![]() |
من أثر : "إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ ......"
من أثر : "إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ ......"
جاء التحذير من أهل الرأي ، عَلَى لِسَانِ عمر ، رضي الله عنه ، وهو معدود من أهل الرأي والاستنباط في الْفَتْوَى ، فتحذيره ، عند التدبر والنظر ، يَنْصَرِفُ إلى الرأي الفاسد الذي لا يستند إلى دليل صحيح صريح من الوحي ، فصاحب الرأي الفاسد يخالف عن منهاج الوحي إن سلك طريقا في الألفاظ كاذبة أو ضعيفة لا يعتد بها ، فضعفها قد بلغ حدا لا يصح فيه الاحتجاج ابتداء ، أو الاعتبار بِضَمِّهَا إِلَى غَيْرِهَا ، أو طريقا في المعاني باطلة بِتَأْوِيلٍ مرجوح قد يَبْلُغُ حد اللعب بألفاظ الشريعة بإبطال دلالاتِهَا على معان علمت باستقراء وجوه اللسان الصريح الذي يحتج به فهو العمدة في تفسير نصوص الوحي إذ نَزَلَت بِهِ ، فحذر عمر ، رضي الله عنه ، منهم ، فـ : إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ : فذلك من التحذير القِيَاسِيِّ ، فـ : إياك : مفعول به لفعل محذوف تقديره "أحذر" ، والكاف والميم حروف خطاب تدل على الجماعة المذكرة ، فتقدير الكلام ، بادي الرأي ، أحذركم ، ***ا حذف العامل انفصل المعمول واستقل في اللفظ ضميرا منفصلا في محل نصب ، وهو مما تجب له الصدارة إلا في مواضع مخصوصة ، كما في القصر نفيا واستثناء ، كما في قوله تعالى : (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، فلا يأتي بعد "إلا" ضمير متصل إلا على ندور ، كما في البيت المشهور : وَمَا نُبَالِي إذَا مَا كنْتِ جَارَتَنَا ******* أَن لاَ يُجَاوِرَنَا إلاَّكِ دَيَّارُ فذلك من النَّادِرِ الذي لم يأت به التَّنْزِيلِ ، فقد جاء بالأفصح أو الفصيح دون القليل أو الشاذ ، فانفصل المعمول وحذف العامل لدلالة السياق عليه ، فهو نص في اللسان الفصيح في التحذير فَعُلِمَ العامل ، بادي الرأي ، على تقديره بـ : "أحذر" ، فحسن الحذف من هذا الوجه ، إذ يحذف ما قد عُلِمَ بداهة ، ومن ثم عطف ، والعطف يجري مجرى التكرار ، فلا يحسن مع ذلك إبراز العامل إذ قد ناب التكرار عنه ، وقد تقرر في اللسان أنه لا يحسن الجمع بين البدل والمبدَل منه ، فإما التكرار ، كما في قول القائل : الأسدَ الأسدَ ، فهي تكافئ : أحذرك الأسدَ ، ***ا كُرِّرَ المعمول في سياق التحذير كان ذلك نَائِبًا عن العامل المحذوف ، والتكرار قد يكون لمظهر ، كما في المثال السابق ، أو لمضمر كما في قول القائل : فإياك إياك المراءَ؛ فإنه ******* إلى الشر دعاء وللشر جالب وإما العطف كما في قولك : النجدةَ والمروءةَ ، والعطف ، أيضا ، قد يكون بين مظهرين ، كما تقدم في المثال السابق ، أو بين مظهر ومضمر ، كما في هذا السياق ، فـ : إياكم وأصحاب الرأي ، فالخطاب لجماعة الذكور وَضْعًا ، وهو خطاب مواجهة لجملة من المخاطبين ولا يخلو من دلالة التعميم فيكون الخطاب لجمع غير معين ، كما في قول بشار : إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ******* ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه *** يخص واحدا بعينه ، وإنما جرد مخاطبا في الذهن فصح ، من هذا الوجه ، أن يعم بخطابه كل أحد . وهو ، من وجه آخر ، يعم المخاطَبين مواجهة ، ومن كان في زمانهم ، ومن جاء بعدهم ، من كان من الرجال أو النساء ، فهو ، عند التدبر والنظر ، يخاطب كل من له عقل ، سواء أكان عقل تمييز أم عقل تكليف ، فيجري مجرى النصح ، ولا يخلو من دلالة نَهْيٍ ، وهو يتضمن معنى التَّشْرِيعِ ، لا أَنَّ قائله ممن يحمل عنه الشرع ابتداء ، فليس بِنَبِيٍّ مكلم وإن كان المحدث الملهم ، فلا يسلم كلامه من خطأ ، وإن ندر ، ولا ينفك يفتقر إلى النبوة فهي وحدها الَّتِي يُقْبَلُ قَوْلُهَا مطلقا إن في الأخبارِ أو في الأحكامِ ، فكلامه في هذا الموضع ، مؤيد بنص الوحي وفحواه ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، فالقول على الله ، جل وعلا ، من أعظم المنهيات ، فثم تدرج في المنهيات ، ولذلك حسن التدرج في زِيَادَةِ المبنى ، من الاسم المفرد : "الفواحش" و : "البغي" إلى ال**در المؤول : "وأن تشركوا" و : "أن تقولوا" ، فَالزِّيَادَةُ في المبنى مئنة من الزيادة في المعنى ، فضلا عن دلالة الحال والاستقبال في "أن" ال**درية فهي مما يُسْتَحْضَرُ به المعنى على وجه يوقف صاحبه على المعنى ما لا يوقفه الاسم المفرد ، إذ انضمت دلالة الزمن المضارع إلى دلالة المعنى المطلق الذي يفيده ال**در ، صريحا كان أو مؤولا ، فالرأي المذموم يدخل في عموم : (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، فهو محض ظن وتخرص ، قد يصيب الحق اتفاقا فصاحبه لم يسلك جادة الاستدلال الصحيح الصريح ، *** يتحر الدليل الصحيح ، ولم يتضلع من أصول الاستدلال الصريح وإنما تعدى في القول أن نطق بغير علم ، *** تكن إصابته إصابة المحقق ، وإنما هي إصابة المتهوك ، فالنافع من الرأي ما استند إلى دليل صحيح واستدلال صريح فيواطئ المعيار المحكم ، رواية ودراية ، فذلك ما يجعل المجتهد في مأمن إن استفرغ وسعه وبذل جهده أن يصيب الحق ، فله الأجر وإن لم يصبه في نفس الأمر ، خلاف من يصيبه إصابة الخارص فهو آثم إذ يصدق فيه أنه قد قال على الله ، جل وعلا ، بغير علم ، فذلك من أعظم ما حرم بدلالة الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، فذلك يجري مجرى التعاطف على جهة التغاير من وجه ، وعلى جهة التدرج من آخر ، فثم تدرج من الأدنى إلى الأعلى ، كما في آية الأعراف ، وثم تدرج من الأعلى إلى الأدنى ، كما في قوله تعالى : (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) ، وليس الدنو هنا دنوا في الرتبة على وجه يوجب القدح ، وإنما هو التفاضل بين أفاضل ! ، بل بين خير الخلق ، أولي العزم من الرسل ، عليهم السلام ، فذلك مورد تفضيل جائز بما قَضَى بِهِ الرَّبُّ الحاكمُ ، جل وعلا ، فـ : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، وذلك ما وجب تَقْيِيدُهُ بقيد محكم ، قيد : "لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ" ، فالتفضيل الذي يفضي إلى انتقاص المفضول هو التفضيل المنهي عنه ، وقد يقال إن التدرج في الآية ، تدرج في الزمان من الأقدم إلى الأحدث من نوح أول الرسل إلى إبراهيم أبي الأنبياء إلى موسى زعيم أنبياء بني إسرائيل وصاحب كتابهم الجامع للأحكام إلى خاتم أنبياء بني إسرائيل عيسى عليه السلام ، وجميعهم أهل فضل واصطفاء أَخَصَّ بأشرف ما يحمله الصدر من كلمات الوحي والحكمة ، فـ : (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ، فـ : "أل" في هذه الآية مئنة من العهد إذ تشير إلى حكمة مخصوصة ، وهي حكمة الوحي المنزل كتابا وسنة ، فهي حكمة تقضي على الرأي ، وإن كان سائغا أن صدر من مجتهد على وجه استوفى شرائط الاجتهاد في القصد والطريقة ، فقصد الخير وسلك طرائقه ، فحكمة الوحي تقضي عليه إن خالفها ، فهو فاسد الاعتبار ، من هذا الوجه ، وإن لم يفسد قصد الناظر ، ولم يخالف عن منهاج الاستدلال الصريح وإنما فاته تحقيق المناط في المحل ، فغفل عن شرط أو مانع ، ومع ذلك لم يشفع لقوله كل أولئك أن يقدم على الوحي ، وإن لم يذم القائل ، فقد يُرَدُّ القول ولا يذم القائل ، فالرأي فاسد أن خالف النص ، وصاحبه فاضل أن اجتهد في طلب الحق ، فكيف بالرأي الفاسد ، من كل وجه ، الذي قصد صاحبه الشر أن يدفع محكم الوحي بمتشابه الرأي والذوق ، فَأَسْرَفَ فِي التَّأْوِيلِ ، وسلك في الاستدلال مسلكا غَيْرَ قَوِيمٍ ، أن اجتهد في صرف الألفاظ عن ظواهرها التي اعتضدت بِقَرَائِنَ من السِّيَاقِ والحال تشهد ، فصرفها بلا دليل يصح ، فإما دليل ضعيف في المبنى أو وجه بعيد في المعنى ، بل قد يكون الاستدلال بلفظ كاذب ، أو وجه من التأويل لا يقول به إلا لاعب يستخف بالوحي ، فهذا الرأي الفاسد يُرَدُّ من باب أولى ولا حظ لقائله من خبر : "إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" ، ولو أصاب الحق في نفس الأمر ، فإصابته ، كما تقدم ، إصابة خارص ظان ، وأما من يجتهد على وجه صحيح يقبل ، وهو ، مع ذلك ، يخطئ ، فهو من أهل الثواب والمدح ، فذاك **يب يذم أن أصاب الحق عرضا إذ لم يسلك مسلكه الصحيح ، وهذا مخطئ يمدح ويثاب أن أصاب طريق الحق في الاستدلال وإن لم يصب الحق في نفس الأمر ، فانصرف لفظ "الرأي" على هذا الوجه ، إلى الرأي المذموم ، فدلالة "أل" من هذا الوجه ، دلالة العهد ، وهي ، من وجه آخر ، تعم كل موارد الرأي الفاسد سواء أكان في عقد بالتأويل ، أم في شرع بالتعطيل ، أم في سياسة جائرة تُنْقَضُ بها عرى الولاء والبراء ، أم برياضة غالية تضعف بها النفس ويعذب بها البدن على وجه يوجب لصاحبه الإثم إن في نهج محدث في رياضة النفس ، أو في إثم تستوجبه مخالفة النهي في قول الرب جل وعلا : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ، فقتل للنفس بقطع أسباب الحياة عنها ، وإفناء للنوع بهجر المناكح الطيبة مع انتفاء المانع ، فكل أولئك من الرأي المذموم الذي حذر منه الفاروق ، رضي الله عنه ، فلا يدخل فيه الرأي المحمود من سَائِرِ وجوه الاستدلال المشروع ، فالرأي يعم سائر وجوه الاجتهاد المعتبر ، فلا يقتصر على القياس ، وإن كانت المقايسة أقرب في المعنى إلى الاعتبار ، إلا ان الاعتبار بالرأي والاجتهاد يعم القياس والاستحسان وال**الح المرسلة إذا كانت معتبرة أن حصلت بها **لحة راجحة وإن تضمنت مفسدة مرجوحة فالخالص في هذا الباب من النادر ، وأن لم تخالف من الشرع شيئا ، لا مقصدا عاما أو حكما خاصا فإن مجرد التصور لذلك إساءة ظن بالشرع أن يتوهم متوهم أنه قد جاء بما يفوت **لحة معتبرة أو يفضي إلى مفسدة راجحة ، فذلك ، أيضا ، من الرأي الفاسد الذي يدخل في عموم التحذير المتقدم . ومن ثم عطف بفاء هي مئنة من السببية : فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ , فضلا عن دلالة التصدير بالمؤكد الناسخ ، فَهُوَ ، كما تقدم مرارا ، مئنة من توكيد ، من وجه ، ومن تَعْلِيلٍ ، من آخر ، فاجتمعت فيه الدلالتان ، لقرينة السياق إذ ورد عقب إنشاء ، إن بأمر أو بِنَهْيٍ ، فضلا عن اقترانه بفاء لا تخلو من دلالة سببية ، وإن لم تكن نصا فيها ، فذلك من الوصل السَّبَبِيِّ ، كما اصطلح عليه أهل الدلالات في الدرس العربي ، فثم اشتراك في الفاء فهي مئنة من سببية لا تفارقها ، ومئنة من فور ، وذلك ما يحسن في مورد التحذير أن يبادر القائل فَيُبَيِّنَ وجه كلامه ، وثم اشتراك في الناسخ المؤكد ، فهو بالنظر في أصل الوضع الأول في اللسان مئنة من توكيد يختص بالاسمية تصريحا أو تقديرا فإن دخل على فعل ، فيقدر له شأن محذوف كما في قول الرب المعبود جل وعلا : (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) ، فخفف المؤكد وجاء بعده الفعل المنفي ، فوجب تقدير شأن محذوف هو الاسم المقدر للناسخ المخفف ، وقد يَرِدُ الحذفُ والمؤكِّد مثقَّل ، كما في قول الأخطل : إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْماً ******* يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وَظِباءَ فوجب تقدير الشأن المحذوف إذ اسم الشرط مما له الصدارة مطلقا فلا يعمل فيه متقدم . وفي مقابل الإضافة في "أصحاب الرأي" ، وهي مئنة من تمام الملازمة ، فضلا أن الصحبة مظنة الاقتران فتلك حالهم المطردة ، في مقابلها : إضافة أخرى ، إضافة : "أعداء السنن" ، والعداوة مئنة من البغض ، ولا يجد الناظر في صدره حرجا من السنن إلا لكبر في النفس يوردها المهالك ، فهو يبغض الحق أن خالف ما يهوى أو يجد ، ودلالة "أل" في "السنن" ، تعم ، أيضا ، جميع السنن المحفوظة إن في العقد أو في الشرع أو في الحكم أو في السياسة أو في الرياضة ، فالسنة قد استغرقت سائر موارد الاختيار تكليفا ، فتلك دلالة أعم من دلالة السنة في اصطلاح المتأخرين من أهل الفقه التي تقتصر على المندوب ، فذلك اصطلاح متأخر لا يصح استعماله في تفسير نص متقدم قبل أن يعرف هذا الاصطلاح ويشتهر ، فلا يفسر أي نص إلا بعرف اللسان في زمن وروده أو في زمن تقدمه وذلك أصل في تفسير نصوص الشرع من الكتاب والسنة . ومن ثم أطنب في التعليل على جهة الاستئناف بيانا لما تقدم ، فكانت العداوة أن : أَعْيَتْهُمُ الأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا : فثم إطناب بالبدل الذي حد على جهة ال**در المؤول ، فهو ، أيضا ، من الإطناب الذي لا يخلو من دلالة استحضار ، وهو ، من وجه آخر ، مما يعم الحال والاستقبال ، فتلك طريقتهم في كل آن ، فحصل الإطناب من وجهين بالبدل ، فأعيتهم الأحاديث حفظُها ، فكان إجمال في مبدإ الكلام ، يستوجب السؤال وما أعياهم منها ؟ ، فجاء الجواب بالبدل المبيِّن ، فهو المقصود ابتداء بالحكم ، فأعياهم حفظ الأحاديث ، وثم إطناب في رواية أخرى لهذا الأثر ، فـ : "أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم" ، فَفَاتَهُم اللفظ حفظا ، والمعنى وعيا ، فهم محل الذم في الرواية والدراية معا ! ، فاستحيوا أن يقروا بجهلهم فيردوا الأمر إلى أهله ، وذلك من حظ النفس فلا يكون رأي فاسد إلا وثم من حظ النفس فيه شيء ، ظهر أو خفي . فَقَالُوا بِالرَّأْيِ : فذلك يجري مجرى عطف المسبَّبِ على السبب الذي تقدمه ، فما تقدم كان سببا أن يقولوا بالرأي المذموم ، وهو ، ما ورد تفسيره في الرواية الأخرى للأثر : "فعارضوا السنن برأيهم" ، فالقول بالرأي المذموم لا ينفك عن معارضة الوحي ، وإن أصاب الحق ، كما تقدم ، فمن طريق غير طريق الوحي المنزل ، فيكون من الاتفاق بلا قصد للحق بلفظه الصحيح ومعناه الصريح ، ومن ثم عطف من باب التدرج ، فـ : "ضَلُّوا وَأَضَلُّوا" ، فعداوتهم للسنن حملتهم أن يقولوا في الدين برأيهم المجرد فأفضى بهم في المآل أن يضلوا في أنفسهم ويضلوا غيرهم ، وهو ، أيضا ، يجري مجرى التعاطف على جهة التلازم فحسن معه الجناس في الاشتقاق ، بين اللازم : "ضلوا" ، والمتعدي بالهمزة : "أضلوا" ، ففسادهم يَتَعَدَّى إلى غيرهم وذلك أعظم في الذم ، فـ : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ" ، وقد أطلق فعم جميع موارد الضلال والإضلال في العلم والعمل ، فثم عطف متلازمات على جهة الفور مئنة من كمال التلازم فبعضها يفضي إلى بعض ، فأعيتهم السنن حفظا وفهما فعارضوها بالرأي المذموم فأفضى ذلك إلى ضلالِ النفس وإضلالِ غيرِها . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 10:34 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir