![]() |
من دعاء : "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي ........"
من دعاء : "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي ........"
ومن دعاء : "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" ، فثم قصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، في : "لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ" فضلا عن دلالة الطباق إيجابا بَيْنَ "مِنْ" فهي مئنة من ابتداء الغاية ، وَ "إلى" فهي ، في المقابل ، مئنة من انْتِهَاءِ الغاية ، فكل أولئك آكد في تقرير المعنى ، وقد صدر الدعاء باسم الله ، جل وعلا ، الأعظم ، ودلالة التَّأَلُّهِ فيه أظهر ، وإن لم يخل من دلالة رِعَايَةٍ وَتَعَاهُدٍ ، إذ التأله ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مئنة من احتياج وفاقة ، فَعَظُمَ شوقُ العبد إلى الرب ، جل وعلا ، فوحده الذي يصلح شأنه ، ووحده الذي يَرُبُّ بدنه بأسباب الكون ، وَيَرُبُّ دينه بأسباب الشرع ، فحصل الثناء عليه ، جل وعلا ، باسم كريم جمع معنى الألوهية تعبدا والربوبية توسلا إلى ما بعده من طلب الرعاية إذ يسلم العبد وجهه إلى ربه ، جل وعلا ، وإسلام الوجه مئنة من إسلام النفس ، وقد تعدى بنفسه فضمن معنى الإخلاص ، فيكون إسلام النفس أن تخضع للرب ، جل وعلا ، وَتَنْقَادَ اختيارا فذلك قَدْرٌ زائد على خضوع النفس وانقيادها بقدر التكوين النافذ ، فأطلق الوجه وَأَرَادَ النفس ، فذلك من إطلاق بعضٍ وإرادة كلٍّ ، فيجري مجرى المجاز عند من يجوزه في الشرع واللسان ، فذلك مجاز مرسل علاقته الجزئية ، ومن يمنع المجاز فإنه يجري ذلك مجرى ما اشتهر في اللسان ، فالوجه يَنُوبُ عن النفس فهو أشرف أركانها ، والوجه الظاهر يَنُوبُ عن الجنان الباطن ، فإذا خضع الباطن وانقاد ، خضع الظاهر ، وخضوعه يظهر في الوجه فهو محل الحواس الظاهرة ، فصورته صورة ما يبطن صاحبه ، كما أثر من شعر علي ، رضي الله عنه ، فـ : العين تعلم من عيني محدثها ******* إن كان من ح**ها أو من أعاديها عيناك قد دلتا عيني منك على أشياء ******* لولاهما ما كنت تبديها . فالعين تفضح صاحبها ، وصورة الوجه تحكي صورة القلب ، فما يظهر في الحواس هو تأويل صحيح صريح لِمَا يَقُومُ بالقلب من مَعَانٍ ، على ما تقدم مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن بخطراته والظاهر بحركاته ، فحصل إسلام الوجه إخلاصا للرب ، جل وعلا ، ففعل الإسلام إذا تعدى بنفسه أفاد الإخلاص ، كما في قوله تعالى : (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، وأما تعديه باللام فهو يفيد الاستسلام ، كما في قوله تعالى : (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، أي : استسلمتُ وَانْقَدت له ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فكان إسلامها لله ، جل وعلا ، ألوهية ، لأنه رب العالمين فتلك علة استحقاقه الألوهية إذ له وحده كمال الربوبية التي عمت العالمين جميعا ، فحصلت الطاعة التامة وهي فحوى نظرية السيادة ، فهي قطب رحى النِّزَاعِ بَيْنَ الوحي وخصومه ، فَثَمَّ من يستسلم لله ، جل وعلا ، وَيَنْقَادُ فيكون قوله وفعله خالصا لله ، جل وعلا ، وَيَكُونُ صوابا يوافق ما أنزل فلا يعبد الله ، جل وعلا ، على هواه ، فإن الطاعة أن تفعل ما تؤمر به وإن شق عليك ، رجاءَ الثواب وحذرًا من العقاب مع حب وتأله للآمر وتلك فحوى العبودية الكاملة ، فإنها لا تصح إلا بالحب والخوف وهما باعثا الفعل والترك ، وثم من وقع في الشرك ، وإن دق ، فانشعب من قلبه ما انشعب تعلقا بغير الله ، جل وعلا ، على وجه يذم ، إذ لا يقبل المحل الواحد حَالَّيْنِ اثْنَيْنِ ، فبقدر ما يتعلق القلب بغير الله ، جل وعلا ، يكون انصرافه عن المعبود بحق ، على وجه يذم فاعله ، وقد يبلغ الذم حد النقض لأصل الدين إن كان التعلق شِرْكًا أكبر ، فَثَمَّ من يَتَدَافَعُه العارضان ، فَيَقَظَةٌ وَغَفْلَةٌ ، وطاعة ومعصية ....... إلخ من الأضداد ، فَثَمَّ إسلام يَتَعَدَّى بنفسه ، وهو مئنة من الإخلاص ، وَثَمَّ إسلام يَتَعَدَّى بواسطة ، وهو مئنة من الاستسلام ولا يخلو ، أيضا ، من دِلَالَةِ إخلاص ، فالإخلاص يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِوَاسِطَةٍ ، فيقال : أخلص فلان وجهه لله ، ويقال : أَخْلَصَ فلان لله ، دون ذكر المفعول ، فَيَكُونُ الفعل متعديا بِاللَّامِ ، فأطلق الفعل في الخبر : "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ" ، فعم الإسلام في كل حال على وجه يطرد فيه القياس الصريح بالتسوية بين المتماثلات فهو يسلم في كل خبر وحكم ، فيثبت ما أثبته الوحي وينفي ما نفاه إن في الإلهيات فَيَسْلَمُ بالإثبات من التعطيل وَيَسْلَمُ بالنفي من التمثيل ، فتحصل له فضيلة الإثبات وَالنَّفْيِ بَيْنَ رذيلة الغلو في الإثبات فهو ذريعة إلى التمثيل ، ورذيلة الغلو في النفي فهو ذريعة إلى التَّعْطِيلِ ، فذلك أمر يطرد إن في الإلهيات أو في سائر الخبريات من السمعيات ونحوه ، فَلَمْ تَسْلَمْ من تَأْوِيلِ من تَأَوَّلَ على وجه أفضى إلى التعطيل فذلك خروج عن الإسلام الصحيح في الأخبار فهو ، كما تقدم ، يوجب الإثبات على ما اطرد في لسان العرب الذي نَزَلَ به الذكر ، فَيُؤْمِنُ بالمعاني ويفوض الحقائق فهي من الغيب الذي لا يدركه العقل ، وذلك قَدْرٌ لا ينكره إلا مسفسط ، إذ الإيمان بالغيب لو تدبر الناظر خاصة الإنسان ، فبه امتاز عن سائر الحيوان ! ، فليس ذلك منقصة كما زعم من زعم من أرباب المذاهب المادية التي انحطت بالإنسان إلى دركة ا*** الظاهر مع إهدار ملكات الفؤاد الذي يدرك ويتصور ، ويوجب ويجيز ويمنع ، فتلك مذاهب تزعم أنها تقدس الإنسان إذ تغلو في الحقيقة الإنسانية حتى يصير الإنسان مركز الكون وقطب رحاه الرئيس ، فهو في مقابل الله ، جل وعلا ، بل هو خصمه الذي يُنَازِعُهُ الملك إذ يُنَازِعُهُ أخص أوصافه ، وهو وصف السيادة المطلقة بما أَنْزَلَ من الشرائع الحاكمة التي فصلت ما أجمل من ركائز الفطرة الصريحة فهي على التوحيد المجمل ، وهي على العدل المجمل ، وهي على الخير المجمل ، وهي على قيم أخلاقية مجملة لا تنفك تفتقر إلى بيان من خارج ، على وجه محكم يقطع مادة الإجمال والاشتباه ، فإن رد أمره أن أسلم وجهه لهواه أو لهوى غيره ، سواء أكان هوى فرد أم هوى جماعة ، هوى ذوق خاص أم تشريع عام وقع فيه من طغيان الإنسان ما نازع به الرحمن ، جل وعلا ، منصب السيادة ، كما تقدم ، فضلا عن مادة إعجاب بالرأي يُغَذِّيهَا الوسواس ، فيحصل التدافع بين الأهواء إذ كلٌّ يروم السيادة والسيطرة والتملُّكَ والإدارة لأمر الحياة على وجه لا يرى فيه غضاضة أن يخرق ناموس الشرع والعقل إن لزم الأمر ! ، فالعقل الصريح الذي يوافق الوحي فلا يجد غضاضة أن يخضع لسلطان الوحي فهو سلطان الحجة ، هذا العقل الصريح يُخْرَقُ بآخر فاسد يروم الطغيان في التصور فهو يستحسن ويستقبح بما يَهْوَى وَيَجِدُ ، ولا ينفك طغيان التصور يحصل منه طغيان آخر يجاوز صاحبه الحد في التشريع ، فهو من لوازم التصور ، فقوة التحسين والتقبيح لا بد أن تظهر آثارها في الأحكام التي تجري عليها جزئيات الحياة ، والتشريع لا بد له من سلطان ، فهو حجة ، صحيحا كان أو باطلا ، وسلطان الحجة لا يقام إلا بسلطان القدرة ، فالكتاب الهادي لا تقوم له قائمة إلا بالحديد الناصر من سيف العدل ، والكتاب الغاوي ، في المقابل ، لا تقوم له قائمة إلا بالحديد الناصر من سيف الجور ، فالسنة واحدة وإن اختلفت الموارد أو تضادت ، فلا بد أن يكون للقانون والشرع سلطان تنفيذ وتأويل في الخارج فهو يحوطه ألا يستباح ، وهو يحقق مقاصده الكلية وأحكامه الجزئية فسلطان الحكم يفرض على الرعية رسوما وأعرافا وأنماطا من الحياة تأرز إلى مرجعه في التصور والحكم ، فلكلِّ مذهب في السياسة والحكم مرجع أخلاقي ، صح أو فسد ، فثم من يرجع إلى أخلاق الوحي فيكون إسلام الوجه لِلرَّبِّ ، جل وعلا ، بما أنزل من الكتب وأحكم من السنن على وجه يعظم قدر الإنسان أن فضل على سائر الحيوان ، فهو ال**طفى بالخلافة أن يخلف بعضه بعضا لإقامة الوحي وعمارة الحياة وسياستها وفق قانونه المحكم ، فجاء الوحي ليكرم هذا الإنسان لا ليحط من قدره ويحجر على عقله ويصادر حريته كما يزعم أعداء الوحي لا سيما من نشأ في أعصار فشا فيها الاستبداد باسم الدين كحال الغرب الذي لم يعرف توحيدا ولم يقدس تشريعا ، فما عرف إلا استبداد الساسة وتواطأ الآباء والكهنة الذين رضوا بالنظام العام ، فهو قانون أخلاق اجتماعية وسياسية واقتصادية .... إلخ ، فَرَضُوا بالنظام العام ولو جائرا ، فهو مقدس لا يجوز الاقتراب منه فذلك الخط الأحمر الرَّئِيسُ في أي منظومة سياسية ، فالخطوط الحمراء تتدافع ، فثم من يعلي قيم الجمهورية ، وثم آخر يعلي قيم الملكية المطلقة ، وثم ثالث يعلي قيم الملكية الدستورية .... إلخ من أنماط الحكم ، فإن جاز النقد والاستدراك فسقفه دون النظام فهو محل إجماع ! ، وما دونه فمحل نقد على تفاوت في مساحات الرأي ، فقد تتسع تارة حتى تبلغ الوزير ولكنها بداهة لا ترقى أن تَنْتَقِدَ الأمير ! ، فالأمير هو النظام ، والنظام صلب لا يعرف رحمة فالملك عقيم ، كما أثر عن عبد الملك بن مروان ، وقد بكى صديقه الحميم **عب بن ال**ير بعد أن قاتله في العراق وقتله ! ، فلا يعرف ملك الجبر والاستبداد رحمة ، فصدق عبد الملك إذ لم تكن إمارته في الجملة إمارة عدل فقد بَغَى على ابن ال**ير ، رضي الله عنهما ، واستلبه حقه في الإمارة ، فكان التغلب بالسيف الجائر ، ثم ورثها أولاده من بعده فاستأنف ملكا عاضا آخر بعد ملك يزيد فهو وصي أبيه معاوية ، رضي الله عنه ، على وجه حصل به الخروج عن خلافة الرشد إلى الملك العاض ، فَتَرَكَّزَتْ صلاحيات السياسة في قبضة الأمير أو الملك ، وتقلصت مساحة الشورى شيئا فشيئا حتى صارت رسما بلا حقيقة ، وإن كان الشرع في الجملة حاكما ووظائف السياسة في الجملة قائمة من إقام للصلاة ، وسد للثغور ، وتوزيع للحقوق وإن استأثر الأمراء بما لا يحل فصاروا خُزَّانًا لا يسألون لا سيما والقمع قد بلغ ما بلغ وكان العنف الزائد مع المخالف فأحجم الناس عن إقامة الشعيرة السياسية العظمى ، شعيرة الإنكار ، ولو بالكلمة ، على وجه يدق فيه النظر ، كما تقدم مرارا ، فحده لطيف لا يكاد يدرك لا سيما مع اشتعال النار في الصدور غيظا وَقَهْرًا فيكون التجاوز في الإنكار على أمراء الجور وهو ما قد يفضي إلى فساد أعظم ، وفتنة ابن الأشعث على ذلك خير شاهد فهي حراك سياسي وعسكري نجح بادي الرأي وكاد يحقق أغراضه لا سيما بعد أن وجد الظهير الأدبي من كثير من العلماء الذين اجتهدوا فخرجوا مع ابن الأشعث وصار لهم لواء يعرف باسمهم ، فهم كتيبة القراء ، وقد رضخت الخلافة وأبدت استعدادا للتغيير على وجه لا يبلغ بداهة تهديد النظام ، وهو في نفسه مع ما فيه من الجور قد حقق من مقاصد الشرع ما لا ينكر لا سيما وحركة الفتح قد استؤنفت بعد توقف ، وصار للإسلام خلافة بسطت سلطانها على معظم أرجاء العالم القديم ، فصارت القوة العظمى الأولى في الأرض ، فكان التفاوض بين الخلافة والثورة على عزل وال فذلك سقف التفاوض الذي ارتفع مع تدافع الأحداث فصار مطلب الثورة تغيير النظام نفسه ، مع اضطراب في صفوف الثائرين وخروج عن أمر الشرع *** يعد للقراء في النفوس مهابة تمنع أن يجاوز أحد حد الشرع ، وخروج معه عن أمر القيادة التي بدأت تفقد القيادة المركزية فحراك الثورة حراك تصعب السيطرة التامة عليه فلا بد من قيادة صارمة تبلغ بالأمر بر الأمان بَأَكْبَرِ المكاسب وأقل الخسائر فلا تغامر ولا تقامر بالدماء ، ولا تجامل وتداهن عامة الناس لا سيما وغريزة الفوضى ، إن صح التعبير ! ، لها الكلمة العليا في مثل هذه المواضع ، وكان ما كان من قمع الثورة ورجوع الاستبداد والظلم على وجه أفحش ، فكان الاجتهاد في الإنكار ، وكان اجتهاد فئام من القراء أن خرجوا على الحكم المستبد بعد أن عظم جوره ، وتلك حادثة محل اعتبار ، مع القدر الفارق بين تلك الحال الناقصة وحال أخرى فاسدة ! ، عزل فيها الوحي وعطل فيها الشرع ، فعظم الاستبداد وأسرف النظام في سفك الدماء وانتهاك الحرمات على وجه عمت به البلوى وعظم فيه الغيظ ، وإن لَزِمَ فيه الوقوف على حد الشرع والإعمال لقانون العقل على وجه يدق ، أيضا ، فهو بَيْنَ الجبن والتهور ، لا سيما والنظام في هذه الأعصار لا ثوابت له ولا قيم دينية أو أخلاقية فليس إلا القيم المادية النفعية التي تحفظ الملك ، فإن وجد في التحالف مع الدين ، أو مع علماء السوء إن شئت الدقة فالوحي لا يقبل أن يكون شريكا في خطة جور واستبداد ، فإن وجد في هذا التحالف منفعة فلا يمانع فصار الدين عاملا مساعدا في نظم ثابتها الرئيس ثابت محدث فهو ينطلق من قيم مادية بحتة ، فضلا أنه ينبز الأديان أنها مادة رجعية وتخلف ، وأنها تعجز عن إقامة كيانات سياسية محكمة ، فهي في أحسن أحوالها تقدم قيما فكرية مجملة لا مانع من الاستعانة بها لإضفاء غطاء شرعي زائف على وضع سياسي جائر ، وذلك ما عظمت به فتنة الغرب في قرونه الوسطى إذ رضي آباء الكنيسة بهذه الصفقة ، فساء استغلال النفوذ الديني والسياسي ، وانضم إليه فساد مالي إذ صاحب الأمر قد صار صاحب تجارة ورأس مال فاعل فهو يوظف نفوذه لتنمية تجارته ، وذلك ما يؤذن بفساد الحال والمآل ، كما يذكر ابن خلدون رحمه الله في المقدمة من حصول النقص باشتغال أولي الأمر من الساسة بالكسب والتجارة ، وَيَبْذُرُ في النفوس بغض الدين فقد صار حليف الاستبداد ، والثورة على وضع كهذا تكون في العادة ثورة علمانية تهدر فيها كل القيم الدينية ، سواء أكانت محكمة فهي من الآثار المحفوظة ، أم محدثة فهي مما ابتدعه القوم فكان فساد التصور ، كما تقدم ، في التحسين والتقبيح ، فزيد في الشرع ونقص حتى بلغ الأمر جوهر التوحيد والتشريع ، وكل أولئك انتقاص من السيادة ومنازعة لِلرَّبِّ ، جل وعلا ، أسماء العليم والحكيم والحكم والسيد ، وذلك من طغيان الإنسان الذي وسوس له الشيطان أنه لن يَبْلُغَ مقاما يحمد إلا أن يخرج عن أي سلطان ، فيكون كل أمر عنده نسبيا يخضع لمعيار من النظر يضطرب إذ لا يستند إلى قيم ثابتة ولو مطلقات في الذهن ، فضلا أنه يشاق الوحي بل ويعتبره أعظم قيد ، *** يعرف منه إلا المحرف ، أو ما تأوله علماء السوء مداهنة للنظام الذي لا يقبل من الإصلاح إلا رتوشا لا تنفذ إلى جوهره فطغيانه واستبداده واستئثاره بالقرار والثروة خط أحمر ، كما تقدم ! ، فأي إصلاح آخر قد يقبله ، ولو مضطرا ! ، خلاف إصلاح الجوهر فهو فاسد فساد العين فلا يرجى إصلاحه مهما بذل ال**لح في استصلاحه ، فغاية الأمر كف بعض الشر على طريقة : بعض الشر أهون من بعض ! ، فلا يرجى خير إلا أن يستبدل به غيره ، على وجه يقام به العدل ، ولا يكون ذلك إن رجع الناس إلى العقل الصريح إلا أن يحكم الوحي المحكم فيكون له السلطان المطلق على العقول والأذواق فلا تخرج عن أمره في جليل أو دقيق ، فذلك ما يحسم مادة الاضطراب في الحال الأخلاقية والاجتماعية والسياسية ، فلا يكون رد الفعل الغالي في طور ما بعد الحداثة الذي يهيمن على العالم في هذه الأعصار فقد كفر بكل قيمة مطلقة ، ولو أخلاقية مجملة ، وصارت النسبية هي الحاكمة فا***ن ما يحقق اللذة ولو خالف منهاج الشرعة والفطرة ، والغاية في اللذة تبرر الوسيلة في غزو الدول وتحطيمها وتقطيع أوصالها وتشويه هَوِيَّتِهَا وانتهاب ثَرْوَتِهَا فذلك رسم الفتوحات الليبرالية المعاصرة ! ، وعجبا أن ينبز أصحابها في الغرب وأذنابهم في الشرق عجبا أن يَنْبِزُوا فتوحات الإسلام الأولى بذلك ، فذلك ، أيضا ، يدخل في حد : رمتني بدائها وانسلت ! ، والتاريخ والحاضر شاهد عدل على القدر الفارق بين فتوحات الليبرالية في طور ما بعد الحداثة ، وفتوحات الإسلام زمن الخلافة ، وما اقترفت الأولى من جرائم انحطت بأصحابها إلى دَرَكَاتٍ من الوحشية والهمجية وما تسببت فيه من إزراء بالشعوب المقهورة ، وما بلغت الثانية من رقي وحضارة وما حملت إلى شعوب الأرض من توحيد وعدل وحرية كسرت قيد الطغيان ، فنشرت التوحيد والعدل وحكمت بالوحي الذي نَعِمَ به المخالف فضلا عن الموافق ، وهو ما شهد به من له أدنى قدر من الإنصاف فَتَجَرَّدَ في دراسة مقارنة بين فتوحات التوحيد ونظائرها من فتوحات الصليب وفتوحات العلمانية وما بعدها من أطوار الليبرالية والحداثة وما بعد الحداثة ..... إلخ ، فهي مناهج ، كما يقول بعض المفكرين ، تهدف ضمن ما تهدف إلى نزع القداسة عن العالم وتجريد الإنسان من إنسانيته وإزاحته من الوضع المركزي الذى وضعه فيه الوحي باعتباره مخلوق الله المختار المكرَّم الذى سجدت له الملائكة ، فهي تهدف إلى ذلك مع أنها تزعم الانتصار للإنسان من الله ! ، وللعقل من الوحي *** تَرَ فيه إلا قيدا يلجم شهواتها ، منتهى السؤل في أية حضارة مادية أهدرت حاجة الروح اللطيف ، فانحطت بالإنسان إلى دركة الحيوان مع أنها تزعم أنها ترقى به إلى منصب السيادة فحررته من سلطان الوحي ليقع أسيرا في قبضة الهوى والذوق ، وصارت اللذة مناط التحسين والتقبيح وإن حصل في استيفائها وتحصيل أسبابها من الظلم والجور ما يستقبحه العقل بفطرة الأخلاق الجبلية ، *** يعد ثم ثابت يسلم له العقل وَيَنْقَادُ ولو مطلقا مجملا فضلا أن يكون وحيا مفصلا امتن به ، جل وعلا ، على البشر فهو يهديهم في الأولى والآخرة ، فَبِهِ وحده تكون السعادة في الأولى بحصول السلام بين الإنسان ونفسه فقد وضعت الحرب بَيْنَهُمَا أوزارها بعد صراع مرير لم يهنأ فيه الإنسان بلذة مع أنه لا يتحرك إلا تحصيلا لها ! ، وبالوحي وحده تَقَرُّ النفس الحائرة الباحثة عن الحقيقة لا سيما بعد استيفائها الحظوظ المشروعة والمحظورة ! من اللذات فقد أتخم البدن فضعفت الروح وانطفأ وهجها أو كاد فلا ينعشها إلا الوحي الذي يخبر بالصدق ويحكم بالعدل ، فالصدق في بيان المآل يجعلها في طمأنينة وصلاح حال فقد أجاب الوحي عن أسئلة تلح لا يمكن لغيره أن يجيب عنها الجواب المفصل فالفطرة الأولى مجملة لا تفي بهذا الغرض فهي تفتقر إلى مُبَيِّنٍ من خَارِج ، فضلا عما يطرأ عليها من التبديل والتحريف بعد ذلك حتى بلغ الأمر حد الإنكار لبدائه في العقل فضلا أنها مما تواتر في الوحي ، فَلَنْ يكون الصلاح التام إلا بالإسلام التام ، فيسلم الإنسان الوجه الظاهر ، فضلا عن إسلام الفؤاد الباطن ، فإسلام الوجه ، كما تقدم ، صورة تحكي إسلام الباطن ، وهو مما أطلق فعم الإسلام كافة ، خبرا وحكما ، أصلا وفرعا ، فذلك تأويل صحيح للأمر في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) ، فأمر بالدخول على وجه عم بالنظر في دلالة الضمير المجموع في "ادخلوا" ، ودلالة التغليب فيه تستغرق كل مكلف ، فضلا عن دلالة الظرفية المعنوية في "فِي" فهي آكد في تقرير المعنى فالسلم وعاء معقول يدخل فيه المكلف باعتقاد الباطن وقول الظاهر وعمل الجارح ، بالتصور والحكم ، بالأصل والفرع ، ولو في تعظيم لعيد أو إرث من شعائر منسوخة كتعظيم السبت ، كما ورد في سبب نزول الآية ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما قرر أهل الشأن ، فإن لم يجز البقاء على شرع منسوخ فهو من السماء قد نزل ، وهو أمر قد يظهر ، بادي الرأي ، أنه من الفروع فالخلاف فيه يحتمل ، فإن لم يجز البقاء على ذلك فكيف بمن يعطل الوحي ويبدل الأصل فيجعل المرجع ابتداء إلى الوضع المحدث وإن رضي من الوحي شيئا فتصور مجمل ، وآحاد من الأحكام والرسوم بها يُذَرُّ الرماد في العيون ! ، فذلك لا يتصور من باب أولى ، فإن لم تجز المخالفة في فرع لم تجز في أصل من باب أولى ، فذلك من قياس الأولى الصريح ، فجاء الأمر بإسلام الوجه في الدعاء : "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ" ، على وجه استغرق جميع المحال الباطنة والظاهرة ، فناب الوجه الظاهر عن الفؤاد الباطن في معنى الاستسلام والانقياد وإخلاص العقد لله ، جل وعلا ، توحيدا في الخبر والحكم ، وناب ، من وجه آخر ، عن بقية الجوارح الظاهرة ، وأطلق الأمر فعم الأحوال العلمية والعملية كما قد عم المحال الباطنة والظاهرة ، وجاء الأمر في الآية يواطئه فدلالة "أل" في "السلم" مئنة من العموم الذي يستغرق آحاد المعرَّف فيستغرق السلم كله ، في العقد والشرع والحكم والسياسة ...... إلخ ، وذلك ما أكد بالحال "كافة" فهي تؤكد هذا العموم وترفع احتمال التخصيص ، فقد يتطرق إليه التخصيص ، بادي الرأي ، ولو احتمالا ، إذ دلالته في اللسان دلالة الظن الراجح ***ا أردف بالحال "كافة" ارتقت به من الظن الراجح إلى القطع الجازم ، فالعموم في هذا الموضع محفوظ لا يجوز تخصيصه ، فلا يفرق صاحبه بين متماثلين فيدخل في السلم إن وافق هواه وذوقه ، ويخرج منه في المقابل ! ، إن لم يوافقه أو كان مانعا من استيفاء لذة أو استبقاء جاه أو سلطة ، فلا يصدق فيه أنه قد دخل في السلم المنزل ، وإنما دخل في آخر آمن ببعضه وكفر ببعض فَفَرَّقَ بين المتماثلين وذلك ، كما تقدم مرارا ، من أفحش صور الفساد في القياس ، فليس ما أخذه بأولى مما رده ، وليس ما رَدَّهُ بِأَوْلَى مما أخذه ، فالقياس الصريح أن يأخذ الجميع أو يَرُدَّهُ ، فيدخل في السلم كافة أو يخرج منه كافة ! ، فلا يقع في التناقض الذي لم يسلم منه معطل لبعض الوحي دون بعض ، فثم من وقع في هذا التناقض في الخبريات ، فأثبت بعضا ونفى بعضا ، وإن تذرع لأجل ذلك بالتأويل ، فهو تأويل فاسد ، فقياس العقل أن ما أثبته من *** ما نفاه ، فإما أن يثبت الجميع وإما أن يرده كله فيستقيم له الاستدلال على أدنى تقدير وإن لزم من طرد النفي أن يقع في التعطيل العام فمقال التعطيل العام أفحش ولكنه من وجه يجري على قياس العقل الصحيح فقد التزم النفي ، ولو باطلا ، التزمه في جميع الموارد *** يقع في التناقض أن قبل بعضا ورد بعضا على غير هدى ولا معيار محكم فليس إلا شبهات يظنها محكمات فهو يقضي بها في الوحي المحكم ، فَلَهَا عليه سلطان الإثبات والنفي ! ، فما استحسنت فهو ثابت ، وما استقبحت فهو مُنْتَفٍ ! ، في مخالفة ظاهرة لقياس العقل الصريح فهو يقضي ، كما تقدم مرارا ، أن يقضي المحكم الثابت في المتشابه المتفاوت لا العكس ، فإن رد الأمر إلى العقل مع تفاوت معياره في التحسين والتقبيح ، فليس إلا الاضطراب إذ يصير الحق الواحد حقوقا كثيرة بعدد العقول الشارعة ! ، وينتشر الخلاف ويتسع فلن تحسم مادته ، كما تقدم مرارا ، إلا برده إلى محكم في لفظه ومعناه فنقله صحيح وقياسه صريح ومرجعه إلى أول يعلم العلم المطلق فوحده الذي تخضع له العقول فهي تأبى الانقياد لبعضها خلافا لربها ، جل وعلا ، فهو الذي خلقها فلو أحسنت القياس لردت الأمر إليه في الإثبات والنفي ، في الأمر والنهي ، فذلك أمر يعم ، أيضا ، موارد التشريع ، فلا يكون التفريق كما حصل من غلاة المقلدين في الفقه ، فصار قول الإمام هو العمدة وإن خالف فيه نص الشرعة ، فغاية الأمر أن يعتذر عنه فهو من المجتهدين الأفاضل فحاله تدور بين الأجرين والأجر الواحد ، ولكن فضله لا يسوغ تقليده فيما خالف فيه الوحي ، فالوحي أحق أن يتبع إذ وحده الحق المحكم ، فوقع من وقع من غلاة التقليد في هذا القياس الفاسد إذ فرق بين المتماثلين ، فقبل حكم الشرع إن وافق حكم إمامه ، ورده وتكلف لتأويله أو نسخه ما تكلف من وجوه الاستدلال الضعيفة لئلا يرد قول إمامه ، فصار قول الإمام ، أيضا ، هو الحجة ! ، مع أن الحجة في الكتاب والسنة ، فالحجة المطلقة في الوحي لا في اجتهاد أهل الفقه ، فضلا أن تعم البلوى بعد ذلك فيعطل الوحي كله ويطعن في الأصل أن انتزعت منه السيادة ، فصارت الدولة أول أمرها للوحي المنزل ، ثم حصل النقص فصارت تقليدا دخله من التعصب ما دخل وإن كان في الجملة على الأصل الأول فمرجعه إلى الوحي ، مهما غلا في التقليد ، ثم كان الفساد العظيم أن صارت الدولة للوضع المحدث ، وقد أسهم التقليد المذموم بنصيب وافر في تمكين الوضع المحدث أن يشرع ويحكم إذ قصر المقلدة أن يواكبوا ما استجد من نوازل الحياة لا سيما مع ما طرأ عليها من سرعة تحول وتبدل ، فيكاد الناظر فيها يلهث فكل يوم من جديد النوازل ما يعجز التقليد أن يوفيه حقه من النظر والاستدلال ، فمن تقليد مذموم إلى اجتهاد مفتوح لا ضابط له تذرع أصحابه بذريعة التجديد أن يأتوا على الأصل بالإبطال كما يروج من يروج في هذه الأعصار لهدم ثوابت الدين وإبطال شرائعه وأحكامه باسم التجديد ، وهو اسم شرعي صحيح استعمله من استعمله على وجه صحيح كعمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، وأحسن القصد وإن توسع بعضُ المتأخرين ، فحصل الفساد في الفعل لا في القصد ، وتذرع به من تذرع من خصوم الرسالة ، لا سيما أتباع الحداثة وما بعدها ليقطعوا الصلة بالوحي باسم التجديد والثورة الثقافية ! ، فهي ثورة على الإرث الْبَالِي مع التحوط في أحوال بانتحال التعظيم له والتقديس فهو المقدس تلاوة أماني كأماني أهل الكتاب دون أن يكون له أثر في الحياة لا سيما أمور الحكم والسياسة في العلمانية اللادينية الصلبة ، وأحسن أحواله في العلمانية اللادينية الناعمة أن يفسح له في نطاق من العبادات والهدي الظاهر وبعض الشرائع ، وذلك في نفسه خير ولكنه ناقص لا يحقق غرض الشرع الرئيس من التوحيد التام في كل حال ، فَأَفْسَحَ له خصومه في أعصار وأ**ار دون أن يتجاوز الخطوط الحمراء ، خطوط السياسة والحكم فتلك مقدسات تصدر بها الدساتير الوضعية فهي من المحكمات التي لا تقبل النسخ وإن خالفت أحكام الشرع ، وهي مما يخالف الأمر بالدخول في السلم الذي صدرت به الآية فقد وقع صاحبه في المحظور الذي ورد النهي عنه في الشطر الثاني : (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) ، فثم تلازم ، كما تقدم مرارا ، بَيْنَ الأمر بالشيء والنهي عن ضده ، فلا يحصل الدخول في السلم إلا بالنهي عن ضده من اتباع خطوات الشيطان ، وذلك نهي قد عم من وجهين ، فعم بدلالة الضمير المجموع في "ولا تتبعوا" ، فدلالة التغليب تستغرق جميع المكلفين ، وعم بالنظر في المنهي عنه من اتباع الخطوات الشيطانية ، فَثَمَّ عموم فِي الإضافة فِي "خطوات الشيطان" ، فالإضافة إلى المحلى بـ : "أل" مئنة من العموم الذي يستغرق آحاد المعرَّف ، فيعم جميع الخطوات التي يستدرج بها المكلف ، إن في انحراف التصور بالتشريك في العقد ، أو في انحراف الحكم بالتشريك في الشرع ، إن في انحراف الشبهة التي تفسد قوة العلم الباطن ، أو في انحراف الشهوة التي تفسد قوة العمل الظاهر ، ودلالة "أل" في "الشيطان" تعم ، أيضا ، فهي تنصرف بدلالة العهد المخصوص إلى الشيطان الأكبر ، وهي ، من وجه آخر ، تعم من دونه من جنده من شياطين الإنس والجان ، فتعم كل من وسوس فأحدث من القول أو العمل أو الشرع أو الحكم أو السياسة ما يخالف منهاج الوحي ، فَلَزِمَ اجتنابه والمخالفة عن أمره ، ومن ثم حسن الختام بالعلة (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) ، على جهة الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، فثم سؤال دل عليه السياق اقتضاء : وما علة هذا النهي ؟ ، فجاء الجواب مؤكدا بالناسخ "إن" ولا يخلو من دلالة التعليل : إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، وثم توكيد للمعنى أن قدم ما حقه التأخير ، فأصل الكلام : إنه عدو لكم ، فقدم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد ، وزد عليه دلالة اللام في "لكم" ، فهي مئنة من الاختصاص بما قدر رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، من تدافع بين القبيلين ، قبيل التوحيد وقبيل الشرك ، قبيل الوحي وقبيل الوضع ، قبيل الخير وقبيل الشر ، وقد نكر لفظ العدو وتنكيره مئنة من نوعية تحتمل الضدين ، التحقير والتعظيم ، فلا يحسم النزاع في دلالة النكرة على أحدهما إلا قرينة السياق التي رجحت في هذا الموضع دلالة التعظيم ، فضلا عن الإطناب بالوصف فهو مبين قد ظهرت عداوته فلا يغفل عنها إلا جاهل أو مخذول قد فسد قصده فغوى وعصى ربه ، جل وعلا ، وأصر على العصيان *** يتذكر فيبصر فيتوب فَيُقْلِعَ فيستغفر . فكان من استدراج الشيطان ما تقدم من محدثات باطلة كسيت لحاء الشريعة الناصعة ، فكان التجديد المعاصر ! ، في حقيقة أمره توطئة للطغيان ، لا سيما الطغيان السياسي أن سلك من التأويل الباطني مسالك دقيقة ليبطل بها نصوص الشريعة وأحكامها وهو ، كما تقدم ، يظهر من تعظيمها وتقديسها ما يخدع الناظر الساذج الذي لا يدرك فحوى هذه الدعوى فهي انقلاب ناعم على حكم الوحي النازل ، وربما كان الانقلاب صلبا إن وَاتَتْهُ الفرصة فانقض بآلة الحرب على أهل الحق وأعمل فيهم السيف تقتيلا وتشريدا ، فلا بد من وجهة يسلم إليها الناظر نظره ، فيخلص لها وجهه ، وَيَرْضَى بها حكما في كل أمره ، فإما الوحي وإما الوضع ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مناط تدافع لما يَزَلِ الرب ، جل وعلا ، يحدث من آحاده ما به صلاح الأرض ، فلن تصلح حتى يُرَدَّ الأمر إلى الوحي فيكون إسلام الوجه إلى الله ، جل وعلا ، لا إلى مذهب في الفكر أو نظام في السياسة يعارض أحكام الرسالة ، فيتأول الناظر ألفاظ الدعاء : "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ" ، فانتهاء الغاية إلى الله ، جل وعلا ، الذي صدر الدعاء باسمه على جهة الثناء والتوسل بالاسم الأعظم نداء لبعيد قد عظم قدره وعلا بذاته ووصفه ، فنابت الميم عن أداة النداء "يا" ، ومن ثم عطف اللازم : "وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ" : فلازم الإسلام والانقياد للوحي أن يفوض له الأمر ، خبرا وحكما ، فدلالة الإضافة في "أمري" مئنة من العموم الذي يستغرق جميع أمور المكلف فلا تستقيم إلا بامتثال أوامر الشرع المنزل . وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ : وذلك ، أيضا ، من كمال الانقياد والاستسلام ، وقد خص الظهر بالذكر فَبِهِ يلجأ الإنسان إذ يستند إلى ما وراءه ، فثم استعارة من هذا الوجه لركن محسوس في الدلالة على ركن معقول يركن إليه المكلف ، وهو الوحي ، فذكر الظهر الخاص وأراد العام ، فالمكلف يَرْكَنُ بذاته كلها في جميع أحواله ما بطن منها وما ظهر ، يركن إلى ربه ، جل وعلا ، ليحفظ الدين بقدر التشريع ويحفظ البدن بقدر التكوين . ومن ثم نص على العلة : رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ : فكل أولئك لأجل الرغبة والرهبة فيكون امتثال المأمور رغبة في الثواب فهو أثر وصف الجمال ، ويكون اجتناب المحظور ، في المقابل ، رهبة من العقاب فهو أثر وصف الجلال ، فَيُحْسِنُ العبد أن يتعبد بالأسماء والأوصاف ، على وجه يحصل به الثناء بالكمال فهو *** يستغرق الجمال والجلال جميعا . لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ : فثم ، كما تقدم ، طباق إيجاب بين ابتداء الغاية في "منك" ، وانتهائها في "إلى" فضلا عن القصر بأقوى الأساليب فكل أولئك مئنة من كمال التسليم لله ، جل وعلا ، فلا يكون ملجأ ولا منجا من عقابه إلا بتعظيم دينه ، بتصديق أخباره وامتثال أحكامه على وجه تصح به قوة العلم والإرادة الباطنة ، وقوة القول العمل الظاهرة . ومن ثم استأنف بثناء آخر لبعد العهد وطول الفاصل فكرر اسم الله ، جل وعلا ، الاسم الأعظم ، فـ : اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ : فحصل الإيمان بالكتاب الذي عم بدلالته إذ أضيف إلى الضمير في "كتابك" ، فعم كتاب العقد الباطن وكتاب الشرع الظاهر ، وعم كتاب التنزيل فهو الذي يتبادر إلى الذهن ، وكتاب السنة فهي شطر الوحي الثاني ، فعم كتاب التنزيل الذي يُتْلَى ، وكتاب التشريع الذي يُنْهَجُ بتصديق الخبر وامتثال الحكم ، كما تقدم ، وقد أطلق فعل الإيمان فهو ، كما تقدم مرارا ، لا يحصل على وجه يجزئ إلا بإيمان التصديق الباطن ، وإيمان الامتثال الشاهد في القول والعمل جميعا ، وزيد في الثناء بالوصف على حد الوصل : "الذي أنزلت" ، فالعموم من هذا الوجه قد يستغرق الكتب الأخرى فيؤمن بها المكلف جميعا وإن وقع التبديل في بعضها فهو يؤمن بصحة الأصل دون ما وقع من التبديل والتحريف الذي سلم منه التنزيل الخاتم فالإيمان به يعم جميع موارده ما أجمل وما فصل خلافا للإيمان بغيره فهو إيمان في الجملة على وجه يتحقق به ركن الإيمان بالكتب . ولازم الإيمان بالكتاب المنزل ، الإيمان بالنبي المرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم : وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ، فهو الذي بعث بهذا الكتاب فبلغ ألفاظه وَبَيَّنَ معانيه ، وذلك من موارد التوقيف ، فالدعاء المأثور مما ينقل نصا بلا زيادة ولا نقص ، فلا يجوز فيه التبديل ولو بما يصح به المعنى في الجملة ، كما في حديث البراء ، رضي الله عنه ، وفيه : "فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: «لاَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»" ، فلا حجة لمن استدل به على منع الرواية بالمعنى فذلك يصح في غير موارد التوقيف في الأركان القولية والأدعية النبوية ، فيصح في غيرها على تفصيل ذكره أهل الشأن في مبحث الرواية بالمعنى ، فضلا أنه يجري على أصل لطيف ذكره بعض أهل الأصول ، فقولك : ورسولك الذي أرسلت تكرار يحمل على التوكيد ، وأما قولك : ونبيك الذي أرسلت فهو مما يحمل على تأسيس معنى جديد ، وقد تقرر عند أهل الشأن أنه إذا دار الكلام بين التأسيس والتوكيد فحمله على التأسيس أولى إثراء للسياق بمعنى جديد ، ومن ثم أطنب بالوصف على حد الوصل أيضا : "الذي أرسلت" ، وفي كلا الشطرين : "الذي أنزلت" ، و "الذي أرسلت" ، حصل إيجاز الحذف ، فحذف عائد الصلة المفعول وذلك جار على المطرد المشهور ، فتقدير الكلام : آمنت بكتابك الذي أنزلته وبنبيك الذي أرسلته ، وقد يقال هنا ، أيضا ، إن دلالة الإضافة قد تحتمل العموم على وجه يستوفي ركن الإيمان بالأنبياء ، عليهم السلام ، جميعا ، كما استوفى الشطر السابق بالنظر في الدلالة الأعم ركن الإيمان بالكتب جميعا . وحصول الإيمان بالشيء ، والباء فيه مئنة من تمام الملابسة وال**احبة ، حصول هذا الإيمان لا يكون بتصديق محض ، وإنما ثم دلالة سكون وركون إلى ما يؤمن به الناظر ، فيطمئن به قلبه وذلك ما لا يكون إلا بإقرار وإذعان فهو قدر يزيد على صورة العلم المطلقة في القلب ، فبها تقام الحجة الملزمة ، وأما الحجة النافعة فهي قدر زائد يكون فيه انقياد تام يقضي ضرورة بإرادة صحيحة ، في الحب والبغض ، في الفعل والترك ، في الأخذ والرد ، في الإعطاء والمنع ، في كافة أمور الاختيار من أفعال الجنان وأفعال الأركان ، ومن ثم يكون الإيمان في الخارج فصورته أن تنقاد الجوارح وتخشع فهي لشريعة الأمر والنهي تخضع ، فلا حركة إلا على منهاج الأمر ، ولا سكون ولا كف إلا امتثالا لموجب الحظر ، فالعمل فعلا وكفا قد خَلُصَ له ، جل وعلا ، فذلك إسلام الوجه ، ووقع على وفاق الشرع المنزل فذلك الإيمان بالكتاب المنزل والنبي المبلغ المبين صلى الله عليه وعلى آله وسلم . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 05:46 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir