ryan

ryan (https://hameed.nwar.uk/vb/index.php)
-   مواضيع منقولة من مواقع اخرى2 (https://hameed.nwar.uk/vb/forumdisplay.php?f=17)
-   -   فلسفة التشاؤم (https://hameed.nwar.uk/vb/showthread.php?t=2248024)

rss 03-03-2017 06:00 PM

فلسفة التشاؤم
 
فلسفة التشاؤم
مما رصده بعض المفكرين من الطرائق الفلسفية المعاصرة ، فلسفة التشاؤم التي ازدهرت في الدول الاسكندنافية ، فهي فلسفة شمال أوروبا الذي يمتاز بالاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي وارتفاع نسبة التعليم على وجه يجعله يَسْتَوْفِي شرائط التحضر بالمفهوم المادي ، ولكن فلسفته ، مع ذلك ، تمتاز بطابع تشاؤمي خلافا للفلسفة في الجنوب ، فإن المجتمعات في إفريقية وأمريكا اللاتينية تمتاز بروح مرحة يسودها التفاؤل رغم عدم توافر سبل الحياة والحضارة ، فالرخاء المادي والتقدم التقني والتعليم الجيد والبنية التحتية والخدمات الأساسية كل أولئك مما تفتقده مجتمعات الجنوب ، وهي ، مع ذلك ، تحظى باستقرار نفسي لا تحظى به مجتمعات الشمال المتقدمة ، وإن الناظر ليجد ذلك ، أيضا ، في التفاوت بين الشمال والجنوب في البلد الواحدة ، فالشمال في الغالب يحظى برفاهية مادية لا يحظى بها الجنوب ، وبعض الفضلاء من بلاد البلقان يضرب مثالا من بلاده وهي يوغوسلافيا قبل أن تَتَفَكَّكَ في حرب البلقان الأخيرة 92_95 ، فقد كان التباين الفكري والثقافي والمادي كامنا في هذا الاتحاد غير المتجانس الذي أخضعه تيتو لسلطان الدولة المركزية في بلجراد ، فنجح في الإبقاء على هذا الطيف الديني والعرقي والسياسي المتباين نجح في إخضاعه والإبقاء عليه بقوة استبداد مركزية لم تحسم التباينات الدينية والعرقية وإن قمعتها حينا من الدهر إذ سرعان ما انفجر الاتحاد اليوغوسلافي بعد وفاته 1980 ، وإن استغرق ذلك نحو عقد من الزمان قبل نشوب الحرب مطلع التسعينيات ، فلا يكون التغير السياسي بداهة حادا مفاجئا ، إلا في أنموذج التغير الحاد أو التغير الراديكالي كما يسميه علماء السياسة ، وهو أنموذج الثورة التي تحدث موجة اضطرابات كبيرة تفضي إلى تغيير جذري مفاجئ مع انهيار منظومة القانون ومنظومة التحكم والسيطرة فتكون الفوضى العامة التي يجد فيها أصحاب الرؤى الثورية فرصة سانحة لفرض أجندتهم مع انكسار حاجز الخوف وانهيار السلطة المركزية ، وهي الفرصة التي قَلَّ أن يجود بها الزمان ، فَسُرْعَانَ ما تحاول السلطة استعادة السيطرة بعد فترة مهادنة ومداهنة لقوى الثورة حتى تستجمع الدولة العميقة قواها وتسترد أنفاسها وتعيد تجميع فلولها عبر أجهزتها القديمة لا سيما الأجهزة السيادية التي تتحكم في المشهد فتعيد بسط نفوذها شيئا فشيئا حتى تجد اللحظة المناسبة للانقضاض على قوى الثورة بعد نجاحها في ******ها وتفتيتها واستمالة بعض القوى بمكاسب سياسية براجماتية فضلا عن إذاعة حال من الفوضى الفكرية والاجتماعية تجهد المجتمع وتدخله في حال من عدم الاستقرار يروم الخلاص منها ولو بالارتماء في أحضان النظام السابق الذي كان يكفل حدا أدنى من الاستقرار عبر وسائل القمع فمعادلة الجمهور الغالب : الأمن مع القمع خير من الحرية مع الخوف وذلك ما يصاحبه في العادة موجة كبيرة من الشائعات التي تضعف الجبهة الداخلبة وتثير حالا من الشك بين جميع الفصائل تَكْثُرُ فيها الاتهامات بالخيانة والعمالة لا سيما والصف غير نَقِيٍّ والاتهامات لا تخلو أن يكون لها أصل ، وإن اقتضت ال**لحة في أحيان السكوت عن انحرافات كثيرة لئلا يستنزف الجهد في صراع بَيْنِيٍّ يشغل الثورة عن الخصم الرئيس وذلك أمر تُرَى آثاره في أية ثورة سواء أغلب عليها الطابع العسكري أم الطابع السلمي فلا يخلو صف الثورة من اختلاف وتباين يبلغ في أحيان كثيرة حد التناقض على وجه يعظم فيه الشح وتظهر فيه أخلاق الأثرة فتجد من يستجيز الانحياز إلى الظالم الجائر على طريقة : علي وعلى أعدائي ، أو الكل أو أحرق الكل ، فإما أن يحظى بالكل وإما أن يحرق الكل فلا يرعى **لحة غيره بل ويستجيز مخالفة قيمه سواء أكانت فكرية أم سياسية .
والشاهد أن التغير السياسي الكلاسيكي لا يكون في الغالب من نمط التغير الراديكالي الحاد ، وإنما يستغرق في الغالب زمنا تنضج فيه الرؤى السياسية ، وإن كانت في العقول كامنة فتفعيلها على أرض الواقع يستغرق زمانا لا سيما إن كانت الأمم خارجة من نظام استبداد مركزي يعمل على تقليص الدور السياسي لأي كيان معارض ، فتستغرق الرؤى السياسية زمانا حتى تملك أدوات السيطرة على الأرض ، فتحول الفكرة إلى واقع ، وهو ما كان في يوغوسلافيا إذ سرعان ما استولى الصرب الأرثوذكس على مقاليد الحكم المركزي في بلجراد ، وكانت لهم من التوجه القومي المتطرف ما ألبس كالعادة لبوس الدين ، فلعبت الكنيسة الأرثوذكسية اليوغوسلافية وهي من أشد الكنائس الشرقية تطرفا فضلا عن علائقها الوثيقة بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية وهي تُمَثِّلُ مرجعية روحية لنصارى الكنيسة الشرقية في أوروبا تضاهي المرجعية الفكرية لكنيسة الإسكندرية لعموم النصارى الأرثوذكس العرب ، فَنَجَحَ الصرب الأرثوذكس في الاستيلاء على الدولة المركزية في يوغوسلافيا بعد أن قَبَعَ تيتو الكرواتي الكاثوليكي على سدة الحكم ربع قرن أو يزيد فكان زعيم الأمة اليوغوسلافية بعد الحرب العالمية الثانية مع ميله إلى الطرح الشيوعي وإن حرص على استبقاء مسافة تفصله عن موسكو ، فكان للتجربة اليوغوسلافية الاشتراكية طابعها الخاص خلافا لبقية النماذج الشيوعية في شرق أوروبا فقد كانت أجراما تدور في فلك موسكو *** يظهر لها من الاستقلال الفكري والسياسي ما كان لتجربة تيتو الذي أجل اندلاع الصراع الطائفي بين عناصر المجتمع اليوغسلافي المتباينة بل والمتناقضة ، دينيا وعرقيا ، فكان النصارى الأرثوذكس في صربيا والجبل الأسود ومقدونيا ، والكاثوليك في كرواتيا وسلوفينيا ، والمسلمون في البوسنة وكوسوفا ، وكان الصرب والكروات والمسلمون ، البوشنان والسنجق والأرناؤط ، فضلا عن المقدون ، كان أولئك مجاميع عرقية خضعت جميعا لاتحاد غير متجانس رام حملها على الاندماج قصرا عبر عمليات تهجير حرص تيتو من خلالها أن يذيب التماسك العرقي والديني لأية مجموعة تندرج في الاتحاد اليوغوسلافي فالحكم المركزي لا يطيق وجود جبهة فكرية أو سياسية متماسكة وإنما يَرُومُ تَشْتِيتَهَا جغرافيا فذلك ما يضعف تماسك المجموعات العرقية ويحدث نوعا من الانصهار في بوتقة الفكر المركزي المستبد ، وذلك ما تحرسه في العادة قوة قمع كبيرة تحدث في النفوس من الهيبة ما يجعلها تهادن الدولة حتى تجد فرصة للانقضاض عليها مع أول بادرة ضعف أو انهيار لا سيما إن كانت الدولة شديدة المركزية قد اختزلت مؤسساتها في رجل واحد فهي دولة الزعيم الخالد ! ، فكان هذا الزعيم هو جوزيف تِيتُو في يوغوسلافيا ***ا مَاتَ مَاتَ المشروع معه إذ لم ينجح في استيعاب القوى الفكرية والسياسية والمجاميع العرقية والدينية في مشروع واحد وإنما نجح في قمعها بقوة ال**** *** يقدم حلا لهذا الإشكال إلا الخوف والقهر ! وقد حظي المسلمون كالعادة بالحظ الأوفر من هذا القمع لكونهم أشد المجاميع استعصاء على الانصهار فهم يملكون رصيدا من الفكر والقيم والأخلاق يجعلهم في غِنًى عن تِيتُو وعن غيره من المستبدين فلا يحتاجون إلى زعيم خالد أو قائد ملهم ! ولا يحتاجون طرحا فكريا مستوردا من الخارج ، شرقيا كان أو غربيا ، وبعد رحيل تيتو وفشل مشروع الانصهار بدأ الصرب يعدون لمشروعهم القومي الكبير ، مشروع صربيا الكبرى ، وبدأ الكروات في العمل لإنشاء كيانهم الكرواتي الكاثوليكي ، وحظي كلاههما بالدعم الإقليمي ، فحظي الصرب بدعم روسيا ودول شرق أوروبا بعد انهيار الحكم الشيوعي المركزي في موسكو واستعادة أوروبا الشرقية روح الأرثوذكسية ، وحظي الكروات بدعم أوروبا الغربية ذات الروح الكاثوليكية ، ولم يحظ المسلمون كالعادة بأي دعم سياسي أو عسكري ، فكان زوال الصنم الْمُتَمَثِّلِ في الزعامة المستبدة ، زعامة تيتو ، كَزَوَالِ الصنم الخالد في **ر ، وكانا رفيقي درب ثوري فضلا عن زمالتهما في حركة عدم الانحياز مع القدر الفارق ، بداهة ، فتيتو رجل يملك رصيدا من الخبرة العسكرية والسياسية جعله رمزا حقيقيا لا رمزا زائفا كرمز يوليو 52 ، فانهيار المشروع في **ر كان بعد ضربة 67 فَرَحَلَ الصنم سياسيا قبل رحيله بالموت ، وانهارت منظومة الحكم والسيطرة المركزية في **ر كما انهارت في يوغوسلافيا مع القدر الفارق ، بداهة ، فإن يوغوسلافيا كانت تحمل داخلها بذور الانقسام السياسي لتعدد الأعراق بخلاف **ر التي تشكو الآن من انقسام اجتماعي وسياسي كبير ولكن وحدة الدين والعرق في الجملة تخفف من حدة الانقسام الذي لم تحظ يوغوسلافيا به فكان انهيار الاتحاد اليوغوسلافي بعد نحو عقد من رحيل تيتو ، إذ سيطر القوميون الصرب على مقاليد الحكم في بلجراد ، وسيطر القوميون الكروات على مقاليد الحكم في زغرب ، وبدأت الجمهوريات اليوغوسلافية في الاستقلال تباعا ، فاستقلت كرواتيا وكانت تضم أقلية صربية كانت وقود صراع صربي كرواتي بعد عمليات تهجير قسري على خلفية الفوضى الديموجرافية التي أحدثها نظام تيتو طعما في تذويب القوميات البلقانية في بوتقة التجربة اليوغوسلافية الشيوعية ، واستقلت مقدونيا ذات الغالبية الأرثوذكسية ، وانضمت جمهورية الجبل الأسود إلى صربيا تحت اسم يوغوسلافيا مع بقاء كوسوفا تحت الاحتلال المركزي في بلجراد قسرا ، وبقيت البوسنة ذات الغالبية المسلمة وإن لم تكن مطلقة ، فكانت الكعكة على مائدة اللئام ، الصرب والكروات طمعا في اقتسامها *** يحظ استفتاء الاستقلال في البوسنة بنفس الدعم الذي حظي به في بقية الجمهوريات التي استقلت تباعا في ظل رعاية النظام الدولي الجديد ، أحادي القطب والذي رام تصفية التركة الشيوعية ، وكانت يوغوسلافيا آخر جبهات الممانعة بعد انهيار موسكو ، فكانت هذه الحرب خطوة نحو إعادة رسم الخريطة الأوروبية في عالم ما بعد الحرب الباردة وكان دماء المسلمين كالعادة هي الثمن الأكبر ، وإن لم يكون الأوحد فقد وقع من المقتَلَة في صفوف الصرب والكروات في صراعهم الْبَيْنِيِّ ما وقع ، ولكنهم لم يجتمعوا آخر أمرهم إلا على حرب المسلمين واقتسام أرضهم بعد تحالف هش بين المسلمين والكروات مبدأَ الحرب ، فحظيت الجمهوريات اليوغوسلافية بالاعتراف الدولي كما هي حال سلوفينيا محل الشاهد ، وهي تقع شمال الاتحاد اليوغوسلافي على تماس مع أوروبا الوسطى ، مع النمسا شمالا ، فتحظى برفاهية لا تحظى بها بقية الجمهوريات ، وهي ، مع ذلك تشكو نسبا عالية من الانتحار مع أنها أكثر رقيا وتقدما ورفاها من الجنوب ، فنسبة الانتحار في سلوفينيا تبلغ نحو 26 لكل مائة ألف خلافا لها في الجنوب وفي كوسوفا تحديدا فهو إقليم فقير يقبع تحت هيمنة الاستبداد المركزي في بلغراد فضلا عن انخفاض مستوى التعليم والرفاه ، ولكنه مع ذلك يملك قيما دينية وأخلاقية لا تمتلكها سلوفينيا فالغالب عليه الإسلام فضلا أنه مجتمع يغلب عليه النمط الزراعي وهو نمط محافظ ، فمع ارتفاع نسبة الأمية فيها إلى نحو 44% سنة 67 تاريخ الدراسة إلا أن نسبة الانتحار فيها لا تجاوز 3,5 لكل مائة ألف ، وليس ذلك ترويجا لقيم الأمية والتخلف المدني ، ولكنه رصد لواقع المجتمع الصناعي الذي يحظى بالرفاه فإنه إن لم يشفع برصيد من الدين والقيم والأخلاق فليس إلا التعاسة التي تظهر في مذاهب عدمية وجودية ازدهرت في الفكر الغربي المعاصر كما ترى في طرح سارتر وتلميذته سيمون دي بوفوار وألبير كامو وجاك دريدا وميشال فوكو وجميعهم فرنسيون ، ففرنسا ، بلد النور والحضارة ، هي **در رئيس لفلسفات التعاسة التي تهيمن على الفكر الإنساني المعاصر مع حصول الرفاه والتمدن ، فغياب الوحي والنبوة أن يستعيدا الدور التاريخي في ريادة البشرية وهدايتها إلى طريق السعادة والنجاة ، مرادِ جميع العقلاء ، غياب الوحي والنبوة قد أتاح الفرصة لهذه الفلسفات العبثية أن تهيمن على الأرض ، ولم تَزِدْ أصحابها إلا حيرة وتعاسة ، وذلك تأويل الخبر الحق : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، *** تحقق رفاهية البدن سعادة الروح ، والوحي والنبوة لا يَأْمُرَانِ الإنسان أن ينخلع من حظوظ نفسه ليدخل في حال من التصوف والتأمل المجرد في طور يجاوز طور العقل الشاهد فيدخل في غَيْبُوبَةٍ من الخيالات والهلاوس ، فالوحي طور يجاوز طور العقل ، فهو من الغيب الذي لا ينال برياضة أو كسب فلا ينال بأسباب الزهد والتأمل المجرد كما في الفلسفات الشرقية الإشراقية التي تجعل الجوع والسهر وسيلة لحصول الإشراقات والفيوضات الإلهية على الروح اللطيف بعد أن تَتَجَرَّدَ من أوضار البدن الكثيف في ثنائية يظهر فيها من التناقض بين الروح والبدن وهو ما سلم منه الوحي الذي جاء يحفظ لكلٍّ حظه من الأسباب ، فالروح لها أسباب الوحي ، والبدن له أسباب الكون من منجزات الحضارة والتقنية فهي وسائل معاش لا غايات عظمى تجعل امتلاك الأسباب ، وعلى رأسها القوة والمال ، وسائل يجهد الإنسان في تحصيلها دون نظر في فضائل الحق والعدل فضلا عن أحكام الوحي ، وتجعل اللذة هي الغاية ، فجاء الوحي يحسم هذا التناقض بين المذاهب المادية التي اختزلت الإنسان في حضارة الآلة فَازْدَرَتْ حاجات الروح العليا انتصارا لحاجات البدن الدنيا ، فدمرت الإنسان ولطخته بالدماء ، كما يقول بعض مفكري الغرب ، وهي تظن أنها تخلقه خلقا جديدا ! ، فجاء الوحي يحسم هذا التناقض بين المذاهب المادية والمذاهب الروحانية التي ازْدَرَتْ في المقابل حاجات البدن فخالفت عن منهاج الجبلة البشرية وأوقعت أصحابها في حرج عظيم ، فلا يبلغ الإنسان حال التحرر الروحي والخلاص الذي يحاكي الخلاص الحاصل في خرافة الصلب فقد صار الألم في المقابل هو الغاية فبه يحصل تطهير الروح وخلاصها من أوضار البدن الكثيف الذي يحول بينها وبين دخول الملكوت وانكشاف الحجب العلمية ، فبلغت بها الحال أن تنازع الوحي منصب التعلم فصارت النفس تسلك جادة الرياضة والزهد طمعا أن يحصل لها العلم بلا معلم فهي تَرَى تقليد الوحي منقصة وإن كان معدن العصمة التي تحول بَيْنَ العقل والذوق أن يشطحا ، فالمذاهب العقلية قد أصابها الطغيان العقلي فرأت خضوع العقل للوحي منقصة فهي تروم درك الحقائق جميعا بقوة العقل دون أن تجعل الوحي رائدها بل إنها لا تجد حرجا أن ترد خبره وحكمه إن خالف عن قياسها ، والمذاهب الصوفية في المقابل قد أصابها الطغيان في الذوق والإرادة فهي ترى الرياضة والتأمل سببا في حصول العلم وإن خالفت عن منهاج النبوة بل إنها تجعل مخالفته فضيلة فقد بَلَغَتْ رتبة اليقين الباطن الذي يجيز لها أن تخالف عن ظاهر النصوص ، فجاء الوحي يحسم هذا الإشكال بين مذاهب المادة ومذاهب الروح ، فالوحي طور يجاوز طور العقل ، كما نَوَهَّ أبو حامد الغزالي رحمه الله في "الإحياء" ، وإن شاب كلامه كدر تصوف قد يفهم الناظر فيه أن النبوة محل كسب واجتهاد ! ، وذلك ما برئ منه أبو حامد رحمه الله ، وإن ظهر في كلامه أن الكشف والفيض يحصل بطرائق الفلسفة الإشراقية ، فنظرية الفيض الإلهي قد ظهرت آثارها في تقريرات أبي حامد رحمه الله ، فالوحي ، كما تقدم ، طور يجاوز طور العقل والذوق ، فهو مرجع يجاوزه من خارج ، ولكنه ، مع ذلك ، طور يحفظ العقل من الشطحات الصوفية ، فلا يحض صاحبه على اعتزال الحياة ومخالفة قوانين الكون كما في مذاهب التأمل والزهد والتي كانت رد فعل رواقي زهدي للفعل الأبيقوري المادي ، فهذه الثنائية قديمة حديثة ، فهي محل استقطاب حاد في الفكر والسياسة ، فالنظريات السياسية تَتَرَاوَحُ بين المثالية الحالمة والبراجماتية الفاقعة ، والوحي وحده هو الذي يُرَشِّدُ هذه النظريات فيجعل قيم العدل هي العليا ، حقيقة لا دعوى ، وهو ، مع ذلك ، لا يجاوز طور العقل الكامل إلى طور آخر حالم يحلق فيه الناظر في سماء المثالية الجوفاء ! ، والناظر في النظام الدولي المعاصر ، يجد الشطط والجنوح إلى قيم البراجماتية النفعية فذلك تأويل ما ازدهر في هذه الحقبة التاريخية ، حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، إذ ازدهرت المذاهب المادية لا سيما الرأسمالية وتراجع دور الوحي بل ودور الدين كله ، صحيحه وباطله ، أَرْضِيِّهِ وَسَمَاوِيِّهِ ، فصار الفكر يدور في فلك المادة ، وَتَعَاظَمَ دور القوة في الحياة السياسية فَصَارَت هي لغة فض المنازعات بين الدول والجماعات على وجه أَذْكَى روح الصراع وَغَذَّى مادة الحرب التي يعاد بها رسم الخرائط الجغرافية وتوزيع الكتل السكانية على وجه يحقق **الح القوى العظمى ، فالقوة الآن هي اللغة السائدة ، واللذة والمنفعة هي القيمة الكاملة ، وذلك ما أصاب الإنسان بِحَيْرَةٍ عظمى ظهرت آثارها في مذاهب العدم والعبث والوجودية ، فالعدمية وفلسفة العبث ، كما يقول بعض المفكرين ، هما ثمرة أكثر بلاد العالم ثراء وتقدما ، وهو ما يجعل تقويض أركان هذا النظام الدولي حتما لازما ولعل ما نادت به الحركات الجهادية المسلحة في إطار الظاهرة الإسلامية من حتيمة ضرب هذا النظام الدولي في مقتل ، فهو صندوق محكم يتصارع فيه الناس كالفئران ، وَكُلٌّ قد قَبِلَ أن يعمل تحت مظلته ، ولو حركات الإصلاح والصحوة في الشرق المسلم ولا يُنْكَرُ ما حققته من نجاح ملحوظ في الجانب الفكري والأخلاقي فضلا عن دورها الاجتماعي البارز وحفاظها على الهوية إلإسلامية وإن شئت الدقة فقل استعادتها بعد حقبة من التيه والضياع ، فلا يُنْكَرُ ذلك ولكنها لم تطمح أن تكسر هذا الصندوق المحكم فتكون أفكارها من خارج الصندوق ! ، فأفكارها جميعا تجعل هذا النظام الدولي هو سقف الأفكار والقيم السياسية ، سواء أكانت طائعة أم مكرهة ، فإصلاحها ينطلق من داخل منظومة فكرية وسياسية فاسدة لا بد من إزالتها أولا فهي العائق الرئيس أمام أية صحوة كاملة ترجع للوحي دوره التاريخي في قيادة البشرية ، فصارت حبيسة هذا الصندوق في الداخل وفي الخارج ، فثم أنظمة استبداد تحكم السيطرة على المجتمع وتضع لحركات الإصلاح سقفا لا تجاوزه ، فهي تعمل في إطار منظومة الاستبداد بل ولعلها شعرت أو لم تشعر تكرس هيمنة الاستبداد على قوى المجتمع الفاعلة لا سيما الشباب بخطاب اختلط فيه الحق بالباطل فهو ينفع من وجه ويضر من آخر ، فقد أسهم بدور عظيم في جانب التربية والعلم ، فلا ينكر ذلك إلا جاحد ، بل ولعله كان محضنا لفكر ثائر على الظلم فطبيعة الوحي أنه لا يقبل الضيم فهذه القيمة تعظم في نفوس أتباعه شاءوا أو أبوا من باب : يثاب المرء رغم أنفه ! ، وصارت هذه الحركات ، من وجه آخر ، تعمل في إطار منظومة القيم التي فرضها النظام الدولي قسرا فَقَدْ أرسى دعائمه بالقوة المسلحة ، فكان نتاج حرب عالمية طاحنة وحرب باردة وسباق تسلح محموم فكانت الكلمة ولا زالت لمن يملك شرعية الأمر الواقع ، وهي شرعية لا تستند بداهة إلى القيم والمبادئ إن في الداخل أو في الخارج فمن يملك أسباب القوة فهو الذي يحكم وإن لم يملك أسباب الحق ، فحق القوة هو الشاهد وقوة الحق هي الغائب في هذا المشهد السياسي البراجماتي بامتياز ، فصارت هذه الحركات الإسلامية تعمل في إطار هذه المنظومة في الداخل ابتداء ، وما الداخل إلا آلة الخارج فأصل الداء في المركز لا في قوى الاستبداد في الأطراف وهو ما يجعل معركة الوحي الرئيسة مع قوى المركز فكرا وسياسة وحربا ، وذلك ما يجعل كلام منظري المركز في هذه الآونة صحيحا في مواضع عدة ، فالظاهرة الإسلامية ظاهرة لا يمكن الحد منها إلا بالتدخل العسكري الخشن فضلا عن ال****** الثقافي الناعم ، فذلك تأويل سنة التدافع وهو ما يكافئ في لغة الفكر والسياسة في هذا العصر **طلح صراع الحضارات ، وإن حاول الطرفان التخفيف في حدته إلا أن المركز الآن في ظل تنامي ظاهرة اليمين المتطرف لا ينفك يصدق هذه السنة الربانية فصارت دعوات الحد من الأسلمة بضاعة انتخابية رائجة في دول كثيرة كفرنسا وهولندا والمجر واليونان المفلسة ! ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، فضلا عن بريطانيا التي سيطر فيها اليمين وإن كان أكثر تعقلا من اليمين الأمريكي ، فاليمين البريطاني كان ولا زال يمينا محافظا خلاف اليمين الأمريكي فهو يمين ثائر هائج ! ، فهذا السلوك السياسي المتطرف والذي يلاقي هوى عند بعض أنظمة الاستبداد في الأطراف فهي تَرَى فيه طوق نجاة إذ تحاكيه كالببغاء في التحذير من التطرف والإرهاب الإسلامي فتلك بضاعة رائجة الآن تسهم بشكل فاعل في إطالة عمر أي نظام جائر في الأطراف إذ يرضى طوعا أن يكون قفاز العمليات القذرة التي يستنكف عنها المركز فهو مجموعة وظيفية لمكافحة الأصولية الإسلامية ، إن بخطاب التجديد الناعم أو بقوة النار الخشنة فالحرب على الإرهاب الإسلامي تكون على كافة الجبهات الفكرية والميدانية ! ، وذلك اصطلاح بدأ يَتَسَلَّلُ إلى كلام ساسة كُثُرٍ كانوا في الماضي يَتَّسِمُونَ بِنَوْعٍ من التعقل كالمستشارة الألمانية ميركل التي صار خطابها السياسي الآن يصر على التحذير من التطرف الإسلامي وإن غازلت الطرف الآخر بخطاب كلاسيكي يزعم التفريق بين الإسلام كمنهاج والتطرف الإسلامي كظاهرة لا علاقة لها بالإسلام الوسطي السمح طبقا لمعيار المركز فوحده من يمتلك ميزان الحرارة المحكم الذي يقيس به درجة التوسط أو التطرف ! ، فهذا الصندوق المحكم الذي يحيط بحركات الإصلاح فيقيد حركتها إذ يضع لها سقف طموح منخفض يحول دون استعادة الوحي لدوره التاريخي هو ، عند التدبر والنظر ، حكاية صادقة لصندوق آخر يحيط بالعقول وهو صندوق العلمانية اللادينية فهي ترفض أي أفكار من خارج الصندوق ، فقد جعلت العقل هو المركز الحاكم ورفضت أي مرجع يتجاوزه من خارج فرفضت أي أفكار من خارج الصندوق ، فأفكار الوحي لا تصلح حكما في أعصار ازدهرت فيها المادة فصارت هي القيمة العظمى ، فطرح الحركات الجهادية في هذا الموضع طرح ، في الجملة ، صحيح إذ لا بد من كسر هذه الصناديق المحكمة التي تُقَزِّمُ الوحي إذ تضع له حدا وتجعله التابع وربما الخادم في مشاريع سياسية براجماتية نجحت في توظيف الدين لخدمة مآربها ، فلا بد من خطاب تجديد وثورة في الأفكار يجعل الوحي هو الحاكم المهيمن ، فيكسر صندوق العلمانية الفكري ، ويكسر صندوق النظام الدولي السياسي والعسكري ، فذلك طرح أحسنت الحركات الجهادية في عرضه ، وإن كان ثَمَّ ولا زال أخطاء جسيمة في التطبيق فقد كانت في مواضع سَبَبًا في تَنْفِيرِ الناس من الحق المنزَّل ، والنظرية ، مع ذلك ، تحظى بحظ عظيم من الصحة ، وهو أمر تجاوز الظاهرة الإسلامية الجهادية إلى ظاهرة العنف المسلح التي نمت في دول المركز مع حصول أسباب الرفاه التي تمنع في العادة اندلاع الثورات الاجتماعية ، فهي حركات احتجاج على أوضاع روحية مزرية وإن كانت الأوضاع المادية في مجتمعات الشمال على أحسن ما يُرَامُ ، فكانت حركات الهيبز كما يرصد بعض الفضلاء ، استمرارا للمذهب الوجودي العبثي ، وهو ، كما يقول بعض المحققين ، احتجاج على التقدم الحضاري بمفهومه المادي الجاف ، فحركات الهيبز تعبير حاد عن رفض الظاهرة الفكرية المادية التي تهيمن الآن على المركز ، وهو ما تطور بعد ذلك إلى حركات العنف المسلح فأمريكا قلب المركز النابض تشكو من تهديد أمني خطير جعل بعض الباحثين ، وهو وزير الدفاع الأمريكي السابق أشتون كارتر ، يضع العنف أو الإرهاب في الداخل على قائمة الأخطار التي تهدد الأمن القومي الأمريكي ، فثم نحو 300 ألف ميليشيا مسلحة تهدد أهدافا استراتيجية في الدولة الأمريكية كمفاعلات الطاقة النووية التي تستخدم في توليد الكهرباء ، فذلك إرهاب آخر ولكنه ليس إسلاميا هذه المرة ، وهو نِتَاجٌ بدهي للإعراض عن الوحي الإلهي فوحده الذي يحسم مادة الحيرة والاضطراب في النفوس فلا ترى ما تراه الآن في دول المركز من التناقض بين الظاهر والباطن ، فَثَمَّ رفاهية في الظاهر ، وَعَبَثِيَّةٌ في الباطن ، والعبثية ، كما تقدم ، احتجاج على هذه المادية الجافة ، فهي تشاطر الوحي هذا الوصف ، ولكن الوحي يرشد الناظر إلى طريق الخلاص بينما تكتفي العبثية بالاحتجاج المجرد دون أن تقدم البديل فهي تشبه ثورة في عالم السياسة بلا دليل ، فَتَدْعُو إلى إسقاط النظام دون أن تقدم البديل إلا الفوضى ، وأما الوحي فهو ، مع القدر الفارق بداهة ، هو ثورة فكر وسياسة تدعو إلى إسقاط النظام الجائر ولكنها تقدم البديل الكامل ، فَثَمَّ خطة طريق محكمة لا خطة طريق حالمة لا وجود لها إلا في أذهان أصحابها ! ، وذلك ضرب مثال لا أكثر ، فالوحي أسمى أن يكون ثَوْرَةً بالمفهوم السياسي الأرضي ، فليس دعوة احتجاج جَمَاهِيرِيٍّ ، ولكنه منهاج معصوم قد جاء ليحرر العقول من أوهام الشرك والخرافة ، ويحرر الأبدان من قيد الطغيان في السياسة .

والله أعلى وأعلم .


الساعة الآن 06:03 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant