![]() |
من آية : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً ........)
من آية : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً ........)
ومن قوله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) ، فذلك من جعل التكوين اصطفاء ، وذلك موضع تعظم فيه المنة فضلا عن وصف القدرة والحكمة ، فإن جعل الإمامة في فرد أو أمة لا يكون خبط عشواء فذلك مما يقبح في حق آحاد الحكماء من البشر أن يضع الشيء في غير موضعه الذي يليق به على وجه يحصل به النفع ، فلكلِّ سببٍ من المحال ما يلائمه ، فمحل القوة الهاضمة يقبل أسباب المطعوم النافع الذي يغتذي به الجسد وينمو ، ولا يقبل غيرها فلا يقبل التراب أو المعدن فلو ابْتَلَعَهُ الإنسان لأضره ، والعلم عرض لطيف فليس محله محل ا*** فإن الإنسان لا يتصور ويتدبر ببطنه ! ، وإنما يتدبر بعقله ، وتلك آفة عظمى إذا صارت الدولة للشهوة ، فصار الإنسان العاقل المكلف الذي خص بالعقل فهو به مكرم ، صار حيوانا أعجم لا غاية له في الحياة إلا أن يشبع حاجات ا*** ، لا سيما البطن والفرج ! ، فهما مجمع الشهوات الجبلية ، فصار يفكر لأجلهما ، ويخطط لأجلهما ، بل ويحارب ويسالم لأجلهما ، فهما في حضارات ا*** الدنيا مناط الولاء والبراء الأول ، وربما الأوحد ، وذلك أمر اتسمت به الحضارات الأرضية سواء أكان تناولها للشهوات ساذجا ، كما كانت الحال في حضارة اليونان ، فكان الإقبال على المطعوم حتى تقيأ من تقيأ ما في بطنه ليباشر لذة المطعم مرة بعد أخرى ! ، وفنون هذه الحضارة لا سيما فن النحت تكشف عن ولع بشهوة المنكح على وجه يأنف منه العاقل ويخجل ، فَثَمَّ تَفَنُّنٌ في تصوير العري وتجسيد العورات المغلَّظة ، وفي العصر الحاضر يكشف الإحصاء العلمي أمرا طريفا يجعل الأمة اليونانية على رأس الأمم في مُبَاشَرَةِ شهوة المنكح ، حلالا أو حراما ! ، مع أن البلاد بلاد فاشلة قد أعلنت إفلاسها ، فليست الحال حال رفاه تجعل الإنسان ينصرف إلى تحصيل لذاته ، ويبدو أن ذلك من طول الفراغ فلا عمل إذ ارتفعت نسبة البطالة ، والنفس إن لم تشتغل بما ينفع من حق في الدين أو الدنيا فهي تَشْغَلُ الوقت بالباطل سواء أكان باطلا محرما أم باطلا لا ينفع لا في أولى ولا في آخرة ، فليس إلا فضولا في اللذات من مطعم ومشرب ومنكح ... إلخ ، وإن مباحة ، فأدنى أحوالها أن تكون مكروهة إذ الفضول في الشهوات يذهب الفطنة ويجلب البطنة ويثقل النفس ويقسي القلب ويضعف البصيرة أن تعمل في المعقولات اللطيفة من علوم التشريع الحاكمة أو علوم التجريب النافعة ، فقد اشتغلت بالشهوات وهي حجاب غليظ يصيب النفس بالكثافة والبلادة ويجعل صاحبه من أهل البلاهة . وقد يقال ، والله أعلم ، أن ذلك مما رُكِزَ في النفس فهو أَثَرُ حضارة ترسخت في الأذهان ، فَتَوَارَثَتْهَا الأجيال ، ولم تُعْنَ إلا بتقديس الأعيان والأشياء في الخارج ، فصارت اللذة قطب الرحى ، فضلا عن القوة ، مع أن هذه الحضارة لم تكن حضارة عسكر وحرب إلا أنها مارست التنظير الفكري لخيار التدخل العسكري تقريرا لمبادئها وسحقا لمن يعارضها فهي تروم فرض حضارتها بالقوة ، مع أنها تَتَحَلَّى زورا بحلية العقل والفلسفة ، فذلك كتابها الهادي ولا بد له ، بداهة ، من سيف ناصر بل وقاطع يستأصل المخالف ، وذلك ما تَرَاهُ في حضارة المركز في هذا العصر فقد ورث الروم حضارة اليونان وزادوا عليها قوة العسكر *** يكن لهم من قوة الفكر ما لليونان ، فحضارتهم تغلب عليها البداوة والخشونة التي تبلغ في أحيان كثيرة حد الهمجية في الحرب ، سواء أكانت حربا محلية كما يحكي تاريخهم بعد اعتناقهم النصرانية الكاثوليكية وما كان من فرضها بالسيف على القبائل الوثنية الجرمانية وغيرها من قبائل القارة العجوز ، أم كانت حربا خارجية ، كما كانت حالهم إبان وثنيتهم ، وحصارهم البيت المقدس واستباحتهم له استباحة الوحوش الكاسرة بعد رفع المسيح عليه السلام إلى السماء الثانية ، هذا الحصار مما حكى التاريخ طرفا من بشاعته على وجه يكشف جوهر الحيوان في هذه الحضارة المفترسة ! ، فضلا عن اضطهادهم الأرثوذكس في **ر قبل الفتح ، ودخولهم في حرب أهلية أسفرت عن انقسام الإمبراطورية إلى شرقية وغربية مع اضطهاد لكل من يخالف عقيد الدولة الجديدة بعد أن اعتنق قسطنطين النصرانية الكاثوليكية ، رغم أنف الأكثرية في مجمع نيقية الشهير ! ، *** تفلح النظم الديمقراطية التي تعطي الحق للأكثر أصواتا أن يمرر ما شاء من القوانين والتشريعات ! ، لم تفلح في حسم النِّزَاعِ إذ رجحت كفة الأقلية بما انضم إليها من سيف السلطان ! ، وذلك أمر تَرَاهُ في كل عصر و**ر ، فالأقل عددا إن كان أكثر مالا ونفوذا ، ومعه آلة الإعلام والحرب فهو القادر على الحشد وهو القادر على القتل والسفك وفرض رأيه بالقوة وإن لم تَرْضَ به الأمة ، أو قطاع عريض منها فلا وزن لها في معادلة الحكم فهي لا تقيم وزنا إلا للقوة المحسوسة وإن لم يكن لها أي سلطان من حجة معقولة فالسيف أصدق إنباء من الكتب ! ، وانتهاك النظم التي أحدثها القوم في أمور الحكم والسياسة ، انتهاكها أمر قد تواتر إذ الحاكم الرئيس هو ال**لحة الخاصة لنخبة الحكم التي تصير بفعل آلة الإعلام والدعاية **لحة عليا فهي **لحة الأمة بل و**لحة الدين ! ، وذلك أمر لم يسلم منه في أحيان كثيرة من ينتسب إلى الدين الخاتم فإن **لحة الكيان السياسي قد تضطره في أحيان ! أن يلجأ إلى الدين ليحشد به الجماهير في نوازل تعظم فيها البلوى ولا يدركها أكثر الناس فالعقول سكرى بحمية صدق ولكنها لا تنفع شيئا إن لم تضبط بلجام شرع يحكم ، فصاحبه قد تجرد من أهوائه وحظوظه وإن خفية ، فقد يكون في الظاهر صادقا وله مع ذلك من دخيلة النفس ما يحمد ولكن ثَمَّ شهوة تخفى في رياسة أو جاه فذلك يفسد الأمر إذ الدين أمر لا يقبل الشركة ، فلا يصلح الله ، جل وعلا ، عملا فسد بعضه بحظ نفس ، ولا يقبل ما وقع فيه الشرك ، ولو خفيا ، فإن أشرك الفاعل حظ نفسه فداخل أصلَ عمله فذلك ، أيضا ، مما ينذر بشؤم عظيم ، فيكون عاجل العقاب أن يسلط أهل الباطل على أهل الحق فَلَمَّا تَتَمَحَّضْ مادة الخير في القلوب وتصفو من كدر الشرك الخفي وذلك أمر لم يسلم منه أهل الحق يوم أحد ، فـ : (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ، فكان ما كان من العقاب لأدنى حظ داخل أطهر القلوب بعد قلوب الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، فكيف بمن جاء بعدهم والدخن فيهم أعظم بما قضى به الرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، من نقصان الحال بتعاقب الأجيال ؟! . والشاهد أن هذه الحضارة الرومانية ، وهي ، أيضا ، من روافد المركز في هذا العصر قد تأولت ما ورثت من حضارة اليونان ، فكانت القوة هي الوسيلة ، واللذة هي الغاية ، على وجه انحط بالإنسان إلى دركة الحيوان الأعجم ولا زال ، فالمركز تشتد شراسته بتعاقب الأيام ، ويحدث من أجناس اللذة ووسائل القوة ما يفضي إلى حال من الفوضى فلا غاية إلا ما يشبع الغريزة ، المعقولة أو المحسوسة ، فإن سَفُلَتِ النفس فشهوة البطن والفرج ، وإن شرفت فغريزة الطغيان والرياسة أن يمتلك صاحبها ناصية القوة التي يحكم بها السيطرة على الناس ، فتلك شهوة عظمى قل من يسلم منها لا سيما إن وَلِيَ أمرا ، فإنه إن كان بلا ولاية فزهد وكياسة ! ، فإذا ولي انقلب فترى من حاله العجب ! ، وكم فسد من بشر كانوا أتقياء بَرَرَةً فَلَمَّا ابْتُلُوا بالسلطان اقْتَرَفُوا من الآثام ما لم يكن في ا***بان ، وغرور القوة سكرة عظمى تفسد التصور فيظن صاحبها أنه الغني بما تحت يده من أسباب ا*** ، وذلك ما يجعله يستسيغ الطغيان ، فَلَا تَنْفَكُّ نَفْسُه التي أصابها مرض الشرك فقد أشركت بالله ، جل وعلا ، السلطان والهوى ، فصار رأيها المرجعَ الذي إليه تأرز وإن خالف مرجع الوحي فهي ، كما تقدم مرارا ، تأبى الانقياد لأي مرجع من خارج يتجاوز نطاقها الضيق ، سواء أكان نطاق العقل الفردي الذي يحكم بالأنا ، أم العقل الجمعي الذي يحكم بضمير الجمع "نحن" ، ضمير الشعب ! الذي صار طاغوتا لا يقل طغيانه عن طغيان الحاكم المستبد بل طغيانه ، عند التدبر والنظر أعظم ، فهو طغيان أمة لا فرد ، فلا يصمد أمامه أحد ، لا نقل ولا عقل ، فإن الشعب الضال عن منهاج الحق قد يقر ما يخالف الوحي بل والعقل والفطرة ! ، فيستحسن ما أجمعت كل الشرائع والقوانين على قبحه ، ولا يملك المشرع الأرضي إلا أن يمضي رأي الشعب فذلك طغيان النظام الديمقراطي الذي يصفه بعض الساسة أنه ذو أنياب ومخالب ! ، فمخالب الأمة تنشب في أي مرجع يخالف ما تهوى وإن وحيا منزلا ، فلا قدسية لأي شيء إلا حكم العقل الجمعي فهو ال**در المحكم الذي يُرَدُّ إليه كل متشابه يَرِدُ من خارج ، وإن كان وحيا ! ، فالوحي كأي **در من **ادر العلم ، فهو نسبي يحتمل فلا بد من عرضه على مجلس دستور أعلى كذلك الذي تجده في الدول الديمقراطية ، فهو الذي ينظر في المعلوم الوارد ، وإن كان من الشرع النازل ! ، ومن ثم يقيس فثم معيار به يزن كل قانون ، هو ما سطر من دستور ارتضاه الشعب أيا كان ! ، أو هكذا يفترض فغالبا ما يستفتى الشعب ويمضي الأمر ، شاء أو أبى ، وإن في الدول الديمقراطية العتيدة ، فثم آلة إعلام تلعب دورا رئيسا في صياغة هذا العقل الجمعي على وجه يحقق **الح عليا ! ، هي ، كما تقدم ، **الح النخبة التي تَمْلِكُ أسباب القوة والسيطرة ، ومنها المال الذي يقدم رشاوى ساذجة في البلاد المتخلفة فتكون الرشوة مباشرة شِرَاءً لصوت الفرد ، أو رشاوى مركبة شراء لمؤسسات الإعلام ورجال الطبقة العليا من الساسة الذين يملكون تَأْثِيرًا في توجيه الرأي العام ، وهي قد تكون رشاوى سياسية أو مالية ، ولكلٍّ ما يلائم حاله ، فثم من يأنف رشوة المال فنفسه تطمح إلى السيادة ، ولو بذل لأجلها ما بذل ، وثم من يمثل نخبة **الح معقدة تتداخل وتتقاطع ، فلها مرشح سياسي يحقق أغراضها في الحفاظ على **الحها ، سواء أكانت **الح قيم وأخلاق ، وإن استندت إلى مفاهيم أرضية ، أم **الح مادية محضة ، فثم تجارات و**انع وثم مطاعم ومكاسب يبذل أصحابها في تَثْمِيرِهَا ما يبذلون فهي أعظم ما تَنْتَصِرُ له النفوس التي درجت في مهاد الحضارات المادية التي لا تقيم وزنا للرسالات السماوية ، وإنما استندت هذه الحضارة إلى قيم اللذة والقوة ، كما تقدم ، ولم تخل من العنصرية ف*** اليونان الآري كان معدن الشرف في حضارة الإغريق ، والمواطن في نظامهم الجمهوري هو الحر ، فالعبد ليس له حق المواطنة ، فتلك حضارة السادة التي لا تتسع للعبيد فليس لهم إلا خدمة السادة ، أو تحقيق لذاتهم حتى صار العبد في حضارة الرومان وسيلة ترفيه لا أكثر ، فهو يصارع غيره ، أو يصارع وحشا يفترسه وجمهور السادة في مدرجات المسارح الرومانية القديمة يصفق جذلا بما يشاهد من افتراش الوحش للعبد ! ، فتلك غاية أية حضارة لا تأرز إلى وحي يكرم الإنسان بالرسالة ويعلو بجوهره بما ينزل من شرائع تحكم لجام الغريزة فتهذب الشهوة فلا يقع لها من الطغيان ما يقع لمن كفر بالوحي وعطل الشرع فكلما عطل منه شيئا فَقَدَ من خاصة الإنسان شيئا حتى تبلغ به الحال أن يعطل الشرع كله فيصير إلى الحيوان أقرب بل ولعله ينقلب حيوانا فيمسخ ولو في الباطن فالصورة إنسان والروح روح حيوان يفترس فلا يقر له قرار إلا أن يمزق أشلاء الخصم فهو يلتذ بالقتل والسفك ، والحيوان ، لو تدبر الناظر ، أشرف من كثير من بني آدم فهو لا يفترس إلا حال الجوع ، وأما الحيوان الآدمي فإنه يمعن في القتل والسفك مع أنه في الغالب لا يأكل لحم البشر إلا في صراعات بلغت الغاية في الانحطاط فثم من يجبر البشر على أكل لحومهم ، وثم من يتطوع بأكلها بعد قتلها ! ، وهو يستزيد من أسباب ا*** ما لا حاجة له فيه ، وإنما غلب الجشع ، واستبدت الأثرة لما غلب الطبعُ الشرعَ فقد جبلت النفوس على الأثرة وحب الرياسة والاستئثار بأسباب القوة لإحكام السيطرة ! ، فلا يلجم هذه الأخلاق الذميمة إلا حكم الشريعة ، فإذا غابت وَرُدَّ الناس إلى أحكام وضعوها ودساتير كتبوها فالطغيان بما أحدثوا منها فجعلوه الحكم المهيمن وغايتها لو كان فيها خير أن تقرر بعض البدائه التي أجمع عليها العقلاء من معان مجملة لا تجحدها الشرائع المنزلة كالعدل والحرية والمساواة والتكافل ...... إلخ ، وإن حصل التفاوت حال التفصيل فإن قيمة الحرية في مناهج الوضع قد صارت ذريعة إلى الإلحاد في العقد والانحلال في قيم الأخلاق ، وهو انحلال مركب لا ينصرف إلى انحلال الأخلاق المعهود في مقارفة الفواحش والمنكرات ... إلخ ، وإن كان ذلك ثابتا رئيسا في أي طرح أخلاقي يأرز إلى حرية مطلقة لا لجام لها من وحي أو عقل أو حتى قانون أرضي محدث ، فالانحلال هنا انحلال يقضي على مفهوم الدولة والقانون والمجتمع فلا يبقى لهذه المفاهيم في الخارج إلا آثار باهتة تحفظ بالكاد مفهوم الجماعة وإن تحولت إلى جماعة قرود تَتَسَافَدَ في الخلاء بلا أدنى حياء ، بل وربما كان لِلْقُرُودِ من الأعراف والتقاليد ! ما يرجح تقاليد الجماعة الإنسانية الجديدة التي يبشر بها المركز في ظل صراعه المحتدم مع حضارات الأطراف جميعا ، فمنها ما خالف عن منهاج الوحي ولكنه لا زال يحتفظ بحد أدنى من قيم البشر ، فلا زال مفهوم الأسرة والعفة واستقباح الخيانة ، ومفهوم العرف الذي يقارنه نوع حياء ! ، لا زالت هذه المفاهيم معتبرة في حضارات كثيرة تخالف حضارة المركز لا سيما في المناطق البكر التي يغلب عليها طابع الريف والبداوة ، وتأمل مفهوم الأسرة في حضارة الشرق الأقصى وهي صورة لا زالت تمثل إرثا معتبرا في ثقافة القوم فصورة المرأة في لباسها التقليدي وهو لباس يتسم بالحشمة في مقابل أزياء المركز ! ، وصورتها وهي تقدم الطعام لزوجها وَتَنْحَنِي أمامه .... إلخ من المظاهر التي تقض مضاجع الرائدات في حركة تحرير المرأة ! ، هذه الصورة بداهة تخالف صورة المرأة في حضارة المركز فهي ، من وجه ، لا تخضع لسلطان الرجل ، وهي ، من وجه آخر ، سلعة نجح المركز في توظيفها لتحقيق أغراضه المادية البحتة ، فلا زال في حضارات الأطراف قيم تخالف قيم المركز ، فثم ممانعة تزيد أو تنقص ، ولو تدبرت لوجدت الحضارة كلما كانت إلى الفطرة أقرب ، كانت أشد ممانعة لحضارة المركز فضلا عن استعلائها بقيمها وإن استند ذلك إلى تعصب آخر يضاهي تعصب المركز فلا يخلو أمرها من طغيان إن امتلكت أسباب القوة وقد امتلكتها بلاد اليابان زمن الحرب العالمية فوقع منها طغيان عظيم على أجوارها الذين يشاركونها نفس العرق ، وحضارة ال*** الصفر ، عند التدبر والنظر ، قد تكون أخطر على البشر من حضارة ال*** الأبيض ، إذ القوم قد تشبعوا بعنصرية لا تقل شراسة ، فضلا عن فشو الإلحاد فيهم ، وسيطرة الطرح الشيوعي على القوة العظمى الفاعلة في بلاد الصين في ظل نظام صارم حول هذا الكتلة البشرية الهائلة إلى كتلة صناعية صماء لا تعرف إلا لغة الإنتاج وهي لغة جافة يتحول كل شيء فيها إلى رقم وإن كان بشرا فلا بد من استنزافه حتى آخر رمق والانتفاع به ولو بتقطيع أعضائه وبيعها كما يحدث بعد تنفيذ حكم الإعدام في المجرمين ! . وقد شعرت الأمة اليابانية ، محل الشاهد ، شعرت باستعلاء على الأجوار لا سيما مع فائض حضارة وقوة لا وحي يضبطه فيلجم النفس التي تطغى بالأسباب إن لم يكن ثم وازع من الأديان ، وذلك أمر تجده في حضارة المركز ، كما تقدم ، فهي ، أيضا ، تشكو من فائض قوة وتقنية حديثة ، فتروم فرض قيمها بقوة الفكر الناعمة وقوة ال**** الصلبة فتمارس من أجناس التحرش اللفظي والفعلي ! ، بالحضارات الأخرى ما يستنفر النفوس الحرة أن تقاوم وتمانع ، فضلا عن نفوس تأرز إلى دين السماء فلا بد أن تكون ممانعتها أقوى إن كانت تعظم الوحي حقا لا دعوى ، فتلك سنة أخرى جارية في تصارع الحضارات ، فإن أية جماعة تجد فائضا من القوة والحضارة ولا يُشْفَعُ ذلك بدين منزل ، لا تنفك تطغى على الأجوار لا سيما إن كانوا ضعفاء لا حيلة لهم ، كما هو الحال في الصراع الدائر الآن على ضفتي الخليج ، فأمة فارس بإرثها الثقافي العريق وفائض القوة وفارق العدد تمارس من الطغيان والتسلط على الضفة الأخرى التي لا تملك حولا ولا قوة ! ، بما فارقت من أخلاق البداوة وقارفت من أخلاق الحضارة بمفهومها المادي فقد انتقلت إليها عدوى المركز ، فصارت قيم اللذة هي القيم الحاكمة ، وذلك أمر لم تسلم منه أمة الشرق إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فريح التغريب قد هبت على الجميع ، على تفاوت بينهم في ذلك ، وجزيرة العرب الآن هي الهدف الرئيس لهذه الموجة الجديدة مع ارتفاعٍ في أسهم ح** الحرب في المركز فهو يروم صداما مباشرا مع الشرق نقلا للصراع إلى أرض الخصم في ظل تصور ديني يجعل البيت المقدس ساحة الملحمة العظمى التي يُعْمِلُ فيها أهل الحق السيفَ في عُبَّادِ الأوثان ! ، فذلك يمهد لنزول المخلِّص ، فجزيرة العرب الآن تحاصرها حضارة فارس من الشرق وحضارة المركز التي اتكأت عليها في توفير الحماية والتفنن في أجناس المطعم والمشرب والتأنق في أسباب المعاش في ظل ثقافة استهلاك هي ، أيضا ، مما تَحَمَّلَهُ الشرقُ عن حضارة المركز ! . فالشرق أولى بهذه الممانعة من كل حضارة ، إذ له من الوحي المنزَّل ما ليس لأمة أخرى في الشرق أو الغرب ، فثم حضارات تَتَصَارَعُ لكلٍّ منها مستمد في التصور وقانون في الحكم ، فتلك ، كما تقدم مرارا ، سنة المدافعة التي يحصل بها من حكمة التدبير ما يحفظ هذا الكون من التدمير فلو استقلت حضارة بأسباب القوة فصارت مركزا لا ينازع وسلمت بقية الأمم وخضعت فَلَنْ يزيد ذلك المركز إلا طغيانا وهو ما يؤذن بفساد عظيم في الأرض . فلا يخلو أي قانون أو دستور من خير مجمل يأرز إلى القيم الأخلاقية العامة التي أجمع عليها البشر بما ركز فيهم من جبلة أخرى تأرز إلى ميثاق خير مجمل لا ينفك يفتقر إلى بَيَانِ الوحي فهو الذي يُفَصِّلُ ما أجمل ، وهو الذي يقوم ما اعوج ، فغاية دساتير الأرض أن تحقق حدا أدنى من القيم التي تحفظ معنى الجماعة ، ولكن حال التفصيل يحصل من التعارض بل والتناقض ما لا يحسمه في النظم الديمقراطية إلا رأي الجماعة استنادا إلى هوى يمكن تشكيله بآلة إعلام تخدع قبل أي استحقاق انتخاب ، ولا يحسمه في المقابل في دين السماء إلا الوحي المنزَّل ، وذلك ، بداهة ، مما لا يمكن تَلْفِيقُهُ ، فهو وحي معصوم ، وإن وقع التلاعب في أعصار الغيبوبة بإساءة التأويل عمدا أو جهلا ، طلبا لحظوظ عاجلة تُنَالُ باسم الوحي وهو منها براء ، لا سيما في طرائقَ من السياسة المحدثة لا تمت لسياسة الشرع بأية صلة وإن تأول لها من تأول من حملة العلم مسائلَ دون مقاصد ، أقوالا تكذبها الأفعال ، فعلمهم كلا علم ، بل هو الحجة على من حمله ولم يؤد حقه من البلاغ والبيان ، فـ : "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: عَبْدِي، أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلَّمْتُكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، اذْهَبْ فَلَيْسَ لَكَ الْيَوْمَ عِنْدَنَا شَيْءٌ" . فثم شبهة تفسد قوة التصور لا تدفع إلا بيقين العلم ، وثم شهوة تفسد قوة الحكم لا تدفع إلا بالصبر الذي يحول بين الإنسان واقتراف المحظور رجاء لذة عاجلة ، فإن حصل التصور الصحيح ونظر في عواقبها فهي أشد إيلاما من ألم يحصل بفوات اللذة ، وحصل الحكم العادل فامتثل صاحبه الصبرَ على ذلك إذ رُزِقَ إرادةً جازمة تظهر آثارها في القول والفعل ، فإن حصل ذلك فصارت الدولة للوحي أن يحكم في الفرد والجماعة ، ولا يكون ذلك ، كما يقول بعض المحققين ، إلا أن يكون التجريد التام في متابعة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيحصل توحيد المرسِل ، جل وعلا ، في الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، وما يستوجبه ذلك من توحيد التأله والطاعة ، وذلك ، بداهة ، لا يكون إلا بأمر ونهي ، فلا بد من رسول يبلغ ويبين ، فذلك شطر الشهادة الثاني توحيدا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو ، كما تقدم في مواضع سابقة ، المبلِّغ المبيِّن لكل أمور الدين ، ما كان من العقد الباطن أو الشرع الظاهر أو السياسة بمفهومها الأعم فهي سياسة الجماعة الإنسانية في أخلاقها وأعرافها ، وهو ما تظهر آثاره في سلوك الأفراد في البيع والشراء وسائر وجوه النشاط البشري ، وهي سياسة الدول والأمم كما اطرد في مفهوم السياسة المعاصر ، فلا بد أن يوحد الوحي في كل خبر وحكم ، في كل أمر ونهي ، فيوحد صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل حال ، في التوافق ، فـ : (مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، وفي التنازع ، فـ : (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، فَيَتَلَقَّى حقائق الإيمان وشرائع الأحكام منه وحده ، فلا يجعله ، كما يقول بعض المحققين ، لا يجعله رسولا في شيء دون شيء من أمور الدين ، بل هو رسول في كل ما تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل ، فلا يكون ثم تقدم بين يدي الوحي ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، فذلك ، أيضا ، مما عم إذ تسلط النهي على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، فضلا عن عموم آخر يستغرق كل مكلف فيستغرق الحاكم والمحكوم ، الفرد والجماعة ، فلا يسوغ لأحد أن يخرج عن أمر الوحي في أي شأن فتلك دلالة عموم آخر إذ أطلق الفعل فَعَمَّ جميع وجوه التقدم ، فالفتنة تعظم بهذا التقدم ، فهي ، كما يقول بعض المحققين ، تنشأ من الفهم الفاسد لنقص في العلم ، أو من النقل الكاذب ، ولا يخلو ، عند التدبر والنظر ، من سوء قصد وذلك فساد في الإرادة يجتمع لصاحبه من فساد العلم تصورا وفساد الإرادة حكما فيفسد القصد والنقل جميعا ، وقد تنشأ الفتنة من حق يخفى فلا يحصل الاستقراء التام لأدلة الباب ، فذلك من نقص القوة العلمية ، فلا يحصل اليقين فهو سبب في الإمامة كما تقدم في قوله تَعَالَى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) ، وقد تنشأ الفتنة من هوى متبع فيكون فساد القصد والإرادة طلبا لحظ عاجل من شهوة نفس في رياسة أو ملك ، أو شهوة حس من مطعم أو منكح ..... إلخ ، فذلك ما تحسمه مادة الصبر ، فهي مئنة من اكتمال في قوة العمل ، وذلك سبب آخر في نيل الإمامة في الدين ، كما في قوله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) ، فثم جعل تكوين ، وهو مورد جلال حسن معه ، كما تقدم ، إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين المجموع "نا" ، ولا يخلو من جمال الحكمة في الاصطفاء ، ودلالة "من" في "منهم" دلالة البيان لل*** ، إذ كلهم أئمة ، فالرسل ، عليهم السلام ، كلهم أئمة قد اصطفاهم ، جل وعلا ، بما جَبَلَ عليه المحال من كمال باطن وظاهر ، فثم قوة العلم يقينا ، وقوة العمل صبرا ، فضلا عن اصطفاء آخر أخص بمادة الوحي الناصحة التي جاءت بأصدق خبر يصحح الباطن وأعدل حكم يصحح الظاهر ، ودلالة الضمير في "منهم" ، من وجه آخر ، مئنة من عموم يقتصر في هذا الموضع على جماعة الذكور فيطابق أصل الوضع إذ النبوة منصب اختص به الرجال على الراجح من أقوال أهل العلم ، خلافا لابن حزم والقرطبي رحمهما الله إذ جوزا النبوة في حق المرأة دون الرسالة ، فالجمهور على المنع لما يستوجبه ذلك من الاشتهار خلافا لطبائع النساء التي جبلت على حب الاستتار ، ولا تخلو دلالة التنكير في "أئمة" ، لا تخلو من تعظيم فهم أئمة عظام بل هم أعظم أئمة إذ لهم من العصمة في البلاغ والبيان ما ليس لغيرهم من سائر الأنام وإن بلغوا ما بلغوا من العلم والفضل ، وثم تقييد بالوصف : (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) ، فأطلق الفعل فهو يعم الهداية الباطنة والظاهرة ، فهم الهداة في الأخبار إلهيات وسمعيات ، وهم الهداة في الأحكام شرائع وسياسات ..... إلخ ، فضلا عن دلالة المضارعة في "يهدون" فهي مئنة من استحضار صورة ، ولا تخلو من دلالة ثُبُوتٍ واستمرار ، فالوحي مادة الهداية في كل عصر و**ر ، فلا صلاح للأرض إلا أن تحكم بالوحي فتحصل الهداية لِلنَّوْعِ والفرد ، للجماعة والدولة ، وبقدر ما يحصل من مقاصد الوحي وأحكامه يكون الصلاح في الحال والمآل ، وبقدر ما يفوت يكون الفساد ، فالقياس يطرد وينعكس ، والفساد قد يعظم فيأتي على الأصل بالإبطال ، فيكون الكفر الأكبر ، إن بالعقد أو بالقول أو بالعمل ، إن بالفعل أو بالترك ، فثم نواقض تَعُمُّ جميع هذه الموارد ، وقد يكون الفساد بنقص ينقض الكمال الواجب دون الأصل الجامع ، فالفساد يَتَفَاوَتُ إذ شؤم الخروج عن الوحي يَتَفَاوَتُ ، وكلما أمعن الخارج في المخالفة كان الفساد في العاجلة والآجلة ، وثم دلالة سببية في الباء في : (بِأَمْرِنَا) ، فأمر الوحي سبب في حصول الهداية ، وهي ، من وجه آخر ، مئنة من ال**احبة فلا يزال الهدى يصاحب أمر الرب ، جل وعلا ، ووظيفة الرسالة ، البيان والبلاغ ، فذلك ما يقيد فعل الهداية في الآية فهي هداية البيان والإرشاد ، فـ : (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) ، فذلك من القصر الإضافي إمعانا في تقرير المعنى ، فلا يملك الرسل عليهم السلام هداية الإلهام والتوفيق فلا تكون هذه الهداية إلا للرب الذي أرسلهم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فـ : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، فتوجه العتاب إشفاقا ، فـ : (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) . ودلالة الأمر في "بأمرنا" ، من وجه آخر ، تعم ، فهي لا تنصرف إلى الأمر المعهود في المعاني والأصول ، وهو ضد النهي ، وإنما يعم الوحي كله ، خبره وإنشاءه ، نفيه وإثباته ، أمره ونهيه ، فضلا عن عموم الإضافة ، إذ أضيف الأمر إلى ضمير الجمع فأفاد العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فضلا عن دلالة تعظيم كما اطرد في إسناد الجعل إلى ضمير الجمع صدر الآية ، ولا تخلو الإضافة ، من وجه آخر ، من دلالة أخص ، وهي إضافة الوصف إلى الموصوف ، فإن الأمر من الوحي ، والوحي من وصف الرب ، جل وعلا ، إن تكوينا أو تشريعا فهو من كلامه وكلامه من علمه ، فَثَمَّ ، كما تقدم في مواضع سابقة ، ثم نسبة إلى وصف الكلام ، وهو وصف ذات بالنظر في نوعه ، ووصف فعل يناط بالمشيئة النافذة بالنظر في آحاده ، وثم نسبة أخرى إلى وصف العلم ، فالوحي من العلم ، والعلم وصف ذات قد اتصف به ، جل وعلا ، أزلا وأبدا ، فحصلت النسبة إلى كلا الوصفين على وجه يصح قد دل عليه الوحي في آي الخبر والوصف ، ولا يخلو السياق من قَرِينَةٍ تخصص الأمر بأمر التشريع دون أمر التكوين ، فهداية البيان والإرشاد لا تكون ، بداهة ، إلا بأمر التشريع ، وثم دلالة تقييد بالتوقيت ، فتلك دلالة "لَمَّا" الظرفية ، ولا تخلو من معنى تعليل يعم ، إذ أنيطت الإمامة بالصبر واليقين ، وقرأ حمزة والكسائي ، رحمهما الله ، بكسر لام "لِمَا" فيكون ذلك من التعليل الصريح وتقدر ما **درية فهي وما بعدها في تأويل **در على تقدير : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لصبرهم ، ولا يخلو الإطناب بال**در المؤول عوضا عن ال**در الصريح لا يخلو من دلالة توكيد بزيادة في المبنى مئنة من زيادة أخرى تضاهيها في المعنى . وثم عموم بالنظر في المعنى ، وإن حصل القدر الفارق بين إمامة النبوة فهي خاصة لا تكتسب فلا تحصل بالتخلق بالصبر والاجتهاد في طلب العلم ، فتلك خاصة لا يضعها ، جل وعلا ، إلا حيث يعلم ، فـ : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ، ولا يكون ذلك إلا بحكمة أن اصطفى محالا تقبل أسبابها ، وقدرة أن صنع هذه المحال على حال من الكمال تقبل آثار الوحي النازل من السماء ، وثم إمامة أعم تحصل لكثير من أئمة الهدى في العلم والعمل والجهاد والأخلاق ..... إلخ ، فتنال بالصبر واليقين اقتداء بالرسل ، عليهم السلام ، وذلك مما يُجَوِّزُ دخول النساء في عموم الضمير في "منهم" إن نُظِرَ في معنى الإمامة الأعم التي تستغرق غير الأنبياء ، عليهم السلام ، خلافا لمعنى الإمامة الأخص الذي يقتصر على الأنبياء ، عليهم السلام ، دون غيرهم . وثم ختام باليقين على وجه حصل فيه الإطناب بالكينونة الماضية في : (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) ، مئنة من ديمومة اتصاف فذلك آكد في تقرير المعنى ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير : (بِآيَاتِنَا) ، مئنة من الحصر والتوكيد ولا تخلو دلالة المضارعة في "يوقنون" ، لا تخلو ، كما تقدم ، من استحضار صورة ، وثبوت وديمومة فَتِلْكَ حالهم أبدا ، وذلك آكد في تقرير معنى الاقتداء ، وثم جريان على سنن الإضافة في الآية ، أن أضيفت الآيات إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، ومئنة من العموم ، فهي تستغرق جميع الآي ، آي الخبر وآي الحكم ، فتقتصر ، من وجه آخر ، على آي التشريع ، وقد يقال بالعموم في الدلالة على وجه يستغرق جميع الأفراد في الخارج ، فهي تستغرق آي التكوين إن خيرا فواجبه الشكر ، وإن غيره فواجبه الصبر مع اتهام النفس بالتقصير وإحسان الظن برب العالمين جل وعلا ، ولا تخلو الإضافة في "بآياتنا" ، لا تخلو من معنى أخص وهو إضافة وصف إلى موصوف بالنظر في آيات التشريع ، فهي من كلمات الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، كما تقدم من إضافة الأمر في "بأمرنا" ، وإضافة مخلوق إلى خالق بالنظر في أعيان الآيات الكونية ، فدلالتها ، من هذا الوجه ، دلالة التعظيم وأما بالنظر في سَبَبِهَا من كلمة التكوين فإضافتها إلى الرب ، جل وعلا ، تجري ، أيضا ، مجرى إضافة الوصف إلى الموصوف . فثم اليقين وهو الحق في آي العصر : (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) ، والأبصار في آي ص : (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) ، كما يُنَوِّهُ بعض المحققين ، فأولئك مئنة من قوة العلم الباطن ، وثم مادة الصبر في آي السجدة : (لَمَّا صَبَرُوا) ، ويواطئها في آي العصر : (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ، وفي آي ص : (أُولِي الْأَيْدِي) ، فالأيدي مئنة من قوة العمل الظاهر على وجه يستغرق ، كما تقدم مرارا ، جميع محال الاختيار التي أنيط بها التكليف عقدا وشرعا ، تصورا وحكما . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 12:31 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir