rss
08-02-2014, 12:41 AM
إذا ساءَ فِعْلُ المرءِ...
غادر المتنبي حلب ، وقد سعى رجال أبي فراس وأبي العشائر بينه وبين أمير حلب ، ودسوا له غلماناً رموه بسهامهم التي أخطأته ، وهم يصيحون : خذها ونحن غلمان أبي العشائر ، فطاشت نبالهم وأخطأته . وساءت الحال بينه وبين أميره الحمداني ، وكانت مرارة تملأ الأفواه . ووصل المتنبي إلى **ر وبالغ كافور في إكرامه ، لكن قلبه ظلّ في حلب ، كما بدا من مقدمة قصيدته التي مدح بها الوصي على عرش الإخشيد في **ر ، قال :
فراقٌ ، ومَن فارقتُ غير مذمم=وأمُّ ، ومَن يمّمتُ خيرُ مُيمّمِ
ولعل مناط الأمر في هذه القصيدة قوله :
إذا ساءَ فِعْلُ المرءِ ساءت ظنونُهُ=وصَدّقَ ما يعتادُهُ من توَهُّمِ
و معنى البيت " إذا كان فعل المرء سيئاً قبيحاً ، ساء ظنُّه بالناس لسوء ما انطوى عليه ، وإذا توهّمَ في أحدٍ ريبة أسرع إلى تصديق ما توهمه لما يجد في نفسه . وعبارة الواحدي : المسيء يسيء الظن لأنّه لا يأمن من أساء إليه ، وما يخطر بقلبه من التوهم على إساءة غيره يصدق ذلك ، فكلما سمع عن شخص كلام سوء يظنه فيه لسوء وهمه وفعله " (1) .
هم يتوهمون أنك إن اقتربت منهم ، فإنما لإربة منك فيهم ، ولا يدركون أنك تريد أن ترتفع بهم إلى حيث أنت لترقى بهم ، فلا يفقدون شخوصهم ، ولا تفقد شخصك. أو قل هي أناهم المتورمة التي تجعلهم يظنون أنفسهم محور الكون .
واليوم بعد نحو أحد عشر قرناً ما زال بين ظهراني الناس كثير من هؤلاء الذين اعتادوا سوء الظن بالناس بسبب سوء طويتهم ، ونكارة فعلهم ، فتجدهم يتبعون وهمهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ". .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه شرح الواحدي ، وشرح البرقوقي : 4 : 263 - 264 .
,
,
غادر المتنبي حلب ، وقد سعى رجال أبي فراس وأبي العشائر بينه وبين أمير حلب ، ودسوا له غلماناً رموه بسهامهم التي أخطأته ، وهم يصيحون : خذها ونحن غلمان أبي العشائر ، فطاشت نبالهم وأخطأته . وساءت الحال بينه وبين أميره الحمداني ، وكانت مرارة تملأ الأفواه . ووصل المتنبي إلى **ر وبالغ كافور في إكرامه ، لكن قلبه ظلّ في حلب ، كما بدا من مقدمة قصيدته التي مدح بها الوصي على عرش الإخشيد في **ر ، قال :
فراقٌ ، ومَن فارقتُ غير مذمم=وأمُّ ، ومَن يمّمتُ خيرُ مُيمّمِ
ولعل مناط الأمر في هذه القصيدة قوله :
إذا ساءَ فِعْلُ المرءِ ساءت ظنونُهُ=وصَدّقَ ما يعتادُهُ من توَهُّمِ
و معنى البيت " إذا كان فعل المرء سيئاً قبيحاً ، ساء ظنُّه بالناس لسوء ما انطوى عليه ، وإذا توهّمَ في أحدٍ ريبة أسرع إلى تصديق ما توهمه لما يجد في نفسه . وعبارة الواحدي : المسيء يسيء الظن لأنّه لا يأمن من أساء إليه ، وما يخطر بقلبه من التوهم على إساءة غيره يصدق ذلك ، فكلما سمع عن شخص كلام سوء يظنه فيه لسوء وهمه وفعله " (1) .
هم يتوهمون أنك إن اقتربت منهم ، فإنما لإربة منك فيهم ، ولا يدركون أنك تريد أن ترتفع بهم إلى حيث أنت لترقى بهم ، فلا يفقدون شخوصهم ، ولا تفقد شخصك. أو قل هي أناهم المتورمة التي تجعلهم يظنون أنفسهم محور الكون .
واليوم بعد نحو أحد عشر قرناً ما زال بين ظهراني الناس كثير من هؤلاء الذين اعتادوا سوء الظن بالناس بسبب سوء طويتهم ، ونكارة فعلهم ، فتجدهم يتبعون وهمهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ". .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه شرح الواحدي ، وشرح البرقوقي : 4 : 263 - 264 .
,
,