ryan

ryan (https://hameed.nwar.uk/vb/index.php)
-   مواضيع منقولة من مواقع اخرى2 (https://hameed.nwar.uk/vb/forumdisplay.php?f=17)
-   -   من آية : (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ .....) (https://hameed.nwar.uk/vb/showthread.php?t=2199238)

rss 09-28-2016 08:38 PM

من آية : (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ .....)
 
من آية : (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ .....)
وبعد الوعد الأعم في قوله تعالى في سورة الحج : (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) جاء الوعد لمن هاجر فهو صنف ممن آمن فيجري ذلك مجرى الخاص بعد العام ، فـ : (الَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) ، فجاء المبتدأ على حَدِّ الموصول "الذين" ، وهو ، كما تقدم ، مئنة من الجمع المذكر ، فذلك أصل الْوَضْعِ فِي اللسان ، وهو ما يعم بدلالة التغليب ، فَيَعُمُّ كل من هاجر وكل من هاجرت ، فهاجرت أم كلثوم بنت عقبة ، رضي الله عنها ، وحدها ، في واقعة مشهورة ، فَيَعُمُّ اللفظ كل مهاجر ومهاجرة ، والْمُهَاجَرَةُ مفارقة ، منها المحسوس ومنها المعقول ، فَثَمَّ مُهَاجَرَةُ الأوطان فينتقل صاحبها من دار الكفر إلى دار الإيمان ، ومن دار البدعة إلى دار السنة فلا يقيم في دار يسب فيها السلف ، ولا يقيم في دار فشت فيها المحدثات في العقد والشرع ، لا سيما إن بلغ الأمر حد النقض لأصل من أصول الدين العلمية أو العملية ، كأن يفشو التعطيل العام في الأخبار أو التعطيل العام في الأحكام باستبدال مناط الوضع المحدث بمناط الحكم المنزَّل ، فإن لم يطق الْمُهَاجَرَةَ بالبدن فثم الْمُهَاجَرَةُ بالقلب وهي أدق فهي تعم كل حال ناقصة وهي تكافئ الإنكار بالقلب وهو أضعف الإيمان إن لم يطق المنكِر الإنكار باليد أو باللسان فلا أقل أن ينكر بالقلب ويفارق بالبدن إن استطاع ولو موضع منكر بِعَيْنِهِ ، فـ : (إِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ، فإن لم تُطِقْ إزالة المنكر فَزُلْ عنه ، فَعَمَّ السياق في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، عَمَّ كل هجرة مشروعة ، يرجح فيها معنى التعبد إيجابا أو نَدْبًا ، وإن انصرف بقرينة السبب الذي نَزَلَ عليه النجم القرآني إلى الهجرة من دار الكفر ، فهاجروا في سبيل الله بعد ذلك من مكة إلى المدينة وكأن الآية إرهاص بذلك كما قيل في تفسير قوله تعالى : (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) ، فسعة الأرض تشير من طرف خفي إلى مفارقة الأرض التي يضيق فيها على المؤمن أن يعبد ، ربه ، جل وعلا ، ويوحده في العقد والشرع ، وإضافة السبيل إلى الله ، جل وعلا ، في قَوْلِهِ تَعَالَى : (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، هذه الإضافة تحتمل إضافة الوصف إلى الموصوف ، فإن سبيل الله ، جل وعلا ، يفضي إلى رضاه ، فيكون ذلك من دلالة اللَّازِمِ ، فَسُلُوكُ جادة الطاعة يُفْضِي إلى رضى الرب ، جل وعلا ، ورضاه من وصفه الفعلي الذي يحدث من آحاده ما شاء بمقتضى الحكمة البالغة والقدرة النافذة ، وسبيل الله ، جل وعلا ، هو طاعته ، والطاعة بالنظر فِي أوامرها وَنَوَاهِيهَا هي كلمات تشريع مُنَزَّلٍ فإضافتها إلى الله ، جل وعلا ، من باب إضافة الوصف إلى الموصوف ، وهي بالنظر في أجناس الطاعة وآحادها المفعولة تجري مجرى إضافة المفعول المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، فإنه خالق التصور والإرادة في القلب ، والقول والعمل في الخارج ، فخلق الإرادة وخلق طاقة الفعل وَعَيْنَهُ ، فسبيل الله ، جل وعلا ، جملة من الطاعات ، أَوَامِرَ وَنَوَاهٍ ، أفعال مباشرة وأخرى يكون بها التَّرْكُ ، فَثَمَّ كف عن العصيان وَالْكَفُّ فعل على القول الراجح من كلام أهل الأصول ، ودلالة "في" مئنة من الظرفية ، وهي ظرفية محسوسة بالنظر في طريق الهجرة المحسوسة من **ر إلى آخر ، ومئنة من ظرفية معقولة بالنظر في طريق الهجرة المعقولة من حال إلى أخرى ، من معصية إلى طاعة ، فـ : "المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" ، فذلك يجري مجرى الحد ، فحد المهاجر بالوصل "مَنْ" ، ومناط الفائدة عنوان الهجرة ، فَثَمَّ جناس اشتقاق به يستبين المعنى ، فذلك يجري مجرى الإطناب أن أَتْبَعَ الاسم "المهاجر" وهو اسم مشتق وذلك ما رجح دلالة الوصل في "أل" فقد اتصلت باسم مشتق يجري مجرى صلتها ، فتأويل الكلام : الذي يهاجر من هجر ما نهى الله عنه ، فَأَتْبَعَ الاسم "المهاجر" بالفعل "هجر" ، فهجر وفارق ما نهى الله ، جل وعلا ، عنه ، فدلالة "ما" دلالة عموم يستغرق جميع الأقوال والأحوال ، فَيَعُمُّ النَّهْيَ عن الشرك فمن هجره إلى الإيمان فهو مهاجر بالجنان ، ولا يخلو عن لازم يظهر في القول والعمل ، فإن من الشرك ما يخفى في الجنان ، ومنه الأكبر كاعتقاد الشريك إن في العبادة أو في التشريع ، ولو بمحض التجويز ، فمن جَوَّزَ التحاكم إلى غير الشرع المنزَّل فقد قارف من الشرك والكفر ما قد يخفى أو يظهر إن صرح بذلك ، فكيف بمن عطل ونافح عن الوضع فهو ينصره بالقول والعمل ؟! ، بل وَيَسْعَى فِي حَرْبِ الوحي وأهله ، فيعطل الحكم به ويضطهد من يُعَظِّمُهُ ، ويجعل ذلك مناط مفاصلة ، فإن الوضع الذي يأرز إلى الهوى لا يمكن أن يجتمع مع الوحي في إهاب واحد إلا دعوى كاذبة ، فَثَمَّ من يظهر تعظيم الوحي وهو يبطن التحقير ، فهو يَزْدَرِي الوحي ويكره حكمه إذ يجد الحرج ، أيما حرج ، فالوحي يستلب أصحاب الأهواء والأذواق حظوظهم العاجلة ، ف*** النهي يستغرق كل منهي في الخارج ، من الاعتقاد والقول والعمل ، فهو *** تحته أنواع ، وتحت الأنواع آحاد ، فَثَمَّ ما نهى عنه الرب ، جل وعلا ، من أفعال الباطن ، من فساد التصور ، فيكون الشرك في التصور ، وهو شرك في العلم ، كأن يعتقد التعطيل العام فَلَا يَنْفَكُّ ذلك ، عند التدبر والنظر ، من شبهة التمثيل فيكون صاحبه قد وقع في الشرك ، إذ شبه الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق فذلك يحمله أن يَنْفِيَ وَيُمْعِنَ في النَّفْيِ فتبلغ به الحال التعطيل العام ، فكان شرك التشبيه ، ولا يخلو ، عند التدبر والنظر ، من شرك صريح فَثَمَّ من غلاة المعطلة من جعل الأسماء للإمام في الأرض ، فإنه غلا في التعطيل حَتَّى بلغت به الحال العدم ، *** يثبت إلا عقلا فعالا أول ، هو من كل وصف مُجَرَّدٌ ، قَدْ خَلَقَ تحته جمعا من العقول خلقت ما تحتها من الكائنات ، والعقل الأول لا وصف له ولا إرادة ، فهو فاعل بالاضطرار ، والوحي منه يفيض فَيَتَلَقَّاهُ المحل القابل إذا قارف من الصناعات العلمية والعملية ما يهيئ المحل فيستغرقه التدبر والنظر حتى يبلغ درجة صفاء ونقاء فيلطف الطبع ويرهف ا*** بما يكون من طرائق الزهد وما يكون من أعمال الرسالة فقد صارت ذريعة إلى حصول العلم وإن جرد من العمل ، فتلك درجة يقين من بلغها فقد بلغ الغاية العظمى ، فيسعه من ترك الأمر والنهي ما لا يسع غيره ! ، فحصل الشرك ، من هذا الوجه ، فكل أولئك مما نهى عنه الرب ، جل وعلا ، من عقائد الشرك التي لا تنفك آثارها تظهر في الخارج في القول والعمل الظاهر ، فإن الشرك الباطن ليس عَقْدًا محضا لا تظهر آثاره في الخارج بل لا بد أن يظهر من الأقوال والأعمال ما يدل عليه ، فمن أشرك في الأسماء والصفات فإنه لا بد أن يَغْلُوَ في المخلوق إذ وصفه بما اخْتُصَّ به الرب ، جل وعلا ، من أوصاف الذات والفعل ، فيكون الشرك في التصور وهو يفضي إلى شرك آخر في أفعال الربوبية إذ دلالة الأسماء دلالة اشتقاق فَهِيَ تَدُلُّ على المعاني الَّتِي اشْتُقَّتْ مِنْهَا فدلالة "أل" فيها ، من هذا الوجه ، دلالة الوصل ، فتأويل اسم "الخالق" : الذي خلق ، ومناط الفائدة حال الوصل ، كما قرر أهل الشأن ، هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الخلق أو الرزق ..... إلخ ، فضلا عن دلالة الاستغراق المعنوي لآحاد الوصف ، فَيَعُمُّ خلق التقدير ، ومنه التكوين والتشريع ، وخلق الإيجاد ، فيكون الشرك إذا اعتقد أن ثَمَّ نِدًّا يضاهي الرب ، جل وعلا ، في الخلق والتدبير ، فذلك شرك في الربوبية ، وهو ما نفاه الوحي ، فـ : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) ، فالدعاء هو العبادة ، فَيَجْرِي ذلك مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وقد حذف المفعول الأول والثاني ، على تقدير : قل ادعوا الذين زعمتموهم آلهةً من دون الله ، جل وعلا ، والمفعول الثاني هو متعلق الظرف ، فزعموها آلهة كائنة من دون الله ، جل وعلا ، فاعتقدوا لها حقيقة تزيد على حقيقة ا*** في الخارج ، فهي كائنة في الخارج ، ولكن وجودها الشرعي باطل فليس كل وجود في ا*** يكافئ آخر في الشرع يجوز ، فثم من يصلي بلا وضوء فتقع الصلاة في الخارج فَلَهَا وجود في ا*** ، وإن لم يكن لها وجود معتبر في الشرع ، فوجود الشرع يستوجب وجود ا*** إن بالفعل أو بالترك ، ولا عكس ، فلا يستوجب وجود ا*** وجود الشرع ، فوجدت الآلهة في الخارج ، وليس لها وجود في الشرع يُعْتَبَرُ ، وأما ذكر الإله الحق ، تبارك وتعالى ، فإن ثَمَّ له وجودا في الشرع يستوجب ضرورة وجودا في الخارج وإن لم يدرك با*** الظاهر في هذه الدار ، فعدم الوجدان با*** لا يستوجب عدم الوجود ، بل ثم حقيقة للإله ، جل وعلا ، ثَبَتَتْ في الخارج ودلائل النقل والعقل والفطرة وا*** تدل عليها ، فإن ا*** وإن لم يدرك حقائق الصفات في الخارج إلا أنه لا ينفك يجد آثارها ، فيجد آثار القدرة والحكمة والرحمة .... إلخ ، فآلهتهم زعم باطل ، في مقابل الإله الحق ، تبارك وتعالى ، فلا ملك لهم ، لا مَلك أعيان ولا مِلك أحوال ، فـ : (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) ، فَتَسَلَّطَ النفي على ال**در الكامن في الفعل "يملكون" ، فضلا عن دلالة المضارعة فَبِهَا تستحضر الصورة حالا واستقبالا ، وزد عليه دلالة النكرة في سياق النفي "مثقال ذرة" ، وثم طباق إيجاب استغرق شطري القسمة "السماوات" و "الأرض" ، فضلا عن تكرار النفي ، ومن ثم عطف احترازا : (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) ، فليس ثم شريك في الملك ، وليس ثم من يُعَاوِنُ فهو يشارك في التدبير ، فَنَفَى المالك المستقل بالتدبير وَنَفَى الشريك وَنَفَى الظهير ، فَاسْتَغْرَقَ النَّفْيُ أوجهَ القسمة ، فَنَفَى الشريك نَفْيًا مؤكدا ، فـ : "من" فضلا عن دلالة النكرة "شرك" في سياق النفي فدلالتها دلالة عموم يستغرق ، والسياق يرجح دلالة القطع ، وإن كان العموم ، بادي الرأي ، يفيد الظن ، ولكن قرينة السياق ترجح دلالة القطع ، ومن ثم جاء توكيد النفي بـ : "مِنْ" في : (مِنْ شِرْكٍ) فَزَادَ القطع توكيدا ، وذلك آكد في التَّنْزِيهِ بِنَفْيِ الشريك ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير "لَهُمْ فِيهِمَا" ، وكذلك الشأن في نفي الظهير ، فاستغرق السياق وجوه القسمة في الخارج ، فذلك ما نفاه الوحي صيانة لتوحيد الربوبية في الفعل ، فمن وقع في شرك الربوبية فاعتقد الشريك أو الظهير ، فَثَمَّ شرك آخر يلازمه ، فمن اعتقد أن لمخلوق تصرفا في الكون فإنه لا بد أن يلجأ إليه في الشدة ، فيدعوه من دون الله ، جل وعلا ، فيكون الشرك في العبادة ، فذلك ، أيضا ، مما يهجره المهاجر من كبائر الباطن ، وأعظمها الشرك ولا يخلو من سوء ظن بالله ، جل وعلا ، إذ يعتقد النقص في الرب ، جل وعلا ، فيعطله من وصف الكمال ، أو يغلو في المخلوق فيعتقد فيه من وصف الكمال ما لا يجوز إلا في حق ذي العزة والجلال ، تبارك وتعالى ، وعموم "ما" في "ما نهى الله" في الخبر : "المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" يَعُمُّ ، أيضا ، ما نهي عنه من اعتقاد السوء من مقالات الفرق التي غلت أو جفت ، ففارقت فضيلة التوسط في الاعتقاد فالحق وسط بَيْنَ رذيلتين ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فثم من غلا في الأسماء والأحكام فاقترف من المحظور ما استحل به الدم والمال بلا سبب يقين يوجب ، فـ : "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ" ، وثم من جفا فاقترف من المحظور أن أدخل في الدين من مرق منه ! ، فَقَصَرَ الأمر على عقد ساذج لا تظهر آثاره في الخارج ، بل ولا يحصل منه قدر يجزئ في حصول اسم التصديق فهو صورة علم تقترن بالإقرار والإذعان فلا يجزئ في حصول اسم التصديق صورة علم محضة تحصل في الجنان طيفا ! ، فضلا أن يبغضها وهو يعلم أنها حق فهي تسلبه من الحظ ما يفنى ، ولكن فساد التصور حمله أن يقدم ما يفنى على ما يَبْقَى ، فَرَجَّحَ الأدنى على الأعلى ، وذلك خلاف القياس الصريح الذي يوجب تقديم ما حقه التقديم ، وتأخير ما حقه التأخير ، وأغفل من نواقض الإيمان في الباطن والظاهر ما حصل به الخلل وَالنَّقْصُ فِي حد الإيمان ، فإن إخراج العمل من حد الإيمان قد أضر به ، إذ فات منه ما يقدح فواته في الكمال الواجب ، حال الكفر أو الشرك الأصغر ، وفات منه ما يقدح فواته في أصل الدين الجامع ، حال الكفر أو الشرك الأكبر ، وحصل من الفعل لمحظور ما يقدح ، أيضا ، إما في الكمال الواجب ، أو في الأصل الجامع ، فإن النهي ينصرف تارة إلى الفعل كالنهي عن السجود لغير الله ، جل وعلا ، والنهي عن التحاكم إلى الوضع المحدث ، وينصرف أخرى إلى الترك كالنهي عن ترك الصلاة ، على خلاف أيقدح ترك الصلاة في الأصل الجامع أم في الكمال الواجب ، والنهي عن ترك التحاكم إلى الشرع ، فدلالة النهي تعم ، ما نهي عن فعله وما نهي عن تركه ، فكانت الهجرة المحسوسة والمعقولة فَفَارَقَ الإنسان دار الكفر إلى دار الإيمان ، وقد تضطره الأحوال أن يفارق دار الجور والظلم إلى دار العدل ، ولو عدل الوضع المحدث ، فهو خير من الظلم في إقامة الدول والممالك ، وإن أُقِيمَتْ على قواعد من الشرع ، فالدولة الكافرة العادلة تَبْقَى ما لا تَبْقَى الدولة المسلمة الظالمة ، فكيف إن كانت الحال دولا عطل فيها الشرع المنزَّل وساد فيها الظلم والجور ، فلا دين ولا دنيا ! ، فتلك الحال الدنيا ، فالهجرة أجناس وأنواع وآحاد منها ما تمحض فيه معنى التعبد ، ومنها ما يكون اضطرارا يفر فيه المرء بدينه إلى دار يقيم فيها من أمره ما استطاع فهي خير من دار يضيق عليه فيها ويطارد ، وقد تضيق المعايش ولا يكون ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلا مع تعطيل الشرائع ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فلا يكون ثم مناص أن يهاجر طالب الرزق ، وقد يقع في ذلك من النقص أن تصير الدنيا هي الغاية العظمى على وجه يغفل فيه الناظر عن أحكام الشرع فلا يُبَالِي أيجمعها من حلال أم من حرام ، كما يحصل في أحيان كثيرة ، فالنفس طالبة للكفاية ، وذلك ما لا يُنْكِرُهُ إلا جاحد ، فهو ، كما تقدم مرارا ، مقصد رئيس من مقاصد التشريع ، والفقر داء عظم خطره فهو سبب في نقص الدين بل قد حمل بعضا أن يكفر ويمرق طلبا لحاجة البدن فهي ضرورة قَلَّ من يصبر عنها ، فلا بد من سعي مشروع في تحقيق كفاية تعصم النفس أن تذل والبدن أن يضعف وَيَتْلَفَ فلا يقام بنيان الشرع إلا بأبدان صحيحة قد استوفت حاجتها من المطعوم والمشروب ..... إلخ ، فهي في نفسها مقاصد وغايات ، فحفظ النفس والنسل والمال من مقاصد الشرع ، وهي ، من وجه آخر ، ذرائع إلى المقصد الأعظم ، وهو حفظ الدين المنزَّل ، ولكن طلب الزيادة قد يطغي صاحبه ، وقد يشغله أن يقيم أمر الدين ، فضلا أن الفقر والجوع مما يذهل العقل فيغفل أيضا عن مقصد الشرع ، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فالغنى الفاحش يشغل صاحبه إما بمباشرة أسبابه من تجارة ونحوه أو مقارفة أجناس الطغيان بما يحصل في اليد من الأسباب ، فالنفس إذا شبعت طلبت الزيادة فحصل الطغيان في جمع الأسباب ، وحصل الطغيان في مباشرتها فتكون الزيادة فضولَ مباح أو محرما ، فباب الشهوات أوله فضول زائد وآخره محرم فاحش ، ولا منتهى لضلال ابن آدم إن في التصور أو في الفعل إن خالف عن جادة الوحي ، فالهجرة ، وهي محل الشاهد ، *** يعم فمنه ما يحمد ومنه ما يذم ، فكانت الهجرة في سبيل الشرعة ، وكان العطف أن قتل من قتل من السابقين الأولين ، : (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا) فإليهم يتوجه الخطاب ، بداهة ، وذلك ، من وجه ، إيذان بما هو آت من هجرة وقتال ، فالآي قد نَزَلَ بمكة ولم يكن ثم أمر بهجرة أو قتال ، فجاء الخبر يرغب فذلك مما يمهد ويهيئ ، فجاء العطف : (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا) ، فذلك مما يجري مجرى الإطناب ، فمناط المدح وصف الإيمان ووصف القتل في سبيل الله ، جل وعلا ، وجاء العطف احترازا لئلا يظن ظان اقتصار الوعد على من قتل ، فثم من هاجر ولم يُقْتَلْ ، فَلَهُ حظ من الوعد ، فمن هاجر ومات على التوحيد فهو ممن يدخل في حد الوعد ، ومن ثم جاء الخبر إنشاءً بالقسم ، فَثَمَّ قسم مقدر دلت عليه اللام الداخلة على جواب القسم ، فتقدير الكلام : والله ليرزقنهم الله ، وقد أكد الجواب بالنون المثقلة ، وذلك سبب بناء عارض للفعل المضارع ، فَثَمَّ إنشاء بعد إطناب بالوصل ، فإما أن يكون الخبر هو عين الإنشاء ، وإما أن يكون ثَمَّ قول محذوف يجري مجرى الخبر ، فيجري ذلك مجرى الإيجاز بالحذف على تقدير : وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا ، مَقُولٌ فيهم لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ، وجاء التوكيد بال**در "رزقا" الذي وصف با***ن ، وهو ما يحتمل الرزق في الأولى كما وقع بعد ذلك بسنوات قلائل فظهر دين الحق وَانْثَالَتْ غنائم الفتح ، ويحتمل الرزق في الآخرة ، وهو الرزق الأعلى ، والسياق ، عند التدبر والنظر ، يحتمل كلا الوجهين بلا تكلف في الاستدلال ، فيجري ذلك مجرى العموم في دلالة المشترك ، ومن ثم جاء الختام بالعطف : (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ، وهو ما يَجْرِي مجرى الإطناب بالسبب بعد المسبَّبِ ، فَيَجْرِي ذلك مجرى الجواب لسؤال دل عليه السياق اقتضاء ، فتقدير الكلام : وما علة هذا الرزق ا***ن ؟! ، فجاء الجواب : (إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ، فالرزق ا***ن من خير الرازقين ، جل وعلا ، وهو من الاسم المقيد ، فأسماء الله ، جل وعلا ، كما يقول بعض أهل الشأن ، منها ا***نى وهي الأسماء المطلقة ، ومنها ا***ن كالأسماء المقيدة ، كما في هذا الموضع ، ولا يخلو السياق من جملة مؤكدات فذلك آكد في تقرير الوعد الصادق ، فثم التوكيد بالناسخ "إن "، وثم اسمية الجملة فتقدير الكلام قبل دخول المؤكد الناسخ : الله هو خير الرازقين ، وثم اللام في "لهو" ، وهي لام ابتداء زحلقت فتأخرت لئلا يجتمع مؤكدان صدر الكلام ، فهي لام ابتداء فذلك ال*** الأعم ، ومنها لام تَتَقَدَّمُ ، وهو الأصل ، وأخرى تَتَأَخَّرُ ، كما في هذا الموضع ، وثم من المؤكدات ضمير الفصل ، وثم القصر بتعريف الجزأين "الله" و "خير الرازقين" ، ولا تخلو دلالة الجمع "الرازقين" من معنى الاشتراك بالنظر في معنى الرزق الأعم فيصدق في المخلوق أنه يرزق وإن كان لا يملك الملك التام ، فهو سبب في إيصال الرزق إلى صاحبه ، وأما الرزق المطلق ، إيجادا وإعدادا وإمدادا بأسباب الرزق ، فكل أولئك مما انفرد به الرب الرزاق ، جل وعلا ، فجاء الإطلاق في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ، فذلك من الاسم المطلق الذي لا تحصل الشركة فيه ما تحصل في الاسم المقيد ، وإن كانت الشركة في الاسم المقيد شركة بالنظر في مطلق المعنى في الذهن لا في الحقائق في الخارج ، فثم تفاضل في المعنى ، إذ انفرد ، جل وعلا ، بمعنى الكمال المطلق الذي يدل عليه اسم الرزاق ، فجاء التوكيد في آية الذاريات ، أيضا ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ، فثم توكيد بالناسخ "إن" ، وآخر باسمية الجملة ، وثالث بضمير الفصل ، ورابع بتعريف الجزأين ، فضلا عن دلالة "أل" في اسم "الرزاق" فهو من الاسم المطلق ، فدلالة "أل" دلالة عموم يستغرق آحاد ال*** المعرَّف ، فذلك من الاستغراق المعنوي ، ومن ثم جاء الإطناب في الإخبار باسم مقيد "ذو القوة" ، فاسم مطلق آخر وهو "المتين" ، فيجري ذلك مجرى الإطناب بتعدد الأخبار وذلك ما يحسن في مواضع الثناء فالأصل فيها التفصيل ، خلافا للتنزيه فالأصل فيه الإجمال ، فجاء الوحي في أغلب مواضعه بالإثبات المفصل إطنابا ، والنفي المجمل إيجازا فضلا أنه آكد في الثناء بنفي العيب جملة دون تعداد آحاده فذلك ما يقبح في حق الممدوح من البشر ، فيقبح في حق الرب المعبود ، جل وعلا ، من باب أولى .

وقد استوفى السياق شطري القسمة على جهة التمثيل ، فإن الثناء بكمال الرب ، جل وعلا ، يكون بوصف الجمال ووصف الجلال ، والرزاق مثال الجمال ، وذو القوة المتين مثال الجلال ، فالرزق مثال يدل على شطر ، وذو القوة المتين يدل على آخر ، والشطران نوعان يندرجان في *** الكمال ، فهو ال*** الأعلى ، وتحته نوعان ، الجلال والجمال ، وهما بالنظر فيما تحتهما من الآحاد ، ***ان ، فالرزاق مثال على *** الجمال ، وذو القوة المتين مثال على *** الجلال ، وبهما جميعا ، كما تقدم ، يكون الثناء التام على رب الأرض والسماء جل وعلا .

والله أعلى وأعلم .


الساعة الآن 08:04 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant