![]() |
من آية : (اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ ...........)
من آية : (اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ ...........)
ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، فتوجه النداء بـ : "يا" ، وهي نص في نداء البعيد ، وهو مئنة من عظم شأن المنادي ، جل وعلا ، وعظم شأن المنادى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن كانت الدلالة بالنظر في أصل الوضع مما يحتمل على جهة التضاد ، فيحتمل ما بعد علوا ، وما بعد سفلا ، وقرينة السياق هي التي تحسم النزاع بين الاحتمالين في الأضداد ، فهي في مثل هذا الموضع لتشهد لمعنى التعظيم للمخاطب فهو خير الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهي في نحو قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ) تشهد ، في المقابل ، لمعنى التحقير للمخاطب فلا أحقر من الكفار يوم الحشر . فجاء الأمر لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في خطاب المواجهة ، وهو يعم بالنظر في عموم التكليف ، فإن توجه إلى الأعلى وهو مظنة الملازمة للتقوى فهو يَتَوَجَّهُ إلى الأدنى ، من باب أَوْلَى ، فَيَتَوَجَّهُ إلى عموم المكلفين ، وهو ، من وجه آخر ، يحتمل دلالة التوكيد في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتأويل الأمر على هذا الوجه ينصرف إلى الإرشاد إلى الديمومة على التقوى ، فداوم عليها في القول والعمل ، في الفعل والكف ، فاجتمع في لفظ الأمر معنى الإيجاب ، ومعنى الإرشاد ، فإيجاب بالنظر في أصل التقوى ، وإرشاد إلى ملازمتها في كل حال على وجه يحصل به الإجزاء في التكليف فهو يدور بَيْنَ الأمر والنهي ، والنهي أول ما يَتَبَادَرُ إلى ذهن النَّاظِرِ في مادة التقوى ، فالوقاية ، بادي الرأي ، تكون بالكف عن أسباب الضر والنقص ، فيخلو المحل من مادة الفساد قبل أن يحلى بمادة الصلاح ، وهي ، أيضا ، تدخل في حد التقوى ، ولو من باب اللازم فما لا تتم التقوى إلا به فهو من التقوى ، فلازم المفارقة لمحرم نَهَى عنه الشرع ، المقارفة لمأمور يضاهيه به يغتذي المحل فما من محظور إلا وفي الشرع عنه غُنْيَةٌ ، فأمر بما يغني عنه وأباح ما يسد حاجة المكلف أن يضطر إلى تعاطي المحرم ، إلا في أحوال اضطرار يباح فيها من المحظور ما لا يباح حال السلامة والاختيار ، فلازم التقوى كفا عن المحرم التلبس بضده من الواجب أو المشروع ، فالمحرم يُقَابِلُهُ في قسمة التكليف الواجب ، وَيُقَابِلُهُ ، من وجه آخر ، المباح المشروع مطلقا ، فمحرم في مقابل واجب ، ومحظور في مقابل مشروع ، ومحرم في مقابل مباح ، فذلك ، كما تقدم ، نظر أعم ، بالنظر في معنى الإذن في الشرع ، فلا ينفك المأذون فيه يَتَرَاوَحُ بين المباح الأدنى والواجب الأعلى وَبَيْنَهُمَا المندوب ، فتلك قسمة العقل في باب الإذن ، ولا ينفك المحظور في المقابل يَتَرَاوَحُ بين المحرم الأعلى والمكروه الأدنى ، فتوجه الأمر إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمراد غيره ، وذلك بالنظر في معنى التأسيس ، فهو ، عليه الصلاة والسلام ، أعظم من اتقى ربه ، جل وعلا ، إذ هو أعلم الخلق به العلم النافع الذي يقضي بخشية توجب التقوى والكف فمن كان بالله ، جل وعلا ، أعلم ، بذاته واسمه ووصفه وفعله وحكمه ، كان له أخشى على وجه يوجب التقوى بالكف عن أسباب العصيان والتلبس بضدها من أسباب الإيمان ، وقد يكون الأمر له صلى الله عليه وعلى آله وسلم توكيدا على ما تقدم من تأويل الأمر بالمداومة ، فداوم على التقوى التي اتصفت بها ابتداء ، وذلك يستوجب ديمومة الذكر فبه يحصل الاعتبار ولازمه الامتثال ، بالنظر في معنى الذكر الأعم الذي يستغرق الشرع كله ، خبره وحكمه ، فقد يحصل الغشيان بغين لا يسلم منه بشر ، ولو نَبِيًّا معصوما ، فيكون جلاء القلب بديمومة الذكر ، فذلك من آكد أسباب التزكية ، فالمحل يَزْكُو ويطهر بوارد الذكر الذي يجلو صدأ الغفلة ، ولا يخلو الأمر ، مع ذلك ، مِنْ دلالة تأسيس بالنظر في معنى التجديد فإن المأمور يَتَأَوَّلُ الأمر فيحدث من آحاد المأمور به ما يدل على معنى التأسيس لحادث جديد ، وإن كان ، من وجه آخر ، توكيدا بالنظر في معنى الأصل الذي ثبت بادي الرأي ، فثبت في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصل التقوى ، وإن قبل البعثة ، *** يسجد لصنم ولم يقارف منكرا أو زورا من قول أو عمل يفحش ، وكان على دين الحنيفية الصحيحة حتى أوحى له ، جل وعلا ، بكتاب الشريعة ، وهو ، مع ذلك يجدد من آحادها ، إيجابا أو ندبا ، أو مفارقة واجتنابا لكل ما حرم أو كره ، وإن لم يسلم من صغائر لا تقدح في المروءة فلا تغض من شأن فاعلها ، فضلا أن ثم من الفضل والاصطفاء ما به تكون الأوبة ، وثم من ا***نات ما يمحو أَثَرَ الغفلة فذلك ما تحصل به المغفرة والستر في حق آحاد من البشر فكيف بخاتم الرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟! ، وهو أفضل البشر وأعظمهم شأنا ، وأتقاهم لربه ، جل وعلا ، فيثبت ذلك في حقه من باب أولى ، فهو أهل السداد والتوفيق ، وأهل المغفرة والثواب على ما كان منه من البلاغ والبيان وامتثال ما جاء به من الوحي في كل حال ، فعلمه الأنفع وعمله الأصلح ، والاقتداء به مظنة السلامة في العقد والشرع ، ومظنة السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، وبقدر ما يواطئ المكلف هديه وطريقته في الدين يكون له من الخير في الأولى والآخرة ، فاجتمع في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من هذا الوجه ، اجتمع في حقه التوكيد لما حصل ابتداء بمنحة عظيمة من رب الخليقة ، تبارك وتعالى ، ولا ينفك الأمر يدل على التأسيس بالنظر في آحادٍ منه بها يحصل تَأَوُّلُ الأمر والنهي ، فتلك دلالة التقوى الأعم ، كما تقدم ، إذ بها تكون الوقاية في الترك والفعل ، تخلية وتحلية ، فثم توكيد بالنظر في الأصل وثم تأسيس بالنظر في الآحاد المحدثة ، وذلك يشبه ، من وجه ، ما تقرر في صفات الأفعال ، فهي قديمة قدم الذات القدسية بالنظر في النوع وإن أحدث ، جل وعلا ، منها آحادا بمقتضى الحكمة والمشيئة على وجه يرب به ، تبارك وتعالى ، سائر الخليقة ، فيكون الأمر في آية : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) ، يكون ، كما تقدم ، توكيدا وتأسيسا ، فتوكيد على نوع التقوى ، وتأسيس لآحاد منها في الخارج ، في جميع الأقوال والأعمال على وجه استغرق جميع محال التكليف وجميع أحواله فتلك دلالة الإطلاق في الأمر ، فتشبه دلالة الإطلاق في نحو قوله تعالى : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، فأطلق الأمر بالعبادة على وجه استغرق جميع وجوه العبادة ، إن بالنظر في فعل العبد حبا وذلا على جهة الكمال ، أو بالنظر في المفعولات في الخارج على وجه استغرق الباطن والظاهر ، ونهى عن الضد من الشرك على وجه حصل فيه التلازم العقلي الصريح إذ الأمر بالشيء يستوجب النهي عن ضده ، وكما أطلق في الأمر فاستغرق أطلق في النهي فلا تشركوا أي نوع من الشرك ، فتسلط النهي على ال**در الكامن في الفعل فافاد العموم من هذا الوجه ، فلا تشركوا به أي شرك ، ولا تشركوا ، من وجه آخر ، أي شيء مع الله ، جل وعلا ، فثم عموم آخر قياسي إذ تسلط النهي على النكرة "شيئا" فأفاد العموم من هذا الوجه ، وهو يستغرق كل مشرك به مع الله ، جل وعلا ، محسوسا كان أو معقولا ، وكذلك التقوى ، فهي اتخاذ الوقاية بفعل المأمور واجتناب المحظور ، وذلك ما يعم ، أيضا ، جميع محال التكليف ما بطن وما ظهر ، وجميع أحواله . والأمر بالتقوى في حق غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ينصرف ، بادي الرأي ، إلى التأسيس ، لا سيما بالنظر في دلالة التكليف الأعم على الوجه الراجح في خطاب الكفار بفروع الشريعة ، فيتوجه الأمر إلى كل مكلف من أمة الدعوة الأعم أن يجتهد في تحصيل أسباب التقوى في الأصول وآكدها التوحيد ، أصل الأصول ، فلا يصح ما بعده من أصل أو فرع إلا أن يصح ويسلم من القادح الباطن والظاهر ، وأن يجتهد في تحصيل أسباب التقوى في الفروع ، إن في العلوم أو في الأعمال ، إن في الشرائع أو في السياسات أو الخلاق ... إلخ ، وهو يعم ، من باب أولى ، أمة الإجابة فهي تجتهد بعد أن حررت الأصل أن تَتَّقِيَ كل ما يقدح فيه من ناقضٍ لكماله الواجب من المعاصي والكبائر ، وكل ما يأتي عليه بالبطلان ، فهو أهل أن يُتَّقَى من باب أولى ، فَتَكُونُ التقوى من أسباب العصيان ، وأسباب الكفران ، فَتَقْوَى من الشرك في الإرادة والقصد الباطن ، والقول والعمل الظاهر ، والشرع الحاكم ، فيجرد التوحيد في كل حال ، وذلك لا يكون إلا أن يكون التوحيد في الأمر كله ، فلا يوحد في بعض ويشرك في آخر ، فتلك حال تضاهي الحال المذمومة في آي البقرة : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فثم إنكار وتوبيخ ، فكذلك الشأن في حق من تَوَقَّى بعض أسباب الشرك دون بعض ! ، فَفَرَّقَ بين الْمُتَمَاثِلَيْنِ ، فثم خطاب تأسيس من هذا الوجه ، ولا يخلو من دلالة توكيد ، أيضا ، أن يدوام عامة المكلفين على أسباب التقوى في أمور الدين كلها ، دقها وجلها ، فحصل الاشتراك في الدلالة ، من هذا الوجه ، فاشتراك بين التأسيس والتوكيد ، واشتراك في دلالة الأمر إيجابا وإرشادا ، وثم اشتراك آخر بالنظر في معنى التكليف الأعم ، فهو يستغرق الأمر والنهي ، فدلالة الأمر بالتقوى تستغرق المأمور به فرضا ، والمأمور به ندبا ، وتستغرق النهي وتأويله في الخارج مفارقة المنهي عنه سواء أكان محرما فمفارقته تجب بالنظر في النوع والآحاد جميعا ، أم مكروها فمفارقته تستحب بالنظر في آحاده وإلا فالأمر بمفارقة ***ه الأعم قد تجب بالنظر في معنى زائد وهو معنى المتمم لحقيقة التكليف الملزم ، فما لا يتم التكليف الملزم إلا به فهو لازم ، ومفارقة المحرم لا تحصل في العادة إلا بسياج من المكروه يحوط المحرم ، فإن عفي عن اقتراف آحاد منه فلا يعفى عن التلبس ب***ه لا سيما إن اقترن ذلك باستخفاف يَتَقَحَّمُ صاحبه المنهي عنه ، ولو مكروها ، فتلك ذريعة إلى الخذلان أن يقع في حد العصيان المذموم ذَمَّ التحريم الموجب للإثم ولو باقتراف آحاد ، فالمحرم مما يأثم فاعله وإن قارف آحادا ، خلافا للمكروه فإن صح توجه لوم أو حصول إثم فهو بالنظر في ال*** الأعم ، وبالنظر في معنى يزيد من استخفاف يحمل صاحبه على تقحم المكروهات بلا وازع من حشية أو تقوى ، وبالنظر في مآل ذلك فلا تخلو حاله أن يقع فيما بعده من المحرم ، فيكون الإثم بالنظر في المآل الغالب ، فيجري الأمر مجرى سد الذرائع الموصلة إلى المحرم فما لا يتم ترك المحرم إلا بتركه فهو يلحق بالمحرم ولو في الجملة . فجاء الأمر الذي عم ، كما تقدم ، وثم تلازم بين الأمر والنهي : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، فتقوى الله ، جل وعلا ، أمرا واجبا بالنظر في ال*** العام لأسباب التقوى ، فمنها التقوى الواجبة ، ومنها قدر زائد مندوب ، تلك التقوى تستوجب لازمها في النقل والعقل وا*** ألا يطاع الكافرون والمنافقون ، فطاعتهم مظنة الوقوع في المحرم على وجه يقارف به الفاعل أسباب الإثم والوعيد *** يتق الله ، جل وعلا ، حق التقوى التي توجب السلامة من الإثم والوعيد ، فعم الأمر بالتقوى إذ أطلق ، فعم الواجب والمندوب فعلا ، والمحرم والمكروه تركا ، كما تقدم ، وعم النهي في المقابل إذ أطلق الفعل "تطع" ، فتسلط النهي على ال**در الكامن في الفعل وذلك ، كما تقدم في موضع سابق ، نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فلا تطعهم أية طاعة فتلك دلالة العموم ، ولا تطعهم في أي شيء ، فتلك دلالة الإطلاق في الفعل ، وهو إطلاق قد يقيد بعهد مخصوص وهو الطاعة في أمور الدين ، إن في العقد أو في الشرع ، ولو شيئا قليلا ، أو بعضا يسيرا ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) ، فينهى عن هذا الطاعة اليسيرة في بعض الأمر فهي في نفسها محرمة ، فضلا أنها ذريعة إلى طاعة أعظم إثما وأفحش جرما وهي طاعتهم على وجه ينقض أصل الدين ، وحمل النهي في هذه الآية على هذا المورد يخرج صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عموم اللفظ ، إذ تَنَزَّهَ ، بداهة ، عن الشرك واقتراف الكبائر ، فيكون الخطاب مواجهة له على سبيل البلاغ وَالْبَيَانِ ، وإن كان المنهي عنه مما يجوز في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في مطلق البشرية ولكن قرينة العصمة قد احتفت بهذه الحقيقة البشرية المطلقة فقيدتها في حق الأنبياء عليهم السلام وأولاهم بهذا القيد صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويكون النهي لغيره على سبيل الإلزام ، فثم نهي عم طاعتهم وهو يَنْصَرِفُ ، كما تقدم ، إلى أمر الدين ، فيستغرق النهي عن طاعتهم في معصية تقدح في كمال الدين الواجب ، أو أخرى أفحش فهي تَنْقُضُ أصل الدين الجامع ، فلا يدخل فيه عموم النهي طاعتهم في أمر دنيا على وجه ينفع ، إلا إن كان ذريعة إلى الوقوع في المحرم من طاعتهم في أمر دين ، فلا يدخل في عموم النهي طاعتهم في موضع **لحة أَرْسَلَهَا الشارع ، جل وعلا ، *** يعتبرها ولم يلغها ، كسائر أمور المعاش من أجناس المباح في الصنائع النافعة التي لا يصلح أمر الناس ولا تستقيم حالهم إلا بها ، فهذه لا تحظر طاعتهم فيها ، ولا يحظر أخذ أسبابها عنهم وَتَلَقِّي علومها على أيدي حذاقهم على وجه يستوجب ابتداء التضلع من الحق والاستعلاء به والاعتزاز ، فلا يهزم جمع النفس ويولي الدبر أمام مدنية وحضارة تخدع وتخلب ، بادي الرأي ، إلا من عصم ، جل وعلا ، فسدد إلى الحق وأعان على أسبابه ، فثم مقابلة بين شطر الأمر إيجابا ، والنهي تحريما ، وثم طباق إيجاب فالتقوى لله ، جل وعلا ، ولازمها امتثال الأمر طاعة ، فحصل الطباق باللازم ، فثم أمر بالطاعة دلت عليه التقوى ، وثم نهي صريح عن طاعة الكفار والمنافقين ، وثم مطاع في الشطر الأول وهو الرب ، جل وعلا ، فتقواه ، كما تقدم مرارا ، تستوجب طاعته في كل أمر ونهي على وجه تحصل به السلامة والوقاية من سخطه ، جل وعلا ، وعذابه ، وثم مطاع في الشطر الثاني نهي عن طاعته وهو *** الكفار والمنافقين ، فالطاعة لا تكون إلا لله ، جل وعلا ، وحده ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ بلغ وَبَيَّنَ ، ولمن ولي الأمر على وجه صحيح ، فكانت شورى كشورى الخلافة الراشدة ، أو انعقدت بيعة المتغلب وهي دونها ، ولكنها تصح في الجملة إذا التزم صاحبها الشرع *** يعطل ويبدل ، فضلا أن يحارب ويستأصل ! ، مع إيجاب الإنكار إذا خرج عن الشرع الذي التزمه ، سواء أكان ما خرج فيه لا يقدح في أصل الدين ، كسائر المعاصي التي توجب التفسيق وقد يظهر فيها وجه تأويل ولكن الإنكار يجب لمن كان أهلا في مواضع تدق فيشتبه فيها الحق بالباطل ، خلافا لموارد الإنكار في مواضع محكمة يظهر فيها وجه الحق قولا واحدا ، مع تفاوت في تقدير آخر ، لا يحسنه إلا من هدي الرشد وسدد في القصد ورسخت قدمه في الشرع ، فقد يجب الخروج إذا كان الكفر البواح ، وتعظم المفسدة ، مع ذلك ، على وجه يوجب التوقف والانتقال إلى درجة أدنى من الإنكار ، وذلك ما عظمت به البلوى في كل زمن إذ اختلفت أنظار المجتهدين أو من دونهم من آحاد الصالحين في أمر لا يحسن يفتي فيه إلا آحاد من أهل الكفاية في الشرع والدراية بالأمر ، فكان ما كان من عجلة في مواضع صارت ذريعة يحتج بها الظالم الجائر أن يستبيح بيضة أهل الحق إذ يمكر بهم فيستدرجهم إلى نِزَالٍ لم يعدوا له عدة ، فوجب الانحياز إذا عدمت النكاية ، وذلك ما قرره فقهاء الحرب في العصر الحديث ، فأية معركة يغلب على الظن فداحة الخطب فيها وعظم الخسائر مع قلة الجدوى فتركها والانحياز أولى ، بل يجب في الشرع صيانة ل**لحة أعظم لا على سبيل الإفراط في تقدير ال**الح فيؤول الأمر أن يصير ذريعة إلى القعود عن واجب الإنكار ، وذلك ، أيضا ، مما يدق بالنظر في قصد الناظر وفقهه بالواقع ، أقصد حماية البيضة إذ ليس ثم شوكة أم قصد مداهنة الظالم واستبقاء حظوظه من المغنم العاجل من سلامة في الدار وسعة في المال . فثم طاعة أطلقت في حق الله ، جل وعلا ، وحق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقيدت في حق أولي الأمر إن وافقوا الشرع ، فذلك تأويل الأمر بالتقوى ، وثم نهي عن ضدها من طاعة الكفار والمنافقين ، فذلك يجري مجرى التلازم في الدلالة العقلية ، كما تقدم ، وقد عم الكافرين ، فتلك دلالة "أل"في "الكافرين" ، سواء أكانت تفيد البيان ل*** ما دخلت عليه والاستغراق لآحاده ، أم كانت تفيد الوصل إذ اتصلت باسم مشتق ، فيناط حكم النهي عن الطاعة بوصف الكفر الذي اشتقت منه الصلة ، فيدور الحكم مع علته وجودا وعدما ، فهو يقضي بالمنطوق ألا يطاع الكافر ، ويقضي بالمفهوم أن يطاع المؤمن ما لم يأمر بشر أو عصيان ، فالمؤمن في الغالب لا يأمر إلا بالخير ، وإن أمر بالشر فإما أن يكون متأولا فيعتذر عنه إن كان من أهل الفضل ولا يطاع في معصية فلا طاعة إلا في المعروف ، فتلك دلالة القصر في الخبر ، فـ : "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ" ، فإما أن يكون متأولا ، كما تقدم ، وإما أن يكون معتديا فلا يطاع من باب أولى ، وإن أطيع في موضع آخر يوافق فيه الشرع فهو وحده الذي تجب طاعته طاعة مطلقة في كل أمر ونهي ، فيطاع الله ، جل وعلا ، ويطاع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويطاع المجتهد من أهل العلم فيما أفتى به إن لم يخالف نصا أو إجماعا ، أو يكون المخالف أهلا للنظر اجتهادا أو ترجيحا فيظهر له قول آخر أرجح يؤيده الدليل فليس الأمر هوى أو تَشَهٍّ فهو يقبل ما وافق هواه ويتكلف تأويل الدليل ليرد به ما خالف رأيه فيكون مطيعا في الظاهر يعظم الشرع ، وهو في الباطن قد خالف عن أمره ونهيه إذ قدم عليه هواه وذوقه ، ويطاع ولي الأمر ، على التفصيل المتقدم ، وأولى من يطاع من أولي الأمر من اجتمع فيه وصف العلم والشوكة فمعه الكتاب الهادي وفي يده الحديد الناصر ، فتلك أكمل صور الملك ، فيكون العدل في البرهان وا***م في السنان ، فجمال الكتاب إذ يهدي ، وجلال السيف إذ يردع ويزجر بالقتل والقطع في مواضع الحق لا اجتراء تسفك به دماء معصومة أو تستباح به حرمات **ونة ، فجاء النهي عاما : (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ) ، ثم عطف عليه خاصا : (وَالْمُنَافِقِينَ) ، فإن المنافقين من جملة الكافرين ، فيكون ذلك من باب الإطناب بعطف الخاص على العام ، وقد يجري مجرى العطف تقسيما باستيفاء شطري القسمة بالنظر في معنى النفاق الأخص فهو يشاطر الكفر الأصلي *** الكفر الأعم ، فمن الكفر ، كفر أصلي وكفر نفاق يستتر وكفر ردة يستعلن ولكلٍّ حكم يلائم الوصف على ما تقدم مرارا من حكمة الشرع أن يناط بكل وصف من الأحكام ما يلائمه ، ومن ثم جاء الختام : (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمً) ، فلا يخلو من دلالة تعليل إذ من يطاع هو العليم بالشرع الحكيم في الأمر والنهي ، وليس ذلك ، بداهة إلا الرب ، جل وعلا ، فلا يخلو السياق من دلالة تعريض بمن يطاع من طواغيت البشر من الكفار والمنافقين الذين اجترءوا على الوحي فَبَدَّلُوا وعطلوا ، فلا تطعهم وأطع الله ، جل وعلا ، فهو العليم الحكيم ، فذلك ، كما تقدم ، وجه التعليل ، فثم استئناف فلا وصل بعاطف لما تقدم مرارا من شبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، فجاء الجواب على سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، وما علة الأمر بتقوى الله ، جل وعلا ، وحده على وجه يوجب قبول كل ما جاء عنه من الخبر إثباتا ونفيا والإنشاء أمرا ونهيا ، فجاء الرد ، لأنه ، جل وعلا ، عليم حكيم فيعلم ما يصلح العباد في الحال والاستقبال ، ويحكم من الأحكام ما به تستقيم الأمور في العاجلة وتحسن المآلات في الآجلة . وقيد النهي في موضع آخر في نفس السورة : (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) ، فذلك مورد جمال لا تكتمل صورة الاستدلال إلا بقسيمه من صورة الجلال ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ، ولكلٍّ ، كما تقدم مرارا ، موضعه الذي يلائمه فلا يحسن استعمال أحدهما في موضع الآخر فذلك من السفه الذي يفسد الرأي والحال إذ يوضع الشيء في محل لا يقبله بل يقبل ضده فيكون الخطل في الرأي أظهر ، والفساد في الحال أعظم . ومن ثم أردف بأمر آخر يجري مجرى التلازم مع النهي الذي تقدم ، فـ : اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ : فذلك عموم بالنظر في إطلاق الأمر ، وعموم الوصل في "ما" ، ومناط الأمر ما أوحى به الرب ، جل وعلا ، فهو مورد العصمة في القول والعمل ، فاتبع الوحي في كل شأنك ، والوحي مادة العصمة المطلقة ، فـ : (مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، فهو من ربك ، جل وعلا ، وذلك مئنة من تعاهد وعناية فيدخل ذلك في دليل العناية ، فمن أعظم صورها العناية بالدين بما أوحى به رب العالمين ، جل وعلا ، من صادق الخبر وعادل الحكم ، فحسن من هذا الوجه ابتداء الغاية من الرب ، جل وعلا ، الذي يرب الأبدان بقدر التكوين ، ويرب الأديان بقدر التشريع الذي عم ، كما تقدم ، جميع محال التكليف وأحواله ، ومن ثم جاء التعليل : إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ، وقد حد على جهة التوكيد بالناسخ مع استئناف عقيب أمر وهو ما رجح دلالة التعليل دلالة ثانية تضاف إلى دلالة التوكيد الثابتة بأصل الوضع الأول في اللسان ، وَزِيدَ في التوكيد باسمية الجملة ودلالة الكينونة الماضية وهي مئنة من ديمومة اتصاف مع نَزْعٍ لدلالة الزمان ، فذلك مما اتصف به ، جل وعلا ، أولا وآخرا ، أزلا وأبدا ، وزد عليه تقديم ما حقه التأخير : (بِمَا تَعْمَلُونَ) ، فهو مئنة من الحصر والتوكيد فوحده ، جل وعلا ، الخبير بما يعمل العباد ، فلا يقتصر الوصف على المخاطب بل يستغرق غيره بقرينة العموم في المعنى ، فهو ، جل وعلا ، الخبير بدقائق الأمور جميعا ، فحصل الثناء بجملة من الأوصاف منها ما أطلق فعم بدلالة الإطلاق ، كالعلم والحكمة في الآية الأولى ، وإن كان العلم قد قيد بما ينزل منزلة الإطلاق ، فـ : (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) ، فذلك عموم يستغرق جميع أعمال الخير خاصة وهي من أعمال التكليف ، و : (كَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ، فذلك عموم أعم يستغرق كل شيء ، فيستغرق الواجب ، والممكن ومنه ما يقع ومنه ما لا يقع فيكون محالا لغيره أن لم يشأ الرب ، جل وعلا ، وقوعه ، ومنه المحال ابتداء ، فاستغرق العلم جميع المعلومات ، فهو عام من هذا الوجه فصح أن يثنى به على الله ، جل وعلا ، الثناء المطلق ، فجاء القيد في قول الرب جل وعلا : (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ، وجاء الإطلاق في وصف "خبير" في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) ، فاجتمع وصف لطيف وخبير وكلاهما مئنة من علم بدقائق الأمور مما خفي ولطف فلا يدركه كل أحد فليس من الجلائل التي تظهر بل حده حد الدقائق التي تخفى ، فأطلق الوصف في هذا الموضع وقيد بالعباد في آية : (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) ، وزيد في القيد في آية الأحزاب : (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ، فعلمه بدقائق العباد علم بما يعملون ، ما دق وما جل ، فـ : (تَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ، وعلمه بهم ، من وجه آخر ، يستغرق كل حركة وسكنة سواء أدخلت في حد التكليف فكانت عملا أم لم تدخل فهي من أمور الجبلة التي لا يكلف الإنسان بها إذ تجري بقدر التكوين النافذ على وجه لا يطيقه الإنسان ليكلف به فضلا أنه مما لا يظهر فيه معنى التكليف كحركة الأحشاء ونحوه ، فجاء الاسم مطلقا في موضع ، خاصا بمظان التكليف من العمل في موضع آخر : (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ، وهو يعم القول والعمل ، فدلالة العمل في هذا الموضع دلالة تغليب ، وعموم الوصل نَزَّلَ الاسم وإن قيد بـ : "ما" ، نَزَّلَهُ منزلة الاسم المطلق فيجوز من هذا الوجه أن يوصف به الرب ، جل وعلا ، وصفا مطلقا ، فهو قيد كَلَا قيد فالإطلاق محفوظ إذ أحاط ، جل وعلا ، بكل معلوم على وجه عم دقيق الأمر وجليله ، وجاء الاسم عاما بالعباد جميعا فاستغرق ، كما تقدم ، جميع أحوالهم الاختيارية فهي مظنة التكليف بقدر التشريع ، والاضطرارية فهي مظنة التسيير بقدر التكوين . فاتبع ما يوحى إليك من ربك ، وذلك عموم ، وتوكل على الله ، جل وعلا ، فذلك خصوص ، فهو يدخل في حد الاتباع الذي عم ، كما تقدم ، بدلالة الوصل في "ما" ، فـ : (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) ، وثم دلالة تعليل في العطف بـ : (كَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) ، فضلا عن الإطناب بإظهار ما حقه الإضمار في اللفظ ، وهو الاسم الكريم الله ، تبارك وتعالى ، فتقدير الكلام : وتوكل على الله وكفى به وكيلا ، فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، وثم إجمال في فعل الكفاية بَيَّنَهُ التمييز أو الحال "وكيلا" على الخلاف في الإعراب ، ولا يخلو من دلالة إنشاء ، فتقدير الكلام : واكتف بالله ، جل وعلا ، وكيلا في كل أمرك ، فإطلاق الوصف مئنة من عموم يستغرق كافة الأحوال فاكتف به وكيلا في العلم والعمل ، في الحال الباطنة عقدا ، والظاهرة شرعا .... إلخ . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 05:51 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir