر ويتدبر دون وصاية من الكنيسة ، ولكنه لم يهتد إلى الصواب فقد خاصم الضفة الأخرى ضفة الشرق لما ورث من تَرِكَةِ الصليبية فهي تَرِكَةٌ حملها الكاثوليك ، وحملها خصومهم من البروتستانت ، وحملها خصوم الدين من العلمانيين في مُفَارَقَةٍ عجيبة ، فقد اختلفوا وتقاتلوا ولكنهم أجمعوا على عداوة الوحي ! ، فتجد أوروبا في أفحش صور العلمانية ضد الدينية تخاصم الشرق باسم الدين فهي تَتَبَجَّحُ بأصول ثقافتها المسيحية مع أنها ما ثارت إلا عليها وما عزلت إلا رجالها الذين صادروا فكرها وكانوا عائقا رئيسا أمام نهضتها المدنية الحديثة ، وذلك إشكال رئيس في العقل الأوروبي يدل على جهل عظيم بالوحي فَلَمْ يدركوا منه إلا صورة الاستبداد الديني الذي تحالف مع الاستبداد السياسي ، وهو ، مع ذلك ، يدل على تعصب يجعله يستحضر صورة يبغضها إذا ما خُيِّرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صورة الوحي الذي نَزَلَ من السماء يأمر بالتوحيد فهو ، إن تدبر الناظر ، مادة تحرير للعقل يعتدل بها مزاج الإنسان فلا يغلو في ردود الأفعال كما وقع في أوروبا بعد قرون الاستبداد الديني والسياسي ، فكان رد الفعل أن انتقل من فعل الكهنوت والاستبداد إلى رد فعل العلمانية اللادينية التي غلت في تقديس العقل بعد زمان طال فيه استرقاقه باسم الدين زورا فَقَدْ وَقَعَ فِي رق دين يُبَدِّلُ لا في رق دين يُحَرِّرُ ، فكان دين الكنيسة الذي احتكر أدوات المعرفة وحظر الاجتهاد إن في دين أو في دنيا ! ، فرام تجهيل العقل لتسهل السيطرة عليه ، وتلك طريق المستبدين في الحكم فكلما كان الشعب أجهل وأفقر وأضعف كان حكمه أيسر ! ، فكان رد الفعل لهذا الغلو في الاستبداد والتقليد أن غلا العقل في ضده فَرَامَ الاجتهاد بلا قيد من الوحي العاصم الذي يضبط حركة العقل فلا يخرج عن منهاج العدل الذي أمر به الرب ، جل وعلا ، فمادته مادة اعتدال في حركات الباطن وحركات الظاهر ، سواء أكانت من العقائد أم من الشرائع والسياسات ، فثم عدل التوحيد في العقد الباطن ، فهو أول ما يجب فرضا ، وهو ، من وجه آخر ، شرط الصحة لما بعده من حركات التكليف والاختيار ، تصورا أو حكما ، فالتوحيد في التصور عدل بين التعطيل والتجسيم في الإلهيات ، وعدل بين الغلو والجفاء في النبوات ، *** يكن ثم قدح في النبوة كما قدح يهود إذ نَبَزُوا الأنبياء ، عليهم السلام ، بأوصاف لا تليق بآحاد البشر ، ولم يكن ثم غلو كما غلا النصارى في المسيح ، عليه السلام ، والتوحيد في المرجع الذي تستمد منه الشرائع ، وسط بَيْنَ غلو رجال الدين في الأديان المبدلة والمذاهب المحدثة فلا يَنْفَكُّ فيها الأمر أن يخرج عن رجال يدعون احتكار الحقيقة المطلقة ويخفون من الحق ما يعارض أقوالهم ، فما أحدث أحد في الدين والشرع إلا سعى في كتمان ما يخالفه إذ يفضح زيف مقاله فإما أن يكتم الحق الذي يبطل قوله ، وإما أن يُنْكِرَه فَيَسْعَى في إبطاله ، فلا يؤمن بالوحي ابتداء ، أو يؤمن به إجمالا فيتحكم في قبول ما يوافقه ورد ما يخالفه ! ، فمعيار التصحيح والتضعيف هو ما يوافق هواه ، فحقيقة الأمر أن العقل هو الحاكم وإن أظهر تعظيم الوحي إذ تحكم *** يقبل منه إلا ما يوافق قياسه ، فانتقل المرجع من مركز الوحي إلى مركز العقل وإن شئت الدقة فَقُلْ إلى مركز الهوى ، فإن القياس الصريح لا يعارض النقل الصحيح ، كما يجد الناظر في مسألة عمت بها البلوى في هذه الأعصار أن يوضع الوحي في شق ، وتوضع الحرية في آخر ، ويخير الناس بَيْنَ أحدهما فإما أن يعيشوا تحت سلطان الاستبداد الديني ! ، كما يزعم خصوم الرسالة الذين ينفرون عنها بقياسها خطأ أو عمدا ! على دين الكنيسة فهي صورة من صور الرسالة ، وحقيقة الأمر أنها صورة من صور الوضع المحدث وإن كان له أصل في الوحي المنزل إلا أنه قد خالف عنه في الأصل الجامع فصير التوحيد تَثْلِيثًا فخالف عن صورة العدل في التصور والاعتقاد فضلا عن مخالفة أظهر في الشرائع والسياسات صيرت الدين مظنة الاستبداد إذ صار مرجعا يستمد منه الحاكم المستبد سلطانه فالحق الإلهي لا يمنحه إلا البابا الذي يمسك بخيوط فاعلة في السياسة الحاكمة ، فَيُمَثِّلُ مرجعية عليا تحتكر السلطان باسم الدين فَتَتَصَرَّفُ فيه بالتبديل والتأويل في ظل تحالف آثم بين رجال الدين والسياسة أن يقتسموا الغنائم ولا يخلو الأمر ، كما تقدم ، من صراع مكتوم بين جناح الكنيسة وجناح الدولة ، فكلاهما يضغط على الآخر لينتزع منه صلاحيات أكثر تجعل له من النفوذ ما هو أعظم ، كما يُرَى في هذه الأعصار في ممالك الاستبداد ، وهي صورة أخرى عظمت بها الشبهة فكانت من أعظم ما نَفَّرَ الناس من الحق إذ يَرَى الناظر رجال المجامع والمشيخات قد تحالفوا مع أصحاب السياسات فصارت الفتوى خادمة للسياسة في إطار نظام جائر اختزل فِيِه الوحي في مؤسسة هي جزء من نظام سياسي علماني يستعين بالدين لإضفاء المرجعية الروحية ، فيكون الدين جزءا من هوية علمانية لا تحظر التدين في نطاق لا يجاوز إطار الدولة فهو خادم لمشاريعها ، بل وحافز من حوافزها السياسية والاستعمارية ! ، فدول الغرب العلمانية جعلت التبشير جزءا من مشروع الاحتلال ، كما يضرب بعض الفضلاء أمثلة لذلك بما صنعت بلجيكا الكاثوليكية في مستعمراتها الإفريقية فقد جعلت تنصير سكان الكونغو غرضا رَئِيسًا من أغراض السياسة ! ، فاستعملت الكنيسة في ترسيخ دعائم الاستعمار الحديث ذي الطابع العلماني البراجماتي ، وتحملت الكنيسة الكاثوليكية كفلا عظيما من دماء سفكت في مذابح الهوتو والتُّوتْسِي في تسعينيات القرن الماضي وهو ما أقرت به الكنيسة مؤخرا واعتذرت عنه ! ، وكانت الفاشية وهي حركة سياسية تُعْلِي قيم الدولة على قيم الدين ، كانت الفاشية في إيطاليا تختطف الأطفال من حجور أمهاتهم في ليبيا لِتَتَوَلَّى الكنيسة الكاثوليكية تَرْبِيَتَهُم على قيم الدولة الإيطالية الفاشية الكاثوليكية في نفس الآن ! ، في وصف ظاهره التعارض ، ولكن التعارض يزول بالنظر في حد الكاثوليكية في أنظار من ينتحلها ، فهي تصور مجمل يشكل جزءا من هوية سياسية علمانية غرضها الرئيس أن تهيمن على الشعوب المحتلة وتنتهب ثرواتها ، وبذا يستبين القدر الفارق بين فتوحات الوحي وفتوحات الاحتلال ، فإن الوحي قد جاء بمنظومة قيم ومبادئ وأحكام وشرائع مفصلة في أمور السياسة والحرب ، إن نصا أو إجماعا أو قياسا ..... إلخ من أدلة الأحكام الأصولية ، فجاء بهذه المنظومة التي تجاوز أغراض الاحتلال المادية ، وإن حصل من الفتح ازدهار في الاقتصاد فذلك من جملة مغانم وعد بها الرب ، جل وعلا ، من يجاهد ، *** تكن يوما غاية أولى في فتح جاء يحرر الناس من رق الأديان الأرضية التي استعبدت الناس باسم الدين ، فكان لها من دعوة الحق وحكم العدل ، حكم الوحي ، ما وسع الناس جميعا ، فدخل الناس في حكمها ، وإن لم يدخل الجميع في دينها ، فقد وسعهم من عدالة شريعتها المحكمة ما لم يسعهم في حكم أبناء جلدتهم ، كما يَرَى الناظر في فتوح الشام ، وأما فتوحات الاحتلال ! ، وليست إلا حملات احتلال وسلب ونهب وإن اتخذت شعار التبشير تارة ، وشعار التحديث أخرى فهي رسل الله ، جل وعلا ، إلى الشعوب المتخلفة لتلحقها بركب الحضارة ولو كرها ! ، فلا إكراه في الدين وإن صح الإكراه في الحضارة فهو حتم لازم ! ، وليست الحضارة إلا أن يدخل الناس طوعا أو كرها في رق السيد الأبيض الذي يمتلك وحده أسباب السيادة استنادا إلى مفاهيم عرقية تَتَّسِمُ بقدر عظيم من الجهل والتعصب فضلا عن نسبية في الحكم فهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، تزعم الحرية وتقيم لها تماثيل في بلادها في مقابل ما تصنع في الأطراف من استرقاق للبشر وانتهاب للثروة ، *** تسع يوما أن تَنْفَعَ سكان المستعمرات إلا بقدر ما يخدم **الحها ، فلا يتعلمون إلا بقدر ما يخدمون في دواوينها و**انعها ومزارعها ... إلخ ، فهم جزء من منظومة اقتصاد يستأثر السادة البيض بِرِيعِهَا ولا يحوز الرقيق منها إلا الفتات الذي يُقِيمُ الْأَوَدَ ، سواء أكان ذلك في صور الرق القديم الذي اختطف فيه ملايين البشر من المستعمرات الإفريقية ليخدموا في مزارع السادة في الأرض الجديدة ، *** يكن للسادة ، بداهة ، عناية أن يهدوا الناس إلى حق ، ولا أن يخرجوهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ! ، فَمَا جاءوا إلا ليدخلوهم في عبادة العباد في منظومة استثمار يقتصر فيها دور الرقيق على الخدمة فهم من جملة أدوات الإنتاج الذي يستمتع به السيد الأبيض ، فتلك نظرة الحرية النسبية في بلاد المركز ، فلا حظ للأطراف منها إلا الدعوى الكاذبة إذ لا يجدون في بلادهم منها إلا القمع والاستبداد ودعم الطغاة من أرباب السياسة والحرب فهم جند الحرية الذي يَنُوبُ عن السيد الأبيض في إدارة مزارعه نظير ما يحوز من المغنم على طريقة الالتزام في الجباية التي يتعهد فيها الملتزم ، وهو في الغالب قاطع طريق فاتك يمتلك آلة القمع وعصابة القهر فَلَهُ من قسوة القلب ورقة الديانة وجشع النفس ما يجعله أهلا لهذه الوظيفة الدنية إذ يباشر من الظلم ما يستنكف السيد أن يخوض فيه بيده ، فما استقذره فهو يوكله إلى أولئك الخدم من المرتزقة وإن كانوا في الصورة أمراء وملوكا ، فليسوا إلا قتلة لصوصا تعهدوا أن يؤدوا الخراج إلى المركز وما زاد من المكاسب فهو أجرهم فليست إلا صورة من صور الارتزاق السياسي إن صح الاصطلاح ، فذلك عقد السياسة الباطل بين المركز ووكلائه في الأطراف ، فذلك الرق الحديث الذي لم يخرج فيه المركز عن نظريته الأولى في اسْتِرْقَاقِ الأطراف وإن كانت الأساليب الآن أكثر لطافة ! ولكنها لم تخرج عن جوهر النظرية الاستعمارية ، فالاختلاف في التطبيق من رق صريح فج يمارس فيه الخطف والإكراه وتصادر فيه الحريات ويباع فيه العبيد في أسواق النخاسة ، وفرنسا نموذج معاصر أظهر دلالة على هذه الازدواجية الكاثوليكية العلمانية ! ، فهي من رواد الثورة على الكنيسة الكاثوليكية وهي من أشد الثورات تطرفا ضد الدين ، فعلمانيتها ضد الدين *** تسلك معه مسلك الحياد ، ولو في الظاهر ، فقد جهرت بعدواته شأنها في ذلك شأن أي رد فعل يُرَدُّ فيه الأمر إلى طبائع النفوس دون أن يكون ثم قيد يحكم من وحي منزل ، فرد الفعل في هذه الحال يَتَّسِمُ في العادة بالنَّزَقِ والتطرف فقد انْتَقَلَ العقل ، كما تقدم ، من مركز الدين الكنسي إلى مركز اللادين ، بل وجعل خصمه هو الدين إذ لم يدرك منه إلا دين الكنيسة ، ومع ذلك وجد في هذه العلمانية ضد الدينية وجد فيها من الازدواجية ما جعلها تبسط سلطانها باسم الدين فهي حامية الكاثوليكية في الشرق لا سيما في بلاد الشام فلا زال لها إلى اليوم نفوذ سياسي يستمد قوته من الولاء الكاثوليكي لا سيما في لبنان ، وهي المبشر بدين المسيح في شمال إفريقية عقيب سنوات معدودة من الثورة العلمانية ! ، وسعي الكردينال لافيجري والآباء اليسوعيين في نشر الكاثوليكية في مستعمرات فرنسا في شمال إفريقية لا سيما الجزائر ، سعي أولئك ، كما يذكر بعض الفضلاء ، مشهور مسطور في كتب التاريخ ، فقد نشطت حركة التبشير الكاثوليكي في أوساط المجتمع الجزائري لا سيما البربر ، وتعمدت فرنسا وهي مهد الحرية الدينية والسياسية ! ، تعمدت ، كما يقرر بعض الفضلاء ، أن تكره الناس في الجزائر فألغت شريعتهم الحاكمة التي ارتضوا التحاكم إليها من لدن دخلوا في دين الإسلام ودعا المسيو لوسيان سان إلى مجمع ديني كبير للكاثوليك أسفر عن جملة من القوانين الداعمة للحريات والحقوق العامة ! ، من أبرزها حظر تجول الفقهاء المسلمين في البلاد ، وإلغاء الكتاتيب ومجامع تحفيظ القرآن ، ومنع زعماء البربر من إرسال أبنائهم إلى محاضن العلم في العواصم لبت الصلة بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الدين واللغة ، فيحصل الفصام النكد بين العرب والبربر بإذكاء روح العنصرية استثمارا لأوضاع اجتماعية وسياسية مختلة ما نجمت إلا بالعدول عن الوحي كسائر ما يشكو الشرق فإنه لم يتخلف عن الركب إلا بما نبذ من الوحي *** يكن الإشكال في الدين كما كانت الحال في المركز الكاثوليكي ، بل كان الإشكال أن حاد الشرق عن جادة الوحي المنزل فوحده الذي حسم مادة التعصب للعرق أو القبيلة فجمع الناس على عقد واحد وشرع واحد لا تفاوت فيه ولا تمايز ، فالحق واحد سواء أكان صاحبه عربيا أم بربريا أم حبشيا أم روميا أم فارسيا ، فليس الحق فيه على أنحاء فتكون حرية المركز داعمة لاستبداد الأطراف فهي حرية ذات وجهين تمارس من النفاق السياسي ما يخدع الناظر ، بادي الرأي ، فجاء الوحي يحسم مادة تعصب نَفَثَهَا الاحتلال في روع الشعب الواحد فصيره شعوبا تَتَنَافَرُ ، وجعل التنصير وسيلة لذلك مع أنه يزعم المدنية اللادينية ، ولا زال ذلك يحدث إلى يوم الناس هذا وإن سرا لتجريم القوانين حركة التنصير فلا زالت فرنسا العلمانية الملحدة ! تدعم التبشير الكاثوليكي في الشمال الإفريقي ، ولا زالت أمريكا تدعم التنصير البروتستانتي الإصلاحي ! ، فهو لا يعارض نظرية السياسة العلمانية فليس الدين فيها ، أيضا ، إلا حافزا يحرك الجيوش باسم الصليب لتحرر الأرض من رجس الوثنيين في الشرق وتعجل بظهور المسيح المخلص ، فكل أولئك من وسائل الدولة المدنية الحديثة في توظيف الدين لتحقيق مآرب السياسة والحرب والاقتصاد ، وهو ، كما تقدم ، مما عمت به البلوى في بلاد الشرق ، فقد صار الدين مؤسسة من جملة مؤسسات في منظومة علمانية مستبدة تحكم بالوضع وتحيد عن جادة العدل ولو في أحكام الوضع المحدث فَلَيْتَهَا تحملت عن المركز قيمة العدل ، ولو مجملا ، في أمور السياسة فما تحملت عنه إلا حرية الإفساد للأديان والأخلاق فتلك قيمة لا تنفك الدول المستبدة تروجها في أوساط الناس فهو مما يضعف النفوس ويدمر القيم والمبادئ فلا تكون ثم حركة إصلاح اجتماعي أو سياسي تهدد هيمنتها ، فضلا أن تكون حركة تجديد للوحي المنزل فهو أعظم خطر يتهدد الاستبداد ، لا كما يروج خصوم الوحي وكما يظهر في الأذهان بادي الرأي إذا نظرت في حال الشرق وطالعت سلوك المؤسسات الدينية الرسمية التي عرقلت حركة الإصلاح والتجديد فقد تواطأت مع أرباب السياسة والحرب فأضفت الغطاء الشرعي على انتهاكات الساسة والقادة ، فهم أولياء الأمور الأتقياء فطاعتهم دين وإن خالفوا عن منهاج الرسالة بل وتقصدوا حربها ، سرا أو جهرا ، إذ تخالف عن طريقتهم في الحكم والسياسة فهي تبطل رياساتهم ومطاعمهم وإن شئت الدقة فقل مطامعهم في الجمع بين الجاه والمال ، فقد استأثروا بأسباب السياسة وأسباب الثروة ، فصارت طاعتهم مع تلك الحال العاطلة من الفضائل الدينية والسياسية ، صارت دينا ينتحل وصارت الفتوى ذريعة إلى تقرير ذلك ، بل وصيرتهم بعض المقالات رسل السماء التي حفظت العباد والبلاد ، وغلت تلك المؤسسات ، من وجه آخر ، في التقليد وهو إفراز بدهي للاستبداد إذ يغلب في أعصاره الجمود في حركة الفكر والبحث ، ويغلب على النفوس الإحباط والخوف فلا تسعى في تجديد لا في دين ولا في دنيا ! ، فطال شؤم التقليد والجمود تلك المؤسسات الدينية ذات الوظيفة السياسية البراجماتية بامتياز ، وهو ما نَفَّرَ الناس من الدين إذ كان الخطأ في الفهم ، إن أحسنت الظن ! ، فَتَوَهَّمَ من تَوَهَّمَ أن هذا النقص هو جوهر الدين ، فأعطت ذريعة لتيار مضاد اتسم كالعادة بالغلو في رد الفعل ، فكانت الدعوة إلى التجديد والاجتهاد بلا ضوابط على وجه يصير فيه الدين فضاء واسعا للتلاعب بأحكام الشريعة باسم التجديد ، فلا بد من التحرر من إرث الماضي وأفكاره البالية ! في لمز خفي للإرث الفكري والحضاري الذي يشكل نواة صلبة في الفهم والاستنباط وإن لم يحز فيه الفقهاء والعلماء رتبة القسس والباباوات *** يَدَّعِ أحدهم عصمة ولم يَدَّعِهَا له أحد وإن وقع من غلو المقلدة من أتباع المذاهب ما برئ منه أصحابها وبرئ منه الفقه الإسلامي الذي جاء يحض على الاجتهاد والتدبر *** يكن الدين فيه وظيفة يحتكرها أرباب الوظائف الرسمية فكلامهم شرع يحكم وَيَنْسَخُ ككلام أرباب الكهنوت ، *** يكن الدين كذلك ، ولم يكن ، في المقابل ، كلأ مباحا يفتي فيه كل أحد بما يوافق هواه فيرد لأجل ذلك ما يرد من محكم الوحي انتصار لمتشابه من الهوى أو الذوق فتضطرب الأحكام وتنشعب الأهواء بأصحابها بذريعة التجديد ! ، وإنما عظمت الشبهة بما كان من حال تلك المؤسسات التي صارت جزءا من منظومة التحكم والسيطرة على الشعوب ، فأشبهت ، ولو من وجه ، ما صنع الكهنوت في القرون الوسطى ، فهي تتحالف مع الساسة في مواضع ، وتخالفهم في أخرى إن تعارضت ال**الح أو أوجست المؤسسة الدينية في نفسها خيفة إذ صارت في مرمى القصف السياسي والإعلامي المكثف لتقدم مزيدا من التنازلات على وجه يهدد مكاسبها فلا يعنيها أن يكون الدين الصحيح في مرمى القصف بل قد شاركت في قصفه ، مباشرة أو بواسطة إذ وفرت الغطاء الشرعي لقصف السياسة العلمانية اللادينية فسارت في ركابها وأفتت في مواضع كثيرة بما يوافق أهواءها فاستجازت من ذلك ما استجازت إذ لم يكن يهدد **الحها في شيء ، ***ا أحست بالخطر مع تعاظم نفوذ الدولة سواء أكان ذلك باسم الزعيم الملهم الذي يروم احتكار جميع الوظائف فهو القائد في السياسة والحرب وهو القاضي والمفتي وهو الطبيب والفيلسوف .... إلخ ، فهو باختصار الدولة التي اختزلت في فرد فصار بقاؤه بقاء الدولة وذهابه ذهابها فالدفاع عنه دفاع عن الوطن والقتل في سبيله أسمى أماني الجند ! وتلك صورة استبداد يمارسها الفرد أو نخبة السياسة والحرب فمنشأ الفساد واحد وهو اختزال الدولة في واحد سواء أكان فردا أو كيانا ، ولا بد له في كلتا الحالين من مجامع وظيفية من مرتزقة في الإعلام والأمن والإدارة بل والدين وذلك دور المؤسسة الدينية الرسمية فليست إلا جزءا من منظومة التحكم والسيطرة التي تخضع الشعوب فَتُحَسِّنَ لهم الاستبداد وتجعل العبودية للساسة والزعماء بذريعة الطاعة لأولي الأمر ، تجعله من كمال العبودية لله ، جل وعلا ، فليست إلا جزءا من منظومة الفساد والكسب غير المشروع فذلك ثمن ما تبذل من الدين لأرباب السياسة ، وهي ، عند التدبر والنظر ، الخَلْف في قول الرب جل وعلا : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، فأشبه علماؤها إذ فسدوا أشبهوا علماء يهود إذ كتموا وبدلوا حفظا لرياساتهم ، فاستجازوا من ذلك ما استجازوا إذ لم يكن يهدد **الحهم في شيء ، ***ا أحسوا بالخطر مع تعاظم نفوذ الدولة فهي تروم السطو على مكاسبهم ولا ترضى إلا بالخضوع التام فحصل من ذلك صراع من *** الصراع الذي حصل في أوروبا في أعصارها الوسيطة ، *** يخل المشهد من صراع النفوذ بين الأجنحة الفاعلة في دولة الاستبداد وإن كان ظاهرها الوئام التام ، فـ : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) ، ولجأ رجال الدين في المؤسسة الرسمية إلى إطلاق التصريحات النارية فهم حماة الدين وهم حراس العقيدة والشريعة من التلاعب وإن كانوا من أول من تلاعب فكانت غضبة للنفس وإن كان ظاهرها غضبةً للحق ، وكل أولئك مما عظمت به البلوى في هذه الأعصار ، وعظمت به الفتنة إذ رَوَّجَ من رَوَّجَ ، سهوا أو عمدا ، أن هذا الوضع الشائه لا علاج له إلا بسلوك الجادة الأوروبية في عصر النهضة فلا بد من إقصاء الدين من المشهد إلا جملا تصاغ في الدساتير فأحسن أحواله أن يكون رافدا من روافد الهوية الوطنية ، فهي معقد الولاء والبراء الأول ، فالدين سبب في الاستبداد والفرقة ! ، خلافا للعقد الوطني الجامع ، وما ذلك إلا من شؤم القياس الفاسد ، فهو ، كما تقدم مرارا ، قياس مع الفارق ، إذ قيس وحي محفوظ على آخر مبدل ، وقيس حال أمة تخلفت لما نبذت الدين الصحيح على حال أمة تقدمت لما نبذت الدين المحرف ، فصار على الأولى أن تنبذ دينها كما نبذت الأخرى دينها ليحصل لها من التقدم والتحضر ما اختزل في صورة مادية تخدع ، وحرية زائفة أفضت بمجتمعاتها إلى أزمات فكرية وأخلاقية توجس منها خيفة عقلاء القوم ، وصارت الخيار الآن في الشرق في ظل نظرية التبعية المطلقة للغرب جراء الهزيمة النفسية وما تولد عنها من الهزيمة السياسية والعسكرية ، صار الخيار الآن في الشرق : إما أن يظل الناس أسرى في قيد الوحي الذي صار كهنوتا ! ، وإما أن يعيشوا أحرارا بلا أي قيد ! ، وتلك قسمة ضيزى ، فالخيار الصحيح يكون بين حرية الوحي التي تضبط حركة الحياة بشريعة محكمة ، والحرية المطلقة بلا قيد في الفكر والحكم على وجه يفضي بالناس إلى فوضى عارمة فلكلٍّ تصور وحكم ولكل هوى وحاجة في النفس يَرُومُ استيفاءها ، فيقع التعارض لا محالة على وجه لا يحسم النزاع فيه إلا الوحي فلن يرضى عقل أن يخضع لآخر ، فليس بأكمل منه نظرا أو استدلالا ، فلا بد من ردهم جميعا إلى مرجع محكم يجاوزهم جميعا فهو من خارج العقل ، وهو بريء من الجهل والافتقار إلى الأسباب وليس ذلك إلا الوحي الذي صار الآن عدو البشرية في الشرق والغرب فهو أعظم خطر يتهدد الحضارة الإنسانية ! ، مع أن الوحي هو الذي حل الإشكال محل البحث صدر الكلام ، وهو ما أشار إليه بعض المحققين من وحدة الدين والدولة في إطار جامع لا يحصل فيه من التصارع ما حصل في عصور أوروبا الوسيطة ، بل إن أوروبا ، كما ينوه بعض المحققين ، لم تحقق نوعا من الاستقرار السياسي إلا بعد أن أخذت ، ولو في الجملة ، بنظرية الحكم والسياسة في الإسلام ، فرامت البروتستانتية كحركة إصلاح ، رامت ال**الحة بين الكنيسة والدولة ، كما يظهر في طرح كرومويل زعيم الثورة الإنجليزية ، وإن لم تصب في ذلك معدن الحق ، فَقَدْ قلصت دور الكنيسة في مقابل تعاظم دور الدولة فكان ذلك ، كما تقدم ، قنطرة إلى العلمانية اللادينية ، فضلا أنها حملت عن الشرق منهاج التجريب في البحث في إطار يعظم القيم الدينية ، فكان ذلك ، أيضا ، من أسباب نهضة أوروبا المدنية فكان تأثير الإسلام لا في مسائل البحث الجزئية فقط ولكن في منهاج البحث نفسه ، كما يقرر ذلك رائد العلم التجريبي الإنجليزي "روجر بيكون" ، فتأثير الحضارة الإسلامية في حضارة الغرب لم يكن كما يتصور بعضنا تأثيرا في مسائل العلم الجزئية ، في الطب والجبر .... إلخ ، وإنما كان تأثيرا في نظرية البحث ابتداء ، فكان نقد المسلمين لمناهج الاستنباط النظري وانتصارهم لمناهج الاستقراء العملي في العلوم التجريبية كان ذلك رافدا رئيسا من روافد الحضارة الغربية المعاصرة *** يتحمل المسلمون تراث اليونان تحمل المقلد بل نقدوه نقدا محكما مع الانتفاع بما صح من علومه وتقريراته فالحكمة ضالة المؤمن ، فأصالة البحث الإسلامي وتجديده في الفكر الإنساني استنادا إلى الوحي ، رائده الأول في العلم ، هذه الأصالة أمر لا ينكره من أنصف من علماء الغرب خلافا لمن تعصب فجحده وقصر دور الحضارة الإسلامية على دور الناقل المقلد بلا تجديد أو إضافة . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 04:21 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir