![]() |
من خبر : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ ............"
من خبر : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ ............"
مما تقرر في دلالات الألفاظ أن اسم ال*** الإفرادي إما أن يدل على محسوس كالخل والزيت ، أو معقول كالذكاء والإيمان وسائر أوصاف المدح والذم ، وذلك ما يظهر أثره في نصوص الوحي في باب الأسماء والأحكام بكفر وفسوق وعصيان ، فَثَمَّ ، على سبيل المثال ، قدر فارق بين الكفر المحلى بـ : "أل" ، والكفر المنكر ، فإن الأول مئنة من عموم يستغرق خصال الكفر فيحيط بالمعنى كله دركا ، فينصرف إلى الكفر الأكبر ، وذلك مما استدل به من حكم بكفر تارك الصلاة ، إذ الاسم قد جاء محلى بـ : "أل" في خبر : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، فينصرف إلى الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر ، حال الترك التام فتلك دلالة الإضافة في "تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، فهي مئنة من عموم يستغرق جميع آحاد الترك فيكون الناقض لأصل الدين هو الترك المطلق لا مطلق الترك فهو ينقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، وذلك ، من وجه ، ما قد يجوز حمل السياق على كلا الوجهين فيجري مجرى العموم في دلالة المشترك إذ ينصرف الشرك والكفر إلى النوع الأصغر حال مطلق الترك فيصلي تارة ويترك أخرى ، وينصرف الشرك والكفر إلى النوع الأكبر حال الترك المطلق فلا يصلي أبدا ، فيحمل السياق على كلا الوجهين بتأويل صحيح فلا تكلف بل ذلك مما يثري المعنى باستيفاء أجزاء القسمة وإعطاء كل قسم ما يستحق من الحكم ، وقل مثله في نحو قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فإن دلالة "أل" ، وإن انصرفت من وجه إلى دلالة الوصل إذ اتصلت بالاسم المشتق إلا أنها ، من وجه آخر ، لا تنفك تدل على عموم يستغرق خصال الكفر ، وذلك الكفر الأكبر ، فذلك أصل لا يعدل عنه إلا بقرينة توجب صرفه من المعنى الراجح المتبادر وهو الكفر الأكبر إلى المعنى المرجوح غير المتبادر وهو الكفر الأصغر ، فإن كانت ثم قرينة فذلك تأويل صحيح يوجب العدول عن ظاهر القول الراجح المتبادر ، إلى مرجوحه غير المتبادر ، كما تقدم ، إما مطلقا في جميع الآحاد أو في بعض الآحاد ، كما في الحكم بغير ما أنزل الله ، جل وعلا ، فإنه كسائر المعاني المطلقة في الذهن مما تتعدد آحاده وصوره في الخارج فثم منها الأكبر الناقض لأصل الدين ، وهو الأكثر على وجه يجعل الظاهر من الحكم ، الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين ، وثم الأصغر ، وهو الأقل ، فهو المرجوح غير المتبادر بالنظر في آحاد العام في الخارج فأكثرها الأكبر وأقلها الأصغر ، فصار الظاهر هو الأكبر الذي يجب صرف اللفظ إليه ، بادي الرأي ، وصار المؤول هو الأصغر ، وهو ما يخالف الراجح المتبادر فلا يصار إليه إلا بقرينة صارفة ، كما في خبر ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وفيه إطلاق الوصف على نوع من الحكم أنه : كفر دون كفر ، على كلام مشهور في إسناد الأثر ، فهو بين **حِّح ومضعِّف ، وهو الخبر المشهور في حكم قضاةٍ زمنَ بني أمية على وجه لا يحصل فيه تعطيل المناط أو تبديله ، وإنما يكون العصيان في تحقيقه في الخارج بلا استباحة ، فاستباحة العصيان ، أي عصيان ، مما ينقض أصل الدين ، فهذه قرينة أخرجت صورة بعينها من العموم الظاهر ، ولم يكن ذلك تحكما وإنما بقرينة صحيحة توجب ذلك ، فضلا عن استقراء صحيح لآحاد الفعل في الخارج ، فثم سبر وتقسيم ، فجمعت الآحاد وسردت ، ثم سبرت ، فمنها ما هو أكبر ينقض أصل الدين ، وهو الأكثر ، ومنها ، كما قرر بعض المحققين ، منها صورة واحدة فقط تنقض كمال الدين الواجب دون أصله الجامع على وجه يبلغ حد الكبيرة ، إذ وصف الفعل بالكفر يدخله في حد الكبيرة سواء أكان الكفر الأصغر أم الكفر الأكبر ، من باب أولى ، فالكبائر ، أيضا ، *** أعم ، تندرج فيه أنواع وآحاد ، فثم نوع يوجب نقض الأصل كالشرك والسحر ، وثم آخر يوجب نقض الكمال الواجب كالقتل والزنى .... إلخ ، وأما الكفر المنكر في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" ، فإنه ينصرف بادي الرأي إلى المعنى الأصغر فلا يعدل عنه ، في المقابل ، إلى الكفر الأكبر إلا بقرينة ، كأن يكون قتال المسلم استباحة بلا شبهة تأويل بِبَغْيٍ أو نحوه ، فتأويل البغي لا ينقض أصل الإيمان ، فلا يَنْتَقِضُ بمحض القتال ، وإنما قد يقع القتال بين طائفتين من المؤمنين ، فلا يخرجهما ذلك عن حد الإيمان ، كما في قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) ، فأثبت وصف الإيمان صدرَ الكلام حال ابتداء القتال على وجه لا يستبين فيه الباغي ، ثم أثبت بعد ذلك وصف الإيمان والأخوة مع حصول البغي من إحداهما ، فـ : (إِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) ، إذ ثم شبهة بغي توجب دفع الباغي ، فصاحبها يتأول قتاله لا على قاعدة دينية من كفر وإيمان ، وإنما يتأول أن الخصم عدو باغ يجب دفعه دفع الصائل الذي يجب دفعه وإن بالقتال ، وإن لم يبتدأ بذلك إلا بعد تعذر دفعه بالأدنى فلا يصار إلى الأعلى إلا بعد تعذر الأدنى من المناصحة لينا أو التهديد شدة ، أو القتال بما لا يكون به قتل وإنما يكون الألم والجرح فإن اندفع بذلك وَفَرَّ فلا يتبع ، أو جرح فلا يجهز عليه ، كما كان صنع علي ، رضي الله عنه ، مع الخوارج يوم النهروان ، فكان قتاله لهم أنهم بغاة لا كفار ، *** يستحل منهم ما يستحل من قتال الكافر ، وكان ذلك ما سلك مع أهل الشام قبلها يوم صفين ، من باب أولى ، وما سلك مع جيش طلحة وال**ير ، رضي الله عنهما ، قبل ذلك يوم الجمل ، من باب أولى ، أيضا ، فالشبهة في قتال الفتنة يومَ الجمل أعظم منها في قتال البغي يوم صفين ، والشبهة في قتال البغي يوم صفين أعظم منها في قتال البغي يوم النهروان ، فثم *** من الشبهة حصل ، وثم نوع تأويل تفاوت ، فمنه تأويل أهل الجمل ، وهو الأولى بالاعتبار ، فيرفع الحكم والإثم جميعا ، *** يكن على قاعدة دين من كفر أو إيمان *** يقاتل أحدهم الآخر وهو يبغض دينه فذلك مما انتفى ، بداهة ، بل كان ما اشتهر من إذكاء ابن سبأ وأتباعه لنار الفتنة أن مالوا على الفريقين ليلا فنشب القتال ومضى قدر السماء أن يكون القتل في الْفَرِيقَيْنِ بعد التداعي إلى الصلح والتَّوَافُقِ عليه ، كما اشتهر في كتب السير ، ولم يكن القتال ، بداهة ، على ملك أو رياسة ، وإنما كان الاجتهاد في استيفاء القصاص من قتلة الخليفة الشهيد ، رضي الله عنه ، فحصل البغي من أهل الجمل أن افْتَئَتُوا على حق الإمام في استيفاء القصاص فوحده من يقضي بذلك بعد رفع الدعوى وسماع الشهود فيرفع ولي الدم الدعوى وينظر فيها الإمام على وجه يجيز له الإمضاء أو التأجيل بما تحصل به ال**لحة العامة فقياس الشرع والعقل أن ترجح ال**لحة العامة باحتمال المفسدة الخاصة في تأجيل القصاص حتى تسكن ثائرة الفتنة ، فكان الاجتهاد في ذلك ، وحصل البغي أن افتئتت طائفة على حق الإمام ، كما تقدم ، وإن رامت الخير فما خرجت إلا غيرة على الدين وانتصارا للخليفة الشهيد ، رضي الله عنه ، لا سيما وهي تظن أنها قصرت في الذب عنه *** تدفع عنه حق الدفع وهو بين ظهرانيها في المدينة مع أنها بذلت ما استطاعت وإنما نهاها الخليفة الشهيد ، رضي الله عنه ، أن تدفع عنه فانتهت وهي مع ذلك تروم التكفير عن هذا التقصير بمعاجلة القتلة في عقر دارهم ، فحصل البغي ، من هذا الوجه ، باجتهاد معتبر من أهله ، فثم ، كما تقدم ، تأويل يرفع الحكم والإثم جميعا ، بل ويوجب الأجر لكلتا الطائفتين ، لا سيما والفئة الباغية يوم الجمل قد راجعت الأمر فاستجابت لمساعي الصلح فانتفى بغيها وحسمت مادة الشر بمادة الصلح لولا ما كان من رءوس الفتنة وأذنابها في الطائفتين في موضع لا يمكن في العادة حسم مادة الشر فيه إذ تداخل الناس وكثر القيل والقال ، فما أسهل أن يندس صاحب فتنة فيشعلها بقول أو عمل ، كما صنع القوم ليلا ، وثم تأويل دونه لأهل صفين ، وهو ، مع ذلك ، معتبر يرفع الحكم والإثم ، أيضا ، *** يكن قتالا على قاعدة دينية مبناها الحب والبغض ، *** تكن إحدى الطائفتين ***ض دين الأخرى ! ، فهم جميعا على دين واحد كما في خبر المعصوم الصادق صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" ، وقد أُثِرَ عن عمار ، رضي الله عنه ، وهو الأمارة والعلامة ، فـ : "وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ" ، فصدر بـ : "ويح" ، وهو اسم ترحم خلافا للويل فهو مئنة من وعيد بالعذاب ، وثم إجمال أبان عنه ما بعده على جهة الاستئناف والابتداء لكلام جديد ، فـ : "تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" ، والمضارعة مئنة من حال بالنظر في استحضار الصورة ، ومئنة من استقبال بالنظر في زمان وقوع الفعل ***ا يقع بعد بالنظر في زمن التكلم ، وثم دلالة عهد في "أل" ، فهي الباغية البغي المخصوص يوم صفين ، ومن ثم أطنب بجملة الحال : "يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ" ، أو هي مما يجري مجرى الاستئناف لكلام جديد ، ويقال في المضارعة هنا ما قد قِيلَ فيها صدرَ الكلام ، فَالنَّظَرُ فِيهَا نَظَرَ الحال استحضارٌ للصورة ، والنظر فيها نظرَ الاستقبال بَيَانٌ لِزَمَنِ الفعل فَلَمَّا يقع بعد بالنظر في زمن التكلم ، وثم مقابلة بين الشطرين ، فضلا عن دلالة الطباق إيجابا بين الضميرين في "يَدْعُوهُمْ" و "يَدْعُونَهُ" ، وزد عليه دلالة الجناس بين اللفظين فهي آكد في تقرير معنى المقابلة باتحاد الفعل واختلاف الجهة بل وتضادها : "الجنة" و "النار" ، وطباق الإيجاب بينهما ظاهر ، والدعوة إلى النار لا تستوجب دخولها فثم موانع لنفاذ الوعيد ، ومن آكدها التأويل السائغ ، كما في هذا الموضع ، فانعقاد أسباب الشر لا يستوجب وقوعه ، كما يقرر بعض المحققين ، فقد يكون ثم مانع يمنع نفاذه فلا بد من استيفاء جملة شروط وانتفاء جملة موانع ليقع الوعيد ، وذلك أصل في باب الأخبار عموما ، بشارة ونذارة ، وعدا ووعيدا ، وكذلك يقال ، في المقابل ، إن انعقاد أسباب الخير لا يستوجب وقوعه حتى تستوفى الشروط وَتَنْتَفِيَ الموانع ، فضلا عن دلالة عهد في "النار" ، فهي نار العصاة ، فالوعيد هنا على فعل وصف بالكفر ، كما في خبر : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" ، وتلك أمارة كبيرة والكبائر مما توعد أصحابها بالنار ، ولكن ذلك ، كما تقدم ، إنما يكون بالنظر في الفعل حال الإطلاق لا النظر الأخص في قتال بعينه يرد عليه من وجوه التأويل ومن موانع نفاذ الوعيد ما يوجب التوقف ، بل وقد يحصل ضده من الأجر إن كان ثَمَّ فسحة لاجتهاد يسوغ ، وذلك بالنظر في العموم لا في آحاد المتقاتلين فقد ينفذ الوعيد في بعضهم دون بعض فيكون ثم حظ نفس وتعد في القول والفعل يوجب لآحاد من الوعيد ما لا يوجب للعموم ، فَأُثِرَ عن عمار ، رضي الله عنه ، النهي عن تكفير أهل الشام فهم الإخوة في الدين الذين بغوا *** يبايعوا الإمام ، فوجب ردهم إلى الحق ، ولو بحد السيف ، على وجه يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها فلا يستحل منهم ما يستحل من الكافر ، فقد قاتل علي ، رضي الله عنه ، من هم شر منهم ، وهم الخوارج ، فما استباح منهم ما استباح من الكافر ، فقاتلهم قتال البغاة ، وإن كان بغيهم أعظم ، وشبهتهم أضعف وأوهى فهي ترفع الحكم ولا ترفع الإثم لخبر أبي أمامة الباهلي ، رضي الله عنه ، موقوفا : "شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوا، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ" ، وله حكم الرفع إذ لا يقال مثله بالرأي ، وقد ورد بعضه مرفوعا صراحة على جهة التوكيد ثلاثا : "كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ" ، فضلا عما سفكوا من الدماء المعصومة امتحانا لعامة المسلمين بمقال محدث ، وتلك سمة رئيسة في أهل البدع ، أن يحدثوا أصلا ويمتحنوا الناس به فمن أجاب نجا ومن لم يجب فليس إلا السيف الذي سلط على أهل الإيمان ما لم يسلط على أهل الأوثان ، وذلك ، لو تدبرت ، مئنة من قلة في الفقه ، وضعف في العقل ، وهو أمر يحصل في كل زمان على تفصيل في ذلك فثم من غلا في تقرير هذا الأمر حتى عد أي إنكار للمنكر خروجا على ولي الأمر ، وإن كان حاكما جائرا معطلا للدين محاربا له ولأهله ! ، فصار تقرير المناط العام بالنظر في الحال التي آلت إليها دول المسلمين من علمانية تحكم ، صار تقرير المناط أنها ناقض لأصل الدين ، صار ذلك مئنة من انتحال مذهب الخوارج ! ، مع أنه حتم لازم لتمحيص معتقد التوحيد فلا يسلم إلا بالكفر بالطاغوت ، المحسوس والمعقول ، والعلمانية اللادينية التي عطلت الشرع مما عمت به البلوى في هذه الأعصار فهي من الطاغوت المعقول الذي طال شؤمه العموم ، وذلك ما لا ينصرف إلى سكان الدور ، فالأصل فيهم الإسلام ، وإن كانت الدور علمانية بالنظر في أحكامها ، فاجتمع في الدار الوصفان فهي مركبة من أحكام تنقض أصل الدين وأما أهلها فمع ما وقع منهم من التقصير الذي عظم شؤمه لا سيما مع فشو الإرجاء إلا أن الأصل فيهم هو الإسلام حتى يرد الدليل الناقل الناقض لإيمان آحاد يحصل منهم من موجبات الردة ما قد حده أهل الشأن على وجه تقام فيه الحجة بِنَفْيِ العذر المانع من إنفاذ الحكم ، على تفصيل في ذلك ، فذلك قدر زائد على تحرير المناط الناقض ، فتحقيقه في الخارج في آحاد المحكومين أمر لا ينهض به كل أحد لا سيما مع شغور الزمان عن إمام جامع وذيوع الجهل وقلة من يعلم الناس أمر دينهم ويقضي فيهم بالشرع الذي عطل في عامة الأ**ار إلا آثارا في بعضها على وجه لا يخلو من تقصير وتفريط بإنفاذ بعض وتعطيل آخر ، فلا يخفى ما في ذلك من التحكم ، فثم فارق بين الحكم على الفعل أنه كفر ، والحكم على فاعل معين أنه كافر ، فذلك خلاف في تحقيق المناط على وجه يسوغ في عامة الأحكام إن تصدى له أهل الشأن لا من يجترئ فيفتي في أعظم مسائل الدين من إيمان وكفر بلا علم ، فوصف الخروج هنا منتف خلافا لمن عمم الحكم فصار الأصل عنده في الناس الكفر حتى يرد دليل العكس ، فتلك شعبة من الخروج وإن كان الخروج ، من وجه آخر ، مدرسة مكتملة الأركان وإن كان هذا الخلاف أول خلاف حصل منها إلا أن ثم وجوها أخرى حدثت في مقال الخوارج من تكفير مرتكب الكبيرة والسير على منهاج الاعتزال في الإلهيات ومسائل كرؤية الله جل وعلا ، وهو ما حصل للغلاة في آل البيت ، رضي الله عنهم ، فتآخى مذهبهم وتصادق مع مذهب الاعتزال من 370هـ ، كما يحكي صاحب "لسان الميزان" رحمه الله ، فدخل على متأخريهم مقال الاعتزال وكذلك الشأن في متأخري الخوارج وهو أمر لا زال إلى يوم الناس هذا في مقال الغلاة في آل البيت ، رضي الله عنهم ، وفي بقية الخوارج كأتباع المذهب الإباضي فهو على المقال الاعتزالي في الإلهيات . فكان قتال علي ، رضي الله عنه ، لأهل الشام ، لردهم إلى جادة الحق وكف بغيهم على الإمام ، مع أنهم ، من وجه آخر ، لم يختاروا القتال ابتداء *** يكن بغيهم كبغي الخوارج استباحة للدماء والأموال المعصومة ، وإنما كان البغي بالامتناع عن بيعة الإمام الذي انعقدت له البيعة العامة ، فوجب عليهم من الدخول في طاعته مطلقا بلا قيد ما وجب على عامة من بايعه ، فضلا أن لهم شبهة أعظم إذ اندس قتلة الخليفة الشهيد ، رضي الله عنه ، في جيش الخلافة ولهم فيه من الرياسة اضطرارا ! ما عظمت به الشبهة ، فرأوا الامتناع فهم في منعة من العدد والعدة في بلادهم فما يحملهم أن يسلموا لجند فيه من رءوس الفتنة ما لا يؤمن شره إن تمكن ، ولم يكن القتال ، كما يذيع خصوم الديانة ، لم يكن قتالا على دنيا ، فهو مما يدخلهم في عموم الكفر المنكر في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" ، فليس لهم من هذا الذم حظ ، وإن كان ثم آحاد لهم هوى وحظ نفس فالجمع كثير فلا يخلو ذلك في العادة من طالب دنيا ، وإنما الكلام في رءوس الناس آنذاك من الصحب الكرام ، رضي الله عنهم ، ممن اجتهد فدخل في هذا الأمر وهم القلة في مقابل جمهورهم الذي اختار اعتزال الأمر فهو قتال فتنة ، فتفاوت الحكم تبعا لتفاوت الحال ، وإن جمعهم كلهم وصف البغي الأعم ، فهو كسائر الأوصاف المطلقة في الذهن ، مما تتفاوت آحاده في الخارج ، فبغي أهل الجمل أقل وشبهتهم في التأويل أعظم فيعذرون ما لا يعذر أهل صفين ، وبغي أهل صفين ، في المقابل ، أقل من بغي الخوارج وشبهتهم في التأويل أعظم ، وبغي الخوارج أعظم وشبهتهم أضعف فأجزأت أن ترفع عنهم الحكم دون الإثم ، فقتال المسلم ، من هذا الوجه ، يكون على أنحاء : فمنه ما ينقض أصل الدين ، فذلك يوجب تأويل الكفر المنكر في الخبر أنه الكفر الأكبر ، وإن كان الظاهر المنكر ينصرف ، بادي الرأي ، إلى الكفر الأصغر ، فيكون كفرا أكبر إن كان استحلالا أو بغضا للمسلم لأجل دينه وهو الإسلام ، فخرج الخوارج من ذلك وإن قاتلوا الصحابة ، رضي الله عنهم ، على قاعدة دينية تستوجب بغضهم لدين الصحابة ، رضي الله عنهم ، وهو دين الإسلام ، ولكنهم لم يقاتلوهم إلا بعد أن كفروهم فبغضهم كان لما يعتقدون أنه الكفر وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر ، فتلك الشبهة التي رفعت الحكم *** يكفروا من هذا الوجه ، على خلاف مشهور ، فثم من حكم بكفرهم ، وإن كان قوله مرجوحا ، فاستدل بعموم : "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ" ، والمروق مئنة من الخروج السريع الذي ينصرف إلى الخروج الكامل ، والجواب ، والله أعلم ، أنه مما يجري مجرى الظاهر الراجح ، مع أنه في نفسه *** عام ، فمن المروق مروق يوجب انتقاض أصل الدين ، ومنه آخر يوجب انتقاض كماله الواجب ، فثم احتمالان ، وإن رجح ظاهر اللفظ المروق الكامل الناقض لأصل الدين ، إلا أن ثم قرينة صحيحة صريحة رجحت المرجوح من نقض الكمال الواجب دون الأصل الجامع ، فثم تأويل صحيح يحمل الظاهر فيه على المرجوح غير المتبادر دون الراجح المتبادر ، وقرينته هي إجماع الصحابة ، رضي الله عنهم ، على قتال الخوارج قتال البغاة *** يحكموا بكفرهم ، ولم يجروا فيهم حال القتال حكمَ الكفر *** يتبعوا فارا ، ولم يسبوا نساء ، ولم يجهزوا على جريح . وثم من يستدل بقول أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه : "قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ فَصَارُوا كُفَّارًا" ، وقد يقال ، والله أعلم ، إن ذلك مما وُقِفَ عليه فهي فتواه ، وقد حدثت بعد النهروان الذي انعقد فيه الإجماع على عدم تكفير الخوارج فلا ينقض خلافه بهذه الفتوى لا ينقض ما حصل من إجماع تقدم ، فالخلاف بعد الإجماع لا ينقضه ، كما قرر أهل الأصول ، أو يجري ذلك مجرى التراجح في الفتوى فرأيه واحد في مقابل رأي الجمهور وفيه من هو أعلم من أبي أمامة ، ففيه علي ، رضي الله عنه ، وهو الذي تولى كبر هذا الأمر ، وهو بالإجماع أفضل أهل الأرض وأعلمهم آنذاك مع ما انضم إلى ذلك من قول عموم الصحابة ، رضي الله عنهم ، فذلك ما يرجح قولهم في مقابل قول أبي أمامة ، رضي الله عنه ، لا سيما وهو من صغار الصحابة فليس له من العلم ما لكبارهم ، فخلافه ، من هذا الوجه ، خلاف مرجوح ، فالجمع الأكثر والأعلم أولى بالصواب كما أن الجمع الكثير حال الاختلاف في الرواية أولى بالحفظ فتقدم روايتهم على رواية الواحد وإن ثقة فروايته من هذا الوجه شاذة بقيد المخالفة إلا إن وردت قرينة ترجحها فذلك خلاف الأصل ، على تفصيل في ذلك ، ولا قرينة هنا ترجح فتوى أبي أمامة ، رضي الله عنه ، بل القرينة تشهد لقول من خالفه فهم ، كما تقدم ، الأعلم والأكثر على وجه صح معه دعوى الإجماع العملي الذي ظهر من حالهم في القتال إذ لم يجهزوا على جريح ولم يسبوا امرأة كما تقدم . ومن قتال المسلم ما يكون ناقضا لكمال الدين الواجب دون أصله الجامع فيحمل على الأصل في اللفظ المنكر الذي يدل على مطلق الحقيقة في الخارج وهو ما يحصل بأدنى قدر منها فينصرف إلى النوع الأصغر من هذا الوجه ، فمن قتال المسلم ما يكون كفرا أصغر جريا على ظاهر اللفظ كأن يكون القتال على دنيا من ملك أو رياسة ، كما وقع في وقائع كثيرة في تاريخ الإسلام ، كقتال بني العباس لِبَنِي أمية وما كان منهم من تَنْكِيلٍ بهم ، أو يكون بتأويل ضعيف كقتال الخوارج الذين كفروا جمهور الصحابة ، رضي الله عنهم ، وَبَغَوُا عليهم فابتدروا السفك والسلب . وقل مثله في السباب الذي صدر به السياق ، فـ : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ" ، فإن الفسق كالكفر ، فهو ، أيضا ، من الأسماء التي يتفاوت قدرها في الخارج فمنه الفسق الأكبر الناقض لأصل الدين ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، إذ عم اللفظ بدلالة "أل" ، فاستغرق حقيقة الفسق في الخارج ، فذلك ما ينصرف ، بَادِيَ الرَّأْيِ ، إلى النوع الأعلى ، وهو الفسق الأكبر الذي ينقض أصل الإيمان ، إلا لقرينة ، كما تقدم ، من استقراء أنواع الحكم بغير الوحي ، فمنها نوع يحمل على الأصغر ، إن كفرا أو ظلما أو فسقا ، ودلالة القصر بتعريف الجزأين واسمية الجملة وضمير الفصل في : (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، كل أولئك مما يرشح دلالة المعنى الأكبر فهو الظاهر الراجح إلا لقرينة توجب صرف اللفظ إلى المرجوح غير المتبادر وهو هنا الفسق الأصغر ، خلافا للخبر : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ" ، فإن الظاهر المتبادر منه هو الفسق الأصغر لقرينة التنكير ، إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى المؤول وهو المرجوح غير المتبادر فيحمل على الفسق الأكبر الناقض لأصل الدين ، إن كان ثم قرينة توجب صرف اللفظ إليه ، كأن يكون سب المسلم استباحة ، أو بغضا لدينه . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 03:50 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir