![]() |
عن القصاص
عن القصاص
مما سبقت الإشارة إليه مرارا أنه لا غنى يحصل للمكلَّفِ عن الوحي المنزل فهو الذي يكشف عن أسباب الصدق في الأخبار وبها يصح التصور ، وهو الذي يكشف عن أسباب العدل في الأحكام وبها يصح العمل ، فلا يستقيم أمر البشر إلا باستقامة الباطن على سنن الأخبار ، واستقامة الظاهر على سنن الأحكام ، وإلا حصل من النقص بقدر ما يفارق الناظر أو الحاكم أو العامل ، بقدر ما يفارق أولئك من سنن الوحي ، لا سيما إن كان ثم زيادة وفضول من القوة والجاه والثروة فهي أعظم ما يفسد التصور والإرادة إن لم تشفع بأسباب الهداية ، فهداية التَّنْزِيلِ هي التي تلجم النفس أن تطغى بما جبلت عليه من الظلم والأثرة ، فتلك طبائع استبداد إن لم يسأل الإنسان رَبَّهُ ، جل وعلا ، السلامة مِنْهَا ، وَيَسْتَعِنْ بأسباب الحق أن يهذبها ، فلن يسلم من شرها المستطير الذي يفسد الدنيا والدين معا ، فإن فضول الأسباب من الجاه والقوة قد حمل كثيرا من الخلق أن يقع البغي في الأرض بغير الحق ، فَبَغَى الخلطاء بعضهم على بعض ، فَثَمَّ تَشَارُكٌ وَتَجَاوُرٌ على وجه يحصل فيه من التَّنَازُعِ أن يقتتل الخصوم والأرض تسع جميع الجسوم ، ولكن النفوس تضيق إذ جبلت على الشح إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، بمادة وحي بها يحصل العدل بل والفضل إيثارا على وجه لا تجد فيه من التشاح ما يحمل البشر أن يسفكوا الدماء ، بل لو حصلت الخصومة وَوَقَعَ الاقتتال ، فَثَمَّ عدل وثم أمر ونهي قد عُظِّمَ في النفوس حقيقة لا دعوى فصاحبه يحسن يميز حال الفتن ، فلا يَبْغِي ، وإن قدر ، فثم دين يعصم ومروءة تحجز ، وبها يعلم أصحاب الدين فهم يعدلون إن في الحب أو في البغض ، فلا يفرطون في المحبة ، ولا يفحشون في المسبة ، بل العدل حتم لازم إن في الرضى أو في السخط ، فهو آكد واجب في التوحيد ، وهل التوحيد إلا العدل أن يجري صاحبه على سنن القياس الصريح ، فيضع الثناء في موضعه ، فلا يوصف بالكمال المطلق إلا الرب المهيمن ، جل وعلا ، فالقياس الصريح يقضي أن يوصف الكامل بوصف الكمال ، وأن يوصف الناقص ، في المقابل ، بوصف النقص ، وأن يوصف الغني بالغنى والفقير بالفقر ..... إلخ ، والعدل آكد واجب في التشريع فإن الشرع عدل كله وخير كله فلا ترى من حكمته إلا ما يحمل من تدبر ونظر فحكم وأنصف أن يقر بأنه الأعدل والأصلح ، وإن جوز التحاكم إلى غيره ! ، فهو ممن يجحد التوحيد في التشريع إذ يجوز التحاكم إلى محدَث الشرعِ من أحكام الوضع ، ولكنه لا يخالف عن سنن العدل إن قارن وقابل ورزق الإنصاف والتجرد ، فالفارق عظيم على وجه يدركه العقل ضرورة لا يماري فيها إلا جاحد أو مسفسط ، والعدل ، كما تقدم ، قاض أن يفرق بين المختلفين لا سيما إن عظم الاختلاف فغاية الوضع أن يحقق بعض المقاصد العامة التي أجمع عليها العقلاء والتي لا بقاء لنوع الإنسان في جماعة ، وإن ناقصة الحال بما فاتها من الأخلاق والأحكام ، لا بقاء لنوع الإنسان إلا بحد أدنى من مقاصد العقل الصريح والتي لا تنفك تواطئ الوحي ولكنها ، بداهة ، لا تجزئ في حصول اسم الإيمان ، مناط النجاة في الآخرة التي لا زال أتباع الوحي يؤمنون بها ! ، فثم من جحد وأنكر على وجه يخالف ، أيضا ، ضرورة العقل ، فإن معنى العدل في القصاص يوجب دَارًا أخرى يُسْتَوْفَى فيها من القضاء ما لم يستوف في هذه الدار ، وذلك قضاء مفصل منه قضاء معجل في هذه الدار إما بسيف الشرع إن كان ثم سلطان وحي ، فـ : (لَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) ، فلا يراق دم إلا بحق ، فقتل النفس أعظم ذنب ، بل وقتل الحيوان بلا حاجة مما يحرم فهو إتلاف روح بلا غاية ، فكيف بقتل معصوم الدم من أهل الإسلام أو من أهل العهد ، وهل يطيق بشر أن يقتص لكل مظلوم في الأرض ، فغاية الأمر السعي على الوجه المشروع إن كان للنبوة دولة تحكم بالكتاب الهادي وتتأول ما يحكم به بالسيف الناصر وذلك ، بداهة ، مما لا ينهض به آحاد الناس إلا دفعا للصائل فذلك من الطارئ الذي يقدر بقدره ، فيجري ضرورة حتى يكون للوحي حكم في الأرض يقضي بالعدل ويقتص من الظالم ، على وجه لا يحصل فيه الإسراف ، فإن العدل ، كما تقدم ، يقضي ألا يكون الغلو أو الجفاء ، فالعدل فضيلة القصاص بلا إسراف في حق الظالم ولا إهدار لحق المظلوم ، فلا يحل الظلم وإن لظالم ! ، فذلك حد العدل الذي يجب لكل أحد ، من تحب ومن تكره ، فإذا كان سيف للشرع فهو يقتص ما استطاع ، وثم سيف آخر هو سيف الكون الذي يجري به ، جل وعلا ، من القصاص ما تعظم به العبرة لو كان ثم من يَعْتَبِرُ ! ، فضلا عن قصاص الآخرة فهو أعظم لو تدبر الغافل الذي نصب العداوة للوحي وأتباعه فاستباح منهم ما استباح ، فضلا أن تبلغ به الحال أن ينصب العداوة للوحي فما استحل من أتباعه ما استحل إلا بغضا للحق الذي يَنْتَسِبُونَ إليه ، ولو في الجملة ، فكيف لو كان انتسابهم إلى الوحي الانتساب الأول إلى أصل الرسالة المحكم ، فكلما قارب المكلفُ الوحيَ زادت عداوة من يُبْغِضُ الحق له ، فالحق يَسْتَلِبُهُ ما أفنى العمر في جمعه وإن شئت الدقة فقل في سرقته وانتهابه من أسباب السيادة في السياسة والمال ..... إلخ ، فلا يمكن أن يتواضع الطاغوت ! ، فهو يمارس دورا مركزيا في أية منظومة استبداد تجعله يتعاطى مع الأطراف ، وهي آحاد البشر الذين ابْتُلُوا بطغيانه ! ، تجعله يتعاطى معها بشراسة ربما فاقت شراسة المركز الرئيس ! ، فثم همجية الحرب والقتل التي تسيطر على عقل المركز ، سواء أكان رأسا أم فرعا ، ففي كل منظومة استبداد مركز يمارس من همجية القتل والقمع ما ينزع عنه وصف العقل ، فَثَمَّ إمبريالية يطلق عليها بعض مفكري الغرب إمبريالية العقل ، فعقل المركز عقل محتل يَرُومُ السيطرة على الأطراف طوعا أو كرها ، فيمارس من قمع الأديان والأفكار ، وقمع الأبدان ما يجعل العقل ينتج اللاعقل ، فيعجب الناظر من همجية المراكز الرئيسة والفرعية ! ، فَلَهَا من أسباب القوة ما لم يشفع بأسباب الحكمة ، إذ ليس ثم وحي يحكم ، بل ولا قانون محدث ! ، وهو ما جعل كثيرا يفتن بما حقق المركز من قيمة العدل المحلي فلا يتجاوز بداهة حده الجغرافي ، فثم نسبية تحكم العقل المركزي في طوره الحداثي وما بعده ، *** يصر العدل قيمة مطلقة تجري أحكامه في جميع الأ**ار ، بل العدل حسن في **ر إذ يجعل المركز أكثر ازدهارا ، قبيح في الأطراف فلو حكمت بالعدل لشبت عن الطوق ! ، وصار لها من الحكمة ما به تمنع خيرها عن السيد ، فضلا أن تنازعه السيادة لا سيما إن كانت ذات إرث من المعرفة والحضارة يجعلها إن أخذت بالأسباب تسترد ما كان لها من أمجاد ، وذلك ، بداهة ، لا يكون بالتمني ولا بالتحلي ، وإنما هو أمر يَقَرُّ في القلب ويصدقه العمل ، فذلك حد الإيمان الذي لا ينهض الشرق إلا به ، فهو السبب الأول في أي إصلاح ينفع ، فالاشتغال بإصلاح الدنيا تسولا لفائض التقنية من بلاد المركز والذي لا يَنْفَعُ في العادة إلا أن يحقق نوعا من الرفاه المزيف يشبع ا*** ويتخم الجسد بشهوات ليست إلا فضولا يصيب العقل بِالْبَلَهِ والجسد بالكسل ، فبطنة بلا فطنة ، فلا يطيق المركز أن تحكم الأطراف بالعدل ، ولو عدلا كالذي يحكم به ، ولا يطيق أن تتحرر الأطراف من الاستبداد ، فما استناب المركز طواغيت الأطراف إلا لبناء نظام سياسي محلي لا يختلف كثيرا عن النظام السياسي الدولي ، فثم مركز وثم أطراف ، فالمركز يملك أسباب القوة والسيطرة ، ويمارس من الاستبداد والظلم ما يروم به تقزيم الأطراف وإضعافها وشغلها بما لا ينفع من فضول العيش ، إن كانت الحال رفاها ، أو ضرورة العيش إن كانت الحال فقرا ، مع آلة قمع تَتَدَخَّلُ ***م أي إنكار ، سلما كان أو حربا ، وآلة إعلام تزيف الوعي ، وخزانة أموال بها يصطنع الأعوان من النخب السياسية والفكرية بل والدينية التي تمثل حائط صد محكم ضد أي رأي يصلح ، سواء أكان إصلاح الدنيا أم إصلاح الدين ، وذلك ما ينزع من هذه الأمة خاصة الأمر والنهي ، وهي مناط الخيرية المطلقة ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فلا تستقيم الحال إلا بها على وجه لا يجاوز فيه الآمر الناهي حد الشرع فالعدل يجب وإن في حق المظلوم الذي ينكر الضيم ويروم العدل والخير فلا بد من فقه محكم في هذا الباب الذي تعظم فيه البلوى بما يُنْتَهَكُ من الحرمات ، إذ المركز في العادة لا دين يمنعه ولا مروءة تحجزه فالأطراف تنازعه وجوده الذي لا يقوم إلا على الظلم فلو جاء الحق لزهق ، فهو يحشد من القوة والعدة والعدد ، ويصطنع من الأنصار في كل ساحة ، فيصطنع في ساحات الجدال من ينافح عنه وتعظم البلوى في هذا الباب أن ينافح عنه من ينتسب إلى الدين في ظاهره ، فيداهن ويجامل رجاء دنيا ، ولو فوت لأجل ذلك مقاصد الدين الرئيسة ، فلا تجد الفتاوى إلا وهي تَتَّسِقُ مع **الح السياسة اتِّسَاقًا يُثِيرُ العجب إذ يحصل فيه من التناقض ما لا يخفى ، فالقبيح يصير حسنا إذا حقق **الح النخبة ، وا***ن يصير قبيحا إن خالفها ، والدم يباح في أحوال ، بل ويصير التحريض على سفكه بَيَانًا لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، رعاية ل**الح السادة ، وتعظم الجناية في سفكه في مواضع أخرى إن كان ذلك يصب في قناة النخبة ، ويستدل لأجله الناظر بالحق الذي يراد به الباطل ، فقد نهى الوحي عن سفك الدماء المعصومة وهي دماء السادة ومن تبعهم فقط ! ، والنفس ، في المقابل ، حلال في مواضع وإن لم يحلها الوحي ، فقتلها عبادة يؤجر صاحبها فهو يحسم مادة الفساد من الأرض فلا تصلح الدنيا إلا بذلك ، وهو يحفظ مقاصد الشرع الحنيف الذي يأمر بقتل الخارج اللعين الذي أمر صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقتله ، فالمركز يحسن توظيف هذه النخب فهي جنده المخلص نظير ما يُلْقَى إليها من الفتات ، فلا بد من صرف الأطراف أن تطالب بأي إصلاح ، سواء أكان إصلاح دنيا ، فضلا أن يكون إصلاح دين يستوجب بداهة إصلاح الدنيا فهو له تابع لا سيما في الشرق الذي لا يمكن أن ينهض فيستعيد دوره الحضاري إلا أن يراجع ما فارق من أحكام الدين الإسلامي لا سيما في منظومات الفكر والحكم والسياسة ، فلو تدبرت ما يصنع المركز الرئيس ، فهو يصطنع مراكز في الأطراف تدين له بالولاء ، ولا ترى لها أسباب بقاء إلا ما يضمن المركز فهو الذي يحميها ، وهو الذي يطعمها ويسقيها ! ، وإن ألقى إليها فتات موائده التي لا تَعْمُرُ إلا بما ينتهب من خيرات الأطراف بِتَآمُرِ النخب الخائنة التي أهدرت مقاصد الشرع وأحكامه ، وأفسدت على الناس دُنْيَاهُم ، فلا دين حفظت ولا دنيا ! ، وكذلك تصنع المراكز في الأطراف فهي تنتهب حقوق الرعية وَتُلْقِي إليهم بفتات موائدها ، وداخل كل مركز يجد الناظر مراكز ، فمنظومة الاستبداد قد أحكمت حلقاتها على وجه يستوجب من الإصلاح جهودا عظيمة وأحقابا طويلة لتفكيك هذه الشبكة الإرهابية التي اختطفت شعوبا بل واختطفت أمة الشرق أن تَسْتَعِيدَ مجدها الزاهر ، فهي ، عند التدبر والنظر ، أدوات المركز التي بها يقمع أي إصلاح فمن العجب أن يرجى منها الصلاح ؟! ، وأن يظن فيها خير في دين أو دنيا ، وهي التي تستمد بقاءها من إفساد الدين وتعطيل أحكامه ، وانتهاب الدنيا والاستئثار بأسبابها ولو فضولا ، فنخب قليلة العدد لها من أسباب السيطرة ما يمنحها المركزُ الرئيسُ ، وقد اصطنعت مجامع وظيفية في الفتوى وفي السياسة وفي الحرب وفي الإعلام وفي الاقتصاد لتحكم الخناق على الشعوب ، فتلك مجامع طفيلية لا تحمل أية قيمة دينية أو إنسانية فلو كان لها حظ من غاية عظمى ما استباحت هذا المنكر ، لا سيما إن كانت غايتها غايةَ الوحي أن يوحد الرب ، جل وعلا ، حقيقة لا دعوى ، وأن يحكم بشرعه حقيقة لا دعوى ! ، فيكون رسوله الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحكم في كل خصومة ، فلا يقدم رأي أو ذوق على رسالته لا في أصل ولا في فرع ، لا في عقد فيكون هوى المعطلة الذي خاضوا في الإلهيات وهي أمور غيب لا تُنَالُ إلا من مشكاة الوحي ، ولا في شرع فيكون هوى المعطلة الذين بدلوا الأحكام فجعلوا الهوى قاض أول وإن كان للوحي حظ فهو تابع ثان لا أكثر ، فلا يعتبر حكمه إلا إن وافق حكم الهوى ، وقل مثله في حكم السياسة والحرب فلا اعتبار لفتوى تخالف مقاصد الحكام والساسة والقادة ! ، بل صارت مقاصدهم هي مقاصد الوحي التي يجتهد علماء السوء في اعتبارها وإن خالفت بدائه العقل فضلا عن أحكام الشرع ، فلا بد من تأويل يحل الحرام ويحرم الحلال ويخالف النقل والعقل جميعا على وجه يلحق أولئك بقبيل الباطنية *** يخل عصر من باطني في الفتوى يجتهد في تأويل أحكام السياسة وتخريجها على أصول الوحي وإن تكلف لأجل ذلك من طرائق التأويل ما لم يتكلفه الباطنية الأوائل والجميع على ذات الدرب سائر ! ، على وجه صير الشرق أضحوكة وأعظى الذريعة لكل مستغرب فُتِنَ بما حصل من العدل في دول المركز ، فظن من ظن أن الحضارة قد نشأت في تلك الديار التي أقفرت من النبوات ! ، وظن من ظن أن الشرق بلا حضارة أصيلة فغاية أمره الإسلام ، إن كان ممن يعظم الدين ولو في الجملة ، وما قبله عدم ! ، في تسطيح لا يخفى لمفهوم الحضارة التي لا تَنْفَكُّ تقترن بالوحي ، والوحي كله قد نَزَلَ في الشرق ، فمن آدم إلى محمد وبين الاثنين رسل : (قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) ، عليهم صلاة الرحمة وسلام الثناء إلى يوم الدين ، فلا تجد منهاج استقامة مفصل يجيب عن أسئلة الضرورة في الأصول وأسئلة الحاجة في الفروع ، لا تجد منهاجا يضاهيه ، وهو أمر ، كما تقدم ، شهد به من ليس من أهله من الفلاسفة وفقهاء القانون المحدث ، فالحضارة في الشرق وإن لم يكن أهلا أن يتحمل أعباءها فقد أصابه من النقص والضعف بقدر ما فارق من دين الحق وعطل من أحكام العدل ، فاقتضت الحكمة أن تُنْزَعَ السيادة من الشرق إذ لم يأخذ بأسبابها وأعطيت مقاليد الأمر للغرب فحضارته الآن هي الحاكمة في ظل نظام دولي محكم أرسى قواعده المنتصر في الحرب فهو الذي يضع قواعد السلم ! ، وإن بدأت الحضارات جميعا ، حضارة الشرق وغيرها تَتَمَلْمَلُ من هذا النظام المستبد الذي أعطى المركز من أسباب القوة والسيطرة ما قهر حضارات أعرق ، فحضارة الهند أعرق ، وحضارة الشرق الأقصى أعرق ، بل وداخل المركز تتصارع الأجنحة ، فحضارة السلاف وهم ال*** الأبيض في بلاد الروس والبلقان ودينهم الأرثوذكسية ، وحضارة الأنجلوساكسون وهم ال*** الأبيض في بلاد الإنجليز والأرض الجديدة ودينهم البروتستانتية ، وحضارة اللاتين وهم ال*** الأبيض في بلاد الغال والطليان والإسبان ودينهم الكاثوليكية ، وحضارة ال*** الآري الذي بشر بالطرح النازي ولا زال يَتَحَسَّسُ جراحه فهي في الذاكرة حاضرة وإن اقتضت السياسة المعاصرة نوعا من المداهنة ، كل هذه الأجنحة تتصارع وإن داخل المركز الواحد ، على وجه يحصل فيه من التحالفات الْبَيْنِيَّةِ ما تقتضيه السياسة النَّفْعِيَّةُ ، فطرح من طرح من دهاة السياسة في معسكر الشرق ، طرح ، كما يذكر بعض الفضلاء ، التحالفَ بَيْنَ الهند والصين وروسيا صدا لغارة المركز ، وروسيا الآن تحجز مكانا في نظام دولي يَتَشَكَّلُ فملامحه تظهر في بلاد الشام ، وحضارة الشرق لا زالت حتى الآن هي الحاضر الغائب مع أن الأمر يُقْضَى في ديارها ، وهي ، مع ذلك ، تنهض ولو رويدا لتحجز هي الأخرى مكانا في هذا النظام الذي يؤذن برحيل مركز استخلف *** ينهض بالأمر بل حصل به من الظلم والاستبداد ما أفسد الأديان والأبدان ، وتلك سنة جارية ، ولو تدبرت لوجدت حضارة الشرق هي الأولى بالقيادة ، وإن شئت الدقة فقل باسترجاع الأمر بما لها من مستند الوحي ، فلا تملك أمة أخرى رصيدا من النبوة يضاهيها ، فوحدها التي تحفظ مقاصد الشرع ، فلا تصان الأديان وتحقن الدماء وتعصم النفوس فلا تقتل إلا بالحق ، إلا أن يكون الوحي في المركز حكما يهيمن . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 02:06 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir