ryan

ryan (https://hameed.nwar.uk/vb/index.php)
-   مواضيع منقولة من مواقع اخرى2 (https://hameed.nwar.uk/vb/forumdisplay.php?f=17)
-   -   من أثر : "يَا عِزُّ كُفْرَانَكِ ..........." (https://hameed.nwar.uk/vb/showthread.php?t=1789317)

rss 03-18-2016 07:44 AM

من أثر : "يَا عِزُّ كُفْرَانَكِ ..........."
 
من أثر : "يَا عِزُّ كُفْرَانَكِ ..........."
مما تقرر في باب العقائد أن التوحيد لا يحصل إلا بالنفي والإثبات ، فَكُفْرَانٌ بالطاغوت وإيمان بالله ، جل وعلا ، وتلك هي العروة الْوُثْقَى ، فجاء الإطناب بالوصل ، في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ) ، فاجتناب الطاغوت يكافئ : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) ، وبعد التخلية من وصف السوء تكون التحلية بضده من الإيمان : (وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) ، فأطنب في الشرط كفرا وإيمانا على جهة الطباق إيجابا بين الكفر والإيمان ، والطاغوت والله ، جل وعلا ، وثم ، من وجه آخر ، مقابلة بالنظر في الشطرين : (يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) ، و : (يُؤْمِنْ بِاللَّهِ) ، فذلك آكد في تقرير المعنى ، ومن ثم جاء الجواب مقترنا بالفاء مؤكدا بـ : "قد" إذ أفادت التحقيق بدخولها على الفعل الماضي فذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى : (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) .
فاجتناب الطاغوت ، كفران به ، كما أُثِرَ عن خالد ، رضي الله عنه ، فـ : "يَا عِزُّ كُفْرَانَكِ لا سُبْحَانَكِ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ" ، فنادى عليها نداء البعيد تحقيرا ، وقد نَزَّلَهَا منزلة العاقل فَنَادَاهَا ، إذ تعلقت بها القلوب فهي تصرف لها من العبادات ما لا يصرف إلا للرب المعبود ، جل وعلا ، فالقلوب إذ انصرفت عن الإله الحق ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، نُكِسَت وَارْتَكَسَتْ في فِتْنَةِ الشِّرْكِ الذي يُزْرِي بالعقول فهي تضل في أودية الباطل فَتَتَّخِذُ من الآلهة الباطلة ما تضاهي به الإله الحق ، تبارك وتعالى ، فذلك مقتضى الجبلة التي فطرت عليها النفس إذ تَحْيَى وَتُحِسُّ فَهِيَ تَتَحَرَّكُ فِي المعقولات بِالنَّفْيِ والإثْبَاتِ ، بِالْفَهْمِ والاسْتِنْبَاطِ ، فتدرك من دلائل الألفاظ ما به يحصل التصور ، فيحصل لها إثبات يَقْضِي بالحب وإرادة الفعل ، ويحصل لها نَفْيٌ يَقْضِي بالبغض وإرادة الترك ، فلا يحرر التوحيد إلا بالكفر بهذه الآلهة ، فـ : "كفرانك" ، فَذَلِكَ **در نَابَ عن عَامِلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ : أكفر بك كُفْرَانًا ، فناب ال**در عن عامله ، ولا يخلو مِنْ دلالة توكيد إذ الاسم مئنة من الثبوت فَفِيهِ دلالة دَيْمُومَةٍ وَاسْتِمْرَارٍ ، فيطهر القلب من رجز الطاغوت إذ يُكْفَرُ به فلا يسبح ، فـ : "لا سبحانك" ، فالتسبيح مئنة من إبعاد في ا*** ، فدلالته في هذا السياق إبعاد في المعنى أن يُبْعَدَ وصف النقص من الإله المعبود ، فالعابد ينزهه عن وصف السوء ، وذلك لا يصح ، بداهة ، إلا أن يكون المبعَدُ هو الإله المعبود بحق الذي خلق السماوات والأرض ، فيسبح تَنْزِيهًا ، فذلك ، أيضا ، من التخلية قبل التحلية ، فَفِي باب الاسم والوصف ، يخلى المحل من وصف النقص ، فَيُنَزَّهُ الرَّبُّ ، جل وعلا ، من أوصاف النقص ، ثم يحلى المحل بأوصاف الثناء ، إن جمالا أو جلالا ، فبهما يكون الكمال المطلق الذي لا يصح إلا للرب الحكيم المهيمن ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَنَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ ، على جهة التلازم ، فَنَفْيٌ لوصف السوء تسبيحا ، ولازمه إِثْبَاتُ ضده من وصف الكمال المطلق ، جمالا وجلالا ، فـ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، فذلك النفي ، و : (هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فذلك الإثبات .

وفي باب القصد والطلب ، توحيد التأله والعمل ، يخلى المحل باجتناب الطاغوت والكفر به فلا يسبح إذ ليس له من كمال الوصف ما يوجب الثَّنَاءَ ، بنفي نقص أو إثبات كمال ، فليس ذلك إلا لذي الجلال والإكرام ، تبارك وتعالى ، فنطق خالد ، رضي الله عنه ، بالحق ، إذ كفر ولم يسبح ، فكفر بالطاغوت ولم يسبحه أو ينزهه من النقص ، فلا يجزئ الكفر به إلا مع لوازمه من إنكاره وذمه بالنقص الذي يقوم به على وجه ظاهر لا يخفى فهو من آكد العلوم الضرورية إذ النقص في الجبلة والهيئة والعجز عن التأثير في الكون بالإيجاد أو الإعدام ، بالإعطاء أو المنع ، والجهل بعواقب الأمور ومآلاتها ..... إلخ من أفعال الربوبية التي تستوجب في النظر الصحيح أن يُفْرَدَ من اتصف بها أن يفرد بالعبادة والتَّأَلُّهِ ، فلا يعبد إلا هو ، في التصور والإرادة باطنا ، وفي القول والعمل ظاهرا ، وذلك ما يستغرق جميع محال الاختيار ، ما بطن وما ظهر ، ما خص الفرد وعم الجماعة ، فتوحيد الرب ، جل وعلا ، توحيد له في العقد والعبادة ، والشرع والسياسة ، فثم كمال مطلق يثبت في حق الإله الحق ، تَبَارَكَ وَتَعاَلَى ، وَثَمَّ ما يُقَابِلُهُ من النقص المطلق بمقتضى الجبلة ، ولو في أصل الخلق ، فَكُلُّ ما سوى الإله الحق قد حدث من عدم ، ومآله الموت والفناء ، إن في الأرض أو في السماء ، فـ : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ، وما اسْتُثْنِيَ إنما صح اسْتِثْنَاؤُهُ بالمشيئة النافذة فلا غنى له عن رَبِّهِ ، جَلَّ وَعَلَا ، طَرْفَةَ عَيْنٍ ، فـ : (نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) ، فهو باق بإبقاء ربه ، جل وعلا ، له ، فليس بقاؤه ذاتيا لا يفتقر إلى سبب من خارج ، فليس ذلك الوصف الملازم للذات والذي لا يفتقر إلى الأسباب ، ليس إلا لرب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فهو الأول مطلقا ، وبقاؤه ذاتي فلا يفتقر إلى سبب مُبْقٍ ، بل له البقاء أزلا وأبدا ، فحياته أكمل الحيوات ، وما سواها فإنما يكون بكلماته الكونيات ، فـ : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فذلك ما يجري مجرى التمثيل بالخاص ، وهو خاص خارج عن العادة فآية الإعجاز فيه تظهر على وجه يدل على آي الخلق المعتاد من باب أولى ، فمن قدر على خلق الأعلى لا يعجزه خلق الأدنى ، فـ : (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، فخلق السماوات والأرض أكبر ، فَمَنْ خَلَقَهُمَا فَهُوَ على خلق البشر أقدر ، فذلك ، أيضا ، من قِيَاسِ الأولى الصريح ، فكذلك الشأن في خلق آدم وعيسى ، فَفِيهِمَا يظهر من آيات الإعجاز ما لا يظهر في خلق بَقِيَّةِ البشر ، وإن كان في خلقهم ، أيضا ، من آيات التكوين ما يدل على وحدانية في الخلق توجب إفراد الخالق ، جل وعلا ، في العبادة والحكم ، فتلك من الآيات النفسانية ، فثم آيات آفاقية في خلق الأكبر من السماوات والأرض ، وثم آيات نفسانية في خلق الأبدان ، فـ : (فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) ، فمهد بالآيات الآفاقية في الأرض ، وهي تعم بدلالة المعنى الآيات الآفاقية في السماء ، ثم أردف بالآيات النفسانية ، فذلك مما يتوسل به إلى تقرير الآيات الشرعية فهي الحق الذي أكد بالقسم برب الأرض والسماء فحسنت الإضافة تنويها بما تقدم من آيات الآفاق ، وأكد بالناسخ واسمية الجملة ودلالة اللام المزحلقة التي تأخرت فدخلت على الخبر لئلا يجتمع في السياق مؤكدان في موضع واحد ، فضلا عن تنكير "حق" فهو مئنة من التعظيم .

فكل ما تقدم مما يَهُونُ على الخالق المتفرد بكمال الذات والوصف وطلاقة القدرة في الفعل ، إيجادا وإعداما ، وكذلك الشأن في الإعادة ، فهي أهون من الخلق الأول إبداعا لا على مثال سابق ، فـ : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فثم إعادة في الشهادة بما يكون من خلق الكائنات ثم إعادتها أجنة في الأرحام وبذورا في الأطيان ، فيخرج الحي من الميت ، فتلك إعادة مشهودة يستدل بها على الإعادة المغيبة ، فـ : (مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) ، فمن قدر على النشأة الأولى فهو على الآخرة أقدر ، فذلك ، كما تقدم ، من قياس الأولى الصريح .


فثم آيات في الأبدان أن قُدِّرَتِ الهيئات الظاهرة على وجه حصل فيه من استواء الخلق ما به تظهر آيات القدرة والحكمة وما به ، من وجه آخر ، تعظم المنة التي تَسْتَوْجِبُ الشكر بالجنان تَوْحِيدًا واللسان تَرْدِيدًا لكلمة التوحيد مع امتثال ما تستوجبه من النفي والإثبات ، فيكفر بكل طاغوت يتجاوز به عابده الحد وهو راض بذلك ، فيكفر بطاغوت ا*** من معبود الحجر المنحوت ، وطاغوت المعنى من شرع البشر المنحول ، وبعد الكفر به ، فهو لا يسبح ولا ينزه فليس أهلا لذلك بما قام به من وصف النقص ، فكل معبود في ا*** ناقص في خلقته ، وكل معبود في المعنى ناقص في حكمته ، فيكفر به ، فذلك ما صدر به خالد ، رضي الله عنه ، خطابه ، فـ : "يَا عِزُّ كُفْرَانَكِ لا سُبْحَانَكِ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ" ، ولا يسبح فالنقص لازم له ، وذلك ما يستوجب الكفر به ، فثم دلالة تلازم على جهة السببية ، من هذا الوجه ، فإن انتفاء تسبيحه يوجب إثبات النقص ، وإثبات النقص سبب في إيجاب الكفر به فهو ناقص لا يستحق أن يوحد بالعبادة ، فلا يوحد بها إلا الرب الكامل ، جل وعلا ، في ذاته واسمه ووصفه وفعله وشرعه ، فلا معبود بحق إلا هو ، فكل ما سواه من معبودات البشر باطل ، سواء أرضي فهو طاغوت أم لم يَرْضَ فهو معذور ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) ، فقد برئ إلى الله ، جل وعلا ، مما صنع الغلاة فيه ممن عبدوه ، فَغَلَوُا فيه إذ زعموا كَمَالَهُ المطلق وذلك ما لا يكون أبدا إلا للرب ذي الكمال ابتداء فهو الأول وانتهاء فهو الآخر ، وإنما طغا من طغا فتأله الطاغوت بالقول والعمل ، فعبده عبادة ا*** أن سجد وركع ، أو عبادة المعنى أن خضع لأمره بلا إكراه ملجئ ودخل في سلطانه مختارا ورضي التحاكم إلى شرعه ، مع نقصه الْبَيِّنِ في الذات والوصف والفعل والحكم وهو ما يغفل عنه عابده إذ غلا فيه فقدمه على الإله الحق ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فذلك من الطغيان في العقد إذ يزيد في الحد في العبادة والاتباع والطاعة ، فلا بد لكي تحصل السلامة من ذلك أن يكفر به فلا يسبحه ، ولا يقر به ، ولو في حق غيره ، فهو ينكر كل معبود سوى الله ، جل وعلا ، فلا يُجَوِّزُ عبادته بحال ، فلا يَنْفَعُهُ أن يكفر به ويقر غيره على ما هو عليه من ضلال ، فإن من اعتقد جواز الكفر فأقر الكافر على ذلك وجعله من حرية العبادة أو اعتقد جواز التحاكم إلى غير الوحي وإن لم يصنع ذلك ولكنه لا يجد غضاضة أن يشرك بالله ، جل وعلا ، في حكمه ! ، من اعتقد ذلك فقد مرق من الديانة إذ نقض الأصل بما اعتقد وإن لم يصنع ، فمجرد تجويز ذلك ينقض أصل الدين في نفسه ، فكيف بمن قارف ذلك كما في باب الحكم *** يقتصر على التجويز بل اقترف ذلك الجرم بل وزاد أن ألجأ غيره وأكره على ذلك ؟! .
فغاية الجواز في هذا الباب أن يقر الكافر بالجزية ، فيجوز إقرار أهل الكتاب بها وكذلك المجوس ، كما في الخبر ، فـ : "كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَسْأَلُهُمُ الْإِسْلَامَ , فَمَنْ أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ إِسْلَامَهُ , وَمَنْ أَبَى أَخَذَ مِنْهُ الْجِزْيَةَ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ" ، فـ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" ، فتلك سنة الطريقة الشرعية التي قيدت بالحال احترازا : "غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ" ، فيجري ذلك مجرى التخصيص لعام "سنة أهل الكتاب" ، فيسن بهم سنة أهل الكتاب في بعض دون آخر ، فيسن بهم سنتهم في أخذ الجزية لا في النكاح ولا في الأكل من ذبائحهم ، فلا يدخلان في حد الجواز والحل في قول الرب جل و علا : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، فيكون إقرارهم بالجزية لا إقرار الرضى بالكفر ، وإنما امتثالا لأمر الرب ، جل وعلا ، مع دخولهم في حكم الوحي ، فلا يقترفون ما ينقض العهد فلا يقرون إلا بذلك ، وإلا فالسيف الناصر الذي يشفي وسواس العدو الصائل على الأديان بإظهار القدح والسب .
وثم ، لو تدبرت ، عموم يستفاد بالنظر في المعنى ، وإن خص السياق بالعزى فهي مِثَالٌ لكل ما عبد من دون الله ، جل وعلا ، فَيَجْرِي ذلك مجرى التمثيل لعام بذكر فرد من أفراده فلا يخصصه ، كما قرر أهل الشأن ، فهو يعمه ويعم جميع الأفراد الداخلة في معناه وهي كل ما عبد من دون الله ، جل وعلا ، ومن ثم أردف بالعلة على جهة الفصل فلا وصل بِعَاطِفٍ لشبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، فثم سؤال دل عليه السياق اقتضاء : وما علة ما تقدم من الكفر بها وانتفاء تَسْبِيحِهَا ، فجاء الجواب على لسان خالد رضي الله عنه : إني رأيت الله قد أهانك ، فتصدير السياق بالمؤكد الناسخ مئنة من تعليل بالنص ، وإن كان ظنيا يحتمل ، فليس مما يفيد التعليل بأصل الوضع ، وليس مما تمحض فيه معنى التعليل ، فقد زاحمه معنى التوكيد ، بل التوكيد ، عند التدبر والنظر ، أول ما يَبْدُو من دلالة "إن" ، فجاء التعليل على جهة الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال ، كما تقدم ، أو يقال بتقدير أداة تعليل محذوفة كَلَامِ التعليل ، فيا عزى كفرانك لا سبحانك لأني رأيت الله قد أهانك ، وثم توكيد بالناسخ ، واسمية الجملة فهي مئنة من الثبوت ، وزد عليه تكرار الإسناد ، فثم ابتداء بضمير متكلم منفصل تقديره قبل دخول الناسخ : أنا ، ***ا دخل عليه الناسخ انقلب ياء متكلم متصلة ، وثم إسناد الفعل "رأى" إلى تاء الفاعل في صورة المتكلم ، والرؤية تحتمل ، فقد تحتمل الرؤية البصرية حال هدمها ، فيكون قوله : "قد أهانك" : حالا من فعل الرؤية البصرية ، فيجري ذلك مجرى الحال ال**درة بـ : "قد" في قول أبي صخر الهذلي :
وإني لتعروني لذ**** هزة ******* كما انتفض العصفور بلله القطرُ .
فقوله "بَلَّلَهُ القطر" إما أن يكون حالا من المعرفة : "العصفور" ، فالجمل بعد المعارف أحوال ، وذلك القياس في اللسان ، وإما أن تكون وصفا إذ دلالة "أل" في : "العصفور" : دلالة ال*** فهي تدل على مطلق الماهية فتكافئ النكرة من هذا الوجه فصح أن تحمل على النكرة معنى وإن كانت في اللفظ معرفة ، والجمل بعد النكرات أوصاف ، فذلك ، أيضا ، من القياس المشهور في اللسان .

وقد تحمل الرؤية ، من وجه آخر ، على الرؤية العلمية ، فتكون جملة : "قد أهانك" في تأويل مفعول ثَانٍ ، والسياق يحتمل كلا الوجهين ، فَقَدْ عَايَنَ ذلك بالبصر حال هدمها وعلمه بفؤاده ، فيجري ذلك ، عند التدبر والنظر ، مجرى الشاهد الذي يستأنس به من يقول بجواز العموم في دلالة المشترك ، فلفظ الرؤية مشترك بين رؤية البصر ورؤية البصيرة وقد صح حمله على كلا الوجهين في نفس السياق ، بل حسن ذلك إثراء له بمعان صحيحة تَزِيدُ في الدلالة .
فأهانها الله ، جل وعلا ، إذ بَيَّنَ بطلانها ، وإذ أبطل حجج من عبدها وتعصب لها بالباطل ، فخذلهم في مواضع الجدال وأظهر أهل الحق عليهم في مواضع الجلاد إن هم عظموا الحق واستمسكوا بِعُرَاهُ وإلا فأهل الباطل أكثر عددا وأعظم عدة فلو رد الأمر إلى الأسباب المشهودة فالدولة لأهل الباطل أن أخذوا بالسبب الظاهر ، وليست لأهل الحق أن فرطوا في سبب الوحي ، أعظم ما ينصر به ، جل وعلا ، أولياءه فلا دينا حفظوا ولا دنيا ، وإنما أضاعوا الأولى والآخرة ، فأهينت آلهة الباطل إذ تسلط عليها أمثال خالد ، رضي الله عنه ، وما أحوج كل طباق الأمة لمثل خالد كي يذهب وسواس الشرك من القلوب بما وقع من شرك في ا*** عبادة لحجر ، وشرك في المعنى تحكيما لشرع محدث ، وأهينت إذ أبطلت حججها ، وأهينت إذ أهين أتباعها فظهر أهل الحق عليهم ، بالحجة والبرهان ، تارة ، وبالسيف والسنان أخرى ، فلا يحصل تمكين إلا بكتاب يهدي وحديد ينصر ، وإلا فالكتاب بلا حديد مستباح وأهله وإن كثر عددهم فهو كغثاء السيل ، والحديد بلا كتاب مظنة التعدي والرهق ، فلا بد من اجتماعهما معا لتحصل الغاية من نصرة الحق وظهور أعلام الشريعة ، وأهانها ، جل وعلا ، في الدار الآخرة ، فهي وقود النار ، فـ : (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ) .

والله أعلى وأعلم .


الساعة الآن 03:40 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
This Forum used Arshfny Mod by islam servant