![]() |
من خبر : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ .............."
من خبر : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ .............."
ومن خبر : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" ، فحد على جهة الشرط الذي دخل على فعل الشبه ، وقد أطلق فعم جميع أجناس التشبه ، إن في الباطن أو في الظاهر ، فذلك مناط الحكم ، في التَّمَاثُلِ أَو التباين ، والشبه قدر أدنى من التماثل ، ولذلك كان التشبيه في باب الإلهيات ، وإن فحش ، أخف جرما من التمثيل ، فإن التمثيل يخرج بالناظر إلى صورة تطابق الأصل المشبَّهَ به ، وأما التشبيه فإنه يفضي إلى صورة تقارب وإن لم تماثل ، ودونهما في الحد : التكييف ، فإنه إخراج إلى صورة مطلقة في الخارج ، بلا قيد من مِثَالٍ أو شَبَهٍ ، فالجرم فيها أخف ، وجميعها ، عند التدبر والنظر ، مئنة من قياس فاسد يُسَوَّى فِيهِ الكامل بالناقص ، فثم فارق عظيم ، وهذا ما يهدره القائس في باب الإلهيات على وجه فاسد ، فلا يصح في هذا الباب قياس إلا قياس الْأَوْلَى ، إذ لا يلزم منه ما يلزم من قياس التمثيل من تمثيل كلي أو تشبيه جزئي ، فالخبر يفيد المدح والذم معا ، على وجه صحيح يجوز حمل اللفظ على كلا الوجهين ، فَثَمَّ عُمُومٌ دَلَّ عليه الوصل بـ : "من" ، فَهُوَ مئنة من العاقل ، أيا كان وصفه أو ***ه ، فَيَسْتَغْرِقُ الرجال والنساء جميعا ، وإن ذُكِّرَ في اللفظ فهو بأصل الوضع يستغرق *** العاقل أيا كان نوعه ، وهو مما خص بالصغير والمجنون ، فلا يكلفان بالفعل ، وإن كان ثم تكليف بالقوة بالنظر في حقيقة الإنسان المطلقة بقطع النظر في عوارض الأهلية من موانع التكليف ، فَيَعُمُّ التشبه المحمود على وجه لا يخرج بصاحبه إلى حد الرياء ، فثم من يتشبه بأهل الفضل في الصورة الظاهرة رجاء أن يُحْدِثَ ذلك في الباطن أَثَرًا يكافئه فالتشابه في الصورة الظاهرة ذريعة إلى حصول التشابه في الصورة الباطنة ، كما أن التشابه في الباطن يرشح التشابه الظاهر ، فثم تلازم بينهما على وجه بلغ حد الضرورة العلمية بالنظر في الخارج بمدارك ا*** الظاهر ، فمن أحب أحدا ، عدلا أو فاسقا ، فإنه يقتدي به في الصورة الظاهرة ، فينشأ من حركة الحب الباطنة ، وهي فرع عن تصور يتقدمها ، صح أو فسد ، فمن تصور الشيء كاملا ، ولو كان ناقصا في نفس الأمر ، فإنه يحبه ويريد نصره بالفعل ، والتشبه به في المظهر فلا يكون ذلك إلا فرعا عن ميل في الباطن وتشابه في الجوهر ، والقياس يطرد وينعكس ، فمن تصور الشيء ناقصا ، ولو كان كاملا في نفس الأمر ، فإنه يبغضه ويريد حربه بالفعل ، ولا يطيق أن يشابهه في المظهر ، وثم صورة رياء ، كما تقدم ، فإن التقليد في الصورة الظاهرة إن لم يكن ثم وجه تعبد ، لا يشرع ، فلا بد من الموافقة في القصد الباطن لا في مجرد الصورة الظاهرة ، فضلا أن ثم صورا في الظاهر وقعت ضرورة كترقيع الثياب والمكث في المسجد ، كما أثر من حال أهل الصفة ، فتقصد موافقتهم في الصورة تكلفا ، فيعمد أحدهم إلى ثوبه فيمزقه ويرقعه ليقال هو من أهل الزهد ! ، فذلك ، كما ذكر ابن الجوزي ، رحمه الله ، من تلبيس إبليس على أهل الطريق من المتأخرين فقد وافقوا في الصورة الظارهة تكلفا وخالفوا في الصورة الباطنة تقصدا فاستحقوا الذم من هذا الوجه . وقد أطلق فعل الشرط "تشبه" ، فَعَمَّ ، كما تقدم ، جميع وجوه التشبه ، الباطن وما يحصل منه في الظاهر ، فضلا عن دلالة النكرة : "قوم" في سياق الشرط فهي مئنة من العموم ، وهو ، أيضا ، عموم يستغرق القوم الصالحين وأضدادهم من الفاسدين ، فيطرد الحكم مدحا في حق من تشبه بالصالحين ، وينعكس ذما في حق من تشبه بالفاسدين ، فيطرد الحكم وينعكس ، إذ مناط الحكم واحد وهو التشبه ، وهو مما يرشح دلالة المدح تارة ، وضدها أخرى ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى عموم المشترك إذ دل لَفْظٌ من الأضداد على المعنى وضده في نفس الآن على وجه صحيح لا تكلف فيه ، فَيَجْرِي ذلك مجرى القياس الصريح طردا وعكسا ، وذلك مما يُثْرِي المعنى ويزيده ، ولازم هذا التشبه في أن تكون ثم موالاة ، وهو ما ورد النهي عنه ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، فثم نداء للبعيد مئنة من عِظَمِ المنادِي ، جل وعلا ، ولا يخلو من دلالة التنبيه ، والتنبيه قد يكون للغافل فيكون الخطاب تأسيسا ، وقد يكون للذاكر فيكون الخطاب توكيدا ، وتعلق الخطاب مواجهة بالمؤمنين يرشح التوكيد ، وقرينة العموم في التشريع ترشح دلالة التأسيس في حق الكافرين ، فذلك تكليف شَرْعِيٌّ يَتَوَجَّهُ إليهم ، فَيَجِبُ عليهم الْتِزَامُهُ وَالْتِزَامُ مَا لا يصح إلا به ، وهو التوحيد ، شرط الصحة في جميع الأعمال ، فإن الأمر بالشيء يستلزم الأمر بشرطه فعلا ، ومانعه تركا ، فيجب أن يستوفي الناظر الشرط ، ويجب عليه ، في المقابل ، أن يجتنب المانع ليسلم له الحكم في الخارج ، فالتوحيد أول شرط يطلب ، والشرك والكفر ، في المقابل ، أول مانع يدفع ، فيطرد الحكم وينعكس ، فيحمل السياق على التوكيد في حق المؤمنين ، والتأسيس في حق الكافرين ، فالأول مئنة من التنبيه تلطفا ، والثاني مئنة من التذكير زجرا ، والأول ، مع ذلك ، قد يقضي بالحض في حق من غفل من المؤمنين فلا ينفك آحادهم يعرض لهم من الغفلة ما يوجب التحضيض الذي يزعج السامع أن ينتبه من غفلته ، وقد أنيط النداء بالذين آمنوا ، بالنظر في خطاب المواجهة ، كما تقدم ، وحد على جهة الوصل مئنة من عموم يستغرق ومناط الحكم فيه وصف الإيمان الذي اشتقت منه الصلة ، وقد حد على جهة الخطاب لجماعة الذكور وضعا ، ولا يخلو من دلالة العموم تغليبا ، وعم ، من وجه ثان ، من كفر بالنظر في خطاب الكفار بفروع الشريعة ، وهذا خطاب ، لو تدبرته ، يناط بالأصل الأول ، فالحب والبغض ، كما تقدم ، أوثق عرى الإيمان فهو لازم الإثبات والنفي في الشهادة ، فلا إله : بغض وبراءة من كل معبود ، وهما أمران يتلازمان ، فإن البراءة في الظاهر ، في الصورة وفي القول وفي العمل ، وفي الحرب والمدافعة بالحجة والبرهان والسيف والسنان ، هذه البراءة فرع على البغض في الباطن ، فحركة الباطن ، كما تقدم ، لا بد أن يحصل منها حركة في الظاهر تصدقها فهي تواطئها طردا وعكسا ، فحب الشيء يستلزم في الخارج نصرته ، ويستوجب ، من وجه آخر ، بدلالة التلازم في القياس الصريح ، يستوجب بغض ضده وحربه ، وثم تلازم آخر ، لو تدبرت ، وهو التلازم بين القول الباطن والعمل الظاهر ، والعمل الظاهر *** أعم يستغرق صورة الظاهر القولية فالشهادة توحيدا تصديق ما يقوم بالقلب من التصديق المشفوع بالإقرار والإذعان ، ويستغرق صورة العمل الظاهرة ، فعلا وتركا ، وبذلك حد الإيمان في كلام المحققين فهو مئنة من تصديق الباطن ، وما يشفعه من قول لسان يشهد بالحق الذي قام بالقلب على جهة الجزم ، ومن ثم يكون العمل ، فهو لازم ، من وجه ، وشاهد صدق ، من وجه آخر ، وقسيم للشطرين : العقد والقول ، من وجه ثالث ، فجميعها أجزاء لحقيقة الإيمان المركبة ، وكما أن الإيمان منه العقد والقول والعمل ، فإن نقيضه من الكفر منه ، أيضا ، ما يكون بالعقد أو القول أو العمل ، خلافا لمن قصر ناقض الإيمان على ما يقوم بالقلب فقط من صورة علمية تضاد الصورة الإيمانية الباطنة من التصديق المشفوع بالإقرار والإذعان ، وأما الإثبات في الشهادة فإنه يقضي بالضد من الحب والموالاة للإله المعبود بحق ، تبارك وتعالى ، وتلك ، أيضا ، دعوى لا بد أن يصدقها الشاهد من القول والعمل فيكون الاتباع المطلق في جميع حركات الباطن والظاهر ، فـ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فالاتباع قد أطلق فعم ، كما تقدم ، الاتباع في الصورة الباطنة ولازمها من وجه ، وقسيمها من آخر ، من الاتباع في الصورة الظاهرة ، فجاء النهي ، فـ : (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، فذلك نهي يفيد التحريم فهو الأصل في دلالة النهي في اللسان فضلا أن القرينة في السياق ترشحه ، إذ تعدى إلى أعداء الديانة من اليهود والنصارى ، وذلك ، من وجه ، يجري مجرى التمثيل لعام بذكر بعض أفراده ، فمن نُهِيَ عن التشبه بهم *** عام ، فثم من نُهِيَ عن التشبه بهم من الكفار الأصليين كاليهود والنصارى وليسوا بداهة كل من كفر ، فثم أصحاب الديانات الأرضية ، ولو تدبرت ، لوجدت النهي عن التشبه بهم يثبت من باب أولى ، إذ هم عن الحق أبعد ، فأهل الكتاب على أدنى الأحوال ! ، لهم بقية من وحي ، وإن بدل منه ما بدل ، فَلَهُم نسبة وسبب إلى السماء ، ولو في الجملة ، فالنهي عن التشبه بمن لا سبب لهم إلى السماء ابتداء يثبت من باب أولى ، فذلك من قياس الأولى الصريح ، وال*** يستغرق ، أيضا ، أصحاب البدع العلمية ، وكلما زاد المقال بطلانا كان النهي فيه آكد ، فكلما غلظت البدعة كان النهي عن التشبه بأهلها آكد ، وقل مثله في المذاهب الأرضية ، وال*** يستغرق ، أيضا ، أصحاب المعاصي الظاهرة فينهى عن التشبه بهم في الصورة ، وكلما عظم عصيانهم كان النهي في حقهم آكد ، فالنهي في هذا القسم أيضا يتفاوت ، وذلك من قياس العقل أن يكون ثم اختلاف في درجات الإيجاب وما يقابلها من درجات التحريم ، فالواجب بعضه أعظم من بعض ، والمحرم بعضه أفحش من بعض ، فيتأكد الأمر في واجبات ما لا يتأكد في أخرى ، وقل مثله في النهي فإنه يتأكد في محرمات ما لا يتأكد في أخرى ، فالنهي عن الشرك وما ينقض أصل الدين آكد ، بداهة ، من النهي عما دونه مما ينقض كمال الإيمان الواجب ، والنهي عن الكبيرة آكد من النهي عن الصغيرة ، والكبائر في نفسها تتفاوت ، كما في الخبر : "أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» . قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»" ، فتحريم الشرك أعظم من تحريم القتل ، وتحريم القتل أعظم من تحريم الزِّنَى ، وذلك ، من وجه ، يواطئ ما قرره أهل المقاصد من تفاوت الكليات الرئيسة في الشريعة ، فحفظ الدين يقدم على حفظ البدن ، فالشرك أعظم من القتل ، وحفظ النفس يقدم على حفظ النسل ، فالقتل أعظم من الزِّنَى ، وقد أطلق الفعل فعم جميع وجوه الاتخاذ ، إن ولاية باطنة ، وهي الأفحش ، أو ولاية ظاهرة فهي لازم الولاية الباطنة ، فلا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب ، كما أثر عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، فلازم الولاية الظاهرة نصرة بالقول والعمل ، لازمه أن يصدر ذلك عن ولاية باطنة تَتَقَدَّمُهَا ضرورة في العقل وا*** ، فلا يتصور أن يتحرك الظاهر إلا مواطئا للباطن إلا أن يكون ثم نفاق في الظاهر ، ولا يخلو من فلتات في القول والعمل بها يفضح مكنون النفوس في هذا الباب الجليل ، وفيه رد ، أي رد ! ، على من افترض وهما فجوز أن يكون المكلف على رأس جيش من الكافرين يستأصل أهل الإيمان وهو مع ذلك مؤمن أن حصل له التصديق الباطن ! ، وإن أتى بناقض من نواقض الإيمان في الظاهر إذ قصر القوم الأمر ، كما تقدم ، على ناقض الإيمان الباطن دون ما سواه والتزموا لأجل ذلك من اللوازم ما لا يخفى بطلانه فلا يكون عمل كفر في الخارج إلا وقد انتقض التصديق في الباطن ، وذلك أمر لا يلزم فكم من آت بكفر في القول والعمل والباطن لم يزل **دقا ، وحال حيي بن أخطب وأخيه على ذلك خير شاهد كما في خبر أم المؤمنين صفية ، رضي الله عنها ، وهل أغنى عنهم التصديق شيئا إذ قام بالقلب مانع ا***د وهو من عمل الباطن ، وما حصل منه في الخارج من البغض والمعاداة فهو من عمل الظاهر على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن تصورا والظاهر حكما . وقد أردف الحكم بالعلة الأولى على جهة الاستئناف فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال فعلة النهي عن ذلك هي ما تضمنه الخبر المستأنف ، فـ : (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، فإذ كان الأمر كذلك فمن تولاهم فهو منهم فيدخل في هذه الأبعاض التي يدين بعضها لبعض بالولاء على وجه يدخلها جميعا في مورد الذم والوعيد بما أعد ، جل وعلا ، من عذاب للكافرين ، وذلك ، كما تقدم ، مَعْنَى لا يَقْتَصِرُ على اليهود والنصارى ، بل يعم كل ذي دين باطل ، ومذهب فاسد وسبيل في العلم أو العمل أو الحكم أو السياسة أو الأخلاق حادثٍ يضاهي صاحبه السبيل المشروع ، وذلك أمر يستغرق جميع المحدثات في الأمر الأول ، سواء أكانت محدثات تأتي على أصل الدين بالإبطال أم أخرى تنقض كماله الواجب . ومن ثم رفد بالشرط : (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، وهو يواطئ دلالة الخبر أن : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" ، فجاء العطف بالوعيد بعد النهي ، فذلك من عطف الخبر على الإنشاء ، وعطف الوعيد على النهي آكد في التنفير من المنهي عنه ، وهو اتخاذهم أولياء ، فجاء الشرط ، وعطفه يجري مجرى الوصل الإضافي رفدا للمعنى ، فـ : (مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، فثم عموم في الشرط يستغرق ، كما تقدم ، جميع المكلفين ، بالنظر في معنى "من" ، وإن أفرد لفظها ، ويعم الرجال والنساء جميعا وإن ذُكِّرَ لفظها ، وزد عليه دلالة العموم في ضمير الخطاب "منكم" ، فانصرف بالمواجهة إلى المخاطبين ابتداء ، وعم غيرهم بقرينة العموم ، وقد أطلق الفعل فعم جميع أنواع التولي إن بالباطن أو بالظاهر ، إن بالقول أو بالعمل ، ومن ثم ختم بالجواب مقرونا بالفاء ولا يخلو من دلالة الفور وذلك آكد في الذم فضلا عن دلالة الربط إيجابا لاسمية الجواب وذلك من مواضع إيجاب الاقتران بالفاء ، كما ذكر أهل الشأن ، ولا يخلو من دلالة سببية ، فإنه منهم إذ تولاهم ، فالتولي سبب أن يصير منهم فيحكم عليه بحكمهم ، وبه يستأنس من يجعل موالاة الكافرين ناقضا من نواقض الدين ، وهو يندرج في باب النواقض العملية ، وقد صدر بالتوكيد ولا يخلو من دلالة التعليل الصريح ، وإن ظنيا ، كما قرر أهل الشأن ، ودلالة "من" : مئنة من بيان ال*** فهو داخل في حدهم ، ومئنة من التبعيض ، فهو بعضهم إذ صار داخلا في حدهم ، ومئنة من ابتداء الغاية ، فابتداء غايته منهم إذ صار فردا من أفرادهم ، فثم عموم للمشترك على وجه يثري السياق في موضع ذم وذلك آكد في الترهيب ، كما أن عموم المشترك يثري السياق في موضع المدح ، وذلك ، في المقابل ، آكد في الترغيب . ومن ثم ختم على جهة الاستئناف : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، فلا يخلو من دلالة التعليل ، إذ صدر بالمؤكد الناسخ ، وهو ، أيضا ، يجري مجرى التعليل ولا يخلو من دلالة قياس مركب ، فثم مقدمة أولى : أن اليهود والنصارى كفار لا يهديهم الله ، جل وعلا ، هداية التوفيق والإلهام وإن ثبت في حقهم من هداية البيان والإرشاد ما تقوم به الحجة ، وثم مقدمة ثانية : أن من تشبه بهم واتخذهم أولياء فهو منهم ، والنتيجة : أنه كافر مثلهم قد اقترف ناقضا عمليا من نواقض الإيمان فلا يهديه الله ، جل وعلا ، كما لا يهديهم ، إذ قام به من وصف الكفر ما قام بهم ، فأنيط الحكم بانتفاء الهداية بثبوت الوصف من الكفر ، إذ الظلم حال أطلق مئنة من الظلم الأكبر وهو يكافئ الكفر الأكبر في الدلالة ، فضلا عن الاستغراق الذي دلت عليه "أل" فهو قرينة أخرى ترشح دلالة الظلم الأكبر إذ استغرق جميع أوصاف الظلم ، وهو ما ينصرف ، كما تقدم إلى ال*** الأكبر ، ودلالة الإطلاق في انتفاء الهداية تدل ، بادي الرأي ، على عموم ، ولكن النظر فيما تقدم من انقسام أنواع الهداية يرشح انتفاء هداية بعينها ، وهي هداية التوفيق والإلهام ، وذلك ما يجري مجرى القيد بالعهد المخصوص وهو ما حصل باستقراء النصوص التي دلت على أنواع الهداية ، الهداية الأعم : دلالة البيان والإرشاد ، والهداية الأخص : هداية التوفيق والإلهام ، فليس كل من حصلت له هداية البيان والإرشاد الأعم قد حصلت له هداية التوفيق والإلهام الأخص ، ولا عكس ، فكل من وُفِّقَ وَأُلْهِمَ فقد استبانت له الطريق ابتداء فثم ، من هذا الوجه ، عموم وخصوص مطلق بين النوعين ، فدائرة البيان والإرشاد ، كما تقدم ، أعم بالنظر في أفرادها وإن كانت أخص من جهة المعنى فمعنى التوفيق عليها يزيد فهو بيان أولا وتوفيق ثانيا . وثم ، كما تقدم ، التوكيد الذي تعددت وجوهه من توكيد لفظي بالناسخ ، وآخر معنوي باسمية الجملة وتكرار الإسناد مظهرا في الاسم الكريم : "الله" ، ومضمرا على جهة الجواز في عاملة "يهدي" ، وزد عليه دلالة التوطئة بـ : "القوم" ، فمناط الفائدة الوصف وهو اسم الظالمين ، ومناط الحكم ما اشتق منه وهو وصف الظلم الذي أطلق فانصرف ، كما تقدم ، إلى الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، وهو الأصل في باب الأسماء والأحكام ، أن ينصرف الاسم ، بادي الرأي ، إن مدحا أو ذما ، إلى النوع الأكبر ما لم ترد قرينة تصرفه إلى النوع الأصغر ، ولا قرينة هنا ترشح النوع الأصغر بل دلالة السياق ، عند التدبر والنظر ، تشهد بما تقرر ابتداء من انصراف اللفظ إلى النوع الأكبر وهو الظلم في العقد على وجه ينقض أصل الدين الجامع . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 11:53 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir