![]() |
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
ومن الحب ما يطرب صاحبه وإن لم يكن خفة ولا لعبا ، كما قال الكميت يصف حاله : طَرِبتُ وما شَوقاً إلى البِيضِ أَطرَبُ ******* ولاَ لَعِبَاً أذُو الشَّيبِ يَلعَبُ . *** يكن طربه إلا حبا لآل البيت ، رضي الله عنهم ، فهو حب وإن غلا فيه القائل بما قد علم من سيرته إلا أنه في أصله مما يحمد الإنسان عليه ويثاب ، بل إن انتفاءه مئنة من نقص في الإيمان ، فهم كسائر الصحابة ، رضي الله عنهم ، الذين صار حبهم دينا وإيمانا وبغضهم كفرا ونفاقا ، وإن لم ينقض الأصل ، إلا أن يكون بغضهم لأجل دينهم ، فذلك مما ينقض إيمان فاعله ولو أبغض آحاد المؤمنين لأجل دينهم فكيف بسادة الإسلام من السابقين الأولين ومن جملتهم آل البيت رضي الله عنهم ؟! ، فبغضهم منقصة عظيمة كما وقع لفئام من أهل الشام بعد صفين ، فأبغض النواصبُ آل البيت ، رضي الله عنهم ، ولم يكن من أولئك أحد من الصدر الأول ، بل ومن القرن التالي ممن اشتهر بالاستقامة ، *** يتلبس بهذه البدعة القبيحة في الجملة إلا أقوام قُتِلَ آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم في الحرب ، فكانوا من عامة من سكن الشام بعد الفتح *** يكن لهم في الجملة صحبة ، وإنما هم أقوام جاءوا بعد ارتفاع النبوة *** يكن لهم من صناعة الوحي حظ يضاهي ما كان لِلصَّدْرِ الأول ، رضي الله عنهم ، إذ صنعهم الرب ، جل وعلا ، على عين النبوة التي هذبت الطبائع بصادق العقائد وعادل الشرائع ، *** يكن لمن جاء بعدهم من تهذيب الرسالة ما كان لهم فلئن وقع شر بينهم إذ كان قتال في الجمل وصفين ، فالشر فِيمَنْ أَتَى بعدهم أعظم ، إذ العهد بالنبوة أبعد ، فكلما بعد العهد بالنبوة كثر الشر وقل الخير ، والقياس يطرد وينعكس ، فكلما قرب العهد منها فالخير أكثر والشر أقل ، فكان ظهور النواصب في بلاد الشام إذ قامت الحرب لا على قاعدة دين ، فكل يحكم بإسلام الخصم بل وينكر على من غلا فكفر أو قدح كما أثر عن عمار ، رضي الله عنه ، إذ رد مقال جملة من الغلاة حكموا بكفر أهل الشام أن قاتلوا الإمام الذي انعقدت له البيعة ، ولو كان قتالهم كما تقدم ردا للدين ونكوثا عن التوحيد وبغضا لأهله ، لصدق القائل إذ كفرهم ، ولكن ذلك القول بالتكفير كان منشأ غلو فشا بعد ذلك في جملة من القراء في جيش العراق ، فسرعان ما غلا القوم فكفروا الخليفة وكفروا الفريقين ، بل وزاد الأمر أن كفروا جمهور المسلمين إلا من وافقهم الرأي وانحاز إلى مهجرهم الجديد في حروراء ، فكان ذلك من سفه الرأي ، وضعف العقل كما قد وصفهم صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ" ، فكان القتال في الجمل على قاعدة اجتهاد في دفع الصائل بعد أن اندس المرجفون من أهل الفتنة في الصفين في جنح الظلام وأنشبوا القتال فكان كل يجتهد في دفع من يظن أنه قد صال عليه وإذا دارت رحى القتال فمن ذا يوقفها إلا الرب ، جل وعلا ، فيقيض من يحسم مادتها ولو بعد حين يسفك فيه من الدم الحرام ما قد قضى به رب العباد ، جل وعلا ، فيقضي من يقضي بالتأويل ويحط رحله في كنف الرب المجيد ، جل وعلا ، فكل يبعث على ما انتوى ولأهل الفضل من الخير ما يغفر الخطأ في التأويل كما كانت حال ال**ير وطلحة ، رضي الله عنهما ، فدعا أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه ، أن يُنْزَعَ الغل من الصدور في دار الحبور والسرور فيكون القوم من أهل : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) ، فهم أولى بهذه المنقبة لعظم السابقة ، وكان القتال في صفين على قاعدة اجتهاد في رد الباغي الذي لم يسلم بإمارة صحيحة انعقدت فهي خلافة نبوة بالإجماع ، انعقدت في المهجر النبوي وتولى كبرها أهل الحل والعقد الشرعي والسياسي ، إذ لم يكن لها من الإجماع ما كان لخلافة من تقدم ، فخالف أهل الشام وإن انعقدت البيعة صحيحة بدونهم ، فكان امتناعهم بغيا لا يقدح في صحة البيعة فلا يشترط فيها الإجماع ، بل المعتبر أن يجمع أهل الحل والعقد ، وإن علم لهم مخالف ، وأهل الحل والعقد آنذاك وإن كان فيهم جملة من الصحب من بقية الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، إلا أنه قد شاركهم في الأمر عنصر وافد كان له من شوكة الحرب ما جعل له في الأمر حظا ، وإن كان في الجملة على حال غير مرضية بعد أن أشعل الفتنة وأفسد الأمر فقتل الخليفة الشهيد ، رضي الله عنه ، فهو باغ على سلطان الخلافة ، وبغيه ، لو تدبر الناظر ، أعظم من بغي أهل الشام إذ ردوا بيعة الخليفة علي ، رضي الله عنه ، فإن لهم من عذر التأويل ما ليس للأولين ، فلا يستوى من بدأ في البغي حتى قتل الخليفة ، ومن رد البيعة بادي الرأي ، وتأول أنه يدفع عن نفسه من سار إليه ليقاتله ، وأنه ، مع ذلك ، يطلب القصاص للخليفة الشهيد *** يكن الأمر ، كما تقدم ، على قاعدة دين يكفر فيها المخالف ، ولم يكن على أمر دنيا يروم كلٌّ استلابها بل قد أقر كبار أهل الشام بفضل علي ، رضي الله عنه ، والآثار في ذلك معروفة مشهورة وإنما خشي القوم أن يباغتوا لا سيما والبغاة الأوائل قد اندسوا في جيش الخلافة وصارت لهم شوكة أدخلتهم ، شاء الناظر أو أبى ، في أهل الحل والعقد فكان النقص في هذا الحد ، فأهل الحل والعقد كانوا كبار أهل الشورى زمن النبوة وصدر الخلافة الراشدة ، ثم لم تلبث الحال أن نقصت بِبُعْدِ العهد بالنبوة ، فطرأ النقص على الناس زمنَ عثمان ، رضي الله عنه ، أن فتحت الدنيا وتغيرت الحال فنشأ فئام من الناس في ترف من العيش وبطالة من الشغل ، وتلك سنة كونية لا يمكن جحدها ، إذ بعد الشدة يكون الترف ، وهو ما يسارع في فساد الحال ، ولا يمكن من وجه آخر أن يحتج بها من قصر في امتثال الشرع ، فلا يحتج بالكون على تقصير في الشرع ، وإنما تلك ، كما تقدم ، طبائع في الأمم والجماعات بما أجرى رب البريات ، جل وعلا ، من السنن الكونية النافذة ، فالحال تنقص إذا بعد العهد من النبوة ، والحال تنقص إذا فشا الترف ، وهذا النقص مما تظهر آثاره في السياسة والحرب ، إذ نقصت تبعا لذلك حال أهل الحل والعقد ، فدخل عنصر جديد ، هو أهل الشوكة ، وإن لم يكونوا أهل ورع وتقوى ، فانتقلت الحال من ولاية العلماء إلى ولاية الأمراء وقادة الجيوش ، ولم يكن ذلك ، بداهة ، دفعة واحدة ، بل كان التدرج من زمن عمر إلى عثمان ، رضي الله عنهما ، إذ بدأ الترف يظهر ، وقد أفرز طبقة جديدة من الناس لم تنل من صناعة الوحي ما نال الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهذه الطبقة أفرزت بعد ذلك رءوس الفتنة الذين صار لهم من الشوكة ما يُخْشَى لا سيما بعد مقتل الخليفة الشهيد ، رضي الله عنه ، فكان ذلك عاملا جديدا أَثَّرَ في مفهوم أهل الحل والعقد بالسلب ، فكان أهل الحل والعقد الذين بايعوا عليا ، رضي الله عنه ، كانوا في الجملة دون أهل الحل والعقد الذين بايعوا من قبله ، مع أن فيهم من أهل الفضل من لا تجحد سابقته في الدين ، إلا أنه قد شاركهم من هو دونهم ممن فرض سطوته بحد السيف لا سيما بعد استيلاء القوم على المدينة وفرضهم أَمْرًا وَاقِعًا جديدا في السياسة والحرب ، وهو ما حمل عليا ، رضي الله عنه ، أن يهادنهم ، فـ : "كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم" ، *** يزهد في الثأر من قتلة الخليفة الشهيد ، رضي الله عنه ، وإنما أراد التأني لئلا يَنْتَشِرَ الأمر فينفلت ، وَتَتَّسِعَ دائرة الفتنة فلا تنحصر ، فيقع بين الناس من الحرب ما ينقض الأ**ار ويستبيح الحرمات ، فكان هذا النقص في الحال بانقضاء عصر النبوة وشطر عظيم من دولة الخلافة الراشدة وقبض رءوس الناس من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فضلا عن تصدر جيل جديد تولى كبر الفتنة ، وكان جمهور من قاتل من هذا الجيل فقد كف الأوائل من الصحب الأفاضل فامتثلوا أمر النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا ينهضوا في أمر يشتبه ، فتعظم فيه الفتنة *** يقارف الحرب إلا آحاد منهم اجتهدوا فترجح عندهم الحق في طرف فلا يملكون إلا أن يعملوا بما أداهم إليه الاجتهاد وإلا أثموا *** يروا لأنفسهم عذرا في التخلف ، ثم كان نقص تال بمقتل الخليفة الشهيد الثاني علي ، رضي الله عنه ، بعد خروج الخوارج الذين كان قتالهم دون قتال أهل الجمل وصفين ، فحصل النقص في الحرب ، أيضا ، فمن قتال فتنة في الجمل إلى قتال بغي في صفين لا قاعدة دين يستند إليها ، وإنما كان الاجتهاد الذي تقدم ، إلى قتال بغي على قاعدة دين يكفر فيها المخالف كما صنعت الخوارج وإن كان لهم حظ من التأويل رفع الحكم وإن لم يرفع الإثم ، ثم كان النقص أن انتقل الأمر من خلافة خالصة إلى خلافة مشوبة بملك ، أو ملك مشوب خلافة ، أو ملك كان فيه من الرحمة شيء عظيم ، فتولى معاوية ، رضي الله عنه ، فحكم بحلم وأناة ، وكان حلمه أغلب لِغَضَبِهِ إلا في مواضع لِيمَ فيها كما صنع بحجر بن عدي ، رضي الله عنه ، وصحبه في القصة الْمَعْرُوفَةِ ، فكانت الحال في الجملة أنقص من حال الخلافة الراشدة فلا يعدلها ما بعدها ، وما بعدها من خلافة معاوية ، رضي الله عنه ، لا يعدله ، هو الآخر ، ما بعده من الملك العضوض الذي افتتحه معاوية ، رضي الله عنه ، إذ أوصى لابنه في اجتهاد خالف فِيهِ السنة ، وإن استند إلى جملة وقائع على الأرض لا يمكن جحدها فقد حصل النقص في أهل الحل والعقد فصار في الجملة لأهل السياسة والحرب *** يكن آنذاك من الصدر الأول إلا قلة آثرت الكف لا سيما بعد ما كان من فتنة ، وهو ما نظر فيه معاوية إذ خشي فتنة جديدة بعد أن انتقلت عصبة الخلافة من المدينة إلى الشام ، فصار لأهل الشام بأس يخشى إن خرج الأمر منهم وصار لغيرهم ، لا سيما مع بزوغ العصبيات بعد انقضاء زمن النبوة والخلافة ، فَرَجَعَ الناس إلى العصبية ، وإن كان لهم من الدين حظ إلا أن النقص ، كما تقدم ، سنة تجري بِبُعْدِ العهد من زمن الرسالة ، ولم تزل الحال بعد معاوية ، رضي الله عنه ، في نقص ، إذ كانت خلافته قنطرة جاوز فيها الأمر حد الخلافة الخالصة إلى الملك الخالص فجمع الوصفين إذ غلب على أول أمره الخلافة ، ثم لم يلبث أن غلب عليه الملك وإن بقيت آثار خلافة ورحمة ، فغلب طابع الملك بعد أوصى لابنه ، ثم صار الأمر ملكا خالصا عاضا من بعده ، ومع ذلك بقي فيه من الخير شيء عظيم لا سيما بعد استئناف الفتوحات بعد أن استقر الأمر لعبد الملك بن مروان ، وإن بَغَى على أمير المؤمنين عبد الله بن ال**ير ، رضي الله عنهما ، إلا أنه قد تغلب بحد السيف فكان نقص آخر ، إذ صار الملك جَبْرًا ، وكان قتاله لابن ال**ير ، رضي الله عنه ، قتال الباغي من أجل الدنيا ، فهو يرفع الحكم ولا يرفع الإثم وإن كان إثمه دون إثم الخوارج فإن عبد الملك لم يكفر ابن ال**ير ، رضي الله عنهما ، كما كفر الخوارج عليا ، رضي الله عنه ، فنازع عبد الملك الخليفة سلطانه بعد أن آل إليه ببيعة عامة إلا فئاما من أهل الشام فقد بايع منهم الضحاك بن قيس الفهري وجملة من أهل الشوكة في الشام حتى آل الأمر أن طردوا بني أمية من دمشق وكاد الأمر يستتب إذ عقد مروان بن الحكم رأس بني أمية آنذاك ، عقد العزم أن يرحل إلى ابن ال**ير في الحجاز ليبايعه فقد بايعته الأ**ار كلها ، لولا أن حرضه المشئوم المذموم عبيد الله بن زياد الذي حرض قبل ذلك على قتل ا***ين ، رضي الله عنه ، بل وسعى في ذلك كما قد علم من يوم كَرْبلاء ، وحرضه ، أيضا ، أصهاره من بني كلب ، إذ خافوا أن يخرج الأمر من أيديهم ، فجمع مروان عصبته وقاتل الضحاك في مرج راهط ، ثم جاء عبد الملك الذي قاتل **عب بن ال**ير في العراق ، واستولى على **ر ، وبعث الحجاج فحاصر ابن ال**ير ، رضي الله عنهما ، وكان ما كان من قتله شهيدا ، فاستتب الأمر لعبد الملك الذي حكم بسيف الجبر فانعقدت له بيعة جبر هي ، بداهة ، دون ما قبلها ، وكان النقص ، كما تقدم ، في الناس ، وهو ما يظهر أثره في أهل الحل والعقد ، فهم نخبة الناس في عصرهم ، فازداد الأمر إيغالا في الجبر وإن كان فيه حظ عظيم من الخير إذ اتسعت رقعة الفتوحات زمن بني أمية ما لم تَتَّسِعْ في أي عهد آخر ، *** يكن لبني العباس بعدهم من مأثرة فتح إلا شيئا يسيرا بل قد خرج من سلطانهم جملة أ**ار ، *** يكن لسلطانهم من القوة والشوكة ما كان لبني أمية ، فكان النقص تَتْرَى بما تقدم من نقص يزداد إذ يَبْعُدُ الناس عن عصر الرسالة ، إلا ما كان من ومضة تجديد في عصر ابن عبد العزيز ، رحمه الله ، لم يطل أمدها ، ورجع الأمر إلى سابق العهد وإن حفظ الملك حتى نهاية خلافة هشام بن عبد الملك فبعده لاحت أمارات الانهيار السريع بعد أن كان النقص بطيئا يتدرج فجاء جملة من الخلفاء اتسمت خلافتهم بالاضطراب وكثرة الخروج فحاربوا بعضهم طمعا في السلطان حتى جاء من استلبهم الأمر وأوقع فيهم من القتل والسفك ما صار مضرب المثل فهو السفاح المبير فضلا عن عمه عبد الله بن علي ، وضعفت عصبة الدولة إذ انتقلت من العصبة العربية زمن بني أمية ، وهي خير في الجملة ، إلى العصبة الأعجمية لا سيما الفارسية زمن بني العباس ، وهي دون العربية في الجملة ، ولعل ذلك ما يجد الناظر آثاره إلى يوم الناس هذا وإن ألبس الأمر لباس الدين ، فوراء الأكمة ما وراءها من شعوبية بَزَغَ نجمها في هذه الأعصار ، فكان المذهب ستارا لأحقاد شعوبية تروم الثأر من العرب الذين قوضوا ملك الآباء الذي بلغ شطر العالم القديم بل وامتد سلطانه إلى بلاد الشام حتى أرجع بني إسرائيل إلى البيت المقدس زمن قوروش بعد السبي الأول ، ودخلها واستولى على صليب الصلبوت وطرد الروم منها بل ودخل **ر ، وبلغ آسيا الصغرى وساحل البوسفور فوطأ أرض العدو وبلغ حاضرة ملكه قبل أن يستفيق الروم ويستردوا الزمام ، بل ويدهموا الفرس في دارهم ، في حرب ورد ذكرها في التَّنْزِيلِ ، فكان ذلك من إعجاز الخبر في الوحي : (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) . وفي مقابل هذه الشعوبية كان التعصب في العرب لا سيما بعد زوال رسم الخلافة الجامع فكان ذلك مما ظهرت آثاره في دول وزعامات تحملت هذا الوزر إذ خدعت الشعوب التي حيل بينها وبين الحق بستار كثيف من الباطل استعمل الترغيب تارة والترهيب أخرى فكان من استبداده وإسرافه في القتل والسفك وانتهاك سائر الحرمات ما لم يكن من المحتل الأجنبي الذي كان أعظم رأفة وذوقا في حكم البلاد التي احتلها ! ، *** يرحل إلا بعد أن أنشأ نخبة صنعها على عينه في السياسة والحرب والفكر تولت إتمام ما بدأ من إفساد الدين والدنيا ، ولم يخل العرب في آحاد منهم من تعصب يُنَفِّرُ ذا الدين والمروءة ، وهو ، أيضا ، أمر ترى آثاره تترى إلى يوم الناس هذا وإن كان ، بداهة ، دون الشعوبية التي حشدت الحشد لتوقع بالعرب المقتلة العظيمة ، وإن بأيديهم فتستعمل جماعات وحشودا منهم ليقتل بعضهم بعضا باسم الانتصار للمذهب والأخذ بالثأر الذي مضى عليه من القرون ما مضى ! ، فالقتال الآن على قاعدة الخلاف في المذهب وإن شئت الدقة فقل الدين ! ، *** يعد الخلاف كما كان مبدأ أمره ، وإنما انشعب في الأصول والفروع فلا يكاد يجمع الفريقين إلا اسم يباين المسمى ، فاسم الإسلام تندرج فيه أطياف كثيرة ، فرقت الدين شيعا ، فيصدق فيها أنها من : (الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، وكل بما لديه فرح ، وإنما يفصل بينها الوحي ، فمن زعم الانتساب إليه فلا بد أن يقيم الحجة البالغة بتصديق أخباره وامتثال أحكامه التي لا تنال إلا من مشكاة النبوة ، وتلك آية المحبة التي يدعيها كل بر وفاجر ، فآية المحبة الاتباع المطلق في العقد والشرع والسياسة والرياضة وسائر أمور التكليف والاختيار ، فـ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وكل محبة دونها فهي دعوى كاذبة يفضح زيفها ما يكون من مخالفة تعظم حتى تبلغ في أحيان حد الخروج عن الدين كله ! ، وإن زعم صاحبها أنه من أهله بل ومن أوليائه الناصحين ، فيدخل من هذا الوجه في عموم قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) ، فعموم الموصول : "مَنْ" يستغرق كل من يعطيك من طرف اللسان حلاوة ولا ترى إلا المرارة في قوله وعمله ، فلا يخص السياق بسبب النزول وإنما يجري مجرى ضرب المثل وإن لم يكن المقيس عليه مثله في الكفر والفجر فهو يضاهيه أو يدانيه وربما زاد عنه في الإفساد في الأرض والإهلاك للحرث والنسل ، فليس إلا القدح في الأديان بالقول ، والتعطيل للأحكام بالفعل ، فينتهك حرمات الدين والدنيا ويزعم أنه من أتباع الكتاب والسنة ! ، فكان تعصب الشعوبية التي ازدرى أهلها العرب ولا زالوا فكان لسان النذير من ولاة بني أمية : من كان يسألني عن أصل دينهم ******* فإن دينهم أن تهلك العرب . وكانت وصاية الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس لداهية الحرب والسياسة أبي مسلم الخراساني القائم بإزالة ملك بني أمية في المشرق والزاحف على سلطانهم ، كانت وصايته له : "إن استطعت ألا تدع بخراسان لساناً عربياً فافعل" ، وخراسان ، كما قد علم ، مهد الدعوة لبني العباس . وتفضيل العرب على غيرهم ، أمر لا يجحد ، وإلا ما اختار الله ، جل وعلا ، أن يبعث فيهم خاتم رسله وخيرهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولكنه ، من وجه آخر ، تفضيل جملة على جملة ، لا تفضيل جميع على آخر ، فليس كل عربي خيرا من كل عجمي بل من الأعاجم من الصحابة ومن تلاهم من هو خير من فئام عظيمة من العرب ، وإن شرف نسبهم فكانوا من عصبة قريش التي اختصها الرب ، جل وعلا ، بالرسالة والخلافة ، فلا يجحد أحد فضل العرب إلا من أفرط في الشعوبية التي كانت عند التدبر والنظر نقصا تَوَلَّدَ من نقص ، فمن إفراط بني أمية في التعصب لعنصرهم العربي ، وقد كان سببا رئيسا كما يذكر بعض المؤرخين ، في سقوط ملكهم إذ اضطهد القوم الموالي فحجبوا عنهم وظائف الدولة بل وضربوا على بعضهم الجزية مع دخولهم في الإسلام ، وكان هذا الاضطهاد سببا في ازدهار دعوة الخوارج في المغرب بعد انتقال عدواها من المشرق فقد وجدت حاضنة شعبية ساخطة على ظلم الولاة ، فكانت لهم شوكة في المغرب الأقصى وما جاوره ، فمن هذا الإفراط إلى إفراط بني العباس في الاعتماد على عصبة أعجمية في خراسان وأجوارها ، كانت هي معول الهدم لملك بني أمية ، فحصل النقص في أهل الحل والعقد ، وهو ما يظهر أثره في السياسة والحرب فكانت المقتلة العظيمة التي أوقعها بنو العباس في بني أمية ، وكان القتال وإن زعم من تولى كبره أنه انتصار للرضا من آل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وثأر لآل البيت ، رضي الله عنهم ، على ما كان في كربلاء ، كان هذا القتال قتالا لأجل الدنيا والملك ، فكان النقص في السياسة والحرب فَرْعًا عن النقص في الدين ، وتلك ، كما تقدم ، سنة جارية ، فقد انتقل الناس من النبوة إلى الخلافة الراشدة ، ورجالاتها رجال أمة ، إلى الملك ورجالاته رجال دولة كعبد الملك فحل بني أمية ، وأبي جعفر فحل بني العباس ، وعبد الرحمن بن معاوية بن هشام ، صقر قريش ، فحل بني أمية والقائم بمجدهم التالد في دورهم الزاهر في الجزيرة الأندلسية ، وفحول كثيرة كان لهم من حنكة السياسة وشجاعة الحرب شيء عظيم ، ولكنهم لم يكونوا ، بداهة ، كالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فحالهم أنقص ، وحال أهل الحل والعقد في أعصارهم أنقص ، وهو ما زاد بعد ذلك إذ انهارت العصبة العربية واستولت العصبة الفارسية زمن المأمون فكان صراعه مع أخيه الأمين ، عند التدبر والنظر ، صراع البقاء بين العصبة العربية التليدة والعصبة الفارسية الوليدة ، والتي نجم في سلطانها من المحدثات في الدين ما لا عهد للناس به زمنَ بني أمية فمع جورهم في السياسة إلا أنهم كانوا من أشد الناس نكاية في المحدثات في الدين ، *** يستعلن أصحاب البدع المغلظة بقولهم ويصير لهم في أروقة السلطان حظوة إلا مع صعود المامون واستوائه على عرش الخلافة ، فكانت الفتنة العظيمة زمنَ أحمد ، رحمه الله ، وقد تَوَلَّى كبرها أعاجم من أمثال بشر المريسي وأحمد بن أبي دؤاد ..... إلخ ، فضلا عن ظهور مذاهب مارقة لا ينقضي العجب من النظر في مقالها كالرواندية والبابكية الإباحية التي كانت امتدادا لِلْمَزْدَكِيَّةِ وهي ، أيضا ، مما وجد الحاضنة الشعبية في البيئة الأعجمية إذ سرعان ما تفشو البدعة إذا فشت العجمة فأصحابها لا يفقهون من الوحي العربي ما يفقهه أهل اللسان ، فتكون مسارعتهم في أي قول باطل أعظم ، وهو أمر يعلم باستقراء رءوس المحدثات في جميع الأعصار والأ**ار إلى يوم الناس هذا ، وهل ظهرت بدع كالبهائية والقاديانية على سبيل المثال إلا في بيئة أعجمية لا حظ لها من لسان العرب في كنف المحتل ورعايته إذ وجد فيها ****ا يطعن به الشعوب في عقائدها وأخلاقها ، فتصير فريسة يسهل اقتناصها وترويضها ، فكان النقص في السياسة والحرب ، كما تقدم ، مُوَاكِبًا للنقص في الدين ، وكان ضعف العصبة التي صارت أعجمية ، وذلك ما ترشح آثاره في أهل الحل والعقد فالنقص لا زال جاريا لا سيما مع انتقال العصبة إلى الترك بعد تولي المعتصم الأمر بعد أخيه فقد استجلب العنصر التركي وقلده أمر الجيش ! ، فصارت القوة بيد الأعاجم وهو ما مكنهم بعد ذلك أن يستلبوا السلطان الفعلي ، لا سيما بعد مقتل المتوكل العباسي ، فكان أن بلغت الجرأة حد التخلص من رأس الدولة وذلك غرور القوة المسلحة لا سيما إن أقحمت في ميدان السياسة فصار لها من الأمر والنهي ما تكون به التولية والعزل ، وإن احتفظوا بالخليفة الصوري ليحكموا من ورائه ، فصار حال الخليفة المستعين بالله العباسي ، كما يتندر بعض الشعراء : خليفة في قفص بين وصيف وبغا ******* يقول ما قالا له كما تقول الببغا . ووصيف وبغا من كبار القواد الترك الذين استجلبهم المعتصم بالله . ولما رام أحد الخلفاء وهو المهتدي بالله أن يرد الناس إلى شيء من العدل لم تطق النفوس التي درجت في مهاد الجور مع أنه لم يكن ذا سلطان فعلي ، فضاقت به الخاصة والعامة لاختلاف الأحوال ، كما يقول ابن كثير رحمه الله ، فقد فشا الترف ، وعظم الفساد في السياسة وحصل النقص في أهل الحل والعقد أن صاروا ثلة من العسكر الأعاجم ، فتخلصوا من الخليفة ، ولم يطق بنو أمية ولاية ابن عبد العزيز ، رحمه الله ، فقتلوه وهم أهله وعصبته فكيف بالقادة الترك وأمر المهتدي أضعف والحال في زمانه أفسد ؟! ، فقتله بداهة أيسر بكثير فلا بأس يخشى من قَتْلِهِ علانية فقد قتل ، رحمه الله ، شهيدا يذب عن نفسه بسيفه ! ، ولم يغضب لقتله أحد فقد سئمت الخاصة والعامة منه مع قصر ولايته التي لم تتجاوز أحد عشر شهرا ، ثم كان النقص بعد ذلك أن انتقلت العصبة إلى بني بويه الذي جمعوا العجمة والبدعة معا ، فصار لأهل البدعة من الذيوع والانتشار ما عظم به الفساد حتى جهر بسب السلف من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، في بغداد حاضرة الخلافة السنية ، وفي عهدهم ازدهرت البدع الباطنية بل وصار لها دولة في المغرب ثم **ر وهي التي امتد سلطانها إلى الشام ، وكان لها حلفاء في البحرين من القرامطة الذين قتلوا الحجيج وَاسْتَلَبُوا الحجر الأسود ، فعظم الشر وكان النقص ، كما تقدم ، في السياسة والحرب وأهل الحل والعقد ، وذلك ما واكب النقص في الدين إذ ظهر من البدع والمحدثات ما لم يكن قبل ذلك حتى بلغ الأمر حد الخروج عن الدين والعقل في مقالات كالباطنية الإسماعيلية وما تفرع عنها من مقالات الحشاشين في بلاد الشام ، والنزارية في قلعة ألموت والتي قامت بعمليات اغتيال سياسية واسعة النطاق فبلغ الأمر حد القتل للخلفاء والوزراء والعلماء ، وجرائم الباطنية مسطورة في كتب التاريخ ، فضلا عن تواطؤهم مع أتباع الصليب في حملاتهم على البيت المقدس وسعيهم الحثيث في الاستيلاء على بغداد وإسقاط الخلافة وكاد الأمر يتم في فتنة البساسيري المعروفة لولا أن قيض الله ، جل وعلا ، بني سلجوق فأرجعوا الخليفة إلى دار ملكه وأظهروا له من التعظيم الروحي ما لم يكن معهودا زمن بني بويه ، فالسلاجقة كانوا على مذهب أهل السنة ، وكان لهم من القوة والفتوة ، بادي أمرهم ، ما جعلهم حائط صد قاوم الصليبيين من أتباع الإمبراطورية البيزنطية الشرقية الأرثوذكسية فانتصروا عليهم في موقعة ملاذكرد الشهيرة 463هـ ، وقاوم الباطنية فناجزهم بمشروع سياسي وعلمي تولى كبره رجال أفذاذ من أمثال الوزير الشهير نظام الملك والإمام أبي حامد الغزالي ، رحم الله الجميع ، ولكن النقص كان قد بلغ حد انفراط عقد الخلافة إلى دويلات شتى ظل بعضها على ولائه الاسمي للخلافة كالدولة الطولونية وبعدها الإخشيدية ، وخرج بعضها عن سلطان الخلافة كليا بل وادعى الخلافة بعد أن رأى ما آل إليه أمرها في بغداد من نقص ، فادعاها عبد الرحمن الناصر ، رحمه الله ، واسطة العقد في ملك بني أمية الزاهر في بلاد الأندلس فاتخذ لقب أمير المؤمنين سنة 316هـ بعد أن بلغه مقتل الخليفة المقتدر العباسي فقد صار الملك ألعوبة وذهبت حشمة الخلافة أن آل أمرها إلى أم الخليفة وبعض جواريه ! ، وادعاها المهدي العبيدي ذو النسب الباطل والحال الفاسد ، وادعاها بنوه من بعده فعظمت بهم المحنة حتي قيض الله ، جل وعلا ، مقدم بني أيوب ، صلاح الدين يوسف ، أن يستأصل خضراءهم ويهدم ملكهم ، فكانت صحوة في المشرق ، وكانت صحوة سبقتها في المغرب زمن ابن تاشفين ، رحمه الله ، ومن بعدها كانت نكبة المرابطين على يد الغلاة من الموحدين وإن كان ثم ومضة زمن أبي يوسف يعقوب المنصور ، رحمه الله ، وكانت نكسة الشرق العظمى أن خرج المغول في جحافل لا طاقة لأحد بها ، لا سيما مع الفساد الذي استفحل أمره في الدين والأخلاق والطبائع ، فكان ازدهار الطرق المتأخرة في التصوف والتي غلبت عليها مقالات الفناء والحلول والاتحاد ... إلخ ، وهي مقالات ذات أصول أجنبية دخيلة فَغَلَبَتْ عليها العجمة وذلك أمر يعلم بتتبع أصول رجالاتها ، كما يذكر بعض الباحثين ، فالنقص في العربية ، من وجه آخر ، يقترن بالنقص في هذه الشريعة إذ لسانها العربية ، وكان النقص في الشرع أن ركن الناس إلى التقليد فاجتاحت الأمة موجة عارمة من التقليد والتعصب المذهبي ، فضلا عن وهاء وضعف في عقد الإيمان زكاه ذيوع مقال الإرجاء الذي أقعد الناس عن العمل ، إذ أخرجه من مسمى الإيمان فقصره على تصديق بارد في القلب لا حراراة له في الأعمال ، سواء أكانت أعمال الأفراد ، أم أعمال الجماعات في أمور السياسة والحرب ، وزد عليه تولي أهل البدع المغلظة مقاليد الحكم فكان الوزير الأول في الخلافة غاليا في التشيع مبغضا للخلافة ساعيا في زَوَالِهَا ، فسعى في إضعاف الجيش وتسريح أفراده ، فكان نقص السياسة والحرب ، وهو ما واكب ، كما تقدم ، النقص في الدين ، والنقص في حال أهل الحل والعقد وما ظنك بدولة مدبر أمرها ألد أعدائها ؟! ، فضلا عن تحريض النصير الطوسي ذي العقد الباطني الإسماعيلي ، فأطلق هولاكو رصاصة الرحمة على خلافة مريضة ، وكانت ثم ومضة جديدة في عين جالوت ، لم يلبث صاحبها أن قضى مغدورا ، وازدهر ملك الجبر في **ر والشام والحجاز باستيلاء المماليك على مقاليد الحكم بعد انتهاء ملك بني أيوب بما طرأ عليه من سنة الرب ، جل وعلا ، النافذة ، فسرعان ما دب النقص بل وعظم فمنح الكامل الأيوبي فردريك الثاني بيت المقدس نحلة ! ، سنة 627هـ ، ولم يكن قد انقضى على استعادته نصف قرن بعد ملاحم لم يشهدها الكامل فما فرط في الأمر إلا الجاهل الذي لا يعلم كم بذل الأوائل من الجهد حتى مهدوا أمر الدين ووطدوا أمر الملك لخلف لم يحفظوه بل فرطوا فيه وضيعوه ، فكان النقص في دولة المماليك ، وإن لم يخل القوم من مآثر عظيمة في جهاد المغول والصليبيين حتى أخرجوهم من آخر معاقلهم في بلاد الشام زمن الأشرف خليل سنة 690هـ ، ونجم في تلك الآونة نجم الخلافة العثمانية ، وهي دون الخلافة العباسية إذ عصبتها أعجمية خالصة ، فضلا عما تلبست به مبدأ الأمر من تصوف متأخر ، لم يلبث أن ازدهر بعد ذلك فكان سببا رئيسا في زوال الخلافة جملة وتفصيلا ! ، بل قد اتخذه كمال أتاتورك ذريعة ليزيل رسم الملك باسم الإصلاح للدين وتطهيره من البدع والخرافات ! ، وزد عليه ما كانت عليه الدولة في العقد من إرجاء ازدهر في مقال الماتريدية الذي انتحلوه ، فضلا عن جمل من التأويل في الإلهيات كما اشتهر في مقال القوم ، وكان تعصبهم للمذهب الحنفي وهو أمر يغلب على الترك وأهل المشرق ولازال فاشيا فيهم إلى يوم الناس هذا ، فازداد النقص وضعفت عصبة الدولة وإن كانت مبدأ أمرها دولة جهاد فتحت من الأرض ما لم يفتح قبل ذلك إلا أنها لم تكن على الجادة الأولى في كل أمر ، فسرعان ما دب فيها ما دب في الممالك السابقة من الضعف والخور ، فظهر الفساد السياسي وظهر الفساد العسكري أن صار الإنكشارية ، نخبة الجيوش ، صاروا عبئا على حكومة الباب العالي لما دسوا أنوفهم في أمر السياسة فانصرفوا عن وظيفتهم الرئيسة وهي القتال واشتغلوا بالسياسة ، واشتغال العسكر بالسياسة يؤذن بِفَسَادِ الأمر ! ، واشتغال السلطان بالتجارة يؤذن بفساد المعاش ، كما قال ابن خلدون ، رحمه الله ، وكلا الأمرين قد وقع في هذه الأعصار على وجه فسدت به الحال أيما فساد ، وذلك النقص الظاهر ، ولكنه يبطن فسادا أعظم ، فسادا في العقد لم يَزَلْ يعظم من عصر إلى آخر يَلِيهِ ، وفساد في الشرع فمن التعصب للمذاهب أواخر أيام الخلافة إلى تعطيل الشرائع بعد زوالها ! ، وفساد في اللسان عجمة وعامية صيرت ألفاظ الوحي طلاسم وألغازا لا يَفْقَهُهَا عموم المسلمين عربهم وعجمهم ، وفساد في التصور بذيوع مقال الإرجاء الذي مهد للطرح العلماني أن يزدهر إذ أخرج أمر العلم من الإيمان كما أخرج القوم أمر الدنيا من الدين ، وفساد في حال المفتين والقضاة ومشايخ الطرق .... إلخ ممن يعظمه الناس ديانة ، فكان فسادهم ، أيضا ، مما مهد لأنصار الطرح العلماني أن ينبزوا الإسلام بما نبزت به أوروبا الكاثوليكيةَ التي سطا رجالها على مقدرات الدنيا باسم الدين ! ، وفساد في السلوك فقد صار الدين تصوفا هو مظنة الخمول والقعود وهو ما واكب التقليد في الفقه على وجه أفضى إلى حال جامدة في ظل حياة متسارعة فكان ذلك ، أيضا ، مما مهد للطرح العلماني أن يزدهر بحجة قصور الشريعة أن تواكب منجزات العصر ، فليس لها إلا بطون الكتب وقاعات المتاحف فهي شريعة البدو التي لا تصلح أن تحكم الأمم في عصر الذرة ! ، فكل أولئك مما رشح عنه الفساد السياسي والعسكري الذي عظم خطره في القرن الأخير وليس عند التدبر والنظر إلا إفرازا بدهيا من إفرازات ما تقدم من وجوه النقص التي لازالت تعظم شيئا فشيئا حتى انفجر الجرح وسال القيح والصديد في سلسلة من الحكومات السياسية الجائرة والانقلابات العسكرية الناجحة والفاشلة ! ، لم تحفظ الدين فكان الفشل الفكري والأخلاقي ، ولم تحفظ دنيا فكان الفشل السياسي والاقتصادي ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) . وبعض الفضلاء يشير إلى نظرية "أم القرى" الأعجمية التي يَتِمُّ الآن تَفْعِيلُهَا في إطار مشروع سياسي إقليمي يروم صرف الناس إلى قبلة جديدة يزعم الخطباء فيها أن أبواب الجنة ثمانية منها ثلاثة لسكان تلك القبلة الجديدة ، وهو ، أيضا ، من التوظيف السياسي لمقال مذهبي محدث ، فهي قبلة دينية في الظاهر ، ولكنها قبلة سياسية في الحقيقة يروم أصحابها نقل الثقل السياسي في الشرق إلى ذلك المركز الجديد الذي يستعيد به القوم مجد آل ساسان . وقبلها طرح عبد الرحمن الكواكبي في كتابه أم القرى طرحا آخر يقابل هذا الطرح الشعوبي فطرح نظرية الخلافة العربية التي يكون مقرها الحجاز والتي تمتاز بسلطان روحي دون حكم فعلي فهي أشبه بالملكية الدستورية التي تملك ولا تحكم إذ أعطيت صلاحيات المركز للأقاليم في ظل حكومة تشبه إلى حد كبير الحكومة الفيدرالية وإن كان للحكم الفيدرالي صلاحيات أكبر لا سيما في القرارات ال**يرية السياسية والحربية ، فكانت أم القرى عاصمة لخلافة عربية رام الشريف حسين إقامتها بأيدي المحتل البريطاني الذي نجح في توظيف هذا الطرح لطعن الخلافة المركزية استنادا إلى عصبية عربية قابلت عصبية أخرى في مركز الخلافة فكان الصراع بين القوميات الطورانية في تركيا والعربية في الحجاز ، فضلا عن استدعاء قوميات سابقة للإسلام ، فاستدعيت القوميات الفرعونية والفينيقية والبابلية والفارسية والبربرية ....... إلخ ، وكل ح** بما لديهم فرحون ! . وبعض الفضلاء يشير إلى طرح لطيف نهجه المحتل في تغييب الذاكرة ومسخ الهوية في بلاد الشرق المسلم فكان استدعاء قوميات سابقة ، كما تقدم ، وكان اصطناع أخرى بعد زوال رسم الخلافة ، ففي كل **ر مشروع قومي أو سياسي ، فشخص الزعيم الخالد في **ر ! ، على سبيل المثال ، قد صار في أذهان أنصاره آنذاك ومن تبقى من فلولهم ، قد صار أمرا يتخطى الحكم والسياسة ، فقد صار هوية بل ومذهبا في الفكر والتصور ينافح عنه أصحابه وَيَنْتَسِبُونَ إلى زعيمه كنسبة أصحاب المقالات المحدثة كالجهمية وأضرابهم ، فخرج هذا المسخ الشائه من رحم قومية عنصرية كانت نتاج تعصب آخر في المركز ، كما تقدم ، وجمع الاثنين رسمُ الظلم والاستبداد والحكم بالجبر الذي يستند إلى سيف لا يعرف دينا ولا مروءة ولا شفقة ، حتى أطلق الكيان الصهيوني عليه رصاصة الرحمة في 5 يونيو 1967هـ ، فكانت العقوبة التي أذلت الزعيم ! ، وعم شؤمها كل بيت فمن قتيل أو جريح ، وذلك رسم العقوبات العامة ، فـ : (إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) ، *** يفسق إلا المترفون من أصحاب الجاه والقوة والرياسة ومع ذلك عمت العقوبة فدمر الرب ، جل علا ، القرية كلها من فسد ومن صلح ، وكل يبعث على ما انْتَوَى . وهذه الهوية الحادثة بعد مسخ الهوية الإسلامية أنموذج تكرر استنساخه في كثير من أ**ار المسلمين ، وقد غلب عليها جميعا طابع الظلم والاستبداد سواء أكانت عسكرية أم مدنية ، وإن كان ظلم العسكر أفحش إذ لهم من سلطان القوة ما ليس لغيرهم وفيهم من قسوة القلب وغلظ الطبع ما ليس في غيرهم . وأهل الحق في في هذه الآونة لا نجاة لهم إلا أن يفعلوا نظرية أم القرى الأولى ، نظرية : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ، وبعد ملك الجبر بشرى خلافة على منهاج النبوة لا على أي منهاج آخر وإن زعم أصحابه ذلك فليس الأمر ، كما تقدم ، دعوى ، بل لا بد من إقامة دليل الصدق والعدل عليها ، وكل حجيج نفسه أن ينظر في أية دعوى تطلق وأن يزنها بميزان الشريعة دون أن يتعصب لمذهب أو طريقة فذلك أمر يجب في جميع النوازل الفقهية والسياسية ... إلخ . ولا شك أن هذه الأطروحات الناقصة قد أعطت الذريعة للعلمانية بكل أنواعها أن تزدهر في الشرق ، فالعلمانية الفكرية والعلمانية التشريعية والعلمانية السياسية ..... إلخ ، ولا ينتفش الباطل ويزدهر إلا مع خفاء الحق وانزوائه ، وإنك لتعجب من صنيع هذه العلمانية التي تزعم أنها مشعل تنوير يبدد ظلمة الكهنوت الإسلامي ! ، فإذا بها تتحالف مع كل فكر ضال ، فتتحالف مع التصوف في دوره المتأخر ، والذي وقع في جمل من الانحرافات العقدية والشرعية بل والعقلية ! ، التي تخالف قياس العقل والفطرة الضروري ، وَتُثْنِي عليه أنه الدين السمح الذي يمكن خطاب العالم به ! ، وهو خطاب لو تدبر الناظر يهدم الدين الإسلام هدما بتعطيل أسباب الدين والحياة في مقال غلب عليه الإرجاء والجبر ، فهو يهون قيمة العمل ويجعل صاحبه يستسلم لأي عارض تمكن مدافعته بما شرع من أسباب ، فقد أصبح ذلك من ضعف الإيمان الذي صار مرادفا للتواكل والتكاسل والخلود إلى الراحة في الأربطة والتكايا ، فالإيمان عندهم تصديق مجرد وكسل محقق يغري أي فكر منحرف أن يتحالف معه لطعن الدين في مقتل ، فكيف يكون ذلك خطابا بناء عند قوم يزعمون أنهم بناة الحضارة الجديدة بالأخذ بـأسباب الدنيا وترك الدين الذي صار أثرا بعد عين *** يبق ، كما يقول بعض مؤرخيهم ! ، إلا ورقا أصفر يحفظ في المتاحف في عصر العلم الذي بدد ظلمة الخرافة مع أن القوم ليس لهم من هذا العلم المادي حظ فهم يقبعون في ذيل الأمم ماديا فضلا عن انحرافهم المعنوي فلا هم أبقوا دينا ينتفع به في آجلة ، ولا هم أصلحوا عاجلة بما ينتحلون من دعوى العلم والتنوير ، فكيف لهذه العلمانية إن كانت صادقة في دعواها أنها تبني الحضارة أن تتحالف مع مذاهب في العقد وطرائق في السلوك والفكر تهدم الحضارة هدما ؟! ، بل وتجعل هذا الخطاب الساذج هو وسيلة التقارب مع الآخر الذي لا يزيده هذا الأنموذج إلا نفرة من دين صار شعاره الكسل والتواكل ، وإنما هو وسيلة لِتَمْيِيعِ المفاهيم لا أكثر ، حتى يذوب الحق في الباطل باسم التقارب والتعايش فيصدر للخارج خطاب الوحدة الفكرية التي غلا من غلا من أرباب الاتحاد أن جعلها وحدة أعيان وأديان ، فثم دين واحد يجمع شعوب العالم وهو العقد الذي يجب الاستمساك به إذ يوحد ونبذ العقود الأخرى إذ تفرق فيجتمع الناس على دين الحب كما قال الأول ، وعلى مبادئ الثورة من إخاء ومساواة وحرية ، فمساواة تبطل الفوارق وتجعل ألقاب المؤمن والكافر من قبيل السب الفاحش ، وإن نص عليها الوحي في سياق المفارقة والمزايلة ، وحرية تصير ذريعة إلى استباحة جميع الفواحش والمنكرات أن خرج صاحبها عن سلطان الأمر والنهي *** يعد الدين إلا جملا باهتة في القلب لا يُتَعَصَّبُ لها فليست مناط مدافعة بين حق وباطل إذ انتقل مركز الثقل من الأديان إلى الأهواء والأذواق التي ينافح عنها أصحابها فهي عقودهم التي استبدلوها بعقد الدين المتحفي ! ، وقياس الدين الخاتم على دين الكنيسة هو عمدة القوم في القياس ، ومع ذلك يتم الاحتفاء بأية صورة دينية منحرفة تروج للخرافة والحقد والتعصب الذي ينبز به أهل الحق في كل عصر و**ر فتلك سنة جارية ، بلغت حد التكفير مع أن أهل الحق هم المتهم الأول بجريمة التكفير ، وهل كَفَّرَ أحمد ، رحمه الله ، في الفتنة الخليفة المأمون وجمهرة من تصدى لمناظرته مع أنهم حرضوا على قتله وسعوا في سفك دمه ديانة فهو عندهم المشرك المارق ! ، ولا ينقضي العجب من هذه العلمانية التي تتحالف مع ألد خصومها ، فهي ، كما تقدم ، تزعم أنها العلم في مقابل الخرافة والوهم ، ومع ذلك تَرُومُ خرافاتِ الطرقية وجملة من المذاهب الردية ، ترومها مرجعية فكرية لطرحها اللاديني فلا بد من مسحة دين تكمل أجزاء المشروع ، فقد حرص نابليون على توظيف الكاثوليكية كجزء من مشروعه الإمبراطوري مع أنه كان رقيق الدين إن لم يكن عديمه ، وكذلك حرص هتلر على تدجين الكنيسة الكاثوليكية فهي جزء من مشروعه النازي فضلا أنها رأس حربة لطعن الشيوعية الوافد الجديد من الجار السوفييتي بعد هزيمة ألمانيا المدوية في الحرب العالمية الأولى ، فكان الدين من أمضى الأسلحة في طعن الشيوعية التي بدأت تهدد مشروعه ، فهل كان هتلر ذا دين وورع أو أنه أراد صورة دينية محرفة تخدم مشروعه لا أكثر ، وكذلك صنعت العلمانية في طورها الإمبريالي إذ كان التنصير أحد وسائلها في دمج الشعوب المحتلة في إطار مشروعها العلماني اللاديني ، فالدين يدمج الآخر في مشروع لاديني ! ، وتلك قمة البراجماتية أن يستعمل الخصم عدوه اللدود لتحقيق **لحة عاجلة ، فتستخدم العلمانية الدينَ في ترويض الآخر ! ، وهذا الدين لا بد ، بداهة ، أن يكون دينا مستأنسا يعمل رجاله كجماعة وظيفية تؤدي مهام قذرة في تبرير انحرافات السياسة البراجماتية وإضفاء المشروعية بل وربما القداسة على أقوالها وأفعالها ، فذلك الدين الذي تَرْضَى به العلمانية ، فلا يمكن ، بداهة ، أن ترضى بالدين الكامل الذي جاء به النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو عدوها اللدود وإن وافق صريح المعقول الذي تزعم انتحاله فهي تروم حليفا ضعيفا يعمل في خدمة مشروعها وإن كان لا عقلانيا ! . وهذه العلمانية تروم فرض نظرية جديدة تقضي على أية عصبية دينية أو قومية في طرح ماسوني النزعة يجعل الإنسانية هي مناط الولاء والبراء ! ، ومن أجل ذلك لا بد من الفك والتركيب في السياسة ، لإنشاء جغرافيا جديدة ، هي جغرافية العولمة ذات القيم الأممية الجامعة التي تلغي الفوارق فتصير الدنيا كلها على قيم الأمة الأقوى التي تعتبر نفسها الأنموذج الذي يجب احتذاؤه طوعا أو كرها ! ، مع أن هذه القوة لا تروم المساواة فليست تلك الأفكار إلا وسيلة السيطرة على الأمم الأضعف واستنزاف مواردها المادية والبشرية لتصب في قناة القطب الأوحد الذي يفرض سياسة التقسيم وإعادة توزيع القوى على وجه يحقق **الحها الجيوسياسية ، ويوغوسلافيا أنموذج قريب ، إذ تم فيه القضاء على صحوة للإسلام ناهضة في جنوب شرق أوروبا فكان منع قيام الكيان الإسلامي ، مع تفكيك الكيان السلافي ذي الطابع الأرثوذكسي ، ولو بالنظر في نواة الاتحاد اليوغوسلافي الذي ظهرت فيه بلغراد الأرثوذكسية مركزا للاتحاد ، فكان التقسيم على إثنية دينية وعرقية ، وقد أفرز ذلك كيانات هي الأضعف والأفقر في أوروبا ، حتى ولد من رحم اتفاقية دايتون جمهورية ذات ثلاث رءوس ! ، يخالف بعضها بعضا في الدين والعرق ، حتى بلغ الأمر حد الاختلاف في دوري كرة القدم ، فصرب البوسنة لهم دوري يخصهم ، والمسلمون والكروات قد اندمجوا كرويا في دوري واحد ! ، فالرياضة ، مع ما يظهر من سطحية من يتعصب لها إلا أنها مؤشر سياسي في إطار مشروع التطبيع مع الآخر كما يروج في هذه الأيام من التطبيع الرياضي مع كيانات عداوتها جزء من الثقافة العامة ولو بلا خلفية دينية فالخلفية القومية تلعب هي الأخرى دورا في تكوين الهوية العامة ، وقد يمتزج الدين بالقومية في هوية مركبة ، ولذلك كان القضاء عليهما في بلاد كبلاد البلقان شرطا رئيسا في التحاق تلك البلاد بركب العولمة التي لا ترضى بديلا من مبادئها وقيمها التي تقوم عليها اتحاداتها السياسية والتجارية العابرة للحدود فهي ثقافة حطمت حاجز الجغرافيا بما تملك من وسائل اتصال حديثة ، وهدفها الآن أن تحطم حاجز التاريخ الذي يمثل البعد الثقافي ، فهي حضارة جغرافيا واسعة استغرقت من الأرض ما به بشرت النبوة ولا زال في البشرى بقية ، لا سيما تاريخ حضارة تستند إلى الوحي فهي الحضارة الوحيدة التي تملك البديل الحضاري ، وهي الحضارة الوحيدة التي تملك آليات الممانعة الحقيقية لا الممانعة ال**طنعة ذات العبارات المبتذلة التي ظهر زيفها بعد نازلة الشام الأخيرة وهي ، أيضا ، مثال حاضر على سياسة التفتيت الفكري والسياسي الَّتِي تمارسها العولمة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية الجديدة وفق معطياتها الفكرية فهي تطرح البديل حكومةً علمانيةً تستبعد كل القوى المتطرفة فَلَا مكان إلا لقوى الاعتدال التي تقبل الاندماج في طرحها الحضاري الفضفاض ، وغرضها الرئيس التفتيت والسحق قبل التركيب والجمع على وجه يواطئ منظومة القيم العلمانية ، فلا بد من قسوة في هدم الكيانات العتيقة قبل الشروع في بناء جديد ، فيشبه ، من وجه ، ما تمارسه الأكاديميات العسكرية إذ تسعى في هدم شخصية الطالب بممارسة ضروب من القسوة والشدة ، حتى يخرج عن مألوفاته التي اعتادها قبل الالتحاق بالسلك العسكري ومن ثم تَتَمُّ إعادة تشكيل هذه الشخصية التي صارت كالمادة الخام فهي تستسلم للصانع الذي يعيد تشكيلها وفق الأنموذج الذي يراه ، فكما تطوع النفوس بضروب القسوة ، تروض الدول بالحروب فليست في نفسها غاية وإنما هي وسيلة إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية على وجه يواطئ مبادئ المنتصر وقيمه فهو الذي يرسم خارطة الطريق طوعا أو كرها تماما كما رسمتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية فترجمتهما في إعلان مبادئ الأمم المتحدة ، فهذه المنظومة الأخلاقية العالمية تروم القضاء على أي مرجع ولو كان الوحي المنزل ، فتسعى في إضعاف أي اتحاد يخالفها في مرجعيتها الفكرية ، مرجعية العولمة ذات الطابع الليبرالي المستبد الذي يروم فرض قيمه على جميع أنحاء المعمورة فلا بد من القضاء على أية قيم بديلة ، دينية كانت أو قومية ، ولا بد من إضعاف أي اتحاد أو تهميشه وإعادة التركيب بعد الفك على قيم حضارية علمانية لا ينفك القوم يصرحون بها في تعاطيهم مع نازلة بلاد الشام ، كما تقدم ، فهي استنساخ شبه كامل لآليات التعاطي مع الملف البوسنوي ، فلن تلتحق البوسنة بالاتحاد الأوروبي إلا بعد أن تعيد تعريف هويتها بما يوافق قيم الاتحاد الأوروبي ذي الطابع العلماني ، وذي الآليات السياسية والاقتصادية الليبرالية ، ولن تنتهي الحرب في بلاد الشام إلا أن يوافق أهلها على الحل المطروح والذي يؤكد دوما على الهوية العلمانية وذلك ما حمل أحد المستشرقين الفرنسيين أن يَنْتَقِدَ طريقة أوروبا في التعاطي مع الشرق المسلم إذ لا ينفك يصطدم بالإرث الحضاري للشرق فلا يَزْدَادُ الشرق إلا ممانعة لما يصادم قيمه الفكرية والدينية . فتم القضاء على ما اصطلح بتسميته الفائض الحضاري في جنوب شرق أوروبا أفكارا وأعدادا ! ، فتم القضاء على الفائض الحضاري الفكري ، اليوغوسلافي ذي الإرث الشيوعي الذي رسخه تيتو ، والصربي الأرثوذكسي ، والسلافي العرقي ، فضلا عن الفائض الأخطر وهو فائض الإسلام العدو الزاحف من الجنوب ، إما من جنوب أوروبا ، أو من جنوب المتوسط . وفي توكيد لعالمية الهوية الإسلامية الجامعة في مقابل عالمية الهوية الليبرالية ينوه بعض المفكرين بأصالة العرق البوشناقي البوسنوي كعرق أوروبي أصيل لم يفد على القارة الأوروبية التي تَرُوم تعميم الحكم ، فتصف الإسلام بأنه وافد مهاجر من الجنوب لا أصالة له في أرض القارة العجوز ، فهو طرح محلي كسائر الحضارات الأرضية وهو ما أكدته الكاثوليكية في حوارها المزعوم مع الآخر ، *** ترض أن تقر أن الإسلام دين سماوي فلا يعدو أن يكون منظومة قيم أرضية ذات طابع محلي ، كالقيم الفارسية أو الهندية أو البوذية القديمة ، فإن منح الإسلام مقعدا في جمعية الديانات فليس له حظ من الرسالات ، إذ خرج من الأرض ولم ينزل من السماء . والغرب لا ينفك يَرُومُ انْتِزَاعَ الريادة الفكرية من الشرق عموما ومن الإسلام خصوصا في مخاصمة تقدح في قواطع التاريخ التي تشهد أن الشرق مهد الروح ، الروح الدينية التي تستند إلى الوحي ، بل والروح الفلسفية والروح الصوفية ، فآسيا هي مركز الثقل الروحي والذي يمثل عند أتباع الدين الخاتم : النبوات المرجع الذي لا يقبل القسمة مع غَيْرِهِ من **ادر المعرفة الدينية ، وإن قَبِلَ التَّعَايُشَ على قاعدة : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، لا على أساس من الميوعة التي تكسر الزوايا الحادة بين الحضارات بدمجها في حضارة واحدة هي الحضارة الإنسانية ذات الثقافات المتعددة ، وذلك مَا قَدْ يُفْضِي إلى كسر الحواجز التي أقامها الوحي احتراز أن يُنَالَ من جناب التوحيد ، فهو عند التدبر والنظر ، المرجع الوحيد الذي يجمع البشرية كلها دون تَفَاضُلٍ على أساس عِرْقِيٍّ أو لساني ، فإن كل حضارة أخرى تستند إلى قيم أرضية وإن كان للدين فيها دور فهو دور الداعم لا الحاكم . والحضارة أن يكون ثم تعايش لا تمايع فيطرح بعض المفكرين نظرية : هل نعيش مع بعض ، أو بجوار بعض ، ومن اختار الجوار بمعنى الانعزال هو ذلك الآخر الذي يروم الآن عزل المجتمع عزلا صحيا عن جرثومة الإسلام المعدية فتزدهر في هذه الآونة الحركات المناهضة للهجرة وهي حصريا ضد هجرة المسلمين حتى بلغ الأمر أن صرحت بعض دول أوروبا أنها لا تقبل إلا المهاجرين من نصارى الشرق فقط ، وهكذا فلتكن العلمانية المتنورة ! . والمعية كما يقول أهل اللسان لا تستوجب الامتزاج على وجه يعسر فيه الفصل فيكون التداخل الذي يفقد كلاًّ خصائصه الذاتية فذلك أمر يؤذن بمسخ الهوية . والحضارة ليست أحجارا ، وإنما أشخاص درجوا في مهاد الفضيلة ، فليست الحضارىة ناطحات سحاب ولكنها تصور صحيح في باب المعرفة وحكم صحيح في السلم والحرب تستند إلى وحي يستعمل العدل مع خصومه ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) . ومن الحب ، كما تقدم أول الكلام ، ما يكون شوقا ولعبا ، ومنه ما يزيد فيكون غلوا ، والسلامة في الاقتصاد في الحكم إن بالمدح أو بالذم ، ومنه ما يقتل ! ، والسلامة في العفة التي تعم جميع موارد التصور وا*** ، فيعف أن يعتنق الحرام من الشرك أو البدعة ، ويعف أن يلفظ الحرام أو يفعله أو يطعمه .... إلخ . والله أعلى وأعلم . |
| الساعة الآن 05:14 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir