![]() |
من آية : (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا ........)
من آية : (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا ........)
ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ، فجاء النداء نداءَ البعيد استحضارا للذهن ، وتوجه الخطاب إلى عامة من آمن ، فتلك دلالة القرآن المدني ، إذ يغلب فيه خطاب المؤمنين بالنظر في المجموع الغالب آنذاك إذ صارت الدار في المدينة دار إيمان ، في الجملة ، إن بالنظر في الشوكة فهي لأهل الإيمان فَلَهُمُ الدولة ، وإن بالنظر في المجموع من البشر ، فَكَانَ المؤمنون أَكْثَرَ الناس ، وكان الحكم للوحي ، فهي دار إسلام إن على قول من جعل الدار بأحكامها ، أو على قول من جعل الدار بأهلها ، والخطاب إن نظرت في الدلالة الأعم يَنْصَرِفُ إلى جميع المكلفين ، فهو يعم من توجه إليه الخطاب الأول ، خطاب المواجهة وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أول مكلَّف بالشرع ، وأول مبلَّغ بالوحي ، ويعم خاصة الصحب ، رضي الله عنهم ، ممن لهم في الدين قدم راسخة فهم أعلم الناس بهذا الوحي فهم أهل لسانه ، وهو شهود إثباته إذ نَزَلَ عليهم ، وهم أصدق الناس في النقل فلا يكذبون ، وأعظم الناس نصحا فلا يغشون ، وأعظم الناس فِدَاءً لهذا الدين ، فقد بَذَلُوا في سَبِيلِهِ كل نَفِيسٍ ، فَبَذَلُوا الدم والمال ، وهما أعظم ما تَعْلَقُ به نفوس البشر ، فكانوا خير أمة ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فالخطاب هنا أيضا ينصرف ، بادي الرأي ، إليهم ، فخيرتهم الخيرية المطلقة في العلم والعمل ، في حمل الكتاب الهادي ، وحمل الحديد الناصر ، فلا يكون أمر بمعروف ونهي عن المنكر إلا بعلم ، ولا يكون ذلك ، أيضا ، إلا بولاية السيف ، فتكون ولاية الوحي على الأديان ، وولاية السيف على الأبدان ، وتكون في جميع أَحْوَالِهَا ولاية عدل ، فلا ظلم في الحجاج والجدال ، ولا ظلم في الجلاد والقتال ، فهم يعدلون مع كل أحد ، من وافق ومن خالف ، إذ هم أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق ، ولا تحملهم الرحمة أن يعطلوا أحكام الجلال بل ثم موضع يبذل فيه الندى وآخر يبذل فيه السيف ، ووضع أحدهما موضع الآخر يضر كما قال أبو الطيب ، فـ : وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى ******* مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى . فَثَمَّ مُقَابَلَةٌ بين الشطرين يجمعهما وإن اخْتَلَفَا في المعنى وَتَعَاكَسَا ، يجمعهما حكم النقص إذ يوضع الشيء في غير موضعه ، وذلك مئنة من سفه في الحكم ، فالحكمة وهي ضد السفه تَقْضِي أن يُوضَعُ الشيء في محله الذي يلائمه ، فكلا الوجهين يضر ، إذ يوضع الجمال في موضع الجلال فيفسد بالنقص ، ويوضع الجلال في موضع الجمال فيفسد بالزيادة ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فالفضيلة ، كما تقدم مرارا ، كمال يجمع الجلال والجمال ، فهو وسط بين الجفاء بالإفراط في الجمال ، والغلو بالإفراط في الجلال ، فالكمال أن يجمعا في إِهَابٍ وَاحِدٍ ، وأن يوضع كلٌّ في موضعه على وجه يحصل به الكمال وصلاح الحال ، فذلك النافع الذي دل عليه البيت بالمفهوم ، فالمنطوق ضرر يحصل بوضع الشيء في غير موضعه على وجه السفه ونقص العقل ، والمفهوم نفع يحصل بوضع الشيء في موضعه على وجه الحكمة وكمال العقل ، ولو تدبرت في حال الصحب ، رضي الله عنهم ، لوجدتهم أعظم الناس تحقيقا لهذا الأصل الجليل في الأخلاق ، فكانوا أرق الناس وألينهم في غير ما ضعف أو خور ، فكانوا يلاعبون النساء والصبية ، وذلك من حسن الخلق الذي يعرف في هذا الموضع بعينه ، فـ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي" ، فثم جناس اشتقاق بين المعرَّف "خَيْرُكُمْ" والمعرِّف "خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ" ، وهو يبطل ما ذهب إليه أهل المنطق أن يفسد الحد بإيراد مادة المعرَّف في الحد المعرِّف فإن العبرة في الحدود والتعاريف حصول المعنى في الذهن على وجه صحيح صريح لا إجمال فيه ولا احتمال ، فعم في المبتدأ وفي الخبر ، وخص الخيرية في الخبر بالخيرية للأهل ، وذلك عموم ينصرف إلى خصوص الزوج ، فهي الأهل والسكن الأول ، وإن صح ، من وجه آخر ، أن يعم اللفظ جميع الأهل بدلالة الاصطلاح المشهور في العرف فحسن الخلق يمدح في كل حال مع من قرب ومن بعد ، مع ذوي العصبة والرحم ، أو سواهم من عامة الناس ، مع من عدل ومن ظلم ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، وذلك ، لو تدبرت ، معيار محكم في الحكم على الرجال ، فأخلاقهم تظهر في أمرهم مع نسائهم وهن تحت ولاية الرجال أسيرات بقيد النكاح ، فلا يكرمهن إلا الكريم إذ جعلهن الله ، جل وعلا ، تحت ولايته فيرفق الكريم بمن تحته من الرعية ، ولا يهينهن في المقابل إلا لئيم تَوَلَّى أمرهن فَجَارَ وَظَلَمَ ، وأساء السيرة في الرعية ، فـ : "ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم" ، فاستغرق السياق وجهي القسمة على حد السبر والتقسيم فهو مما يحمل على المقابلة بين الأضداد مدحا في الشطر الأول ، وجناس الاشتقاق آكد في تقرير المدح إذ لا يكرم غيره إلا من كريما في نفسه ، بادي الرأي ، وفي المقابل : "وما أهانهن إلا لئيم" ، فلا يهين الضعيف الذي ولي أمره إلا لئيم يجبن في العادة أن يهين غيره فما اجترأ إلا أن المهَان تحت ولايته ، فـ : إذا ما خَلا الجَبَانُ بأرْضٍ ******* طَلَبَ الطّعْنَ وَحدَهُ وَالنّزَالا وإذا تأملت هذا المعنى وجدته يعم كل صاحب ولاية جبان حقير ، لئيم الأصل وضيع النسب ، فإذا ولي من أمر الناس شيئا ظلمهم وشق عليهم ، فهو ، من هذا الوجه يدخل في عموم : "اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ" ، ولعلك إن تدبرت ما يقع الآن في بلاد الشام من قتل وهتك وجدت للؤم حدا جامعا مانعا لا يكاد يفلت من آحاد المعرَّف شيئا فإنك لا تجد وازعا إلا الدين ، وليس ثم دين ، والمروءة فقد عدمت ، والقوة فقد نزعت فاجترأ الجبان على الأعزل أن لم يجد من يعين وينصر إلا الرب النصير ، جل وعلا ، الذي يحلم قبل أن يأخذ ، فله ، تبارك وتعالى ، سنة تغاير سنة البشر ، إذ يحصل بالمدافعة استخراج لعبوديات جليلة من الجدال والجلاد ، وتكون الآية في الأخذ بالعذاب إذ استنفد أهل الإيمان الأسباب ، فأجروا سنة الشرع على الوجه الذي يواطئ الحق المنزل . وقد حُدَّ الشطران في الخبر : "ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم" ، حُدَّا على جهة القصر بأقوى أساليبه ، النفي والاستثناء ، فذلك آكد في تقرير المعنى . ومن ثم أطنب في الخبر الأول : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ" ، أطنب بعطف يجري مجرى عطف الخاص على العام " وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ" ، تنويها بشأنه فهو أول أفراد العام دخولا فيه ، وهو آكدها استحقاقا لوصف الخيرية فمن خَيْرٌ من خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كافة أمره ؟! ، وذلك أمر ، كما تقدم ، به عُلِمَ كَمَالُ القرن الفاضل ، فقد اتصفوا منه بقدر عظيم فكانوا أعظم الناس حكمة أن يضعوا الجد في مواضعه ، واللعب في مواضعه ، فكانوا يمزحون ويضحكون ، وكانوا يتبادحون بالبطيخ فإذا جد الجد كانوا أولي الأمر ، فـ : "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمازحون حتى يتبادحون بالشيء ، فإذا ح**هم أمر كانوا هم الرجال أصحاب الأمر" ، فثم تَرَقٍّ بـ : "حتى" من الأدنى إلى الأعلى ، فتلك صورة من المزاح بلغت الغاية ، وذلك آكد في تقرير المعنى إذ تنقلب حالهم إلى الضد ، فإذا ح**هم الأمر ، ودلالة "إذا" مئنة من تحقق الوقوع فضلا عن كثرة في الحصول هي آكد في تقرير المعنى ، وزد عليه دلالة الكينونة الماضية فهي مئنة من ديمومة اتصاف في الزمن الماضي ، فتلك حكاية حال انقضت ، وهي ، مع ذلك ، اطردت حتى صارت وصفا يلازم صاحبها ، وذلك آكد في الثناء فكانوا هم الرجال ، فثم توكيد بضمير الفصل فضلا عن تعريف الجزأين ، الضمير في "كانوا" ، و "الرجال" ، المحلى بـ : "أل" ولا تخلو من دلالة العموم الذي استغرق كافة وجوه المعنى ، فكانوا هم الرجال حقا لا دعوى يدعيها كل ذكر بالغ ، فوصف الرجل وصف زائد ، وهو ، من وجه آخر ، مما يوطئ لما بعده "أصحاب الأمر" ، ولا تخلو دلالة التعريف بالإضافة من اختصاص ، فضلا عن دلالة التعريف في "الأمر" فهي تنصرف إلى عهد يرشح دلالة الثناء ، فكانوا أصحاب الجد والعزم ، وفي رواية الأدب المفرد عند البخاري رحمه الله : "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال" ، فثم بيان لما أجمل من الشيء في رواية الخطابي ، رحمه الله ، في "غريب الحديث" ، فالشيء هو البطيخ ، وذلك يجري مجرى المبيِّنِ لما أبهم في رواية من اسم راو أو حقيقة شيء ، كما في هذا الموضع ، وثم تعقيب بالفور فتلك دلالة العطف بالفاء في "فإذا" ، فعطف الشرط فورا بيانا لحال تخالف الحال الأولى ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، فإذا كانت الحقائق ولا يصمد لها إلا أفذاذ الرجال ، كانوا هم الرجال ، فثم ، كما تقدم ، قصر يجري مجرى القصر الإضافي مبالغة ، فثم من وافقهم في هذا الوصف وإن تأخر عنهم في الفضل ، فإن بلغ من العزم ما يمدح فلن يبلغ ما بلغ القرن الأول ، رضي الله عنهم ، فخيرتهم ، كما تقدم ، مطلقة ، فإن أُجْرِيَ الأمر مجرى العام فهم أول مثال بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وغيرهم لهم تبع فما استفاد الخلف فضيلة إلا بما نُقِلَ من أحوال السلف من التزام بأحكام الشريعة دون معارضتها بقياس أو حقيقة .... إلخ ، أو مخالفتها في دقيق أو جليل ، فطريقتهم الطريقة المثلى ، وأمرهم أمر الوحي إذ تأولوه حق التأول تصديقا بخبره وامتثالا لحكمه ، فمن خالف عن طريقتهم فهو ، من هذا الوجه ، داخل في عموم الوعيد في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فكانوا ، كما تقدم ، يتمازحون ، فإن أرادهم أحد على أمر الدين دارت حماليق العين كأن بها مسا من الجن ، وانقلب الوادع هادرا لا يبقي ولا يذر ، وذلك أمر ، كما يقول بعض المحققين ، قَلَّ من الرجال من يصيبه فهو الفضيلة بين رذيلتي الجبن والتهور ، واللين والضعف ، والقسوة والجور ، فلا يصيب هذه الفضيلة إلا أفذاذ كرجال الصدر الأعظم ، القرن الأول رضي الله عنهم جميعا . والخطاب في آية المجادلة ، محل الشاهد ، يعم كل مؤمن جاء بعد الصحب ، رضي الله عنهم ، فهو يدخل في منطوق العموم الذي دل عليه الموصول "الذين آمنوا" ، فهم من المؤمنين الذين يصدق فيهم الوصف الذي اشتقت منه الصلة ، وهو وصف الإيمان ، ويعم الخطاب ، من وجه آخر ، عامة الناس وإن لم يتوجه إليهم الخطاب نصا ، بالنظر في مشهور القرآن المدني ، فخطابهم بلفظ "الناس" الأعم قد اطرد في القرآن المكي ، فذلك عموم يستغرق جميع المخاطبين ، من آمن ومن كفر ، فكان النظر في المجموع الغالب آنذاك إذ أغلب الناس على الكفر ، والحكم حكم الكفر فلا حكم للإسلام ، إذ لم يكن ثم شرع مفصل فكان الخطاب توحيدا يصحح المحل الأول قبل الخوض في الفروع ، فلا يجوز الخوض فيها ولا يعقل قبل إحكام الأصول إن في العقائد ، وهي الأعظم ، فهي المحل الأول ، أو في أركان العمل ، أو في الأخلاق ، أو في السياسات ، فأصول الحكم في الشرع أن يمحض المرجع ويمحص ، فيكون الحكم للوحي وتكون الدولة للشرع ، إجمالا فيما أجمل ، كما كانت الحال في مكة ، وتفصيلا فيما فصل ، كما كانت الحال في المدينة ، ولكل دار من الخطاب ما يلائمها ، فخطاب الناس هو الغالب في خطاب مكة ، فاسم الجمع "ناس" يستغرق كل إنسان يتحرك ، على القول إن اسم الجمع قد اشتق من مادة النوس وهو الحركة ، والحركة من آيات البشر ، فهي علامة رئيسة وإن لم يخصوا بها ، فثم حركة في العجماوات ، ومع ذلك ، فَالنَّوَسُ ، في حق البشر ، أكمل ، فحركتهم في الغالب حركة اختيار لا اضطرار ، وهي حركة تصور وإرادة تامة فثم عقل يزيد على عقل التصور والاستجابة الذي يثبت لغير البشر من *** الحيوان ا***اس المتحرك بالإرادة ، فهو يشاطر الإنسان هذا ال*** بالنظر في مطلق المعنى ، وهو حركة الاختيار بإرادة ، ولكن الأنواع في الخارج تختلف ، فحركة الإنسان أكمل من حركة الحيوان إذ تصوره أكمل ، وإرادته تصدر عن علم تام إذ عقله أكمل من عقل الحيوان الأعجم فهو يدرك من المعاني الدقيقة ما يصح مناط تكليف بالخبر والحكم ، خلافا للحيوان فعقله لا يستجيب ، بادي الرأي ، إلا لمؤثرات ا*** المباشرة من جوع أو عطش أو نكاح ..... إلخ ، فضلا عن إقبال غَرِيزِيٍّ على ما ينفع ، وإدبار يضاهيه عما يضر مباشرة بلا واسطة نظر وتدبر دقيق ، كنظر العقل الكامل في المآل في مواضع الشهوة المحرمة أو المفرطة ، على سبيل المثال ، فهي تنفع مباشرة وتضر بالنظر في مآلها ، وذلك ، بداهة ، ما لا يدركه إلا لب كامل ، فكثير من البشر فضلا عن الحيوان لا يدركون النافع في هذا الموضع ! ، فذلك القدر الفارق بين عقل الاختيار التام الذي يناط به التكليف ، وعقل الاختيار الناقص الذي يقتصر على موارد المباشرة للنافع والمدافعة للضار بالنظر في أثره المباشر دون مآله الآجل الذي لا يدركه إلا ذوو الألباب الكاملة من أصحاب التصور والحكم على جهة التكليف ، وذلك ما اختص به البشر ، فذلك القدر الفارق بين نَوَسِهِم وحركتهم وَنَوَسِ بَقِيَّةِ الحيوان وحركته . والشاهد أن اسم الجمع "ناس" يستغرق كل إنسان يتحرك ، وهو المعنى الذي يستغرق كل مكلف ، آمن فهو من أمة الإجابة ، أو كفر فهو من أمة الدعوة ، فَيَعُمُّ كل مكلف في مكة بالنظر في زمن الخطاب الأول ، فتوجه الخطاب بالنظر في المجموع الغالب من الناس في مكة ، زمن الخطاب الأول ، فحسن أن يورد مورد الجمع الذي يستغرق الجميع ، فأمة الدعوة أعم من أمة الإجابة ، فكل من أجاب فقد دعي أول أمره فصح أن يتوجه إليه التكليف ابتداء ، ولا عكس ، فليس كل من دعي أجاب ، فثم من دعي فأبى واستكبر ، وكذب وجحد ، فأمة الدعوة تعم الصديق ، رضي الله عنه ، رأس من آمن ، بل وتعم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأس الأمة كلها بالنظر في معنى التكليف العام فهو فرد من أفراد المكلفين بالنظر في عموم الخطاب ، وإن خص مواجهة بجملة من الأحكام إن رخصة أو عزيمة زائدة كما فصل من فصل من أهل الأصول في دلالة فعل صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأمة الدعوة في المقابل تعم أبا جهل ، رأس من كفر ، ومن تحته من آحاد ال*** ، فتعم أمة الدعوة سادة من آمن ، وطغاة من كفر فبلغ كفرهم من الفحش ما بلغ ، فحسن أن يتوجه الخطاب في القرآن المكي بالاسم العام "الناس" فهو عام بالنظر في دلالة النكرة فهي اسم جمع لا واحد له من مفرده ، فيصدق في كل إنسان يصح توجه التكليف إليه ، وإن بِقُوَّةِ العقل المركوزة ، وهو عام ، من وجه آخر ، بالنظر في دلالة "أل" فهي مئنة من اسْتِغْرَاقٍ لل*** ، فتعم جميع أفراد المعرَّفِ ، وهو ، كما تقدم ، ما يحسن بالنظر في الحال الغالبة في مكة ، وهو ، من وجه آخر ، يحسن بالنظر في قرينة أعم ، قرينة التكليف العام فالرسالة الخاتمة قد توجه خطابها إلى العالمين جميعا ، فدلالة "عالم" ، تستغرق العاقل وغير العاقل ، ودلالة الجمع تقتصر على العقلاء ، فتكون الدلالة في نحو قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، تكون دلالة عموم محفوظ إذ يقتصر الجمع على العقلاء ، وهم من يتوجه إليهم تكليف الرسالة ، فهو عام يستغرق جميع الأفراد على جهة الحقيقة ، فالرسالة الخاتمة قد استغرقت كل ذي عقل من الإنس والجان ، فَبِهَا تأويل الغاية في قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، وتكون الدلالة في نحو قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، تكون دلالة خاص أريد به عام ، فإن ربوبية الخالق ، جل وعلا ، لا تقتصر ، بداهة ، على العقلاء ، بل تعم جميع الأعيان خلقا ، وجميع الأحوال تدبيرا ، فربوبية الاختراع تعم الكائنات ، وربوبية العناية تعم الأحوال ، فَثَمَّ عناية في الرزق والتدبير ..... إلخ ، فتلك دلالة مجاز على القول بجوازه في التنزيل واللسان ، فهو من المجاز المرسل وعلاقته العمومية ، وقرينته : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، فتلك ربوبية تعم جميع الأشياء ، ما عقل وما عجم ، وتعم جميع الأحوال ، أحوال الاختيار وأحوال الاضطرار ، أحوال الرخاء وأحوال الشدة ، فكل أولئك يدخل في عموم "كل شيء" ، فذلك عموم محفوظ بالنظر في *** المربوب من الأعيان والأحوال جميعا ، فعموم الرحمة بالوحي في نحو قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، يعم الناس جميعا ، فتوجه النداء إليهم عموما يحسن في مواضع التكليف بأصول الديانة التي لا يثبت دين صحيح إلا بِثُبُوتِهَا ، سواء أكانت أصول علم أم أصول عمل ، وذلك خطاب يحسن في حق من لم يؤمن ، فلا يخاطب باسم الإيمان وليس من أهله ، فكان ذلك المشهور الغالب في خطاب أهل مكة ، وهو ما يحسن في كل دار أو حال يغلب عليها الكفر ، فيكون الخطاب باسم الناس إذ ليسوا من أهل الإيمان حتى يؤمنوا فيخاطبوا الخطاب الأخص بالاسم العلم المشتق ، اسم المؤمن ، أو اسم المسلم ، فلا يثبت حكم النجاة ، إن ابتداء أو انتهاء إلا بثبوت اسم الإيمان الأخص أو اسم الإسلام الأعم ، فالنجاة ، بادي الرأي ، تناط باسم الإيمان الأخص ، والنجاة ، انتهاء ، تناط باسم الإسلام الأعم ، فاسم الإسلام يكافئ مطلق الإيمان الأول فهو تصديق بالقلب وقول باللسان و*** عمل يصدق الأصل وإن لم يستوف القدر الواجب من العمل ، فتحصل بهذا الاسم نجاة ، وإن آخر الأمر ، فلا تحصل النجاة ابتداء إلا باستكمال شرائط الإيمان الواجب ، لا مطلقه الأول الكائن في القلب ، بادي الرأي ، فثم خطاب في قرآن مكة باسم الناس الأعم ، وَذَلِكَ غَالِبٌ يِطَّرِدُ ، وإن ورد في مكة خطاب من آمن ، فذلك استثناء ، وهو يحمل على ما تقدم من الخاص الذي يُرَادُ به عام لقرينة عموم التكليف وزد عليها قَرِينَةَ الخطاب المكي الذي يغلب عليه الكفر ، فتوجه الخطاب في مكة بـ : "يا أيها الذين آمنوا" ، خطابا يخص المؤمنين مواجهة ، ويعم غيرهم فهم الأكثر آنذاك فَيَعُمُّهُم الخطاب بقرينة الرحمة العامة ، رحمة النبوة الخاتمة ، فكان خطابا بخاص هو الأقل أُرِيدَ به عام وهو الأكثر ، خلافا للخطاب بـ : "أيها الذين آمنوا" ، في المدينة ، كما في الآية محل الشاهد ، فهو خطاب بخاص هو الأكثر آنذاك وأريد به العام الذي يدخل فيه الأقل من غير المؤمنين ، *** يكونوا آخر الأمر في المدينة كثرة إذ غلب على المدينة حكم الإسلام ، أول الهجرة ، فكانت الدولة للإسلام ، وكانت له الشوكة ، وكان جمهوره ظاهرا وإن لم يكن غالبا ، مبدأَ الأمر ، ثم صارت له الغلبة والكثرة ، فكانت الدار دار إسلام بالنظر في أحكامها فحكم الدين قائم وسيفه رادع زاجر ، وكانت دار إسلام بالنظر في أهلها فأغلبهم ممن آمن وانقاد ، فتوجه الخطاب باسم الناس في قرآن مكة إذ الغالب الكفر وكان لها من الأحكام ما انصرف في الجملة إلى التوحيد ، وتوجه الخطاب باسم الإيمان في قرآن المدينة وكان لها في المقابل من الأحكام ما انصرف في الجملة إلى التشريع المفصل ، فلكلِّ دار من الأحكام ما يلائمها ، وذلك مقتضى الحكمة أن يوضع الشيء في الموضع الذي يلائمه ، فتوجه الخطاب إلى من آمن نداءً للبعيد فتلك دلالة "يا" ، استحضارا لذهن المخاطب ، فهو يجري مجرى التوكيد في حق المؤمن المتيقِّظِ ، ويجري مجرى التأسيس في حق الكافر الغافل ، وهو يعم بقرينة العموم في المعنى ، معنى التكليف وإن خص اللفظ من آمن ، يعم جميع الطباق ، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتلك درجة خاصة لا تحصل فيها شركة من بقية المكلفين ، والعلماء ، وقد ورد ذكرهم في الآية : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، فجاء الشرط على حد الكثرة : (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) ، ومعنى النشز مئنة من العلو ، وهو معنى يعم النشوز المحسوس فيقال : هذا لحم ناشز ، أي مرتفع ، والنشوز المعقول ، ومنه المحمود وهو النهوض إلى الشرع قياما بأمره ، بتصديق خبره وامتثال حكمه ، والنشوز والنهوض توسعة لأهل الفضل في المجلس ، فذلك خاص يدخل في عموم ما تقدم من معنى يستغرق سائر وجوه النهوض في الخير ، ومنه المذموم وهو نشوز المرأة وترفعها على زوجها ، فذلك سبب يُسْتَجْلَبُ به اللعن ، إلا إن كان إعراضها لأمر دين ، أو كان امتناعها لعارض معتبر في الشرع ، وقد حذف الفاعل في "قيل" مئنة من العموم ، فضلا أن مناط الفائدة في هذا الموضع هو الأمر لا الآمر ، وثم تلازم بين الفعل والجزاء في : (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) ، فتلك دلالة الفاء في المعنى فضلا عن دلالة الفاء في صناعة اللسان ، إذ ورد الجزاء أمرا ، وذلك من مواضع اقتران الجواب بالفاء إيجابا ، وأطلق الفعل فعم صورة السبب وهي النهوض في المجلس ، وسائر وجوه النهوض في الخير ، عقدا أو شرعا ، علما أو عملا ، دعوة أو قتالا ، وكان الجناس بين الشطرين آية أخرى من آيات التلازم إذ اشتقا جميعا من مادة "نشز" ، ومن ثم استأنف بمجزوم "يَرْفَعِ" في جواب الأمر الذي تقدم "انْشُزُوا" ، أو هو مما يجري مجرى التقدير لشرط محذوف جزم المضارع في جوابه فيكون ذلك من الإطناب بتقدير محذوف إِطْنَابًا في المعنى ، وإن لم يخل الجزم في جواب الطلب من دلالة توكيد بالتوصل إلى مناط الفائدة مباشرة بلا واسطة ، فجاء الجواب المجزوم على جهة الجزم في اللفظ وآخر يضاهيه في المعنى فتلك سنة جارية ، فـ : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ، وقد عم من آمن ، ودلالة "من" : دلالة بيان لل*** ، فلا يتصور أن الجمع المخاطب من أهل الإيمان في المدينة ، والعهد ينصرف في هذه الحال إلى الصحابة ، رضي الله عنهم ، بالنظر في معنى الصحبة الأخص في الاصطلاح ، فلا يتصور ، من هذا الوجه ، أن يكون ثم تَبْعِيضٌ ، فيكون بعض مؤمن وآخر منافق ! ، فيجري من هذا الوجه مجرى بيان ال*** في "من" في قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ، وجميعهم قد آمن وعمل الصالحات بالنظر في معنى الصحبة الأخص ، معنى الاصطلاح دون معنى الصحبة في اللغة فهو يستغرق من صحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته وإن كافرا أو منافقا كأبي جهل وابن سلول ! ، فدلالة "من" ، من هذا الوجه دلالة بيان لل*** ، كما في قولك : اشتريت ثوبا من حرير ، أي : من *** الحرير ، وشاهده في التنزيل : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) ، أي : من *** الأوثان ، المعقولة والمحسوسة ، فكلها رجس فلا يتصور فيها معنى التبعيض فيكون بعضها رجسا وبعضها ليس كذلك ! ، وإذا نظر في الخطاب الأعم الذي يستغرق من توجه إليهم الخطاب ، بادي الرأي ، ومن سواهم فقد يتصور من هذا الوجه ، أن يكون ثم تبعيض إن بالنظر في الحال آنذاك ، فثم من نافق وهو ممن جُهِلَ أمره ثم عُلِمَ إذ أنبأ الرب ، جل وعلا ، نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأسمائهم ، وأنبأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذيفةَ ، رضي الله عنه ، بأسمائهم ، فلا يتصور ، بداهة ، أن يكون ثم تبعيض بالنظر في *** الصحابة ، رضي الله عنهم ، فكلهم مؤمنون ، وإن تفاوت إيمانهم ، كسائر المكلفين فالإيمان يتفاوت تبعا لتفاوت العلم ، فحسن ، من هذا الوجه ، عطف الخاص على العام تنويها به ، فاختص أهل العلم بالذكر : (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) ، وهو ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما خص بأهل العلم حقا من أَتْبَعُوا دعوى العلم بِبَيِّنَةِ العمل ، ويعم سائر أجناس العلم النافع سواء أكان في التشريع أم في التجريب فجميعها سبب في رفعة الدرجة في الأولى وفي الآخرة ، وإن انصرف السياق ، بادي الرأي ، إلى علم الشرع ، فهو آكد في حصول الرفعة ، وإن كان في علم الكون خير عظيم إذ به عمارة الأرض وإعداد القوة ... إلخ من الغايات النافعة التي حضت عليها الشرعة الخاتمة ، فَرُفِعَ الجميع درجات ، وذلك ، كما يقول بعض المعربين ، ما نصب على نيابة ال**در : (دَرَجَاتٍ) ، أي : رفعة ذات درجات ، وهي درجات تتفاوت فبعضها فوق بعض ، كما أن دركات الكفار ، في المقابل ، تتفاوت فبعضها دون بعض ، فاطرد المعنى وانعكس ، فالإيمان درجات والكفر دركات ، والعلم من أعظم أسباب الإيمان فخص بالذكر ، والجهل ، في المقابل ، من أعظم أسباب الكفر ، وقد ينقلب العلم جهلا إن لم يعمل به صاحبه فيكون سببا في انحطاط صاحبه لا ارتفاعه ، كما في قوله تعالى : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) . والخطاب في آية المجادلة ، من وجه آخر ، يستغرق ، كما تقدم ، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويعم من توجه إليهم الخطاب من عامة الصحب الكرام ، رضي الله عنهم ، ويعم بالنظر في عموم المعنى كل من صح تكليفه سواء أكان منافقا يثبت له حكم الإسلام في الظاهر وذلك ***ٌ ظهر في المدينة لما ظهر الإسلام واشتدت شوكته ، أم كافرا الكفر الأصلي كيهود يثرب ، وسواء أكان حاضرا زمن الخطاب أم غائبا ، وسواء أكان موجودا أم معدوما على ما قرر أهل الأصول من صحة خطاب المعدوم بالنظر في عُمُومِ المشروع من القول والعمل ، فضلا عن دلالة الجمع المستغرق جميع أفراده ، رجالا ونساء ، وإن خص لفظ الواو في "آمنوا" بأصل الوضع ، إذ دلالته دلالة الجماعة المذكرة ، ولكن قرينة التغليب تقضي بدخول الجماعة المؤنثة لعموم التكليف ، كما تقدم مرارا ، فحصل الاشتراك ، من هذا الوجه ، بما يجري على سنن العموم ، وتلك خَاصَّةُ الوحي الخاتم ، كما تقدم من عموم رحمته للعالمين جميعا ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) . وصدرَ الآية جاء الخطاب بنداء بعيد ، كما تقدم ، لا يخلو من اشتراك يجري مجرى الأضداد ، فهو بالنظر في المؤمن خاصة خطاب توكيد ، وبالنظر في عموم التشريع الذي يستغرق الكافر خطاب تأسيس ، فتوجه الخطاب إلى الضدين على وجه صحيح ، فذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة المشترك العامة ، وإن كان من الأضداد ، كما تقدم ، وجاء الإطناب بالوصلة "أي" ، إذ تَوَسَّلَ بِهَا إلى نداء الموصول "الذين" ، فضلا عن دلالة التنبيه بهاء "أيها" ، وبعدا أطنب بالوصل على جهة النعت لـ : "أي" ، أو البدل أو عطف البيان بعد الإجمال ، ومن ثم أطنب فأجمل في الوصل ، فهو وإن أُعْرِبَ عطف بيان لـ : "أي" إلا أنه في نفسه مجمل يفتقر إلى بيان الصلة بعده ، فهو مبيِّن بالنظر فيما قبله مجمَل بالنظر فيما بعده ، فأبان بالصلة "آمنوا" ، فمناط الفائدة هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الإيمان ، وإن صح توجه الخطاب إلى غير المؤمنين بما تقدم من معنى العموم في التشريع ، وإنما خصوا بالذكر مواجهة ، وخصوا به ، من وجه آخر ، إذ يتصور منهم من المبادرة إلى الامتثال ما لا يُتَصَوَّرُ من غيرهم ، وجاء الخطاب على ما تقدم ، فـ : (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) ، فـ : "إذا" مئنة من الكثرة ، فهو أمر يتكرر ، فضلا أنه مئنة من تحقق الوقوع وذلك آكد في تقرير الحكم ، وزد عليه حذف الفاعل مئنة من العموم أيا كان القائل الآمر فمناط الفائدة ، كما تقدم ، المأمور به لا الآمر ، فضلا أنه مما دل عليه العهد المخصوص في خطاب الشرع فالآمر فيه هو الله ، جل وعلا ، ابتداء ، إذ صدر منه الوحي كلاما اتصف بنوعه القديم وما حدث من آحاده إن في التكوين أو في التشريع ، والآمر من البشر هو صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن ينوب عنه من أهل الولاية العلمية والسياسية ومن له علم وفضل فأمره يسمع ، ومن ينصح لخاصة المسلمين وعامتهم فحاله تُشْكَرُ ، ودلالة اللام في "لكم" ، دلالة التبليغ ، فذلك مما يطرد في اللسان بعد القول إن بمادته أو بمعناه ، فضلا عن دلالة الفور في الفاء في : (فَافْسَحُوا) ، ودلالة الربط الواجب في اللفظ ، فالجزاء فرع على الشرط على جهة التلازم والفور ، وهو مما يستأنس به من يجعل دلالة الأمر في اللسان مئنة من فور فيحسن بالمخاطَب أن يُبَادِرَ إلى امتثال الأمر بفعل المأمور ، وجاء الإطناب بشرط مقدر ، جزم المضارع "يَفْسَحِ اللَّهُ" في جوابه ، وهو ، من وجه آخر ، مما يجري مجرى الجناس اشتقاقا بين الشرط "إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا" ، والجزاء "فَافْسَحُوا" ، على ما تقدم مرارا ، من دلالة التلازم بين الفعل والجزاء ، فالجزاء من *** العمل ، وجاء الإطناب بالمجزوم في الشرط المقدر ، أو في جواب الأمر المتقدم ، فهو من الإطناب بالجزاء بعد العمل ، وهو مما يلهب المخاطب ويهيجه أن يمتثل ، فـ : (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) ، فالإفساح من الله ، جل وعلا ، ورفع الدرجات ، كل أولئك مما يحمل المؤمن أن يبادر بالامتثال طلبا للأجر والثواب . ومن ثم ختم بالثناء على جهة التعاطف : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، فهو ، كما يقول بعض المحققين ، تهديد لمن لم يمتثل الأمر المتقدم ، فحسن أن يرد الوصف بخبير فهو العليم بالدقيق ، فلا يخفى عليه شيء من أمركم ، وقد أكد باسمية الجملة وزد عليه تقديم ما حقه التأخير "بما تعملون" فضلا عن دلالة العموم المستغرق ، فتلك دلالة "ما" الموصولة ، وقد حذف عائدها إيجازا على ما اطرد في سنن اللسان من حذف عائد الصلة المنصوب . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 09:34 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir