![]() |
فائض القوة في السياسة والحرب
فائض القوة في السياسة والحرب
مما يعلم باستقراء أحوال الناس في كل عصر و**ر إلا ما رحم الرب ، جل وعلا ، من أعصار وأ**ار تظهر فيها آثار النبوة حقيقة لا دعوى ، مما يعلم بهذا الاستقراء أن أكثر الناس من العامة أصحاب حظوظ وأهواء فيقبلون ما وافقها ويردون ما خالفها ، ورءوس الناس في الغالب أئمة يقتدي الناس بهم ، إن في الشر وهو الغالب ! ، أو في الخير وهو النادر *** تكن النبوات ودعوات الإصلاح والتجديد إلا طيفا في تاريخ البشر ، وسرعان ما يكون النقص ، فليس بعد الكمال إلا النقص ، وطبائع البشر الرُّكُونُ إلى الراحة والدعة فَتَدُبُّ الغفلة بعد اليقظة ، فالدعوات في مَبْدَئِهَا حارة صادقة ، وأتباعها أشد الناس بها إيمانا ، وأعظم الناس بذلا ، وأعلم الناس بحدها ، فهم صفوة القرن الأول في أي مذهب صحيح أو باطل ، فَلَهُمْ من العلم والدراية ما ليس لغيرهم ، وهم المرجع في المقال أو المذهب حال الاختلاف ، صح المذهب أو بطل ، وانظر في مقال الشيوعية كمثال على المقال الباطل ! ، كيف جهد منظروه أن يحدوه فهو دين جديد يضاهي دين الرسالة ، محفوظة كانت أو مبدلة ، فجهد القوم أن يَضَعُوا لِلنَّاسِ دِينًا لا في تصور الإلحاد فحسب ، وإنما في تفسير التاريخ تفسيرا يأرز إلى المادة ، واستشراف المستقبل استنادا إلى نظرية لادينية غَلَتْ فَأَنْكَرَتْ وجود الخالق ، جل وعلا ، وردت الأول إلى طبيعة تخبط خبط عشواء ، فما سيادة الإنسان على بقية الأنواع إلا صدفة ، وقد تُنْزَعُ منه السيادة فَتُرَدُّ إلى القرد أو الهر ! ، كما يقول بعض فلاسفة الإلحاد ، فوضعت نظاما صارما في الفكر والسياسة والاقتصاد يأرز إلى نواة صلبة لا ترحم فهي تبسط نفوذها بحد السيف وتخضب ثورتها بلون الدم ! ، فدينها باطل لا حجة فيه ، وإن كانت ثم شبهة العدل والمساواة بين كافة الطبقات على وجه قد يستحسنه العقل ، بادي الرأي ، لا سيما مع مظالم قد فشت اقْتَرَفَهَا الأباطرة وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا القساوسة ، فكانت ثورة الطبقات الكادحة وهي المجموع الغالب ولا يَنَالُهَا مع ذلك إلا الفتات ، فهي أكثر من يعمل ، وأقل من يأخذ ! ، إذ ثم نخبة جديدة تَبَوَّأَتْ منصب السيادة عوضا من النخبة الْمَلَكِيَّةِ والدينية والإقطاعية ، فخوطبت النفوس بمظالم عظيمة ، وذلك في نفسه حق ، ولكنه استند إلى منهاج وضع يروم نَقْضَ عرى الدين ، وقد أصاب إذ نَقَضَ عرى الباطل ولكنه أنكر *** الدين كله ، ما صح وما بطل ، ما حفظ وما بدل ، فانتهى به الأمر أن يضع للناس دينا جديدا وإن زعم أنه مذهب في الفكر والسياسة والاقتصاد فَلَيْسَ إلا دِينًا ينافح عنه أصحابه ، فما الدين إلا نظام حياة صارم يحل ويحرم ، وهو ، مع ذلك يملك من سلطان النفاذ في الأحكام وسلطان الثواب والعقاب في الأقوال والأفعال ، فَلَهُ معيار في التحسين والتقبيح ، فما حكم بحسنه فهو ا***ن شاء من شاء وَأَبَى من أَبَى ! ، وإن حَسَّنَ الإلحاد وإنكار الدين والنبوات ! ، فكلامه يقدم على كلام الوحي عند التعارض ! ، على وجه يخالف صريح البدائه التي تحكم ضرورة أن يقدم قول اليقين الجازم على قول الظن الراجح فكيف بظن فاسد ينكر بدائه الوحي والعقل والفطرة وا*** فينكر أعظم الحقائق ظهورا في الكون ، فكيف أنت إذا جادلك يوما من ينكر طلوع الشمس في رابعة النهار فاجتهد أن يثبت أن ليلك وليله حَالٌّ دائم فلا شمس ! ، وإذا خالفت فأردت أن تثبت علم ضرورة لا يفتقر إلى نظر زائد أن لهذا الكون ربا خالقا مدبرا ، يخلق الأعيان والأجرام ، ويسير الأفلاك ، إذا خالفت في ذلك فأنت محل الاستنكار وربما التندر ، فلا زلت تَحْيَى في عصر الخرافة ! ، وتلك رجعية الفكر فلا فكاك منها إلا أن تَنْتَحِلَ تقدمية الكفر ، سواء أكان صريحا ، كما هي الحال في العلمانية الشرقية الشيوعية ، أم كان كفرا بالشرع ، وإن أثبت صاحبه ربا ليس إلا مجردا في الذهن ، نطق بذلك أو لم ينطق ، فثم من يقرأ في كتاب الوحي فيجد أوصاف الرب ، جل وعلا ، ويجد جملة من أخبار السمع التي تخبر بجملة من أحوال الغيب ، فلا يجد غضاضة أن يؤمن بإله خلق ورزق ودبر ، ونبي بُعِثَ بالتوحيد وتكسير الصنم ، فذلك عنده يجري مجرى القصص لا أكثر ! ، فإذا أُلْزِمَ بلازم ذلك أن يفرد هذا الرب الخالق المدبر أن يشرع ويحكم ، وهذا النبي الخاتم الذي يحفظ قصصه أن يكون مرجع الحكم حال التنازع بما أوحى إليه رب الخلائق ، جل وعلا ، إذا ألزم بذلك تَبَيَّنَ الصادق من الكاذب ، وَتَبَيَّنَ من يعظم الوحي حقيقة فهو رائده في كل حال ، في العقد والشرع والسياسة والحرب ، ومن يدعي الإيمان به وتعظيمه بل ويروم تجديده ! ، وهو لا يفقه يقرأ جملة آي من آياته ! ، فيزعم إيمانا يقترف من نواقضه ما يقترف أن نصب العدواة له فقد خالف عن أهوائه التي صارت هي الآمر المطاع ! ، ومن خالف عنها فليس إلا الفتنة والعذاب الأليم ! ، بالقتل والجرح والأسر والطرد والهتك ...... إلخ ، فصار دينه هو الحاكم ، وإن زعم أن دين الوحي هو المهيمن ، فهو أبدا معزول معطل لا يحكم في الأرض إلا في جملة مسائل لا تخالف عن هوى العقل الذي طغى واستبد فاستأثر بالحكم ، وعن حرية الرأي أن تعارض صاحب الهوى الذي يمسك بالسيف فيبطش بالمخالف ، عن هذه الحرية لا تسأل ، وإن كُفِلَتْ لكل ملحد يطعن في الوحي ، وأما أتباع الوحي فليس إلا السيف الذي يستأصل الإرهاب والتطرف فيطهر الأرض من الرجس ! ، وثم إشكال تَكَرَّرَ ، هو محل الشاهد ، أن يملك طاغ مستبد فائض قوة فعنده من آلة الحرب والقتل ما عنده ، وهو ينتحل دينا يخالف دين الجماعة وإن زعم أنه على دينهم إذ لم يدرك من معنى الدين إلا المعنى المتبادر من العقد وجملة من العبادات ، وحقيقة الأمر أنه ابن بار لحضارة أخرى تخالف حضارة الوحي ، فَلَهَا دين يخالف عن دين الرسالة ، إذ لها نظام حياة ومنهاج سياسة وحكم ومرجع تحسين وتقبيح يخالف الوحي أصلا وفرعا ، وإن وافقه في جملة فروع فلا يغني ذلك إذ تَبَايَنَتِ الأصول ، فحضارة تأرز إلى الوحي ، وأخرى تأرز إلى الوضع فَأَنَّى يَلْتَقِيَانِ ؟! إلَى اللَّهِ أَشْكُو بِالمَدِينَةِ حَاجَةً ******* وَبِالشَّامِ أُخْرَى كَيفَ يَلتَقِيَانِ ؟! وحضارة الوحي وحضارة الوضع أشد تباعدا من حاجة بالمدينة وأخرى بالشام فأنى يلتقيان ، فامتناع ذلك آكد من باب أولى ! . فإذا كان فائض القوة في يد من يخالف دين الجماعة فهو يَنْتَحِلُ مبادئ حضارة أخرى فَيَشْكُو غُرْبَةً في محيط يخالفه التصور ، إذا كان ذلك فَأَبْشِرْ بالقتل والسفك ! ، ولا تسأل عن حرية الرأي ، فالسؤال عنها ضَرْبٌ من الهذيان . وذلك ما يفشو في العادة في كل فكر محدث يخالف مرجع الوحي ، وكلما زادت المخالفة كان الظلم أفحش ، وكانت الغربة أعظم ، وانظر في فكر يهود وهم من أشد الناس غُرْبَةً وَذِلَّةً ، حتى حَرَّمُوا على أنفسهم طعامَ غيرهم وَشَرَابَهُ فإن أية جماعة تشكو الغربة والذلة فهي أبدا تنحاز وَتَنْعَزِلُ لتحفظ خصائصها في الثقافة والفكر ، سواء أكانت على حق أم على باطل ، فجماعة يهود تشكو غربة في الفكر والسياسة وإن حصل لَهَا كيان في الأعصار المتأخرة ، فهو كيان شاذ في محيط لا يجانسه ، إن في الدين أو في الدنيا ، فلا يحجد منصف أنه كيان متفوق في أمور الدنيا ، وأن له من قيم العدل والحرية ما لا تجد في كثير من بلاد الشرق ، وذلك بداهة حكر على من يحمل هويته ، ولا يخفى ما في طرحه من التناقض ، فَثَمَّ هوية الدولة الأعم وهي تعم العرب ، وتعم المسلمين والنصارى ممن بَقِيَ فِي الأرض المقدسة ، وثم هوية الدين والثقافة الأخص ، وهي هوية يهود الذي يحسن ساسة صهيون الاتجار بها ، فكثير منهم لا يَتَدَيَّنُ بدين يهود ، فلا يلتزم أحكامه في كثير من شئون حياته ، ولكنه ينظر في دين يهود أنه رباط فكر وسياسة فهو الذي يجمع أشتات القوم من الآفاق تحت راية تُثِيرُ في النفوس حمية بما جبلت عليه من التدين ، فتلك فطرة في النفس لا ينكرها إلا جاحد ، وإنما يحسن يستعملها المارق أن يجعلها ذريعة إلى حشد الجموع تحت رَايَتِهِ ، فالنصارى لم يجدوا إلا راية الصليب ليحشدوا جموعهم في حملات الغزو على الشرق المسلم ، قديما وحديثا ، مع أن من يثير هذه الحمية لا يَرُومُ إلا تحصيل جمل من الامتيازات السياسية والاقتصادية ، فيجعل الدين مطية ، ويحسن يخادع العامة إذ يعدهم بصكوك الغفران ، ولا مانع أن يثير شَهِيَّتَهُمْ أن يزحفوا على بلاد الشرق التي تفيض لبنا وعسلا ، وهي اليوم تفيض غازا ونفطا ! ، فليس الدين عندهم إلا مُحَفِّزَ الاحتلال والانتهاب ! ، ومحرك الشهوات أن تَغْزُو وَتَسْتَبِدَّ ، وتلك حال كل دين مبدَّل قد خرج عن أصل التوحيد المنزَّل الذي جاءت به النبوات وَجُمِعَتْ زُبْدَتُهُ في الرسالة الخاتمة فما كانت إلا رحمة للعالمين جميعا ، *** تكن مادة تعصب وتح** في سياسة أو حكم ، يَزْعُمُ أهلها أنهم الشعب المختار وإن كانوا قلة أذلة ، كحال يهود ، فقد خرجوا عن منهاج الرسالة فحرفوا دين الكليم ، عليه السلام ، وكذبوا بالمسيح ، عليه السلام ، وسعوا في قتله ، وجحدوا النبوة الخاتمة واجتهدوا أن يطفئوا نورها ، فليس لهم من دين يهود إلا عقد ساذج يحسن القوم استثماره في عالم السياسة أن يكون لهم سلطان في الأرض المقدسة ، وتلك طريق معهودة في حضارة علمانية لادينية لا تجد غضاضة في انتهازية مَقِيتَةٍ أن تُوَظِّفَ الدين خدمة لغايات في السياسة والحرب لا تواطئ غايات الوحي ، فَفِيهِ من سياسة العدل وحرب الفتح ما شهدت الدنيا بحسنه إذ أخرج الناس من رق الطغيان إلى دين الرحمن ، جل وعلا ، وكفل لمن خالف أن يقيم من أمر دينه ما لا يجهر فيه بالشرك الذي جاء الوحي يبطله ويذهب رسمه من الأرض فمن انتحله ، ورضي ، مع ذلك ، بالدخول في حكم التوحيد ، فليس له أن يظهر به ، وإن أُقِرَّ عليه بجزية وعهد ، ما لم يقترف ناقضا للذمة أو العهد أو الأمان ، وكان له من أمر الدنيا ما يحفظ حقه بل ويحض على بِرِّهِ إن لم يجهر بحرب الرسالة وأهلها ، ولم يكن أهل الأ**ار المفتوحة يظنون يَوْمًا من حرية التدين وتعظيم الحقوق وعصمة الدماء كيوم الفتح الذي حمل رسالة الوحي وأذاع العدل الذي لا تقام الأمم إلا به ، فَهُوَ مَعْدِنُ عِزَّةٍ يَنْهَضُ بالنفوس أن تفارق الذلة فَيَجِدُ فِيهَا الإنسان أَمَانًا أن يستذل ، فلا تكون القوة هي الحق ، كما ينتحل خصوم الرسالة فإنهم في كل عصر و**ر لا يدركون من الحجة إلا القوة ، وذلك فُرْقَانٌ عظيم بين دين الوحي ودين الوضع ، فَفِي دين الوحي يكون الحقُّ هوَ القوةَ فهو الحجة الظاهرة وإن كان له من السيف حظ فهو سيف عدل يذب عن الحق ويجتهد في نشره أن يعم خيره من وافق ومن خالف فهو يُزِيلُ ملك الطغيان والاستبداد وينقل الناس إلى حال من العدل والأمان لا يجدها البشر ما اجتهدوا إلا في حكم الرشد الذي يأرز إلى صحيح الوحي ، وَفِي دِينِ الْوَضْعِ ، فِي الْمُقَابِلِ ، تجد القوة هي الحق ، وإن لم يكن ثم حجة ، فليس ، كما تقدم ، إلا فائض القوة مع غربة في الفكر والسياسة فليس إلا مقال الشرك والجور ، فاجتمع لصاحبه من فساد التصور والحكم ما عظم به الظلم ، فمن يملك فائض قوة ، ولا يملك ما يضاهيه من الحق ، فهو نذير حرب وخراب لمن حوله ! ، فلا يطيق أن يحيى في محيط هادئ متماسك فلا بد أن يجتهد في تَفْكِيكِه وإضعافه ، حتى تكون السيادة المطلقة له ، كما يصنع المركز مع الأطراف ، فعنده من فائض القوة ما لا ينكر ، وعنده من طرائق السياسة والحكم ما رَسَّخَ قيم العدل والحرية ..... إلخ من المعاني التي أجمع البشر على حسنها ، وإن كان مستمده أرضيا محدثا ، فضلا عن فساد في التأويل إذ صار للعدل من المعايير ما تفاوت ، فعدل المركز حكر على أهله ، وما يكون في الأطراف من عدل فهو بقدر ما يحفظ **الح المركز فإن لم يكن ذلك إلا بالجور فلا إشكال أن يضع المركز على الأطراف طواغيت تحكم بالحديد والنار فذلك من العدل إذ يحفظ **الح الأقوى ! ، في حضارة ، كما تقدم ، لا تقيم وزنا إلا للقوة ، فهي الحق المحكم وإن كانت على الباطل في التصور والحكم ، فأي مركز له قوة تفيض ، وله غربة تزيد فهو خارج عن منهاج الوحي والفطرة فليس يَعْمَلُ في الجوار إلا الإفساد للأديان والإهلاك للأبدان ، وتأمل المركز في بلاد الأنجلوساكسون في القارة الأمريكية الشمالية ، كيف وجد من فائض القوة والحضارة مع الاختلاف في أمور الدين والفكر والسياسة مع القارة الأمريكية الجنوبية وهي قارة اللاتين في العالم الجديد فتخالفه الدين وتخالفه طرائق السياسة إبان ازدهار الشيوعية فكان اليسار فيها يحكم ، وكان المركز بها يمكر فَهِيَ الْفِنَاءُ الذي يعبث به المركز في سلاسل من الاضطرابات والانقلابات صارت مضرب المثل في السخرية والتندر ، وقل مثله في سلوك المركز بعد أن استبد بالأمر مع غياب القطب الآخر في الشرق فقد أفل نجم الشيوعية مع ازدهاره السريع أوائل القرن الماضي *** يمكث إلا يسيرا حتى قضى في السبعين أو يَزِيد فَلَمْ يُعَمَّرْ طويلا فَمَا السبعون في أعمار الحضارات والأمم ؟! ، وإنما كان ذلك لعظم ما ناقض به فطرة التوحيد خلافا لحضارة الغرب ففيها من بقية الرسالة ما حفظها حينا من الدهر ، كحال فارس عباد الوثن فقد زال ملكهم واندثر خلافا للروم فكان لهم أيضا بقية رسالة وآثار نبوة حفظت ملكهم وإن انحسر تحت وطأة الفتح إبان ازدهار الإسلام إذ كان في عنفوانه . فاستبد المركز في الغرب بعد سقوط القطب الآخر في الشرق ، استبد وحصل له من فائض القوة والحضارة ما اغْتَرَّ به وهو يشكو غربة في الشرق وإن نجح المحتل أوائل القرن الماضي أن يفرض جملة من أفكاره ومبادئه وطرائقه في الحياة الخاصة والعامة إلا أن سنة التدافع قضت أن يُقَاوِمَ الشرق ولو من باب الحفاظ على الوجود فضلا عن الحفاظ على الدين الذي يمثل النواة الصلبة لحضارة الشرق ، حضارة النبوة والرسالة ، فقاوم الشرق ودافع وكانت صحوة لها من الفضل ما يعظم فلا يُنْكِرُهُ إلا جاحد فإن لم يكن لها إلا أن أحيت في النفوس تعظيم الوحي والذب عنه ولو ببذل الروح والمال ، فأحيت في النفوس معنى الجهاد ، وكان لها من تأويل ذلك في الخارج جولات من الجدال والجدال والدعوة إلى الحق بالحجة والبرهان والذب عن الدين بمقارعة المحتل في أ**ار صارت مضرب المثل بعد سكون وخمول خَيَّمَ على الشرق حتى ظن من ظن أنه قد مات فَلَيْسَ يُبْعَثُ من مرقده ، فإذا بالشرق يراجع دينه ، ولو في الجملة ، فلا يخلو حراك صحوة بعد طول رقاد ، لا يخلو ، بداهة ، من أخطاء منها أخطاء جسام لا زالت حركة الإصلاح والتجديد تشكو منها إلى يوم الناس هذا لا سيما وهي تَتَكَرَّرُ في سذاجة تُثِيرُ الاشمئزاز وكأن أهلها لا يحسنون قِرَاءَة التاريخ فِي الماضي البعيد والقريب ، وإذا قَرَءُوا فلا يحفظون فسرعان ما يَنْسَوْنَ ، وإذا حفظوا لم يفقهوا ويعتبروا ، فكان لهم حظ من الاتجار بالدين كحظ المركز في كيانٍ كَكِيَانِ صهيون ، مع القدر الفارق بداهة وإنما يحدث الانحراف وتظهر آثاره بتعاقب الأجيال وتركم الأخطاء ، فكيان صهيون ، كما تقدم ، لا يَنْتَفِعُ من دين يهود إلا بقدر ما يحفظ تماسك الكيان غَيْرِ المتجانس ، فهو من شذاذ الآفاق من جميع الدول والأمم قد اجتمع ، فلا بد من عقد يجمع هذه الأشتات ، ولو باطلا ، فَثَّمَ دين يعمل في خدمة الحكم والسياسة ، وإن صح ذلك في دين مُبَدَّلٍ فكيف استجاز أتباع الدين الخاتم أن يقارفوا هذا الخطأ الفادح الذي عظمت به الجناية أن صار دين الحق كسائر أديان الباطل فليس إلا محرك جموع تَتَأَوَّلُ في السياسة والحرب أمورا ظاهرة البطلان ، وإن كان الأصل حقا ، فسياسة الوحي وسيف الجهاد إن في الدفع أو في الفتح ، كل أولئك من الحق المحكم الذي أقيم عليه بُنْيَانُ الملك الراشد ، ولكن التوسع في اعتبار **الح متوهمة جعلت الغاية أن يَبْلُغَ أهل الحق منصب الرياسة إن في السياسة أو في الحرب ليستجمعوا أسباب القوة فيصير لهم دولة ، وذلك ، بداهة ، حق آخر لا يجحده ناظر بل من خالف عنه فقد خالف سنن الكون فضلا عن سنن الشرع فلا بقاء لحق بلا دولة وسيف ، ولكن زيادة الحد في هذا الباب قد أفضت بأهل السياسة والحرب أن يتوسعوا في اعتبار **الح ظنوا أن فيها من الخير ما يسوغ الخروج عن منهاج الوحي بل والمخالفة عن سنن الكون الذي يَقْضِي بِالتَّدَرُّجِ ، فربوبية الشرع تَرُبُّ الأديان شيئا فشيئا ، فما يأتي جملة يذهب جملة ، إن في العلم أو في التنسك أو في قيام الدول وحركة الفتح ، فلا ينشأ أمر ويزيد دفعة بلا تدرج في البناء إلا وكان مآله الزوال والانهيار دفعة ، فظهوره يفجأ الناظر ، وزواله كذلك ، ولا يعجب من تدبر سنن الرب ، جل وعلا ، في قيام الدول وانهيارها ، لا يعجب من فجأة الظهور وفجأة الانهيار ، لا سيما والنبوات وطرائق الرشد في الحكم والسياسة وحركات الإصلاح والتجديد بعد ذلك ، كل أولئك في أعمار الأمم طيف سرعان ما ينقضي فكيف إذا كان في الأمر خلل وفساد ، سواء أكان فسادا في القصد بهوى وحظ نفس يخفى ، وإن كان الأمر في جملته حقا ، أَيَّ حقٍ ! ، أن يرد الأمر إلى الوحي الذي يحكم بالحق فيحمل كتاب الهدى في يد وسيف العدل في أخرى ، فلا يستقيم أمر دين إلا بذلك ، بل وأي منهاج محدث لا بد له من كتاب هو المستمد والمرجع ، ولا بد له من قوة بها يذب فإذا حصل الفائض كان الفتح للأ**ار تَبْشِيرًا بالمنهاج الذي يزعم أصحابه أنه سبيل النجاة الوحيدة ، فعلام ينكر القوم على أتباع الدين الخاتم فإذا بشروا بالحق وحملوا سيف العدل فهم أرباب تطرف وعنف ، مع أنهم يسلكون نفس الجادة ، وتاريخنا في الفتح وتاريخهم في الفتح خير شاهد ! ، فأي الفريقين أحق بالحكم وأي الفريقين حمل للناس حقا تعظمه النفوس بما جبلت عليه من فطرة العدل والحرية ... إلخ من المعاني الإنسانية فضلا عن المعاني الدينية وهي الأشرف ، ففائض القوة يحصل أحيانا في يد أصحاب الحق ، ويحصل أخرى في أيدي خصومهم ، فيجد الناظر ، إن أنصف ، يجد من الفارق ما يجد ، وإن حصل من أهل الحق بغي وعدوان فذلك ما لا يجحده من أنصف أيضا ، لا سيما إن خالط حَظُّ النَّفْسِ ، خفي أو ظهر ، إن خالط حظ النفس أمر السياسة والحرب ففسد القصد الأول فلا يقبل الرب ، جل وعلا ، من العمل إلا ما خلص من كدر الشرك ، ولو خفيا ، فـ : "قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" ، أو كان من السذاجة والسطحية مَا مَكَّنَ الخصم أن يخترق أهل الحق فأفسد عليهم أمرهم بما بث فيهم من الباطل فإذا بهم وقد كانوا جميعا قد صاروا أشتاتا يقاتل بعضهم بعضا ، بل ويكفر بعضهم بعضا ! ، فضلا عن التَّنَابُزِ بالخيانة والعمالة ..... إلخ كما ترى الآن من حراك في السياسة بلغ حد السذاجة ، فَتَشَرْذَمَ القبيل الواحد على قبائل ، وتنازعوا رياسة قد سلبت ! ، وكأنك بِأَكَلَةٍ يَتَنَازَعُونَ كعكة قد احترقت فلا تصلح أن تُؤْكَلَ ابتداء ! ، ولا يزال الخصم يغري بينهم العداوة والبغضاء ، بما نسوا من حظ الوحي الذي لا يقبل إلا من تجرد وأخلص في القصد ، وسار على سنن الوحي في الأمر والنهي ، *** يتكلف تأويله ليوافق ما يهوى ، كما يصنع أرباب السياسة المحدثة إن كان تعظيم الدين جزءا من دعايتهم ، فإنهم يجتهدون ما استطاعوا أن يتأولوا أحكام الدين لتوافق أهواءهم فتحفظ لهم الرياسات والمطاعم وهم مع ذلك أهل الدين والفضل ، وإن أبطنوا ما أبطنوا من بُغْضِ الحق والسعي في استئصال أهله أو التضييق عليهم والتنكيل بهم قتلا وأسرا وتشريدا وقطعا للأرزاق وطردا من الأعمال ..... إلخ من وسائل الحرب التقليدية فلا جديد في حرب النبوات وأتباعها ! ، فالسنن واحد وإن اختلفت المظاهر ، فإذا استجاز أهل الحق من التأويل لأحكام الدين أن توافق خفيا من حظوظهم كان ما كان من النقص والفساد الذي تجد آثاره الآن في انكسار مشاريع الإصلاح ، إذ هامش المناورة ، كما يقال في عالم السياسة المعاصرة ، هامش المناورة عندهم أضيق بكثير من هامش مناورة يمتلكه الخصم ، سواء أكان عدوا صريحا للدين فهو يملك رصيدا من المكر والدهاء ويحسن يخترق الأفكار وهو الأخطر فيحرفها عن وجهها ليحصل بين أتباعها من الاختلاف في الأقوال ما يفضي في الغالب ! إلى التنابز بالألقاب وهو الذريعة إلى التقاتل بالأبدان على وجه يكفي الخصم المؤنة إذ لم يتجشم عناء القتال بنفسه فجعل الناس شيعا تَتَصَارَعُ وأدار الصراع من بعيد ، فهو في المركز يَرْقُبُ وَيُدِيرُ على وجه يحصل به اتِّزَانٌ في القوى المتصارعة إن في السياسة أو في الحرب ، وتلك خير سبيل إلى استنزاف الخصوم إذ يُجْهِدُ كل طرف الآخر دون أن يوجه له ضربة قاضية وإنما يمسك المركز بخيوط الصراع فتكون الأطراف دوما في حال من الشد والجذب إذ لو استراحت وَاسْتَرْخَتْ ، لوجدت فائض قوة يهدد المركز و**الحه في الأطراف ويهدد رَبِيبَهَا في الأرض المقدسة فهو رأس حربتها أن تُمَزِّقَ وحدة الأطراف الفكرية والسياسية بما يمتلك هو الآخر من فائض قوة فهو كما يصفه بعض زعمائه بقعة حضارة في محيط تَخَلُّفٍ وقد صدق إذ التخلف قد خيم على أجواره بما نسي الناس من حظ الرسالة فكانت العقوبة أن وجد المركز ضالته في أبناء عاقين جاحدين لفضل الرسالة فأعطاهم ، أيضا ، من فائض القوة ما به قد تسلطوا على الناس فحكموهم بشرائع الوضع ومحدثات الفكر والسياسة واجتهدوا أن يحرفوهم عن صحيح الديانة فلهم فائض قوة في آلة القتل فيرهبون الناس بالسفك والهتك ولهم فائض قوة في الدعاية والإعلام فَيَبُثُّونَ من دعاية الضلال ما ارْتَضَتْهَا النفوس أن ركنت إلى الظالم فصدقت كذبه وزوره واختارته أن يحكم وفوضته أن يقتل وهي تعلم قبحه وظلمه *** تجد منه سنينَ حكمه إلا السنينَ العجاف إن في أمر الدين الذي أهملته أو أمر الدنيا الذي عظمته فَلَيْتَهَا وجدت ما كانت تَبْغِي من سعة المعاش ، ولو بإهدار الأديان ، فلا دينا حفظت ولا دنيا جمعت وبئست الصفقة ، فكان فائض القوة لدى أولئك الطغاة مع ما يشكون منه ، أيضا ، من غربة في محيط لا ينتمون إليه إلا انتماء النشأة والنسب ، فَانْتِمَاءُ الفكرِ إلى المركز الذي نشأ القوم في معاهده فَلَهُ عليهم من اليد ما لا ينكره إلا جاحد والقوم لهم من الوفاء حظ عظيم فقد تخلقوا بهذه الفضيلة مع المركز الذي صنع العقول وأمد أصحابها بأسباب القوة ، فحصل لهم فائض قوة يزيد ولم يكن ثم وحي يعظم ، بل أبطنوا من عداوته ما يرشح في أقوالهم وإن اجتهدوا في اختيار ألفاظها ، فـ : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) ، فهم يشكون مما يشكو منه كيان يهود ، وما تشكو منه فارس ، كمثال آخر ، على فائض القوة مع الإحساس بالغربة ، فكل أولئك سبب في سلوك العدوان ، إذ لا يحسنون الاندماج ، فهم جزر معزولة في محيط فكري يخالفهم الدين أو المذهب أو التوجه الفكري ، وتلك أزمة العلمانية اللادينية في بلاد الشرق المسلم وإن نجحت في خداع الناس حينا من الدهر بما بشرت به من حضارة وتقدم كتلك التي بَلَغَهَا المركز بشرط واحد أن يُعْزَلَ الدين الخاتم من الحياة كلها في النماذج الكلية التي اتسمت بالصلابة والقسوة ، أو يُعْزَلَ من أمور السيادة في الحكم والسياسة والاقتصاد والإعلام وإن احتفظ بجملة من المكاسب في الأخلاق وبعض الشرائع والعقوبات حتى صار ذلك سمة رئيسة في الحكم على **ر أنه يحكم بالشرع أو يحكم بالوضع ، فذلك مرهون بالحدود وأحكام الجنايات ، وذلك حق يعظم بل إن منكره أو المستهزئ به يكفر ، ولكن قصر الشرع عليه هو ، كما تقدم مرارا ، تسطيح لمعنى الدين الذي يَعُمُّ كل حال فهو نظام حياة محكم لا يقتصر على العقوبات فحسب إلا عند السذج الذين يغترون بخطاب يثير عاطفة التدين الصادقة وهو يَتَقَصَّدُ مخالفتها في جملة عظيمة من المسائل إذ له من الأهواء والحظوظ ما حمله على مخالفة الوحي سواء أجهر بذلك أم تلطف فتأول وكان له من ساعد التأويل قَبِيلٌ من علماء السوء الذين لا يحسنون إلا تخريج طوامه وكوارثه على نصوص الشرع فهي الحق وإن خالفت ما خالفت من أصول الدين وفروعه ! فلئن نجحت العلمانية اللادينية في ذلك حينا من الدهر ، ناعمة كانت أو صلبة ، كلية كانت أو جزئية ، فضلا عن إسراف عظيم في البطش والتنكيل بكل مخالف ، لا سيما إن كان يدعو إلى حق فيروم التجديد والإصلاح في أمر الدين ، حقيقة لا دعوى كدعاوى الزيف التي تروم تخريب الدين باسم التجديد ، فيروم التجديد حقيقة وإن خالف في مواضع فليس بِرَاجٍ عصمة وأخطاؤه قد بلغت في أحيان حد الكوارث إن في الفكر أو في السياسة أو في الحرب ، فضلا عما تقدم من فساد قَصْدٍ أصابه إذ غَفَلَ عن الأصل *** يستحضر معنى الإخلاص والتجرد واستغرقته التفاصيل الجزئية وهي أمور يغلب عليها الاجتهاد في التحركات فيقع فيها من التوسع ما يقع على وجه قد يحمل صاحبها أن يهدر جملة من أحكام الشريعة استجلابا ل**لحة متوهمة فذلك من سوء الظن الذي ينكره على خصومه من أَفْرَاخِ العلمانية اللادينية فَتِلْكَ حجتهم إذ يَتَذَرَّعُونَ بال**لحة العامة لنقض الشريعة فكيف يوافقهم من يزعم تعظيم الشريعة فيجتهد هو الآخر في نقض أحكامها أو تأويلها لتوافق أهواء عارضة في السياسة أو في الحرب ، وذلك ما يَسَّرَ على الخصم أن يخترق الأفكار وهو الأخطر ، كما تقدم ، فثم ****** يَنْحُو منحى التساهل في السياسة فكل طرح أَلْطَفُ من سابقه ! ، وثم في المقابل ****** يَنْحُو منحى التشدد في الحرب فكل طرح أشرس من سابقه ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، إن في السياسة أو في الحرب ، ***ا حصلت الأهواء وذلك ما لم يسلم منه أهل الحق ، مع ما تقدم من عظيم المأثرة أن أحيى أولئك في النفوس معان من الوحي ماتت فما ظن أحد أن تبعث ، فكان لهم الجهد العظيم ، ولكن الانحراف وقع بما كان من تَرَهُّلٍ أصاب أصحابه ما أصابهم من الغفلة عن الأصل ، فكان ذلك مما يسر على الخصم أن يخترق الأفكار فيحرفها ، ويخترق الصفوف فَيُغْرِيَ فيها عداوة وبغضاء وانقساما إلى أحزاب وشظايا تَتَصَارَعُ إن في أروقة السياسة أو في ميادين الحرب ، ولم يخل الأمر من دعاوى استعمل فيها الوحي ذريعة ، فكان اتجار كاتجار الحكومات في بلاد الشرق بدعاية الدين أو المذهب ، كما ترى الآن من قوى تحسن توظف شعائر الدين ، كشعيرة الحج الأعظم ، فهي مادة زعامة ورياسة ، فيتنازعها الآن من يتنازعها ، وكل طرف يروم ترسيخ رياسته التي اكتسبها بدعاية الدين ، فلا فارق يظهر في كلا الطرحين ، على تفاوت في الانحراف بداهة ، فبعض الشر أهون من بعض ! . فلئن كان للخصم فائض قوة يَسَّرَ له أمر السيطرة والقمع ، فما كان ذلك ليحصل لولا ما صنع أهل الشأن بأنفسهم ، فـ : لا يبلغ الاعداء من جاهل ******* ما يبلغ الجاهل من نفسه . فصنعوا ما صيرهم محل السخرية والتندر في التفرق والتشرذم . وفائض القوة ، وهو محل الشاهد ، قد يحمل صاحبه على المجازفة في مدافعة السنن النافذ في الكون ، فَغُرُورُ القوة قد يحمله على تجويز المحال ، أن يتوسع وَيَتَمَدَّدَ مع قلة العدد وإن عظمت عدة البطش والقتل ، وَيُهَجِّرَ وَيُغَيِّرَ طبيعة السكان ، كما يظهر في طرح يهود وهو ما حقق نجاحا في الظاهر بما كان من تمدد في مستوطنات ، ولكنه فشل في تحقيق الغاية الرئيسة ، فدولةٌ من النيل إلى الفرات تحكمها أقلية من يهود كيف تستقيم في العقل ؟! ، والملك لم يرسخ لهم في بقعة من الأرض المقدسة مع ما لهم من فائض قوة أسرفوا بها في البطش بأصحاب الحق *** ينجحوا في إخماد جذورة المقاومة في النفوس ، وقل مثله في طرح فارس الآن في بلاد الشام وقد رامت محالا آخر أن تُغَيِّرَ طبائع السكان بما يوافق مشروعها السياسي الذي يتذرع بالمذهب الديني ، فلئن حققت نجاحا لا سيما في دمشق وأجوارها وح** وأجزاء من حماه والساحل فذلك أمر لا يدوم ، وإن هُجِّرَ مِنْ أهل البلاد مِنْ أهل السنة مَنْ هُجِّرَ ، وإن حصل لفارس من فائض القوة في العدد والعدة ما حصل فهم يناطحون سنة الرب ، جل وعلا ، في الكون ، وقد حاول أتباع الصليب من الكاثوليك أن يحكموا بلاد الشام حكم الأقلية وأقاموا من الممالك ما عظم أمره واشتد خطره وطال زمانه ولكن الأمر أفضى إلى انحسار زمن صلاح الدين ، رحمه الله ، فاحتفظوا بشريط ضيق على ساحل المتوسط بعد صلح الرملة 588هـ ، ثم جاء الأشرف خليل ، رحمه الله ، جاء بعد ذلك بقرن أو يزيد سنة 690هـ ، جاء ليخرجهم من آخر معاقلهم في الشرق المسلم ، بعد نحو مائتي عام من الوجود الشاذ في بلاد الشام والأرض المقدسة ، من 492ه إلى 690هـ ، فأمرهم فَضْلًا أنه يخالف سَنَنَ الشرعِ بما كان من انحراف في العقد وظلم في السياسة والحكم ، فهو يخالف سنن الكون المحكمة ، فكيف تَرُومُ نخبة قليلة أن تحكم جمعا كثيرا يخالفها من كل وجه ، في العقائد والشرائع والطبائع والعوائد .... إلخ ، فلئن استمر حكمها حينا من الدهر قد يطول إلا أن مآله ، كما تقدم ، الزوال ، وإنما تَبْقَى الطغمة الجائرة حاكمة مهيمنة ، وإن قل عددها ، بما لها من فائض القوة ، محل الشاهد ، وبما كان من تقصير الناس في أمر الدين ، ***ا قل تعظيمه في النفوس وغاب حكمه في الأقوال والأعمال ، سُلِّطَ من سُلِّطَ من نخب السياسة والحرب والاقتصاد والإعلام فبطشت بعقول الناس وأبدانهم وأرزاقهم جزاء وفاقا حتى يراجعوا دينهم ، وذلك أمر ، باستقراء سنن الكون النافذ ، ذلك أمر له حد ، فلئن تسلطت نخب الجور والطغيان على بلاد الشرق إلا أن رجوع الناس إلى الوحي يعزل هذه النخبة عزل يهود في الأحياء القذرة فلا يجدون من السعة والراحة ما يجعلهم يحكمون ويتسلطون ، فدعاوى الإصلاح والتجديد تؤرقهم إذ تزيد في عزلتهم وتقلص من نفوذهم ، وكلما كان الناس عن الوحي أبعد كان استقرار هذه النخب فإنها لا تحكم إلا والدين غائب فإذا حضر زهق باطلهم فإذا قاربهم الناس في انحرافهم كل على قدر حاله ! كانت الغربة أقل ، وكلما فارقهم الناس فصاروا إلى الحق أقرب كانت الغربة أعظم وهو ما يؤذن بانهيار الملك الذي أسس بنيانه على شفا جرف هار من تعطيل الشرع والعدل معا ، فلا دين ولا دنيا ، كما تقدم ، ولا حجة إلا فائض القوة ، فهي الحق الوحيد الذي تعظمه حضارة الطغيان ، وانظر في حال الخليل ، عليه السلام ، إذ جادل قومه بالحق ، ***ا أعيتهم الحجج والحيل أن يبطلوا حجة الخليل ، عليه السلام ، لم يجدوا بدا أن يستعملوا فائض القوة ، فـ : (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) ، ولما حصل فائض القوة عند فرعون قال : (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) ، فجمع حشده من السحرة وهم فائض قوة في الخداع والتمويه ، فقال الملأ من قومه : (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) ، فكان أن أبطل ، جل وعلا ، سحرهم ، فـ : (قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ، وخرج بجنده طلبا للكليم ، عليه السلام ، وقومه ، فـ : (أَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) ، فكان إغراقه وإغراق جنده ، فائضِ قوته ، كلهم ، ولما حصل فائض القوة لعاد قالوا : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، فكان إهلاكهم بالريح الصرصر وتلك سنة تَتَكَرَّرُ في كل من امتلك فائض القوة ولم يمتلك ما يحكمها من أسباب الشرع وأحكام العدل ، فـ : (لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) . وفائض القوة فتنة تعظم ، ولا يظن أحد ، وإن كان من أهل الحق أنه منها يسلم ، فما يدريه لعلها إن حصلت في يده ولم يكن ثَمَّ ما يلجمها من الحق المنزل لكان منه طغيان يضاهي الطغيان الذي يكافحه ، فالقوة بلا حق يحكم زمامها ، القوة بلا حق خطر ، أَيُّ خطرٍ ! ، والابتلاء لا يكون إلا حال القدرة ، فحال العجز ، كما يقول بعض المفكرين ، تجد الجميع على سنن الخير والصلاح ! ، فإذا أعطوا القوة والسلطان تَبَيَّنَ من بَكَى ممن تباكى ، فَقَبْلَ الانصراف إلى تحصيل أسباب القوة في السياسة والحرب والاقتصاد لا بد من الانصراف إلى تحصيل أسباب الحق من الوحي المنزَّل فلا بد من إصلاح التصور ابتداء ليصح الحكم في جميع الأحوال ، ما خص وما عم ، إن في العقد أو في الشرع أو في السياسة أو في الحرب ..... إلخ . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 09:41 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir