![]() |
العلم والفن
العلم والفن
ثنائية الفن والعلم تحكي ، عند التدبر والنظر ، التباين بين الدين والعلم بمفهومه المادي الجاف ، لا العلم الذي جاء الوحي آمرا به مادحا له ولأهله ، فـ : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) ، فإن العلم كأية وظيفة في الكون مما يحتاج إلى منظومة قيم وغايات ترشد عمله وتوجهه فإنه لا يصلح غاية في نفسه ، وإن كان العلم أمرا يحمد ولكنه إن لم يشفع بعمل يصدق وَيَنْفَعُ فلا أَثَرَ له آنذاك في الحياة إذ يظل مجردا في الذهن فلا فِعْلَ له في الواقع ، وتأثيره في الواقع لا بد له من منظومة قِيَمٍ تحكمه وإلا صار وبالا على صاحبه كما ترى في علوم الطاقة النووية لما حصلت في يد من لا يحسن استعمالها فصيرها **** تدمير وإفناء تارة و**** إرهاب يثير الرعب أخرى فلا يهنأ العالم في وجوده ولو في السلم المعلن فثم حرب باردة وسباق تسلح في كل بؤرة مشتعلة في هذا العالم وإن كان ظاهرها الهدوء المؤقت فَلَعَلَّهُ الهدوء الذي يسبق العاصفة فمن الوهم أن يعتقد الناظر أن الحرب الباردة قد انقضت بسقوط القطب الشيوعي مطلع التسعينيات فغاية ما يقال أنها قد هدأت بعض الوقت قبل أن تعاود الاشتعال وهي توشك أن تصير ساخنة في بؤر انفجرت كما هي الحال في الشرق الأوسط وإن لم يبلغ الانفجار بعد مداه فليست إلا مسألة وقت حتى تنضج الطبخة ويتداعى الأكلة إلى القصعة وهم الآن يتداعون من كل حدب وصوب إن بالحق أو بالباطل إن بالتدخل الخشن أو بالتدخل الناعم من وراء ستار بإمداد أطراف الصراع ودعمها ولو بالتصويت في محافل السياسة الأنيقة ، فالعلم قد صار وبالا بما تكدس من ال**** الفتاك ، الخفيف والثقيل ، العادي والنوعي ، التقليدي والنووي لا سيما في ظل منظومة قيم مادية لا تقدس إلا القوة ولو في مظاهرها الثقافية والفنية التي يفترض أن تخاطب الوجدان فليس إلا ملاحم الدم وأفلام الرعب ورياضات العنف والقتل فضلا عما يجري الآن من إعادة تموضع في النظام الدولي الذي يتشكل ، ولو على مهل فليست نوعية الحروب الحالية مما يغير به نظام دولي وإنما تجزئ حتى الآن في خلخلته وهز أركانه لا إسقاطه فإسقاط الأنظمة السياسية الثابتة من عقود لا يكون إلا بحروب طاحنة تضاهي الحرب العالمية مطلع القرن الماضي ووسطه فما أفرز منها من نظام دولي يحكم حتى إشعار آخر لم يكن باجتماع في قاعة مكيفة وإنما كان على أشلاء مكدسة بلغت الملايين حتى استقر النظام الدولي الجائر الذي لم يرع حرمة لدين أو أخلاق ، إلا أخلاق القوة والأثرة ، فلا يسقط ، والله أعلم ، إلا بحرب تضاهيها ، سواء أعدل الخصوم أم ظلموا وهم في الغالب يظلمون لافتقار الأرض في هذه الآونة إلى قيم الوحي وأحكامه وذيوع قيم الوضع في الشرع والسياسة والحرب ، فكل يسارع في حجز المقعد تحت شعار : البقاء للأقوى وإن لم يكن الأعدل ، فالقوة هي الحق لا العكس ، فبقدر ما تملك من آلة قتل وبقدر ما تمارس من عنف وسفك يكون لك مقعد على مائدة الكبار وإن كانت مائدة اللئام التي لا توقر إلا الأقوياء ولو كانوا مجرمي حرب ، ومع اقتراب انهيار نظام ونشوء آخر يكون التسارع بين الدول الكبرى إن في العالم أو في الإقليم أيها يحظى بمقعد متقدم وكل يدلي بدلوه بما يملك من أوراق القوة ، وثم من يروم منصب القائد وثم من انحط طموحه فاكتفى بمقعد المتفرج أو التابع الذي لا يملك مشروعا مستقلا أو رؤية سياسية واضحة المعالم كما هي الحال في الأنظمة العسكرية المستبدة فإنها لا تملك أي مشروع إلا القمع ولا ***ي أي شي إلا الدعم مدفوع الثمن ، وهو بداهة يأتي من الخارج في ظل تصاعد سخط الداخل الذي لا يجد من آثار هذا النظام إلا التضييع للدين والدنيا فلا قيم ولا أخلاق ، ولا أرزاق ولا أقوات ، ففساد عاجل وآجل وتخريب في الذمم والضمائر ، فلا تجد هذه الأنظمة من يدعم في الداخل إلا المنافق المداهن ودوائر انتفاع محدودة لا يبقيها على رأس السلطة إلا امتلاكها لأسباب القوة سياسة وحربا ومالا في مقابل تقصد صريح لإضعاف المجتمع وإفساده وسلبه أية قدرة على المقاومة والممانعة إن في الدين أو في الدنيا ، فإفساد للأديان بنشر ثقافة الإلحاد والانحلال ، وإفساد للأبدان بالقتل والأسر والجرح والقطع والمطاردة وإفشاء الأمراض بفاسد الطعام والشراب والدواء بل والهواء فضلا عن التضييق في المعايش والمنافسة غير العادلة في المكاسب ، فلا جبهة داخلية ولا حاضنة شعبية ، فلا يجد أولئك إلا أن يولوا وجوههم شطر الخارج ، فتعرض هذه الأنظمة قرارها السياسي للبيع لمن يدفع أكثر ، بل وأرضُها في أحيان محل مساومة ومزايدة فهي لمن يدفع أكثر كما هي حال البغي التي تعرض جسدها للبيع وهي لا تمانع أن تنتقل من فراش إلى آخر طالما كان المقابل أكبر إذ ليس ثم مبدأ ففراش شرقي تارة وغربي أخرى رغبة في تحقيق أكبر قدر من المكاسب ولو على حساب الدين والمروءة وكل قيمة تعظمها النفوس الشريفة خلافا للنفوس الوضيعة التي لا تعظم إلا ال**لحة العاجلة والمنفعة بمفهومها المادي الفج فكل شيء يوظف لخدمة **الحها وإن كان في نفسه شيئا شريفا كالعلم والفن . فالعلم والفن في الأنظمة الديكتاتورية المستبدة يرزحان تحت هيمنة السلطة ، فصارا أداتين من جملة أدوات الدولة في فرض السيطرة على المجتمع وافتقرا إلى غايات شريفة فليس إلا الغاية السياسية البراجماتية فالعلم سبب في تحصيل أسباب القوة المادية دون منظومة قيم ومبادئ تحكمها والفن سبب في إلهاء الشعوب وتغييب العقول وتدمير الهوية والثقافة والأخلاق ، فالعلم التجريبي المعاصر يُعْنَى بالعلة الصورية دون النفاذ إلى العلة الغائية ، فإنه يبحث في ظواهر الكون وَيَرُومُ توظيفها التوظيف المادي خدمة للإنسان الذي تحول إلى جسد بلا روح وصار الإشباع للغرائز غاية عظمى فهو في نفسه قيمة فكرية باعثة على التفكير والعمل ! ، لا جرم أن كان هذا العلم حكاية لمعرفة مادية للطبيعة تعنى ، كما يقول بعض المفكرين ، بالتحليل والملاحظة وإجراء التجارب المعملية فقد تحول الإنسان إلى كتلة من الغرائز تستجيب للمؤثرات الخارجية استجابة الحيوان ، فالشعور باللذة ودفع الآلام هو القيمة العظمى ، وذلك ، وإن كان مقصودا رئيسا في الرسالات فحفظ النفس والنسل من مقاصد الوحي الكلية إلا أن ثم قِيَمًا أعظم تحمل الإنسان أن يصبر ويكابد الآلام طلبا لنعيم أشرف ، نعيم الروح ، فإن ال**ابر ، كالصائم والمقاتل ، يكابد ألم البدن وروحه مع ذلك صحيحة سالمة فيجد سعادته في المشقة فلا تنال سيادة إلا بها ، فـ : لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ ******* ألجُودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتّالُ . فالباذل من جسده وماله يخالف عن قيم العلم المادي الجاف فليس ، كما يقول بعض الفلاسفة ، إلا قياسا كميا للمادة وإن عُنِيَ بكيف فهو يعنى بالكيف الظاهري ، فالظواهر الكونية كلها ترجع إلى أسباب مادية محضة تدور في فلك السببية المطلقة في أعصار ما بعد البنيوية ، وهي مدرسة فكرية اشتهرت في النصف الأخير من القرن العشرين ، وهي تحكي نظرية أوجست كونت التي أرخ فيها للبشرية من خلال ثلاثة أدوار : السحر والدين والعلم ، فكذلك ما بعد البنيوية فإنها تنتقل بالإنسان من مشاعر الخرافة الدينية ! إلى قانون السببية المطلقة الذي يهيمن على الحياة الفكرية المعاصرة ، فلا ترجع الظواهر والأحداث إلى أسباب مغيبة فتلك خرافة ميتافيزيقة روجت لها الأديان طبقا للنظرية الشيوعية الكلاسيكية التي بلغت الغاية في الغلو والتطرف في هذا الباب ، وهي لسان الحال في المذاهب الرأسمالية الصناعية التي جعلت الآلة هي القيمة العظمى وجعلت الإنتاج والاستهلاك غاية ، في مجتمعات مُغْرَمَةٍ بالتحديث وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما تروج له الشركات العملاقة التي أصبحت تهيمن على المجتمع بل وتعدت سيطرتها إلى عالم السياسة فصارت الدول تخضع للشركات متعددة ال***يات في إطار نظرية العولمة الاقتصادية ، فثم الآن ، كما يقول بعض الفضلاء ، ثم صراع محتدم بين الدولة ومؤسساتها الخدمية والاجتماعية في طرف ، والشركات في طرف آخر ، فإن طرح العولمة قد أضر بكثير من الأفراد بالنظر في الشأن الاجتماعي الذي تَتَحَمَّلُ الدولة جزءا كبيرا منه في إطار منظومة التكافل الاجتماعي ، وتلك معان تكرهها العولمة لأنها تقف حائط صد أمامها أن تحقق أكبر قدر من المكاسب إذ تروم تقليص دور الدولة في تقديم الخدمات لتتولى هي هذا الأمر نظير مقابل أكبر فليس ثَمَّ دعم تقدمه الدولة ، فَتُقَدِّمُ الشركات الخدمات بأسعار السوق الحر فالدولة قد رفعت الدعم أو قلصته في مقابل تَغَوُّلِ الشركات التي هيمنت على الجانب الخدمي وذلك ما يصاحبه في العادة هيمنة على القرار السياسي إذ تقلص دور الدولة في مقابل تعاظم دور الشركة وذلك جوهر الصراع الدائر الآن في دول المركز إذ نشط اليمين الراديكالي المحافظ في أوروبا ، فهو يمين مركب ، إذ يكره الأجانب عموما والمسلمين خصوصا فهو يروم النقاء العنصري ، وهو يكره أية منظومة أممية تهدد خصوصيته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية فضلا عما يواكب ذلك من إضعاف الدولة الوطنية و**ادرة قرارها السياسي والمجتمعات الأوروبية في الجملة مجتمعات تقليدية محافظة تثمن دور الدولة في رعاية المجتمع فتلك سيكولوجية اجتماعية تسهم في تدعيم سلطة الدولة مع احتفاظ الأفراد بهامش من الحرية الفردية لا تُعْنَى كثيرا بالجانب العقدي أو الأخلاقي ، فالدولة قد صارت راعية للأبدان دون أن يكون لها دور فاعل في حفظ الأديان في إطار منظومة فكرية لا تمارس الكهنوت ولكنها لا تجعل الحرية ذريعة إلى التحلل الذي يهدد هوية المجتمع وثقافته ويهدد منظومة الآداب العامة وذلك أمر أجمعت عليه الأمم كلها مهما بلغت درجة الحريات العامة فيها وإلا انتقل المجتمع إلى حال من الفوضى أو اللادولة التي تصير فيها الأملاك والأبضاع مشاعا مباحا لكل أحد وهو ما يخرج الأفراد من وصف الإنسان إلى وصف الحيوان بل قد يتقدمها الحيوان في أحيان ! ، وذلك طرح الشيوعية الإلحادية في أشد صورها غلوا وتطرفا ، وهي ما اصطلح على تسميته بالشيوعية العلمية ، إذ جعلت الغاية العظمى للبشر أن يصلوا إلى فردوس أرضي تكون الإباحية فيه هي القيمة العظمى فتصير مباشرة اللذات مطلقا دون أي قيد من دين أو عرف أو قانون أرضي تصير : حقا يكفله الدستور لكل أحد في هذه الجماعة الفوضوية التي انحطت عن درجة البشرية وذلك ، عند التدبر والنظر ، طرح خيالي فإن الشيوعية نفسها قد مارست السلطة على نحو مركزي شديد المركزية قد بَلَغَ الغاية في الديكتاتورية والتسلط ، وهي وإن بشرت بالحرية والانعتاق من ربقة الإقطاع الزراعي إلا أنها قد أدخلت الناس قسرا في دين الاستبداد الذي مارسته الأقلية الح**ية ، فَاسْتُبْدِلَ الح** ولجانه ومكاتبه برجال السياسة والكهنوت في المجتمعات الإقطاعية فانتقل الناس من استبداد زراعي إلى آخر صناعي ، وذلك ما لم يسلم منه المجتمع الرأسمالي في الغرب وإن حظي بقدر أكبر من الحرية ، مع بقاء الدين حاضرا في المشهد وإن مكبوتا في النفوس ، فقد تقلص دوره فصار ضيف شرف في الحياة فلا تستغرق شعائره إلا دقائق من الوعظ البارد الذي لا تظهر آثاره في الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي هيمنت عليه قيم البراجماتية النفعية ، ولكنه ، مع ذلك احتفظ بمساحة لم يحظ بها في المجتمعات الشيوعية المادية التي قمعت كل المشاعر ووظفت كل الطاقات الفكرية والمادية لخدمة مشروع الدولة المركزية ، فصار كل شيء خادما لسياسة الدولة وعقيدة الح** ، فالعلم التَّجْرِيبِيُّ قد ازدهر في ظل الدولة الشيوعية ، فالعلماء ، كما يقول بعض المفكرين ، قد عانوا من اضطهاد الكنيسة في العصور الوسطى ، ثم صارت لهم حظوة كبيرة في العهد الشيوعي في ظل منظومة مركزية مستبدة قمعت أي فكر يخالف فكر الدولة ، فقمعت الفنون والآداب إذ تبنت مذهب الواقعية الاشتراكية الذي استلهم قصصه وآدابه من معاناة الطبقة الكادحة أو البروليتاريا ، وهو مذهب يخالف عن الواقعية الاجتماعية ، وإن كان كلاهما يجعل الدور الرئيس للمجتمع في ظل تراجع دور الفرد الذي يضمحل وجوده في وجود الجماعة الأم إلا أن الواقعية الاشتراكية تُرَكِّزُ ، كما تقدم ، على طبقة العمال ، وهم عماد الثورة على الإقطاع فتثير في نفوسهم الأحقاد على الأغنياء وتروم علاج الظلم بآخر مثله بل هو أعظم من سابقه في ظل شعارات من قبيل العدالة الاجتماعية أو العدالة الانتقالية في محاسبة المسئولين في العصر البائد ولم تكن ، عند التدبر والنظر ، إلا انتقامية من كل غني في ظل سياسة إثارة الأحقاد فالحقد ، كما يقول تروتسكي منظر الشيوعية الثورية ، الحقد هو وسيلتنا لقلب أنظمة الحكم في العالم على وجه يجعل دماء الأغنياء تسيل أنهارا فذلك هو العدل لينتقل الناس من الثورة إلى حكم الح** الشيوعي الذي يحكمهم بالحديد والنار ويحولهم إلى أُجَرَاءَ وإن شئت الدقة فقل رقيقا في **انعه وجندا بالقهر في جيوشه باسم الخدمة الوطنية وليست إلا خدمة للدولة ومشروعها السياسي فهم يحاربون لأجل النظام الذي اختزل في شخص الزعيم الخالد وذلك ما تجد آثاره بادية في انقلاب 52 في **ر وتجد آثاره في إعلامه وفنه الموجه في أفلامه الكلاسيكية التي تعرض في ذكرى الثورة كل عام فأبناء الفقراء مضطهدون مطلع القصة منتصرون آخرها قد قهروا الأغنياء واستردوا الدولة وصارت لهم الحظوة وتغنوا بأناشيد الثورة التي تمجد الوطن ثم وجدوا أنفسهم بعد انتهاء ال**** عبيدا ولكن لأسياد جدد يرتدون هذه المرة زي العسكر ! بعد أن كانوا من طبقة الباشوات المدنية فقد سرق منهم العسكر هذا اللقب فلا زالوا حتى اليوم يَسْتَمْتِعُونَ بألقاب البكوية والباشوية وإن ألغيت من عقود مع أنهم ثاروا بزعمهم للقضاء على هذه الطبقة الاجتماعية فنقلوا الناس إلى طبقية جديدة صاروا هم فيها البكوات والباشوات الجدد بعد إزالة الطبقة القديمة وصار لهم أملاك ومشاريع يعمل فيها الجند عبيدا كما كانت الحال زمن محمد علي إذ كان الناس يعملون سخرة لتجهيز حملاته العسكرية واليوم قد بقيت السخرة ولا حملات عسكرية إلا على الشعب الأعزل بقتل الأبرياء وحرق الجثث ودفنها باسم الحرب على الإرهاب والتطرف فذلك العقد العسكري الجديد ، ***ا غاب الوحي من المشهد لم يستفد الناس بالثورة سلمية كانت أو مسلحة ، مدنية كانت أو انقلابا عسكريا ، لم يستفيدوا إلا أن انتقلوا من رق إلى آخر ، بل الرق الأول كان أرحم وأخف وطأة فالناس يترحمون على أيامه وإن كانت أيام ضيق وضنك ، فالوحي وحده هو الذي يحقق للناس ما يصبون إليه من الحرية الحقة لا الحرية المزعومة فليست إلا عبودية يزخرفها القول ويجملها الإعلام والفن الموجه . فكان اضطهاد الشيوعية للفنون والآداب من *** اضطهاد الكنيسة للعلم التجريبي ، فكان العلم ، كما يقول بعض المفكرين ، عدوا للكنيسة التي رامت السيطرة على الفضاء العام بكهنوت مستبد يحاكي الشيوعية اللادينية في استبدادها ، فقد انتقل المجتمع القيصري الأرثوذكسي من الاستبداد الديني في الدولة الملكية إلى الاستبداد اللاديني في الدولة الشيوعية مع احتفاظ كلا الأنموذجين بنظام الحكم المستبد المركزي شديد المركزية ، ثم صار العلم حليفا للدولة الشيوعية فهو خادم لأيديولوجية الدولة ، كما ظهر في الحقبة الستالينية التي تمثل أشد حقب الشيوعية تطرفا ، فقد حقق العلم التجريبي طفرة كبيرة رعاها ستالين وإزدانوف سكرتير الح** الشيوعي في الحقبة الستالينية ، فبلغ ، كما يقول بعض المفكرين ، أعلى نتائجه في حقل الطاقة الذرية وفي العلوم الكونية ، لا سيما العلوم الخادمة لتكنولوجيا التسليح التي حققت طفرة كبيرة لا سيما في حقبة الحرب الباردة ، فكان التسليح السوفييتي مضرب المثل ، *** تحقق الشيوعية ، عند التدبر والنظر ، أية طفرة تكنولوجية لافتة إلا في مجال التسليح التقليدي وغير التقليدي وهو ما تتبجح به موسكو حتى الآن حتى صارت الحروب حقول تجارب تبرهن بها موسكو على جودة أسلحتها من منظومات الصواريخ إس300 وإس400 وطائرات الميج ..... إلخ ، كما هي الحال الآن في بلاد الشام ، وكان العلم ، مع ذلك ، خادما لأيديولوجية الدولة الملحدة كما ظهر في أبحاث أوبارين الذي أوعز إليه ستالين أن يخلق الحياة في المعمل ! ، فضلا عن أبحاث بافلوف التي وفرت التفسير المادي لأفعال الإنسان الإرادية فليست إلا استجابة لغرائز ا*** كاستجابة الكلب الذي أجرى عليه تجاربه ! ، ففشل أوبارين بعد عشرين عاما من البحث المتواصل وإن نجح في تخليق المادة الكيميائية التي تتركب منها الخلية فقد فشل في بث روح الحياة فيها فذلك السر الأعظم الذي لا يعلمه إلا الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، فـ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ، لو سَلَّمَ الناظر أن أوبارين قد خلق المادة الكيميائية من العدم فما صنع إلا أن وَلَّدَهَا من مادة أولية تسبقها في الوجود على وجه تَتَسَلْسَلُ فيه الأسباب حتى يجد العقل نفسه حائرا إذ لا بد أن يصل إلى سبب في الشهادة ينتهي عنده إدراكه فلا بد أن يرجع إلى سبب في الغيب أو ماوراء الطبيعة التي ما انْفَكَّ يجحده بل ويجعل الإيمان به انحطاطا بالعقل في عصر العلم الذي قضى على خرافة الدين والميتافيزيقا فصار الإيمان بالغيب مئنة من السذاجة والسطحية ، وصارت الرسالات مثار السخرية والتندر فالدين أفيون يتعاطاه المستضعفون ليصبروا على ظلم الأقوياء من الساسة ورجال الدين والإقطاع فلا بد من القضاء على الرجعية الدينية والإقطاع الزراعي كما بشرت الحركات العسكرية الانقلابية في بلاد الشرق في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، فقد شهدت تلك الحقبة رواجا للطرح الثوري المستمد من الطرح البلشفي في موسكو فَعَانَى الشرق من موجة ثورية حمراء واكبتها موجة إلحاد في الأديان وانحلال وانحطاط في الأخلاق مع ذيوع القيم المادية في ظل انتكاسة دينية وفكرية حلت بالشرق بعد الهزيمة النفسية والسياسية التي أعقبت زوال الكيان السياسي الجامع ، فعانى الشرق من تِيهٍ فكري وسياسي مع افتقاده لبوصلة الهوية ، فكانت تلك الدعاية الثورية أفيونا جديدا استبدل بأفيون الكهنوت والإقطاع في روسيا فاستنسخت هذه التجربة الشائهة في الشرق المسلم الذي كان يشكو من التخلف والجمود ، وكان ذلك أمرا لا يجحده الناظر في حال الشرق آنذاك وقد عانى من الخمول إذ فَتَرَ الدين في النفس فانحسر مفهوم العقيدة الحية في القلوب ، وهي مادة الحركة الفاعلة في الحياة ، ففترت تحت وطأة الإرجاء والتصوف الذي حول الوحي من قوة فاعلة في الحياة إلى مشاعر خامدة في النفوس اقتصرت على التصور دون أن يشفع بالعمل الذي يصدق العلم فتظهر آثاره في الخارج على وجه يحقق الغاية من الخلق ، السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، *** يكن السبب في جمود الشرق وخموله هو الدين ، فوحيه محفوظ من التبديل والتحريف وهو سبب الظهور والتمكين باستقراء تاريخ المسلمين ، *** يكن الإشكال في الشرق هو الإشكال في الغرب ، فدين القيصرية والكنيسة كان هو الإشكال إذ بُدِّلَ وَحُرِّفَ فصار هو الذريعة إلى الاستبداد الذي نجم عنه رد الفعل المتطرف فكان استبداد اللادين الملحد في مقابل استبداد الدين المحرَّف ، وكان استبداد الثورة البلشفية في مقابل استبداد القيصرية ، وكان اضطهاد الشيوعية للفنون والآداب فهي صورة تحاكي صورة الأديان إذ مناطها الوجدان والمشاعر ففرضت الشيوعية نمطا واحدا من الأدب وهو الواقعية الاشتراكية ، كما تقدم ، وهي واقعية تَتَّسِمُ بقدر هائل من المادية مع غياب المادة الروحية النافعة ، فتدور في فلك السببية المطلقة ، كما تقدم ، فإن دراسة أية ظاهرة دراسة مادية بحتة تُعْنَى بالعلة الصورية دون النفاذ في الجوهر فغايتها توظيف الصورة المادية في تحقيق اللذة الآنية دون نظر في غاية عظمى فقد أنكروا ما وراء هذا العالم فصارت الأديان ، كما تقدم ، خرافة ، وصار البحث في أسباب الغيب نقصا في العقل وهي الأسباب التي أبان عنها الوحي بل ودل عليها العقل الصريح فإن كل سبب لا بد له من سبب يسبقه حتى يصل ا*** الشاهد إلى سبب لا يمكن تفسيره تفسيرا ماديا فلا بد من رده إلى سبب مغيَّب ولا يُبِينُ عنه إلا الوحي الذي اجتهدت المذاهب المادية في نفيه ! مع أنه كلمة السر التي تحسم هذه الحيرة التي تصيب العقل إذا بلغ حد النهاية في أسباب المادة ، فكان اضطهاد الشيوعية للفنون والآداب في مقابل اضطهاد الكنيسة للعلماء . والفنون ، كما يقول بعض المفكرين ، تعارض الإلحاد المادي كما هو حال الدين ، فإن الفنون والآداب ، كما تقدم ، مما يمس المشاعر والوجدان وذلك مناط التدين ، ففي ظل هذه المنظومة الشيوعية الملحدة شهد العلم التجريبي ازدهارا وشهد التعليم طفرة لا تنكر فإنك تجد الدول التي تبنت هذا الطرح دولا متقدمة في التعليم النظامي ، فارتفعت نسبة التعليم في روسيا ارتفاعا ملحوظا ، كما يرصده بعض المفكرين ، ففي عام 1965 كان ثَمَّ ستون مليونا من البشر أسماؤهم مدرجة في المدارس ، وانخفضت نسبة الأمية في كوبا في ظل حكم الرئيس الراحل فيدل كاسترو وهو من أبناء الثورة الكلاسيكية الأوائل ، انخفضت إلى صفر% ! ، ولكن هذه الطفرة المادية لم تواكبها طفرة روحية بل شهدت الحياة الروحية والحياة الفكرية في ميادين الأدب والفن شهدت ركودا وتقليدا ، *** تنجح الثورة في إحداث طفرة تخرج المجتمع من حال الجمود والركود التي شهدها إبان حكم الكنيسة والقيصر بل إن معظم الإبداع الروسي في الفنون والآداب ، وهي ثقافة الروح ، قد ظهر في القرن التاسع عشر إبان الحكم القيصري الرجعي المتخلف ! ، فقدمت روسيا القيصرية نجوما في سماء الأدب والفن كتولستوي ودستويفسكي وهو أحد وراد الواقعية الاجتماعية في مقابل الواقعية الاشتراكية ورائدها هو مكسيم جوركي الذي جسد النظرية الماركسية في الأدب ، وهو مذهب الدولة الأدبي الرسمي ، كما تقدم ، ولم تقدم الشيوعية نماذج أدبية راقية كالنماذج التي قدمتها القيصرية ، مع أنها تبجحت أنها ثورة على الخمول والجمود ، فانتقل العقل وانتقلت الروح إلى حال أخرى من الجمود والخمول مارس القمع لكل فكر معارض ، ولو رواية في الأدب ومارس من الاستبداد والتسلط ما صار مضرب المثل والتندر فكان ستالين يُشَاهِدُ الأفلام قبل عرضها في دور السينما فيمارس دور الرقيب الذي يقص ما لا يوافق هواه فكل ما يعارض أيديولوجية الدولة ولو رمزا فهو رد ، وذلك ما يذكر الناظر بما كان الزعيم الخالد يصنع في **ر ! ، فكان يراجع الصحف قبل صدورها وبيده قلم أحمر ! ، فهو قلم الرقيب الذي يحذف ما يضر ب**الح الدولة التي اختزلت بداهة في شخصه المفدى في نظرة أحادية الجانب ظهرت آثارها في كل مناحي الثقافة من تعليم وإعلام وفن ..... إلخ ، فهو يستند ، كما يقول بعض المفكرين ، إلى تلقين سياسي مذهبي خال من النقد فلا يربي ملكة الاجتهاد والتجديد وإنما يربي النفوس على التبعية والتقليد لما تراه الدولة المستبدة صوابا دون أن تُرَاجَعَ أو تُنَاقَشَ فهي **در الإلهام الأوحد إذ استبدلت بالكنيسة فانتقل العقل من استبداد الدين المحرف إلى استبداد اللادين الملحد ! ، وذلك استبداد لم يسلم منه الأفراد فظهرت آثاره في طرائق التربية والتعليم التي صارت تقوم على التلقين المباشر مع استخدام العنف المفرط حال المخالفة دون نقاش يربي ملكة النظر والتدبر وينمي في الطفل شجاعة الرأي ، فقياس العقل أن تكون الثورة عامة تستغرق جميع مناحي الحياة فكرا وثقافة وسياسة وصناعة ..... إلخ ، ولكن الثورة اقتصرت على الجانب المادي دون أن تواكبها ثورة روحية على الدين المبدل الذي مارس الاستبداد باسم الكهنوت المقدس ، *** تراجع الثورة الوحي الصحيح بل إنها أعلنت الحرب على الدين كله ، صحيحه وباطله ! ، فقامت على نظرية الإلحاد الصريح الذي ينكر مرجع الدين كمرجع يتجاوز العقل من خارج ، فكان المرجع هو قيم الماركسية الأرضية ، فانتقل المجتمع من مرجع أرضي هو حكم الكهنة الذين تصرفوا في الدين تبعا لأهوائهم إلى مرجع أرضي آخر وهو قيم ماركس وإنجلز ولينين *** يستفد الناس إلا الخروج من حكم طاغوت إلى حكم آخر كان طغيانه أعظم وأبشع ، فقد أصاب الروح والفكر بالشلل ، مع أن الشيوعية قد قدمت في العلم روادا في العلوم النووية والطبيعية ، ولكنها ، في المقابل ، لم تقدم فلسفة عقلية تضاهي المدارس الفلسفية العريقة في أوروبا ، فَلَمْ تقدم شيئا في جانب الروح والفكر ، صحيحا كان أو باطلا ! ، فَقَمَعَتْ سائر المظاهر الفكرية بفرض الواقعية الاشتراكية ، كما ينوه بعض المفكرين ، وهو ما جعل المجتمع الروسي يهتم بالآداب والفنون على نحو هيستيري وكأنه يقدم مادة بديلة عن الدين الذي جففت الشيوعية منابعه ، فيمارس الشعب ، كما يقول بعض الفضلاء ، يمارس من خلال الأدب ما هو محرم عليه ممارسته من خلال الدين فالفن رمز روحي يكافئ الدين فجذوره في الغالب دينية روحانية ، وإن لم يصب الدين الحق فإنه لا بد أن يأرز إلى معنى لطيف يجاوز معاني ا*** الجامد ، فمارس الروس في الفن ما حُظِرَ عليهم في الدين ، كما هي الحال في المجتمعات التي تشكو الاستبداد السياسي لا سيما الاستبداد العسكري فلا يطيق أحدا النقد المباشر فمآله السجن أو القبر أو الطرد ! ، فَيَلْجَأُ الأدباء المعارضون لِلنِّظَامِ إلى لغة الأدب الرمزية لإيصال رسالة سياسية غير مباشرة كما تجد في أعمال عرضت في السينما ال**رية من قبيل "شيء من الخوف" ، فإن الابن قد ورث عن أبيه إمبراطورية القمع التي لا تحكم إلا بشيء من الخوف كما هي حال النظام العسكري في **ر فلا بد من شيء من القمع وآخر من الخوف يُبَثُّ في النفوس عبر قصص تُثِيرُ الرعب وتحمل الناظر على التسليم والمهادنة خشية البطش والملاحقة ، والبطل قد تزوج البطلة كرها وإن شئت الدقة فقل اغتصبها اغتصابا كما اغتصب العسكر **ر ، فكان النداء الشهير في القصة : "زواج عتريس من فؤادة باطل" ! ، ومراد الكاتب أن زواج العسكر من **ر باطل فقد اغتصبوها بعد رحيل المغتصب الأبيض *** يرحل إلا وقد أنشا طبقة من المغتصبين الجدد ولكنهم من أبناء الجلدة والوطن هذه المرة فتلك نظرية الإنجليز السمر ، كما يسميها بعض الفضلاء ، فليسوا إلا رجال الإنجليز البيض الذين تربوا ولا زالوا في معاهدهم العسكرية وَتَثَقَّفُوا من فتات موائدهم الفكرية ، وهذا هو الجانب الأخطر فليس عُظْمُ الداء أنهم تعلموا في معاهدهم العسكرية فنون القتال حتى صاروا أتباعا في التسليح والتدريب والاستراتيجيات فذلك خطر ولا شك ولكن الأخطر أنهم قد تلقوا في هذه الدورات جرعات فكرية مكثفة تكرس الولاء والتبعية للمركز فهم أبناؤه قلبا وقالبا ، فقد رباهم المحتل أن يكونوا أذنابا له فليسوا ، كما يقول كاهن الناصرية الراحل كاتب خطابات الزعيم الخالد وملهمه الروحي ! ، ليسوا إلا استكمالا لمشروع الاستعمار القديم ولكن في أثواب وطنية هذه المرة وقد قال ذلك ، كما ينوه بعض الفضلاء ، قاله في ترجمة إنجليزية لبعض مؤلفاته لا في الترجمة العربية بداهة لئلا يفتضح أمره فثم باطنية في الخطاب فخطاب العامة من العرب الأجلاف يخالف بداهة عن خطاب السادة من البيض الظرفاء ! . ولم تسلم العمارة من هذا الاستبداد الفني ، إن صح الاصطلاح ، فكانت التراكيب المعمارية تراكيب وظيفية خادمة تخلو من اللمحة الفنية التي اشتهرت بها أوروبا في عصورها الوسطى ، فمعابدها ، كما يقول بعض الفضلاء ، أشبه ما تكون بالمتاحف التي تحوي أعمالا فنية ذائعة الصيت ، فأوروبا تهتم بالتفاصيل الفنية خلافا لما يجده الناظر في أمريكا وهي تمثل مرحلة مادية تضاهي المرحلة الشيوعية مع القدر الفارق في الرفاهية إلا أن التركيز على الوظيفة المادية مع إغفال اللمسة الجمالية أمر يشتركان فيه وإن كانا على طرفي نقيض في النظرية الاقتصادية ، فثم مادية مفرطة تغفل الجانب الجمالي وَتُعْنَى في المقابل بالجانب الوظيفي ، وإن كانت المادية في المجتمعات الشيوعية مادية وظيفية تخدم الدولة أو المجتمع على نحو تستبد فيه الجماعة فتهدر حق الفرد في الإبداع والتميز والاستقلال الفكري والسياسي والاقتصادي فيظل دوما رهين المركز في نظام حكم مركزي شديد المركزية ، فجامع المادية المفرطة يجمعهما كما يجمع ال*** الأفراد التي تندرج تحته ، وذلك قدر آخر فارق بين المجتمع الأوروبي والمجتمع الأمريكي ، كما ينوه بعض الفضلاء ، وهو ما يعكس الاختلاف الحاصل بين أوروبا وأمريكا مع أنهما يشتركان الآن في ظاهرة اليمين الشعبوي المتطرف ، فإن يمين أمريكا ، كما ينوه بعض الفضلاء ، يسعى في تقليص دور الدولة ل**لحة الشركة ، فعقلية رجل الأعمال هي التي تحكم أمريكا الآن وهي عقلية تفشل غالبا في عالم السياسة إذ تدير الدولة إدارتها للشركة ، والدولة مؤسسة عامة يفترض أن تكفل قدرا ملائما من الخدمات الاجتماعية ، بينما الشركة مؤسسة ربحية في المقام الأول فلا يعنيها إلا تحقيق الربح ولو أفضى ذلك إلى الإضرار بالمجتمع ، فالخصخصة وهي سمة بارزة في الأنظمة الرأسمالية الصارمة مدنية كانت أو عسكرية ، هذه الخصخصة لا تأخذ في اعتبارها البعد الاجتماعي إلا ذرا للرماد في العيون بدعاية كاذبة تخالف ما تَتَّخِذُ من القرارات وَتُمْضِي من الإجراءات القاسية التي تهدد قطاعا كبيرا من الشعب إذ ترفع الدولة يدها عن الخدمات العامة وتمنحها شركات لا تعرف إلا لغة الأرقام ! فالبعد الاجتماعي فيها غائب ولو على مستوى الموظفين فهي تجتهد في استنزاف العمالة لتحقيق أكبر قدر من الربح بأقل قدر من التكلفة إن في المرتبات أو في الخدمات أو في المواد الخام أو في الصيانة ..... إلخ فلا تدفع قرشا إلا وهي تروم منه عشرة أو أكثر ، فهذه عقلية اليمين في أمريكا ، فلا عجب أن يسعى الرئيس ترامب إلى نسف منظومة التأمين الصحي أبرز إنجازات الرئيس السابق أوباما على الصعيد الداخلي ، فهي تمثل مظهرا من مظاهر التكافل الاجتماعي الذي تشرف عليه الدولة وهو ما لا تطيقه بداهة عقلية الشركة إذ لا ربح مادي فيه ، والدول كمنظومات حكم براجماتية لا تعرف إلا لغة ال**الح المتبادلة ، فالمبادئ بعد ال**الح ! ، وهو ما لا يجعل الناظر ، على سبيل المثال ، يُدْهَشُ من التقارب الاقتصادي الأخير بين تُرْكِيَا و**ر رغم توتر العلائق السياسية في الآونة الأخيرة فقد شهدت انْتِكَاسَةً بعد 3 يوليو 2013 ، فلغة ال**الح هي اللغة الرسمية في عالم السياسة البراجماتية فحجم الاستثمارات التركية في **ر ، كما يقول بعض المحللين ، يصل إلى خمسة مليارات دولار وذلك رقم كبير يجعل صانع القرار التركي يعيد النظر مرارا ! ، وغالبا ما تكون اللقاءات الاقتصادية ، كما يقول بعض المحللين ، غالبا ما تكون هي الخطوة الأولى على طريق التطبيع السياسي ولو من باب الإقرار بالأمر الواقع ! . وأما اليمين في أوروبا فهو يمين عنصري ولكنه ، من جانب آخر ، يروم الحفاظ على منظومة التكافل الاجتماعي التي ترعاها الدولة ، ويروم الانعتاق من ربقة الشركات متعددة ال***يات التي تصادر قرار السياسة والاقتصاد وتحكم السيطرة على المجتمع بما تقدمه من خدمات مدفوعة الثمن ثمنا حرا يتحكم فيه سوق العرض والطلب دون أن تقدم الدولة أي دعم لمحدودي الدخل الذين صاروا ضحية لجشع الشركة ، فالدولة في أوروبا لا زالت تقاوم استبداد الشركة ، فهي ، كما تقدم ، تروم الانعتاق من أية منظومة عالمية ، فلا عجب أن تسارع دول أوروبا الآن في الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي تصفه المرشحة الفرنسية لوبان أنه منظومة استبداد تصادر القرار الوطني وتتحكم في المجتمع . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 10:04 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir