![]() |
عن الكبر
عن الكبر
ومن خبر : "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كبر" : فذلك من العموم الذي استفيد بِتَسَلُّطِ النفي على ال**در الكامن في الفعل على تقديره بنكرة هي مطلق المعنى الذي اشتق منه الفعل ، فتقدير الكلام : لا دخول للجنة ، وهو ينصرف بادي الرأي إلى نفي ال*** فيمتنع مطلق الدخول ، فذلك مظنة العموم ، كما قرر أهل الأصول إذ تسلط النفي على النكرة مئنة من العموم ، ولكن ذلك العموم مما خص ، فإن هذا الباب مما يجب فيه جمع الطرق والألفاظ فَبِهَا تكمل صورة الاستدلال ، فأحاديث الوعد تخصص أحاديث الوعيد ، وعكسه يصح ، فتكمل صورة الاستدلال رغبة تحصل من مطالعة أحاديث الوعد فهي تحمل الناظر أن يحسن الظن فيحسن العمل فلا يقتصر على مطلق تصديق مجرد لا ينفع إن لم ينضم إليه *** العمل الذي الذي يخرج صاحبه من الذم المطلق ، ذم الكافر الذي يأبى الانقياد لأحكام الشرع ، فذلك من الكبر الذي ينقض أصل الدين ، فإن الكبر أن يَمْتَثِلَ حكما واحدا يَنْقُضُ أصل الإيمان ، وإن أتى من الطاعة ما أتى ، لا عجب كان تَرْكُ التحاكم إلى الشرع ولو في موضع واحد مع العلم بحكم الشرع ، فيتقصد أن يبدل مناطه أو يعطله فيستبدل به غيره مما يوافق هواه أو ذوقه أو يحقق له مَأْرِبًا أو غَرَضًا ، لا عجب كان ذلك من نواقض الدين وإن أظهر صاحبه التصديق ، فإنه يصدق فيه عموم : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فتحصل حقيقة الترك للحكم بما أنزل الله ، جل وعلا ، ، وحقيقة الحكم بغير ما أنزل ، عز وجل ، تحصل بترك حكم واحد واستبدال مناط محدث بالمناط المنزل ، وهما أمران يقترنان في الذهن فالتلازم بينهما وثيق إذ لا يخلو المحل من فعل أو ترك ، من أمر أو نهي ، ولا تخلو جماعة من قانون به ينتظم الأمر ، ولو في اعتقادها ! ، فإن لم تحكم بالوحي المنزل حكمت بالوضع المحدث ، فتركت من الوحي ما يضاهيه ، فذلك من كفر الترك ، وغالبا ما يقترن بالكبر ، كما تَرَكَ من تَرَكَ الأكل بِيَمِينِهِ ، لما أمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُرْشِدًا أن : "«كُلْ بِيَمِينِكَ» ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ» ، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ" ، فذلك من الخبر : "لا استطعت" الذي أريد به الإنشاء ، فَانْتَفَى مطلق الاستطاعة أن استجيب الدعاء فذلك ، أيضا ، مئنة من العموم ، ومن ثم جاء التعليل على جهة الفصل فلا وصل بعاطف ، فـ : "مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ" ، وقد زِيدَ في المعنى أن حد على جهة القصر بأقوى أساليبه ، النفي والاستثناء ، فمنعه الكبر ، ودلالة : "أل" : في : "الكبر" تَنْصَرِفُ إلى ال*** ، فَهِيَ تُبَيِّنُ ماهية ما دخلت عليه ولا تَسْتَغْرِقُ معنى الكبر كله ، فحصول مطلق الكبر أن يمتثل الإنسان حكم الشرع ، وإن في أدب أو نافلة ، مما ينقض أصل الدين لا أنه ترك ما يكفر تاركه ، فإن مطلق الترك لأي عمل ليس بناقض لأصل الدين ، بل يقتصر ذلك على أعمال ورد النص عليها ، كما في ترك الصلاة على تفصيل معروف ، فثم من حكم بالكفر بحصول مطلق الترك ، فيصدق على من ترك صلاة أنه تارك ولو بالنظر في مطلق الترك ، وثم من نظر في عموم : "بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ" ، فإضافة النكرة إلى المعرف بـ : "أل" في : "ترك الصلاة" : مئنة من العموم فينصرف إلى الترك المطلق فلا يصلي أبدا خلافا لمطلق الترك ، فهو يصلي تارة ويترك أخرى ، وكما في ترك التحاكم إلى الشرع ، فإن تَبْدِيلَ مناط واحد ، أو الكبر أن يحكم بالشرع في مسألة مع علمه بالحكم وانتفاء المانع المعتبر ، أو معارضة الوحي بالهوى أو الذوق ففي الحكم بالوحي فوات لبعض حظوظه في جاه أو رياسة ، فيبدل المناط الذي يخالف هواه ، خلافا لمن حكم به على وجه باطل ، فالمناط صحيح ، وتحقيقه باطل لئلا يفوت عليه حظا من حظوظه ، فذلك لا ينقض أصل الدين ، فهو من كبائر الذنوب التي يصدق فيها لقب الكفر ولكنه ليس الكفر الأكبر الذي ينقض أصل الدين ، إلا أن يستحله وذلك أمر لا يختص به هذا الموضع بل استحلال أي عصيان ينقض أصل الإيمان . والشاهد أن حصول مطلق الكبر أن يمتثل الإنسان حكم الشرع ، وإن في أدب أو نافلة ، مما ينقض أصل الدين لا أنه تَرَكَ ما يكفر تاركه ، وإنما أن الباعث على التَّرْكِ كان الكبر فهو مئنة من احتقار ما تَرَكه ، واحتقار الشرع ، ولو في نَافِلَةٍ ، يشبه الاستهزاء ، فيكفر من استهزأ بأية آية ، فهي تدخل في عموم الآيات في قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) ، فالإضافة إلى الضمير في : "آياته" : مئنة من العموم وذلك ما رفد جمع القلة ، الجمع المزيد بالألف والتاء : "آيات" ، فصار عاما يستغرق جميع آحاده ، فكذلك الشأن في الكبر ، فإن الكبر أن يمتثل أي أمر شرعي ، ولو نافلة أو أدبا كالأكل باليمين ، مما ينقض أصل الدين ، فترك آحاد من السنن كالأكل باليمين ، لا يستوجب الحكم بالردة أن انْتَفَى أصل الإيمان من القلب ، فَغَايَةُ ما في تَرْكِ السنن أن يلام الإنسان إن تَرَكَ سنة من سنن الهدي ، وهي ما دوام عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل قد يوجب القتال إن كان من أعلام الشرع كالأذان ، فإنه شعار دار الإسلام ، وقد يلام ، أيضا ، إن تَرَكَ *** السنن ، فَإِنَّهَا سياج الواجب ، فَتَرْكُهَا ذريعة إلى الوقوع في الحمى ، فَرَدُّ السنة يحتمل الجهل ، ويحتمل الكسل الذي يلام عليه وإن لم يستوجب الإثم ، ويحتمل الكبر الذي يَرُدُّ صاحبه الحق وذلك الناقض لأصل الدين ، فكان الدعاء على ذلك الرجل لا أنه ترك جهلا أو عجزا ، وإنما أنه تَرَكَ كِبْرًا ، وإن كان ما تَرَكَ من الأدب عَلَى القول إن الأكل باليمين من آداب الشريعة ، كما قال الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ، رحمهم الله ، فيكون الأمر في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كُلْ بِيَمِينِكَ" ، مئنة من الندب ، وهو مما علقه البخاري ، رحمه الله ، بصيغة الجزم فحكاه بصيغة : قال : عمر بن أبي سلمة ، رضي الله عنه ، وَوَصَلَهُ في موضع آخر من كتابه بلفظ : "يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ" ، فَمَا عَلَّقَهُ البخاري ، رحمه الله ، في كتابه ، إِمَّا أنه رواه مسندا في موضع آخر ، فأوجز في موضع التعليق ، وإما أنه ليس على شرطه وإن صحيحا ، فتعليق البخاري لبعض الأخبار التي ترجم بها لأبوابه أو أوردها مَوْرِدَ الشاهد إشارة أنها ليست على شرطه ، وإن كانت صحيحة ، كما عَلَّقَ حديث : "وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الكِلاَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي: سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ - يَعْنِي الفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" ، فهو حديث صحيح كما وَرَدَ فِي سنن أبي داود ، وكما رواه الطبراني ، رحمه الله ، في مسند الشاميين ، وإنما أورده بصيغة التعليق عن شيخه هشام بن عمار ، فعلقه بصيغة الجزم ، بـ : "قال" مئنة من صحته في نفس الأمر وإن لم يكن على شرطه إذ لم يشترط جمع الصحيح كله ، وإنما انتخب منه جملة ، فَثَمَّ تعليق في حديث عمر بن أبي سلمة ، رضي الله عنه ، فـ : "كُلْ بِيَمِينِكَ" ، فهذه الفقرة ، محل الشاهد ، وهي في سياق جملة من الأوامر ، في الحديث الموصول ، فـ : "يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ" ، فَثَمَّ نداء على جهة التَّنْبِيهِ ، وهو مئنة من التعيين ، فالنكرة مقصودة ، إذ يخاطب غلاما بعينه ، وهو عمر بن أبي سلمة ، رضي الله عنه ، والخطاب ، من وجه آخر ، يعم بقرينة العموم في أحكام الشرع ، فَثَمَّ خطاب مواجهة يخص ، وخطاب تشريع يَعُمُّ ، فالسياق يرشح معنى التأديب ، فَبَدَأَ بالبسملة ، وهي مما يشرع في ابتداء جملة من الأعمال ، سواء أكانت واجبة أم مندوبة أم من جملة المباحات ، فَشُرِعَتِ البسملة حال الشروع في الفاتحة الواجبة ، فهي ركن من أركان الصلاة ، وَشُرِعَتِ البسملة حال الشروع في القراءة المندوبة ، وشرعت في جملة من المباحات كالأكل والشرب .... إلخ ، فالتسمية في الجملة مندوبة ، وقد تجب في أحوال ، كَمَا فِي القول أَنَّهَا آية من الفاتحة ، فالباء مئنة من الاستعانة وال**احبة في نحو قولك : باسم الله ، فالمتعلق يُقَدَّرُ بالفعل الذي يَشْرَعُ فيه ، فالبسملة في الجملة مندوبة ، على خلاف في ذلك ، فسم من قال إنها واجبة كالخلاف المعروف في البسملة حال الشروع في الوضوء فَثَمَّ من أوجبها ، أن قدر النفي في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ" ، على نفي الصحة ، فإن النفي إما أن يَتَسَلَّطَ على الحقيقة ، أو كمالها الواجب ، أو كمالها المستحب ، فتلك وجوه القسمة ، والسبرُ يَنْفِي الاحتمال الأول ، والخلاف في الثاني والثالث فمن حمله على نفي الصحة أو الكمال الواجب فإنه يوجب البسملة فيكون تَرْكُهَا مما يخل بالعمل ، إما أنه صحيح مع الإثم إن تركها متعمدا ، أو أنه صحيح إن كان الترك سهوا وباطل إن كان الترك عمدا ، أو أنه باطل مطلقا سواء أتركه سهوا أم عمدا ، فإن تركه ابتداء على جهة العمد فهو آثم والوضوء باطل ، وإن تركه سهوا فلا يأثم ولا تلزمه الإعادة ، وإن تذكر وهو يتوضأ فإما أن يسمي ويكمل ، وإما أن يسمي ويستأنف وضوءا جديدا ، فالخلاف في تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل ، كما في الحديث محل الشاهد : "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كبر" ، فمن حمله على نَفْيِ الدخول مطلقا ، فالكبر في الحديث هو الكبر الناقض لأصل الدين كأن يَتَرَفَّعَ عن الأمر المشروع ، وإن نَافِلَةً ، كما في حديث : "لَا اسْتَطَعْتَ ، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ" ، فذلك ما يرشح انْتِقَاضَ أصل الدين وإن تَرَكَ نافلة أو واجبا ليس من أصول الدين التي يكفر تاركها مطلقا فقد اقترن الترك في هذه الحال بأمر زائد وهو الكبر ، وهو في نفسه ناقض ، كما يقترن معنى الاستباحة بأية معصية ليست في نفسها كفرا ينقض الأصل ، فالاستباحة في نفسها ناقض من نواقض الإيمان ، فالمانع من الطاعة المشروعة ، واجبة أو مندوبة ، قد يكون الكسل أو الجهل أو العجز ، فلا يكفر التارك على تفصيل في تَرْكِ بعض الأعمال كَتَرْكِ الصلاة كسلا وإن أقر بإيجابها ، فالأمر ، كما تقدم ، ينقسم فمن جحد إيجابها فقد كفر سواء أصلى أم لم يصل ، فثم ، أيضا ، وصف آخر اقترن بِالتَّرْكِ وهو الجحود ، وهو في نفسه ناقض من نواقض الإيمان ، ومن ترك كبرا فهو ، أيضا ، كافر ، وإن ترك صلاة واحدة وإن على القول إن ترك بعض الصلوات مما لا يكفر تاركه ، فالكفر إنما ينصرف إلى الترك المطلق لا مطلق الترك ، فعلى هذا القول يكفر التارك كبرا ، إذ الكبر في نفسه كالجحود والاستهزاء ، فهو في نفسه ناقض ، وإن كان ما جحد مندوبا إذ ذلك إنكار للشرع ، وإن كان ثم عذر بالجهل في مواضع تدق ، بل قد يكون في أحكام مشهورة إن خفي الحق ، كمن نشأ في دار حرب أو بادية ، فقد لا يعلم مم أحكام الدين ما قد علم ضرورة في دار الإسلام فلا يصح الدفع بالجهل بالأحكام فيها ما يصح في دار الحرب أو دار غلب عليها الجهل ، وإن لم يكن ذلك من الذرائع أن تعطل الشرائع ، بل يقع الإثم في التقصير في طلب الحق ، بل وقد يحكم بالكفر إن بلغ الأمر حد الإعراض ، فهو ، أيضا ، مما ينقض أصل الإيمان . ومن ترك كسلا فإما أن يكون تركه الترك المطلق فيكفر لورود النص بذلك خلافا لمن يترك تارة ويصلي أخرى فيصدق في حقه أنه تارك لا الترك المطلق الذي يَنْتَفِي به مطلق الحقيقة في الخارج ، وإنما ترك مطلق الترك الذي يثبت به *** الفعل في الخارج دون استيفاء آحاده ، فمثله كمثل من أَتَى بمطلق الإيمان ، وهو أدنى قدر من ال*** تَثْبُتُ به الحقيقة في الخارج ثُبُوتًا مُعْتَبَرًا ، وإن لم يكن الثبوت الكامل ، فمثله كمثل من أتى بمطلق الإيمان دون الإيمان المطلق ، فهو القدر الواجب ، فكذلك الشأن في الصلاة فثم من يَأْتِي بمطلق الفعل دون استيفاء لآحاده فيخرج من الذم المطلق ، وهو الأعلى ، إلى مطلق الذم ، وهو الأدنى ، إلا إن كان تركه استخفافا بالشرع أو استهزاء أو كبرا أو إعراضا أو جحودا ، فتلك أوصاف تزيد على أي فعل أو ترك محظور فتبلغ به حد الكفر الأكبر وإن لم يكن الفعل أو الترك في نَفْسِهِ ناقضا من نواقض الإيمان . وقد يكون الكبر مانعا مؤقتا من الدخول فهو من جملة الكبائر ، وذلك لا يتصور إلا في الكبر على الخلق خلافا للكبر على الشرع فإنه ناقض لأصل الدين ، وإن في أمر أدب ، كما تقدم في حديث عمر بن أبي سلمة ، رضي الله عنه ، فالجمهور أن الأمر فيه يجرى مجرى التأديب ، خلافا لمن أخذ بظاهر الأمر ، فحمله على الإيجاب كما أثر عن ابن حزم ، رحمه الله ، وذلك جار على طريقته في حمل النصوص على ظَوَاهِرِهَا وهو اختيار ابن عبد البر ، رحمه الله ، فهو حمل للأمر على الأصل ، فَلَمْ يثبت عندهما الصارف ، بل ثم ما يرشح دلالة الإيجاب من التشبيه بحال الشيطان ، وهي حال ناقصة ، فضلا أنها مما يرشح معنى التحريم فقد نهي الإنسان أن يتشبه بالكافر في الظاهر أو في الباطن ، فكيف بأشد الخلق كفرا ؟! ، فالتشبه به يحرم من باب أولى ، فجاء الأمر : "لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ، وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ" ، فاستوفى جملة من الأفعال على جهة التَّمْثِيلِ ، فثم أفعال أخرى يشرع فيها التيامن ، فـ : "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ" ، ودلالة الكينونة الماضية آكد في تقرير المعنى ، فضلا عن دلالة المضارعة وفيها معنى الديمومة والاستمرار ، ودلالة "أل" في "التيمن" : مئنة من العموم ، وهو مظنة إجمال يفتقر إلى بيان ، فجاء البيان بالمثال : الطهور والتنعل والترجل ، وذلك ، من وجه آخر ، من الخاص الذي عطف عليه عام في سياق آخر : "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»" ، فعطف العام : "شأنه" والذي أكد بالمؤكد المعنوي "كله" ، وذلك ، من وجه آخر ، مما خص بأمور يشرع فيها التَّيَاسُرُ كالاستنجاء ، فَنُهِيَ عنه باليمين ، كما في حديث سلمان رضي الله عنه ، والخروج من البيت ، والخروج من المسجد ، وخلع النعل واللباس وإزالة الأذى بالسواك ونحوه ، فجاء الأمر في وجوه أربعة من القسمة على جهة الطباق بين الأكل والشرب ، والأخذ والإعطاء ، ومن ثم عطف بالعلة : "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ" ، فالفاء لا تخلو من دلالة تعليل وإن لم تكن نصا في السببية في هذا السياق فضلا عن دلالة التوكيد بالناسخ فلا تخلو في سياق كهذا أن عطفت على جملة من الأوامر أو النواهي الشرعية ، لا تخلو من دلالة تعليل ، فلا تخلو من ذلك في أمر كما في هذا الموضع ، وكما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ" ، فذلك عموم يستغرق بدلالة التغليب في خطاب جماعة الذكور فتدخل الإناث على جهة التغليب لقرينة عموم التشريع إلا في مواضع يَخْتَصُّ الشارع ، جل وعلا ، فيها كل *** بجملة من الأحكام تناسب أحواله ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، مئنة من الحكمة ألا يسوى بين مختلفين ، فالحكمة تقضي في موارد الاختلاف أن يخص كل طرف من أطراف الخلاف بحكم يلائمه ، ومن ثم جاء التعليل على جهة العطف بالفاء والتوكيد بالناسخ : "فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ" ، وهو محل الشاهد في الخبر المتقدم ، فيضاهيه من هذا الوجه أن صار التوكيد في مواضع مئنة من التعليل ، إن عطف على أمر ، فـ : "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" ، و : "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ" ، وفي رواية عند الطبراني ، رحمه الله ، في "المعجم الأوسط" : "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقِيلُ" ، فيحمل الإفراد فِيهَا على ال*** الْمُسْتَغْرِقِ لآحاده ، كما في قوله تعالى : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) ، أي : الأطفال ، وتكون الرواية الأولى مبينة لما أجمل من عموم الثانية في المحلى بـ : "أل" ال***ية الاستغراقية : "الشيطان" . فيكون عطف التوكيد بالناسخ مئنة من التعليل ، سواء أعطف على أمر ، كما تقدم ، أو على نهي ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لاَ تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلاَ الدِّيبَاجَ، وَلاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ" . فجاء الأمر في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ" على جهة الإرشاد والتأديب في أمر دنيا ، فذلك ما فرق به بعض أهل الأصول بين أمر الندب وأمر التأديب ، فيكون أمر الندب في شرع محض كصلاة ونحوه ، ويكون أمر التأديب في أمر دنيا كأكل أو شرب ، وهو ما حمل الجمهور ، كما تقدم ، أن يجعلوا الأكل باليمين من جملة الآداب ، فليس الأمر أمر إيجاب ، فلا يأثم التارك من هذا الوجه ، وإن لِيمَ على مخالفة الهدي النبوي ، إلا إن كانت حاله كحال الذي أبى واستكبر أن يمتثل أمر النبوة ، وإن في أمر دنيا ، فوصف الكبر الطارئ هو الذي رشح الذم المطلق الذي يجوز فيه حمل العموم في الخبر : "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كبر" ، على ظاهره فلا يدخل الجنة أبدا إن حمل الكبر فيه على الكبر على الشرع ، ولو في أمر لا يجب ، فكيف بمن تكبر واستنكف أن يحكم به ، بادي أمره ! ، فعطله واستبدل به ما أحدث من الأهواء والأذواق ؟! ، وأما حمل النص على الوعيد المؤقت فإنما ينصرف إلى الكبر على الخلق دون الكبر على الشرع ، وإن كان ذلك أَمْرًا ذَمِيمًا يُنْهَى عَنْهُ إذ قد يصير ، كما تقدم ، ذريعة إلى كبر أعظم ، وهو الكبر على الشرع الذي ينقض أصل الإيمان ، فثم كبر ينقض كمال الإيمان الواجب وهو الكبر على الخلائق ، فهو في نفسه محرم ، وقد ورد الوعيد عليه : "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ الْجَبَّارُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ , لِهَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، فلا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، وهو ، في نفس الآن ، يحشر كالذر وتلك حال حقيرة تجري مجرى المعاقبة بضد ما تقصد ***ا قصد التعظم كان العقوبة أن يحقر ويوطأ بالأقدام ، وهو ، من وجه آخر ، مما ينهى عنه سدا للذريعة ، فينهى عنه سدا لذريعة الوقوع في كبر أعظم ، وهو الكبر على الشرع ، وذلك ما ينقض الأصل ، فالنهي عن الكبر على الخلق ، من هذا الوجه ، نهي مقاصد ونهي وسائل في نفس الآن . وقد حذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فالرب ، جل وعلا ، هو الذي يحشر العباد ليوم ا***اب والجزاء ، فَيُحْشَرُ أولئك كالذر يطؤهم الناس ، فجملة : "يطؤهم الناس" تجري مجرى الوصف الذي يزيد في بيان الموصوف وذلك آكد في الذم ، ولا يخلو من دلالة إنشاء للنهي ألا يوافق المخاطَب أولئك في وصفهم فَيَنَالُهُ ما نالهم من التحقير ، والحكم قد أنيط بالتجبر والكبر اللذين اشتق منهما وصفا : "المتكبرون" و : "الجبارون" ، ولا يخلوان من دلالة تلازم فحسن وصف أحدهما بالآخر فالكبر ذريعة إلى التجبر ، فقد نازع أولئك الرب ، جل وعلا ، وصفين من أخص أوصافه : "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ" ، فثم قصر بتعريف الجزأين : "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي" ، وذلك مئنة من كمال اختصاصه ، جل وعلا ، بهذين الوصفين فلا يَلِيقَانِ بمخلوق إذ المحل الناقص لا يطيق أوصاف الجلال التي لا تقوم إلا بمحل جليل ، فذلك قياس العقل الصريح ، أن يقوم المعنى الجليل بمحل يواطئه الوصف فهو جليل مثله ، ومن ثم جاء الوعيد على جهة الشرط : "فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ" ، فذلك مئنة من تحقق الوقوع بإناطة المشروط بالشرط على جهة التلازم والدوران وجودا وعدما ، فذلك من القياس الصريح طردا وعكسا ، فالشرط يفيد بالمفهوم أن من تواضع وخضع له ، جل وعلا ، *** ينازعه وصف الجلال أنه لا يقذف في النار ، فذلك الفضل في الوعد ، كما العدل في الوعيد المتقدم ، وهو يستوجب إنشاء التكليف بالنهي عن الكبر وهو ما يستوجب ، أيضا ، بدلالة التلازم العقلي الصريح ، يستوجب الأمر بضده من التواضع على وجه لا يخرج بصاحبه إلى حد الذلة ، فإن التواضع كسائر الفضائل وسط بين رذيلتين فهو وسط بين الكبر والذلة . فجملة : "يطؤهم الناس" تجري مجرى الوصف الذي يزيد في بيان الموصوف ، وإن جاءت بعد معرفة : "الذر" إذ معنى ال*** في "أل" قد رشح مطلق المعنى الذي يثبت بحصول الماهية في الخارج وتلك دلالة تجريها مجرى النكرة ، كما في قوله تعالى : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) ، فـ : "أل" مئنة من البيان لمطلق الماهية فتجري مجرى النكرة وإن كانت معرفة في اللفظ فتعرب وصفا لا حالا . ومن ثم ختم بالعلة : "لِهَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، فدلالة اللام مئنة من التعليل فذلك من التعليل الصريح وإن بلفظ ظني لاحتمال الاشتراك في اللام فهي مئنة من معان كثيرة ذكرها من صنف في هذا الباب ، والسياق هو الذي يرشح مراد المتكلم كما في هذا الموضع إذ رشح دلالة التعليل ، ولا يخلو الوعيد ، كما تقدم ، من دلالة إنشاء للنهي عن الوصف المذموم ودلالة أخرى على الأمر بضده من الوصف المحمود لينجو المكلف من وعيد الأول ، فالقياس ، كما تقدم ، يطرد وينعكس . فجاء الأمر ، كما تقدم ، في خبر : "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ" ، ومثله جملة الأوامر في حديث عمر بن سلمة ، رضي الله عنه : "سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" ، فالتسمية من جملة الآداب ، على التفصيل المتقدم في الخلاف في إِيجَابِهَا فِي أحوال ، ومتعلق الابتداء بالتسمية مما يقدر تبعا لسياق الكلام ، ولقائل أن يقول إن التسمية حال الابتداء في الأمور المشروعة ، سواء أكانت واجبة أم مباحة ، إن التسمية في هذه الحال من الواجب لقرينة : "كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ : أَقْطَعُ" ، على كلام في إسناده ، والقطع مظنة ذم يزيد على مطلق الذم في ترك مندوب أو أدب مشروع ، وذلك عموم آخر ، فـ : "كُلُّ" نص في العموم جوز الابتداء بالنكرة فضلا عن الإضافة التي أفادت التخصيص : "كل كلام"، وقد عطف الخبر بالفاء : "فهو أبتر" ، إذ لا يخلو السياق من دلالة شرط أن دار الحكم الذي استفيد من مادة الخبر مع الوصف الذي دل عليه المبتدأ فهو يدور معه وجودا وعدما ، فالمنطوق أن كل عمل لم يبدأ باسم الله ، جل وعلا ، فهو أقطع ، والمفهوم أن كل عمل بدئ باسم الله ، جل وعلا ، فليس بأقطع ، ونفي الوصف المذموم يستوجب إثبات ضده من الوصف المحمود فهو عمل موصول تعظم فيه البركة ، فلا يخلو الخبر من دلالة إنشاء لنهي عن عدم الابتداء بالبسملة ، وهو ما يستلزم بدلالة العكس ، الأمر بضده من البدء بالبسملة في كل أمر ، وهو ما قد خص بما تقدم من أمر يشرع فيها التياسر ، فذلك ما قد يجعل البسملة في خبر عمر بن أبي سلمة ، رضي الله عنه ، من الواجب ، فوصف الأقطع مظنة الوصف لأمر محرم ، ومن ثم عطف جملة من الآداب على جهة الوصل الإضافي ، فـ : "كُلْ بِيَمِينِكَ" ، فَقَيَّدَ الفعل بالحال على تقدير : كلا متيامنا في أخذك الطعام ، و : "كُلْ مِمَّا يَلِيكَ" ، على تقدير : كل آخذا ما يليك من الطعام في الصحفة ، فثم تكرار للعامل : "كُلْ" وليس هو محط الفائدة ، فالحال في هذا السياق قَيْدٌ رئيس فهي عمدة في المعنى إذ بها أنيط مراد المتكلم ، فليس مراده الأمر بالأكل مطلقا ، وإنما يريد الأكل بهيئة مخصوصة دلت عليها الحال المذكورة ، فثم وصل إضافي بعطف تغاير بين جملة من الآداب تحمل على الندب ، كما تقدم ، وثم من حملها على الإيجاب ، إذ التشبيه بالشيطان في خبر : "لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ، وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ" ، مظنة التحريم ، وثم من قال إن هذه حال ناقصة ولكنها ليست بمحرمة إذ وَرَدَ التشبيه بالشيطان في أحوال لا تحرم ، كما في الخبر المتقدم : "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقِيلُ" ، وليس ترك القيلولة أمرا محرما ، فالنهي هنا ، أيضا ، ينصرف إلى نهي التأديب لا نهي التحريم ، ولكلٍّ حظ من النظر وإن كانت ملازمة الهدي النبوي أفضل في كل حال ، سواء أكانت مندوبة أم واجبة أم احتملت فيكون الالتزام من هذا الوجه خروجا من الخلاف ، والخروج من الخلاف ، كما يقول أهل الشان ، هو السنة ، فضلا عن نفي شبهة الكبر على امتثال أمر الشرع ، خروجا من خلاف أعظم قد يوقع صاحبه في وعيد أشد ، إذ يَتَرَدَّدُ النفي في الخبر محل الشاهد : "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كبر" أن يكون الفاعل ممن انتقض كمال إيمانه الواجب إن استكبر على الخلق ما لم يستحل ذلك ، فالاستحلال ، كما تقدم مرارا ، ناقض بنفسه ، وأن يكون في المقابل ممن انتقض أصل الإيمان في قلبه إن كان استكباره على الشرع ، كما في خبر من أبى الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأكل بِيَمِينِهِ فما منعه أن يمتثل أمر الشرع ، ولو في أدب ، إلا الكبر الناقض لأصل الدين ، فالسياق يحتمل كلا الوجهين ، إذ الجهة منفكة ، فصح أن يحمل عليهما جميعا ، فثم اشتراك معنوي بين نوعين من النقض : نقض كمال الإيمان الواجب الذي يقيد النفي ، فلا يدخل الجنة ابتداء ، أو يخصص عموم "الجنة" ، فلا يدخل جنانا بعينها يُحْرَمُ من دخولها المتكبرون ، ولو كان الكبر في قلوبهم مثقال الذر ، وهو تشبيه يجري مجرى المبالغة فليس المراد حقيقة الذر أو مقداره وإنما هو مئنة من أدنى قدر يحصل من حقيقة الكبر في القلب ، فثم عموم آخر في السياق بالنظر في النكرة "عبد" ، فتسلط النفي عليها مئنة من العموم ، وذلك ، بداهة ، لا يصح إلا أن يقيد هذا الاسم بوصف ، فإن إطلاقه لا يصح في النقل والعقل أن يقال : لا يدخل الجنة عبد ! ، فمن يدخلها إذن ؟! ، فجاء الوصف المخصص : "في قلبه مثقال ذرة من كبر" ، فأطنب في الوصف بالجملة ورابط الصفة هو الضمير في : "قلبه" ، فدلالة الإحالة في كلام أهل الدلالات ترجعه إلى الموصوف المتقدم في اللفظ والرتبة ، وقدم ما حقه التأخير : "في قلبه" تنويها بمحل الكبر فهو من الخلق الباطن الذي تظهر آثاره في الخارج ، وثم إجمال في : "مثقال ذرة" أردف بالبيان ، فـ : "من" مئنة من بيان ال*** ، وهو محط الفائدة التي أنيط بها الحكم بالحرمان من دخول الجنان ، فيفيد بالمفهوم أن من سلم من هذا الوصف المذموم فهو أهل أن يدخل الجنة ابتداء إن استوفى الشرائط وأولها وعمدتها التوحيد ، وسلم من موانع أخرى ، في نصوص أخرى كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ" . فثم اشتراك معنوي بين نوعين من النقض : نقض كمال الإيمان الواجب الذي يقيد النفي ، فلا يدخل الجنة ابتداء ، أو يخصص عموم "الجنة" فلا يدخل جنانا بعينها ، كما تقدم ، فذلك ينصرف إلى *** من الكبر وهو الكبر على الخلق . ونقض أصل الإيمان الذي يطلق النفي فلا يدخل الجنة أبدا ، فالعموم في المحلى بـ : "أل" في "الجنة" عموم محفوظ ، فذلك ينصرف إلى *** آخر من الكبر وهو الكبر على الشرع . وأصل الحديث في الصحيح : لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ . فأناط الحكم بالمعنى الذي اشتقت من الصلة : "كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ" ، وعائدها هو الضمير في : "قلبه" ، فاستفهم السائل بخبر يراد به الإنشاء ، فاستفهم عن صورة الظاهر فليست الصورة ا***نة في الظاهر مستقبحة بل هي مما يحمد لا سيما في حق من تصدر لفتيا أو نحوه ، فيشرع له من جميل العوائد في الجبلة والطبع ما لا يشرع لآحاد الناس ويكون الفعل الواحد مشروعا في حال ، مذموما في أخرى لا سيما مع اختلاف العرف ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التلبيس" ، فإن خروج الإنسان أن يشتري حوائجه كان أمرا يعهد في حال السلف المتقدمين ***ا تغيرت الحال وصار ذلك في الأعصار المتأخرة مظنة التبذل والنقص في المروءة بما يكون من فضول الكلام في المساومة ونحوه لم يحسن لأولي الهيئات لا سيما من تحمل أمانة العلم أن يتبذل في بيع أو شراء فيحسن أن يصنع كما كان البخاري ، رحمه الله ، يصنع إذ أناب عنه من يقضي حوائجه لا كبرا وإنما صيانة ، فذلك أمر لا يذم فهو من الظاهر المحمود ، وإنما ذم الكبر ، وهو خلق باطن يحتف به من قرائن الخارج ما يدل عليه فلا يذم الملبس ا***ن إلا إن مازج معنى الكبر ، فمناط الذم هو الكبر وليس حسن الصورة ، ولذلك ذم الكبر ولو حال الفقر ، بل وعظم الذم آنذاك لانتفاء أسباب الكبر من جاه أو رياسة ، فـ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ،وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" ، فثم محذوف أضيف إليه المبتدأ : "ثلاثة" على تقدير : ثلاثة رجال ، فذلك ما سوغ الابتداء به مع أنه نكرة في اللفظ ، وقد أطنب في الوصف : "لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" ، وبدأ بالنفي : "لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ" ، على جهة التكرار لأداة النفي فذلك يجري مجرى توكيد المعنى بزيادة في المبنى ، وتسلط النفي على ال**ادر التي دخل على الأفعال التي اشتق منها مئنة من العموم ، وهو إما أن ينصرف إلى العموم المطلق ، أو يخص بالكلام على جهة الرضا لا كلام التوبيخ ، ونظر الرضى لا نظر الغضب والمؤاخذة ، كما يقع للكافر على قول من قال إنه يرى الله ، جلا وعلا ، حال ا***اب ثم يحتجب عنه فليست تلك رؤية التنعم التي تحصل للمؤمنين في الجنة وإنما هي رؤية غضب وتسخط ، ومن ثم جاء الختام بالإثبات : "وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" ، وتقديم ما حقه التأخير فضلا عن دلالة الاختصاص والاستحقاق في اللام ، كل أولئك آكد في النكاية وهو مما يحسن في مقام الوعيد . وذلك الإطناب في الوصف ، أيضا ، مما يسوغ الابتداء بالنكرة ، فأطنب في الوصف في سياق التحذير ، فهو وعيد يستوجب ، كما تقدم ، النهي عن الاتصاف بهذه المعاني المذمومة ، وبعد الإجمال جاء البيان على جهة التوشيح : "شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ،وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" ، فذلك مما يشوق السامع ويرسخ المعنى في ذهنه وذلك ما يحسن في موارد الوعد أو الوعيد إذ يحمل المخاطب أن يمتثل الأمر حال الوعد ، والنهي حال الوعيد ، والمعنى الأعم الذي يجمعم أن اقترفوا معاص يتبادر إلى الذهن أنهم أبعد الناس منها ، فذلك مئنة من تقصد العصيان وهو مما تعظم به الجناية ، فهي تزيد على مطلق المعصية ممن تَوَفَّرَ فيه الداعي لها . فثبت أن مناط الذم هو الكبر لا حسن الصورة ، ولذلك حده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأمور باطنة ، فـ : "بَطَرُ الْحَقِّ" ، فذلك رده ، وهو ينصرف إلى الكبر على الشرع ، وَ : "غَمْطُ النَّاسِ" ، فذلك احتقارهم وانتقاصهم وهو ينصرف إلى الكبر على الخلق ، والعطف بينهما يجري مجرى عطف التغاير بالنظر في حقائقهما الخاصة في الخارج وإن اشتركا في ال*** العام وهو مطلق الكبر ، وهو ، من وجه آخر ، يجري مجرى العطف استيفاء لأجزاء القسمة ، فهو عطف قسيم على مثله ، وعطف أقسام لحقيقة أعم وهي الكبر المطلق فتجري مجرى ال*** الأعلى ، ولا يخلو من دلالة تلازم فغالبا ما يقترن النَّوْعَانِ . والتواضع لله ، جل وعلا ، ولشرعه القويم هو سبيل النجاة الوحيد ، فذلك الفناء المشروع أن يفنى بالطاعة عن المعصية فلا يجد لنفسه حظا مع التكليف فهو يمتثله وافق هواه أو خالف ، نشط له أو كره ، فيتجشم المكروه الذي يخالف المألوف من العوائد والطبائع التي جبلت عليها النفوس ، فهو يخالفها لا على وجه يتقصد فيه إيقاع الأذى بالنفس فذلك مما يحرم ، إذ المشقة غير مقصودة في الشرع الحنيف فلا يتكلف الفقيه أن يدخل الضرر على نفسه ، وإنما يتكلف ذلك الغالي المتنطع ، وغالبا ما يكون جاهلا ، بل قد يبلغ به الأمر أن يتكبر أن يمتثل أمر الشرع فهو يرى أنه فوقه ، إذ استحسن شدة لا تشرع ورأى أنه بها يمتاز عن غيره ، فلا تخلو حاله من جهل بالشرع ، ولا تخلو من دعوى امتياز يترفع بها عن أقرانه ، فلا يطيقون ما يطيق من الأحوال الكاملة ، ومن أعجب برأيه وكل إلى نفسه فمآله الانقطاع ولو بعد حين ، إذ خالف المشروع فهجر المباح أو اقتصد فيه على وجه لا يخلو من غلو وتكلف ، فذلك ما يعارض فطرة التكوين ، ويضعف الجبلة فلا تنهض أن تقوم بأعباء الدين ، فيفوته من المشروع بقدر ما غلا في أخذ أو ترك ، فأخذ من الدين جملة عظيمة على حال لا أناة فيها وإنما تعجل الوصول فانقطع أن أجهد المطية فأنى تبلغ به الغاية ؟! ، فإن قطعت شوطا مبدأ أمرها فسرعان ما تفتر وتقعد فلا تنهض أن تكمل سيرها ، فمن اقتصد وتوسط ، وأعطى نفسه حظا من الراحة ، فهو يجمها أن تَنْهَضَ إلى الطاعة نشيطة ، وهو يأخذ من الدين ما يلائم حاله فلا يتكلف ما لا يطيق ، ولا يتعلل ، من وجه آخر ، بالعجز فيفرط ، وإنما حاله كسائر أحوال الفضائل فإن الاقتصاد المشروع وسط بين الإفراط والتفريط ، فكلاهما مذموم ، ولا تخلو حال هذا من إساءة ظن بالشرع ولو بلسان الحال إذ استدرك عليه بالفعال ما زاد مما لم يشرع ، ولو كان خيرا لورد به الشرع فذلك باب تعبد مستنده التوقيف فتحرم فيه الزيادة بلا دليل . فأحسن أحواله أنه متأول ما تأول القوم ، رضي الله عنهم ، في حديث : "وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا" ، مع ضعف ما رأوا إذ خالف النص ، ففسد اعتباره من هذا الوجه فكان القوم على خير طريقة أن لم يردوا بأهوائهم أو أذواقهم الشريعة كبرا أو تنطعا ، فأحسن أحواله التأول ، وقد يكون ذلك من الجهل الذي يلام صاحبه أن قصر في طلب المشروع ، وقد يكون من الكبر والتعالي على الأقران بجملة من الطاعات ، وقد يكون من سوء الظن بالشرع كحال كل محدث في الدين فلسان حاله لسان المستدرك على الشرع ، وقد يكون من الخذلان أن يوكل إلى نفسه فمآله ، كما تقدم ، الانقطاع . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 05:14 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir